مشهد سياسي جديد في تونس على طريق الانتخابات

بعد 6 أشهر من القطيعة بين قايد السبسي و«النهضة»

مشهد سياسي جديد في تونس على طريق الانتخابات
TT

مشهد سياسي جديد في تونس على طريق الانتخابات

مشهد سياسي جديد في تونس على طريق الانتخابات

حسم الإعلان عن المواعيد الرسمية للانتخابات البرلمانية والرئاسية التونسية، المقرّرة الخريف المقبل، خلافاً معقّداً بين أبرز صُنّاع القرار في تونس، وذلك بعد اتهامات متبادلة بدفع البلاد نحو الاضطرابات والتوتر، بهدف منع تنظيم هذه الانتخابات أو تأجيلها. إذ كشف نبيل بافون، رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، عن أنه تقرر رسمياً أن تنظم الانتخابات البرلمانية يوم 6 أكتوبر (تشرين الأول)، والدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية يوم 7 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبلين، على أن تنظّم الدورة الثانية بعد شهر. والمخطط له انطلاق الأطوار التمهيدية للانتخابات في يوليو (تموز) المقبل.
حصل هذا التطور بعد أيام من لقاء بين رئيسي حزب «نداء تونس»، حافظ قائد السبسي (ابن رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي)، وحزب «حركة النهضة»، راشد الغنوشي. وكان هذا اللقاء الأول من نوعه منذ 6 أشهر، أي منذ إعلان الرئيس التونسي وحزبه «نداء تونس» القطيعة مع «حركة النهضة»، وتوجيهه اتهامات سياسية وأمنية خطيرة إليها، ما دفعها إلى الدخول في تحالف استراتيجي مع خصومه، بزعامة رئيس الحكومة يوسف الشاهد. فإلى أين تسير تونس على ضوء آخر المستجدات؟
تسيطر أجواء حذر شديد على تونس هذه الآونة، على الرغم من الانفراج الذي أحدثه الإعلان عن روزنامة الانتخابات مُفصَّلة من قبل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، في أعقاب مشاورات شملت رؤساء الجمهورية والحكومة والبرلمان والأطراف السياسية. ولقد توالت تعليقات الإعلاميين وتصريحات السياسيين حول قرب خروج البلاد من النفق بعد التوافق على تاريخ الانتخابات، وبروز مؤشرات إغلاق صفحة القطيعة السياسية بين رئاسة الجمهورية وخصومها بزعامة رئيس الحكومة وقيادة «حركة النهضة»، إلا أن السؤال المطروح هو: إلى أي حد سيكون التفاؤل مبرراً... بينما تونس مهدّدة باستفحال الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية إذا ما تعقدت الأوضاع في «الجارة الغربية» الجزائر، وتواصلت الحرب في «الجارة الشرقية» ليبيا؟

ترحيب من جانب واحد
بين ما شدّ الأنظار أن الإعلان الرسمي عن الاجتماع الأول بين حافظ قائد السبسي وراشد الغنوشي صدر في وسائل الإعلام وفي المواقع الرسمية لـ«حركة النهضة» ورئيسها... وليس في المواقع الرسمية لـ«نداء تونس» وزعمائه، ثم إنه صدر الترحيب باستئناف الحوار بعد 6 أشهر من القطيعة والتوتر عن عدد قليل من قيادات «نداء تونس» مقابل ترحيب كبير به من قبل كثرة من قيادات «النهضة»، فبدا وكأن الترحيب الرسمي من جانب واحد.
هذا، وكشفت مصادر من «حركة النهضة» أن اللقاء جرى في بيت الغنوشي بضاحية «رياض الأندلس» العاصمية، وهو ما فُهم على أنه «رسالة حسن نية» من الرئيس قائد السبسي وابنه، وإغلاقاً لصفحة التوتر بين رئيسي الحزبين التي انطلقت بمناوشة كلامية في المكان نفسه قبل نحو 9 أشهر. وفيما يخصّ الترحيب، فإنه صدر (كما سبقت الإشارة) عن عدد صغير من قياديي «النداء»، بينهم الوزير السابق خالد شوكات ورؤوف الخماسي رجل الأعمال وصديق الرئيس التونسي منذ عقود.
وقال الخماسي في تدوينة على موقع «فيسبوك» إنه ضد «القطيعة التي لن تخدم إلا أعداء الخيار الديمقراطي». وانتقد شوكات الساسة الذين اتهمهم بـ«الاستثمار في القطيعة والعداء والصدام» عوض المراهنة مجدداً على سياسة التوافق بين قيادات الأحزاب الوطنية الكبرى وعلى رأسها «النداء» و«النهضة». كذلك رحّب محمد الغرياني، نائب رئيس حزب «المبادرة الدستورية» والأمين العام السابق للحزب الحاكم قبل 2011، بعودة الحوار بين «النهضة» و«النداء» والدستوريين.

اتهامات ومعارك آيديولوجية
في المقابل، تابع قياديون بارزون في «نداء تونس»، بينهم الوزير المستشار ناجي جلول، والمنسّق العام للجنة إعداد المؤتمر بوجمعة الرميلي، والبرلماني عبد العزيز القطي، انتقاداتهم اللاذعة لقيادة «حركة النهضة»، فحمّلوها مسؤولية الفشل السياسي والاقتصادي خلال السنوات الماضية. ورأى البعض في هذه الاتهامات والانتقادات أن الحملة الانتخابية السابقة لأوانها ستتواصل تحت يافطات آيديولوجية وشعبوية، وليس حول برامج سياسية ومشاريع لإصلاح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، على حد تعبير نور الدين العرباوي عالم الاجتماع ورئيس المكتب السياسي لـ«حركة النهضة». بل، واتهم العرباوي مَن وصفهم بـ«الاستئصاليين» في المعارضة وفي أحزاب أقصى اليسار «بافتعال معارك آيديولوجية وملفات أمنية، من بينها اتهام النهضة بامتلاك جهاز سرّي يتجسّس على الدولة والمعارضين». وأضاف: «خرافة الجهاز السرّي هي البرنامج الانتخابي للجبهة الشعبية لهذه السنة، ونحن مطمئنون، لأنها ستكون حملة انتخابية فاشلة».

عودة للمربع الأول
لكن هل يمكن أن يُسهِم استئناف الحوار بين «النهضة» و«النداء» في خطوة نحو تغيير تكتيكي تقوم به رئاسة الجمهورية وقيادة «النهضة» من أجل تغيير المشهد السياسي وإضعاف القطب المنافس الذي صعد بسرعة ويتزعمه اليوم رئيس الحكومة يوسف الشاهد والوزير السابق سليم العزابي؟ وهل يؤدي تطبيع العلاقات بين قصر قرطاج وقيادة أكبر القوى الإسلامية إلى إعادة خلط الأوراق سياسياً بما يحرم الشاهد من البقاء في الحكم حتى موعد انتخابات أكتوبر المقبل؟ وهل يتوافق السبسي مجدداً مع زعامة «النهضة» إلى درجة التنسيق معها لإسقاط حكومة الشاهد في البرلمان، وتعويضها بحكومة تكنوقراط مستقلة، ومن ثم، منعها من توظيف وجودها في مؤسسات الدولة انتخابياً؟ أم أن الأمر يتعلّق الآن بمجرد مقابلة سياسية لم تتطور إلى مسار مفاوضات ومشاورات وقرارات مشتركة تؤثر في مصير حكومة الشاهد وحزبه؟
هذه أسئلة مهمة تنتظر أجوبة وتوضيحات.

حكومة تكنوقراط؟
عماد الخميري الناطق الرسمي باسم «حركة النهضة» ذكر أن لقاء الغنوشي بحافظ قائد السبسي جاء «ضمن ظرف دقيق تمر به البلاد، وفي سياق وضع البلاد على سكّة إنجاح انتقالها الديمقراطي». ورداً على سؤال حول فحوى اللقاء، وما إذا كان شمل مطلب «النداء» وبعض الأطراف المعارضة (بينها الجبهة الشعبية) حول تشكيل حكومة تكنوقراط جديدة تشرف على الدولة في مرحلة انتخابات لضمان حياديتها، قال الخميري باقتضاب إن اللقاء بحث «الأوضاع السياسية العامة بالبلاد»، دون تقديم تفاصيل حول مشاورات تعديل الحكومة.
للعلم، كان الغنوشي وبعض المقربين منه، بينهم رئيس الحكومة السابق علي العريّض، والوزير السابق لطفي زيتون، أدلوا أخيراً بتصريحات أوحت بوجود مشاورات بين الأطراف السياسية حول مقترح تغيير رئيس الحكومة الحالي، الذي أصبح مدعوماً بحزب «تحيا تونس»، وتعويضه بشخصية مستقلة ليست طرفاً في السباق الانتخابي المقبل. وفهم كثيرون أن التصريحات تعبّر عن تخوفات في أوساط عدة مِن «تغوُّل حزب تحيا تونس» في المشهد السياسي الجديد، في حال فوزه بالرئاسة وبالغالبية البرلمانية في آن معاً. لكنّ حافظ قائد السبسي عقّب على تصريحات قيادة «النهضة» بالقول: «نحن ننتظر إصدار بيان رسمي من الحركة حول هذا الموقف، وبعدها يمكن أن نبحث فرضية التحرك المشترك في البرلمان من أجل سحب الثقة عن الحكومة الحالية».
كذلك، عندما عقد اللقاء، توقع سياسيون أن تكون القيادتان قد تبادلتا رسائل تضمنت اتفاقاً سرياً مبدئياً حول بعض القضايا، بينها مستقبل الحكومة، ووقف الحملات الإعلامية المتبادلة. لكن صمت رئاسة الجمهورية وقيادة «النداء» قد يوحي بأنه لم يجرِ التوصُّل إلى أي اتفاق يهم القضايا الكبرى ومنها التعديل الحكومي.
وذهب سمير الطيب، الوزير اليساري والأمين العام لحزب المسار الشيوعي سابقاً، أبعد من ذلك، إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تغيير الحكومة الحالية «أصبح غير ممكن اليوم دستورياً وقانونياً وسياسياً لأن الحملات الانتخابية السابقة لأوانها انطلقت منذ مدة والعملية الانتخابية ستنطلق بعد 4 أشهر». ورجّح الطيب مواصلة الحكومة ممارسة مهماتها في ظروف عادية. ومن اليسار أيضاً، اعتبر الحقوقي والمعارض السابق شوقي قداس أنه «لا خوف على مصداقية الانتخابات رغم عدم تغيير الحكومة، لأن الهيئة العليا المستقلة للانتخابات هي التي تتولى الإشراف المباشر على العملية الانتخابية بكل مراحلها، وليس الحكومة».

فرص حزب الشاهد
في هذه الأثناء، حصل أنصار يوسف الشاهد على تأشيرة قانونية لمطلب الحزب الجديد الذي أسسه عدد من كبار كوادر الدولة والمنشقّين عن «نداء تونس» بزعامة سليم العزابي، مدير مكتب رئيس الجمهورية حتى أكتوبر الماضي. وتكشف تصريحات المنسّق العام لهذا الحزب وبعض المقرّبين من رئيس الحكومة يوسف الشاهد ثقة كبيرة في النفس، وفي كون الغالبية الساحقة من كوادر «النداء» والأحزاب العلمانية واليسارية والليبرالية تناصر المشروع السياسي والحزبي الجديد وستلتحق به قبل الانتخابات المقبلة. بل، وتتوقع البرلمانية ليلى الشتاوي أن يفوز الحزب بالغالبية في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة، ويغدو الحزب الحاكم الجديد، مرجحةً نهاية «النداء» بعد انشقاق كثير من كوادره.
ونفى الوزير إياد الدهماني، الناطق الرسمي باسم الحكومة، أن يكون الشاهد انخرط في هذا الحزب أو وظفه خدمة لأجندات انتخابية أو سياسية خاصة. وتحدى معارضيه قائلاً: «من كانت لديه إثباتات حول توظيف هذا الحزب إمكانيات الدولة عليه أن يرفع الأمر إلى القضاء». لكن تطمينات الناطق الرسمي باسم الحكومة لم توقف حملة الانتقادات للحزب ولرئاسة الحكومة، بحجة وجود عدد من الوزراء والولاة وكبار كوادر الدولة والموظفين ضمن طاقمه وطنياً وجهوياً.
أما العزابي، فعلّق على حملة معارضي حزبه بالتذكير بأن «القانون والدستور لا يمنعان رئيس الحكومة والوزراء والموظفين بالانتماء إلى حزبنا مثلما لم يمنعهم من الانتماء إلى أحزاب أخرى تشارك في حكومة الوحدة الوطنية الحالية، مثل (النداء) و(النهضة) و(المسار) و(مشروع تونس)».
ونفى العزابي رداً على سؤال «الشرق الأوسط» خلال مؤتمر صحافي: «حزبنا يريد تطوير المشهد السياسي ودعم سياسات الإصلاح والبناء التي بدأها رئيس الحكومة يوسف الشاهد، وبينها محاربة الفساد. ونحن لسنا حزباً ضدّ طرف معين، بل حزب له مشروع تغيير وإنجاز منفتح على الشباب وعلى كل الطاقات الوطنية».

البكوش وسعيد والجبالي
وتتعاقب المفاجآت وفرضيات تغيير المشهد السياسي التونسي بعد دخول لاعبين سياسيين من الحجم الكبير على الخط، وإعلانهم اعتزامهم المشاركة في السباق الانتخابي والسياسي نحو قصر قرطاج والبرلمان. ويتصدر هؤلاء عدد من المسؤولين السابقين في الدولة، بينهم رئيسا الحكومة السابقان، حمادي الجبالي الأمين العام المستقيل من «حركة النهضة» ورئيس أول حكومة 2012 مطلع 2013، والمهدي جمعة رئيس حكومة التكنوقراط المستقل عام 2014.
كذلك، دخل على الخط الأمين العام لاتحاد دول المغرب العربي والوزير السابق للخارجية والأمين العام السابق لـ«نداء تونس» الطيب البكوش. وكان البكوش قد أعلن عزمه خوض الانتخابات المقبلة وتأسيس حزب يحمل تسمية «من أجل تونس»، ويُذكر أنه كان من بين زعماء الحركة النقابية إبان عهد الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، ثم تولى مهمات حقوقية عربية ودولية، من بينها رئاسة المعهد العربي لحقوق الإنسان. ومن المقرّر أن ينسحب البكوش في يونيو (حزيران) من مهماته الدبلوماسية ليتفرغ لمشواره السياسي والانتخابي.
والتحق بقافلة المرشحين سليم الرياحي، الرئيس السابق للنادي الأفريقي وللحزب الوطني الحر، إذ أعلن من منفاه الاختياري في أوروبا نيته رغم استقالته من الأمانة العامة لـ«نداء تونس». وفي الوقت عينه، كشفت استطلاعات الٍرأي تزايد شعبية شخصيات مستقلّة وحزبية من خارج التيارات الإسلامية والدستورية واليسار التقليدي، منها الأكاديمي وخبير القانون الدستوري قيس سعيد، والوزير والحقوقي السابق محمد عبو زعيم حزب التيار الديمقراطي.

قادة تيار الغاضبين
في سياق متصل، ثمة مسائل تشغل معظم السياسيين المعنيين بتشكل المشهد السياسي المستقبلي مثل: مَن سينجح في تشكيل القوة التي تكسب ثقة غالبية التونسيين الغاضبين من أداء كل الحكومات السابقة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وأمنياً؟ وبمَن سيكسب ثقة التيار المعارض لكل الأحزاب التي خرجت من رحم التجمع الدستوري الديمقراطي، الحزب الحاكم قبل يناير (كانون الثاني) 2011؟ ثم، مَن سيكون مرشح التيار الشعبي الموالي لمبادئ الثورة «ضد الذين انقلبوا عليها»، حسب تعبير الرئيس السابق المنصف المرزوقي، ورئيس الحكومة الأسبق حمادي الجبالي، وبعض زعماء المعارضة، مثل المحامي عبد الرؤوف العيادي رئيس حزب «وفاء»؟
الأيام الماضية حملت مفاجأة تمثلت في تنظيم أول تحرك سياسي علني حضره «الرؤساء الثلاثة في حكومة الترويكا»، أي مصطفى بن جعفر والمنصف المرزوقي وعلي العريّض. وحضر المظاهرة مع الجمهور راشد الغنوشي وأمين عام حزب «التكتل» الوزير السابق والنقابي خليل زاوية وعدد من الحقوقيين والنشطاء السياسيين. وفهم المراقبون من هذا التحرك الأول من نوعه منذ خمس سنوات تلويحاً من قبل «رفاق الأمس» بالدخول في تحالفات سياسية جديدة رداً على الأزمة مع «نداء تونس» ومع رئاسة الجمهورية وبعض الأحزاب الدستورية.

خطاب 20 مارس
ختاماً، أعلن فراس قفراش، المستشار الإعلامي في رئاسة الجمهورية، أن الرئيس قائد السبسي قرر عدم الإدلاء بتصريحات صحافية في هذه المرحلة، مع أنه من المقرر أن يخاطب الشعب مباشرة بمناسبة اليوم الوطني يوم 20 مارس (آذار) الحالي. ويتوقع المراقبون أن يوضح الرئيس بالمناسبة موقفه من عدة ملفات، من بينها إشاعة ترشحه لدورة رئاسية جديدة، ومستقبل حزبه الذي يعتبر كثيرون أنه الأوفر حظاً بالفوز في انتخابات الخريف، إذا انسحب نجل الرئيس إلى الصف الثاني في القيادة. وسينتظر التونسيون بالمناسبة توضيح المستجدات في علاقة رئاسة الجمهورية بـ«حلفاء الأمس»، وبينهم قادة «حركة النهضة»، وابنه الروحي يوسف الشاهد الذي تمرّد عليه مع نخبة من كوادر الحزب والدولة ليؤسسوا مشروعهم السياسي الجديد.

روزنامة الانتخابات البرلمانية والرئاسية
كشف نبيل بافون رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات التونسية عن المواعيد الرسمية للعملية الانتخابية التشريعية (البرلمانية) المقبلة كما يلي:
- تقديم الترشيحات للانتخابات التشريعية ينطلق يوم 22 يوليو، ويتواصل إلى يوم 29 يوليو.
- الهيئة تُعلِن عن القائمة الأولية للمترشحين يوم 6 أغسطس (آب)، وعن القائمة النهائية في 31 أغسطس كأقصى تقدير.
- الحملة الانتخابية بالنسبة للانتخابات التشريعية تنطلق يوم 14 سبتمبر (أيلول)، وتنتهي يوم 4 أكتوبر.
- يوم 5 أكتوبر سيكون يوم الصمت الانتخابي، ويوم 6 أكتوبر هو يوم الانتخاب.
- أقصى تاريخ إصدار دعوة الناخبين من قبل رئيس الجمهورية هو يوم 7 يوليو 2019.
- تقديم الترشيحات للانتخابات الرئاسية ينطلق يوم 27 أغسطس، ويغلق باب الترشيحات يوم 3 سبتمبر.
- الهيئة ستقدم، على أقصى تقدير، القائمة النهائية للمترشحين للانتخابات الرئاسية يوم 10 أكتوبر.
- الحملة الانتخابية للرئاسية تبدأ يوم 19 أكتوبر، وتنتهي يوم 8 نوفمبر.
- الإعلان عن النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية يوم 14 نوفمبر.
- موعد الدورة الثانية في كل الحالات لن يتجاوز 29 ديسمبر (كانون الأول).
- الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية سيكون يوم 13 نوفمبر على أقصى تقدير.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.