مشهد سياسي جديد في تونس على طريق الانتخابات

بعد 6 أشهر من القطيعة بين قايد السبسي و«النهضة»

مشهد سياسي جديد في تونس على طريق الانتخابات
TT

مشهد سياسي جديد في تونس على طريق الانتخابات

مشهد سياسي جديد في تونس على طريق الانتخابات

حسم الإعلان عن المواعيد الرسمية للانتخابات البرلمانية والرئاسية التونسية، المقرّرة الخريف المقبل، خلافاً معقّداً بين أبرز صُنّاع القرار في تونس، وذلك بعد اتهامات متبادلة بدفع البلاد نحو الاضطرابات والتوتر، بهدف منع تنظيم هذه الانتخابات أو تأجيلها. إذ كشف نبيل بافون، رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، عن أنه تقرر رسمياً أن تنظم الانتخابات البرلمانية يوم 6 أكتوبر (تشرين الأول)، والدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية يوم 7 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبلين، على أن تنظّم الدورة الثانية بعد شهر. والمخطط له انطلاق الأطوار التمهيدية للانتخابات في يوليو (تموز) المقبل.
حصل هذا التطور بعد أيام من لقاء بين رئيسي حزب «نداء تونس»، حافظ قائد السبسي (ابن رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي)، وحزب «حركة النهضة»، راشد الغنوشي. وكان هذا اللقاء الأول من نوعه منذ 6 أشهر، أي منذ إعلان الرئيس التونسي وحزبه «نداء تونس» القطيعة مع «حركة النهضة»، وتوجيهه اتهامات سياسية وأمنية خطيرة إليها، ما دفعها إلى الدخول في تحالف استراتيجي مع خصومه، بزعامة رئيس الحكومة يوسف الشاهد. فإلى أين تسير تونس على ضوء آخر المستجدات؟
تسيطر أجواء حذر شديد على تونس هذه الآونة، على الرغم من الانفراج الذي أحدثه الإعلان عن روزنامة الانتخابات مُفصَّلة من قبل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، في أعقاب مشاورات شملت رؤساء الجمهورية والحكومة والبرلمان والأطراف السياسية. ولقد توالت تعليقات الإعلاميين وتصريحات السياسيين حول قرب خروج البلاد من النفق بعد التوافق على تاريخ الانتخابات، وبروز مؤشرات إغلاق صفحة القطيعة السياسية بين رئاسة الجمهورية وخصومها بزعامة رئيس الحكومة وقيادة «حركة النهضة»، إلا أن السؤال المطروح هو: إلى أي حد سيكون التفاؤل مبرراً... بينما تونس مهدّدة باستفحال الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية إذا ما تعقدت الأوضاع في «الجارة الغربية» الجزائر، وتواصلت الحرب في «الجارة الشرقية» ليبيا؟

ترحيب من جانب واحد
بين ما شدّ الأنظار أن الإعلان الرسمي عن الاجتماع الأول بين حافظ قائد السبسي وراشد الغنوشي صدر في وسائل الإعلام وفي المواقع الرسمية لـ«حركة النهضة» ورئيسها... وليس في المواقع الرسمية لـ«نداء تونس» وزعمائه، ثم إنه صدر الترحيب باستئناف الحوار بعد 6 أشهر من القطيعة والتوتر عن عدد قليل من قيادات «نداء تونس» مقابل ترحيب كبير به من قبل كثرة من قيادات «النهضة»، فبدا وكأن الترحيب الرسمي من جانب واحد.
هذا، وكشفت مصادر من «حركة النهضة» أن اللقاء جرى في بيت الغنوشي بضاحية «رياض الأندلس» العاصمية، وهو ما فُهم على أنه «رسالة حسن نية» من الرئيس قائد السبسي وابنه، وإغلاقاً لصفحة التوتر بين رئيسي الحزبين التي انطلقت بمناوشة كلامية في المكان نفسه قبل نحو 9 أشهر. وفيما يخصّ الترحيب، فإنه صدر (كما سبقت الإشارة) عن عدد صغير من قياديي «النداء»، بينهم الوزير السابق خالد شوكات ورؤوف الخماسي رجل الأعمال وصديق الرئيس التونسي منذ عقود.
وقال الخماسي في تدوينة على موقع «فيسبوك» إنه ضد «القطيعة التي لن تخدم إلا أعداء الخيار الديمقراطي». وانتقد شوكات الساسة الذين اتهمهم بـ«الاستثمار في القطيعة والعداء والصدام» عوض المراهنة مجدداً على سياسة التوافق بين قيادات الأحزاب الوطنية الكبرى وعلى رأسها «النداء» و«النهضة». كذلك رحّب محمد الغرياني، نائب رئيس حزب «المبادرة الدستورية» والأمين العام السابق للحزب الحاكم قبل 2011، بعودة الحوار بين «النهضة» و«النداء» والدستوريين.

اتهامات ومعارك آيديولوجية
في المقابل، تابع قياديون بارزون في «نداء تونس»، بينهم الوزير المستشار ناجي جلول، والمنسّق العام للجنة إعداد المؤتمر بوجمعة الرميلي، والبرلماني عبد العزيز القطي، انتقاداتهم اللاذعة لقيادة «حركة النهضة»، فحمّلوها مسؤولية الفشل السياسي والاقتصادي خلال السنوات الماضية. ورأى البعض في هذه الاتهامات والانتقادات أن الحملة الانتخابية السابقة لأوانها ستتواصل تحت يافطات آيديولوجية وشعبوية، وليس حول برامج سياسية ومشاريع لإصلاح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، على حد تعبير نور الدين العرباوي عالم الاجتماع ورئيس المكتب السياسي لـ«حركة النهضة». بل، واتهم العرباوي مَن وصفهم بـ«الاستئصاليين» في المعارضة وفي أحزاب أقصى اليسار «بافتعال معارك آيديولوجية وملفات أمنية، من بينها اتهام النهضة بامتلاك جهاز سرّي يتجسّس على الدولة والمعارضين». وأضاف: «خرافة الجهاز السرّي هي البرنامج الانتخابي للجبهة الشعبية لهذه السنة، ونحن مطمئنون، لأنها ستكون حملة انتخابية فاشلة».

عودة للمربع الأول
لكن هل يمكن أن يُسهِم استئناف الحوار بين «النهضة» و«النداء» في خطوة نحو تغيير تكتيكي تقوم به رئاسة الجمهورية وقيادة «النهضة» من أجل تغيير المشهد السياسي وإضعاف القطب المنافس الذي صعد بسرعة ويتزعمه اليوم رئيس الحكومة يوسف الشاهد والوزير السابق سليم العزابي؟ وهل يؤدي تطبيع العلاقات بين قصر قرطاج وقيادة أكبر القوى الإسلامية إلى إعادة خلط الأوراق سياسياً بما يحرم الشاهد من البقاء في الحكم حتى موعد انتخابات أكتوبر المقبل؟ وهل يتوافق السبسي مجدداً مع زعامة «النهضة» إلى درجة التنسيق معها لإسقاط حكومة الشاهد في البرلمان، وتعويضها بحكومة تكنوقراط مستقلة، ومن ثم، منعها من توظيف وجودها في مؤسسات الدولة انتخابياً؟ أم أن الأمر يتعلّق الآن بمجرد مقابلة سياسية لم تتطور إلى مسار مفاوضات ومشاورات وقرارات مشتركة تؤثر في مصير حكومة الشاهد وحزبه؟
هذه أسئلة مهمة تنتظر أجوبة وتوضيحات.

حكومة تكنوقراط؟
عماد الخميري الناطق الرسمي باسم «حركة النهضة» ذكر أن لقاء الغنوشي بحافظ قائد السبسي جاء «ضمن ظرف دقيق تمر به البلاد، وفي سياق وضع البلاد على سكّة إنجاح انتقالها الديمقراطي». ورداً على سؤال حول فحوى اللقاء، وما إذا كان شمل مطلب «النداء» وبعض الأطراف المعارضة (بينها الجبهة الشعبية) حول تشكيل حكومة تكنوقراط جديدة تشرف على الدولة في مرحلة انتخابات لضمان حياديتها، قال الخميري باقتضاب إن اللقاء بحث «الأوضاع السياسية العامة بالبلاد»، دون تقديم تفاصيل حول مشاورات تعديل الحكومة.
للعلم، كان الغنوشي وبعض المقربين منه، بينهم رئيس الحكومة السابق علي العريّض، والوزير السابق لطفي زيتون، أدلوا أخيراً بتصريحات أوحت بوجود مشاورات بين الأطراف السياسية حول مقترح تغيير رئيس الحكومة الحالي، الذي أصبح مدعوماً بحزب «تحيا تونس»، وتعويضه بشخصية مستقلة ليست طرفاً في السباق الانتخابي المقبل. وفهم كثيرون أن التصريحات تعبّر عن تخوفات في أوساط عدة مِن «تغوُّل حزب تحيا تونس» في المشهد السياسي الجديد، في حال فوزه بالرئاسة وبالغالبية البرلمانية في آن معاً. لكنّ حافظ قائد السبسي عقّب على تصريحات قيادة «النهضة» بالقول: «نحن ننتظر إصدار بيان رسمي من الحركة حول هذا الموقف، وبعدها يمكن أن نبحث فرضية التحرك المشترك في البرلمان من أجل سحب الثقة عن الحكومة الحالية».
كذلك، عندما عقد اللقاء، توقع سياسيون أن تكون القيادتان قد تبادلتا رسائل تضمنت اتفاقاً سرياً مبدئياً حول بعض القضايا، بينها مستقبل الحكومة، ووقف الحملات الإعلامية المتبادلة. لكن صمت رئاسة الجمهورية وقيادة «النداء» قد يوحي بأنه لم يجرِ التوصُّل إلى أي اتفاق يهم القضايا الكبرى ومنها التعديل الحكومي.
وذهب سمير الطيب، الوزير اليساري والأمين العام لحزب المسار الشيوعي سابقاً، أبعد من ذلك، إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تغيير الحكومة الحالية «أصبح غير ممكن اليوم دستورياً وقانونياً وسياسياً لأن الحملات الانتخابية السابقة لأوانها انطلقت منذ مدة والعملية الانتخابية ستنطلق بعد 4 أشهر». ورجّح الطيب مواصلة الحكومة ممارسة مهماتها في ظروف عادية. ومن اليسار أيضاً، اعتبر الحقوقي والمعارض السابق شوقي قداس أنه «لا خوف على مصداقية الانتخابات رغم عدم تغيير الحكومة، لأن الهيئة العليا المستقلة للانتخابات هي التي تتولى الإشراف المباشر على العملية الانتخابية بكل مراحلها، وليس الحكومة».

فرص حزب الشاهد
في هذه الأثناء، حصل أنصار يوسف الشاهد على تأشيرة قانونية لمطلب الحزب الجديد الذي أسسه عدد من كبار كوادر الدولة والمنشقّين عن «نداء تونس» بزعامة سليم العزابي، مدير مكتب رئيس الجمهورية حتى أكتوبر الماضي. وتكشف تصريحات المنسّق العام لهذا الحزب وبعض المقرّبين من رئيس الحكومة يوسف الشاهد ثقة كبيرة في النفس، وفي كون الغالبية الساحقة من كوادر «النداء» والأحزاب العلمانية واليسارية والليبرالية تناصر المشروع السياسي والحزبي الجديد وستلتحق به قبل الانتخابات المقبلة. بل، وتتوقع البرلمانية ليلى الشتاوي أن يفوز الحزب بالغالبية في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة، ويغدو الحزب الحاكم الجديد، مرجحةً نهاية «النداء» بعد انشقاق كثير من كوادره.
ونفى الوزير إياد الدهماني، الناطق الرسمي باسم الحكومة، أن يكون الشاهد انخرط في هذا الحزب أو وظفه خدمة لأجندات انتخابية أو سياسية خاصة. وتحدى معارضيه قائلاً: «من كانت لديه إثباتات حول توظيف هذا الحزب إمكانيات الدولة عليه أن يرفع الأمر إلى القضاء». لكن تطمينات الناطق الرسمي باسم الحكومة لم توقف حملة الانتقادات للحزب ولرئاسة الحكومة، بحجة وجود عدد من الوزراء والولاة وكبار كوادر الدولة والموظفين ضمن طاقمه وطنياً وجهوياً.
أما العزابي، فعلّق على حملة معارضي حزبه بالتذكير بأن «القانون والدستور لا يمنعان رئيس الحكومة والوزراء والموظفين بالانتماء إلى حزبنا مثلما لم يمنعهم من الانتماء إلى أحزاب أخرى تشارك في حكومة الوحدة الوطنية الحالية، مثل (النداء) و(النهضة) و(المسار) و(مشروع تونس)».
ونفى العزابي رداً على سؤال «الشرق الأوسط» خلال مؤتمر صحافي: «حزبنا يريد تطوير المشهد السياسي ودعم سياسات الإصلاح والبناء التي بدأها رئيس الحكومة يوسف الشاهد، وبينها محاربة الفساد. ونحن لسنا حزباً ضدّ طرف معين، بل حزب له مشروع تغيير وإنجاز منفتح على الشباب وعلى كل الطاقات الوطنية».

البكوش وسعيد والجبالي
وتتعاقب المفاجآت وفرضيات تغيير المشهد السياسي التونسي بعد دخول لاعبين سياسيين من الحجم الكبير على الخط، وإعلانهم اعتزامهم المشاركة في السباق الانتخابي والسياسي نحو قصر قرطاج والبرلمان. ويتصدر هؤلاء عدد من المسؤولين السابقين في الدولة، بينهم رئيسا الحكومة السابقان، حمادي الجبالي الأمين العام المستقيل من «حركة النهضة» ورئيس أول حكومة 2012 مطلع 2013، والمهدي جمعة رئيس حكومة التكنوقراط المستقل عام 2014.
كذلك، دخل على الخط الأمين العام لاتحاد دول المغرب العربي والوزير السابق للخارجية والأمين العام السابق لـ«نداء تونس» الطيب البكوش. وكان البكوش قد أعلن عزمه خوض الانتخابات المقبلة وتأسيس حزب يحمل تسمية «من أجل تونس»، ويُذكر أنه كان من بين زعماء الحركة النقابية إبان عهد الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، ثم تولى مهمات حقوقية عربية ودولية، من بينها رئاسة المعهد العربي لحقوق الإنسان. ومن المقرّر أن ينسحب البكوش في يونيو (حزيران) من مهماته الدبلوماسية ليتفرغ لمشواره السياسي والانتخابي.
والتحق بقافلة المرشحين سليم الرياحي، الرئيس السابق للنادي الأفريقي وللحزب الوطني الحر، إذ أعلن من منفاه الاختياري في أوروبا نيته رغم استقالته من الأمانة العامة لـ«نداء تونس». وفي الوقت عينه، كشفت استطلاعات الٍرأي تزايد شعبية شخصيات مستقلّة وحزبية من خارج التيارات الإسلامية والدستورية واليسار التقليدي، منها الأكاديمي وخبير القانون الدستوري قيس سعيد، والوزير والحقوقي السابق محمد عبو زعيم حزب التيار الديمقراطي.

قادة تيار الغاضبين
في سياق متصل، ثمة مسائل تشغل معظم السياسيين المعنيين بتشكل المشهد السياسي المستقبلي مثل: مَن سينجح في تشكيل القوة التي تكسب ثقة غالبية التونسيين الغاضبين من أداء كل الحكومات السابقة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وأمنياً؟ وبمَن سيكسب ثقة التيار المعارض لكل الأحزاب التي خرجت من رحم التجمع الدستوري الديمقراطي، الحزب الحاكم قبل يناير (كانون الثاني) 2011؟ ثم، مَن سيكون مرشح التيار الشعبي الموالي لمبادئ الثورة «ضد الذين انقلبوا عليها»، حسب تعبير الرئيس السابق المنصف المرزوقي، ورئيس الحكومة الأسبق حمادي الجبالي، وبعض زعماء المعارضة، مثل المحامي عبد الرؤوف العيادي رئيس حزب «وفاء»؟
الأيام الماضية حملت مفاجأة تمثلت في تنظيم أول تحرك سياسي علني حضره «الرؤساء الثلاثة في حكومة الترويكا»، أي مصطفى بن جعفر والمنصف المرزوقي وعلي العريّض. وحضر المظاهرة مع الجمهور راشد الغنوشي وأمين عام حزب «التكتل» الوزير السابق والنقابي خليل زاوية وعدد من الحقوقيين والنشطاء السياسيين. وفهم المراقبون من هذا التحرك الأول من نوعه منذ خمس سنوات تلويحاً من قبل «رفاق الأمس» بالدخول في تحالفات سياسية جديدة رداً على الأزمة مع «نداء تونس» ومع رئاسة الجمهورية وبعض الأحزاب الدستورية.

خطاب 20 مارس
ختاماً، أعلن فراس قفراش، المستشار الإعلامي في رئاسة الجمهورية، أن الرئيس قائد السبسي قرر عدم الإدلاء بتصريحات صحافية في هذه المرحلة، مع أنه من المقرر أن يخاطب الشعب مباشرة بمناسبة اليوم الوطني يوم 20 مارس (آذار) الحالي. ويتوقع المراقبون أن يوضح الرئيس بالمناسبة موقفه من عدة ملفات، من بينها إشاعة ترشحه لدورة رئاسية جديدة، ومستقبل حزبه الذي يعتبر كثيرون أنه الأوفر حظاً بالفوز في انتخابات الخريف، إذا انسحب نجل الرئيس إلى الصف الثاني في القيادة. وسينتظر التونسيون بالمناسبة توضيح المستجدات في علاقة رئاسة الجمهورية بـ«حلفاء الأمس»، وبينهم قادة «حركة النهضة»، وابنه الروحي يوسف الشاهد الذي تمرّد عليه مع نخبة من كوادر الحزب والدولة ليؤسسوا مشروعهم السياسي الجديد.

روزنامة الانتخابات البرلمانية والرئاسية
كشف نبيل بافون رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات التونسية عن المواعيد الرسمية للعملية الانتخابية التشريعية (البرلمانية) المقبلة كما يلي:
- تقديم الترشيحات للانتخابات التشريعية ينطلق يوم 22 يوليو، ويتواصل إلى يوم 29 يوليو.
- الهيئة تُعلِن عن القائمة الأولية للمترشحين يوم 6 أغسطس (آب)، وعن القائمة النهائية في 31 أغسطس كأقصى تقدير.
- الحملة الانتخابية بالنسبة للانتخابات التشريعية تنطلق يوم 14 سبتمبر (أيلول)، وتنتهي يوم 4 أكتوبر.
- يوم 5 أكتوبر سيكون يوم الصمت الانتخابي، ويوم 6 أكتوبر هو يوم الانتخاب.
- أقصى تاريخ إصدار دعوة الناخبين من قبل رئيس الجمهورية هو يوم 7 يوليو 2019.
- تقديم الترشيحات للانتخابات الرئاسية ينطلق يوم 27 أغسطس، ويغلق باب الترشيحات يوم 3 سبتمبر.
- الهيئة ستقدم، على أقصى تقدير، القائمة النهائية للمترشحين للانتخابات الرئاسية يوم 10 أكتوبر.
- الحملة الانتخابية للرئاسية تبدأ يوم 19 أكتوبر، وتنتهي يوم 8 نوفمبر.
- الإعلان عن النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية يوم 14 نوفمبر.
- موعد الدورة الثانية في كل الحالات لن يتجاوز 29 ديسمبر (كانون الأول).
- الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية سيكون يوم 13 نوفمبر على أقصى تقدير.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.