«أنبوب حقيقي» لنقل الركاب بسرعات خارقة

حجرات تحلق مغناطيسياً داخل قنوات مفرغة تقريباً من الهواء

حجرة لنقل الركاب في «هايبرلوب» شركة «فيرجن»
حجرة لنقل الركاب في «هايبرلوب» شركة «فيرجن»
TT

«أنبوب حقيقي» لنقل الركاب بسرعات خارقة

حجرة لنقل الركاب في «هايبرلوب» شركة «فيرجن»
حجرة لنقل الركاب في «هايبرلوب» شركة «فيرجن»

تعمل شركة «فيرجن هايبرلوب وان» حالياً على اختبار نظام يضع الركاب في حجرات (أو مقصورات) تندفع في أنابيب مفرغة، في حين تمضي شركات أخرى قدماً بالعمل على خطط مشابهة.

- حجرات ركاب الأنابيب
وفي الوقت الذي قرّرت فيه ولاية كاليفورنيا الأميركية أن تقلّص حجم خططها لإنشاء خطّ سكّة حديد لقطار جديد فائق السرعة، كان يهدف إلى قلب مفهوم السفر في الولاية رأساً على عقب، فإن العكس يحدث في الصحراء الواقعة خارج مدينة لاس فيغاس بولاية نيفادا، حيث لا تزال طموحات النقل كبيرة ولا تعرف حدوداً.
هنا، يختبر مهندسون من شركة «فيرجن هايبرلوب وان» نوعاً مختلفاً كلياً من النقل العام، يهدف إلى نقل الناس والحمولات في حجرات صغيرة دون عجلات، في أنبوب مفرّغ بسرعة قد تتجاوز 600 ميل (965.6 كيلومتر) في الساعة. أمّا أسرع القطارات المسافرة اليوم، والذي يتحرّك بسرعة قصوى لا تصل إلى نصف سرعة القطار الجديد، فسيصبح مجرّد محطّة تاريخية مضحكة.
هذه الشركة، التي تعتبرها مجموعة «فيرجن غروب» التي يملكها السير ريتشارد برانسون مستثمراً صغيراً، هي واحدة من شركات كثيرة أخرى تعمل على تطوير تقنية «الهايبرلوب» في الولايات المتحدة وكندا ودول أخرى.
بدأ ترويج هذه الفكرة مع إيلون ماسك، الذي يشتهر بصناعة السيارات الكهربائية والصواريخ الفضائية الخاصة، ومن ثمّ أتاحها للجميع عن طريق إحدى شركاته، على شكل تقنية مفتوحة المصدر.

- تحليق وسرعة
وتعتمد هذه التقنية على دفع الحجرات بواسطة تحليق مغناطيسي في أنبوب مفرغ قليل الضغط.
يساهم هذا الضغط المنخفض في تقليص الاحتكاك ومقاومة الهواء، وهما العاملان اللذان قد يتسببا في إضعاف قدرة الاندفاع المطلوبة. ولأنّ الحجرات ترحل داخل أنبوب، فهي ليست معرّضة للتوقف عن العمل بسبب الظروف المناخية الخارجية الصعبة، كالثلوج أو الدوامات القطبية.
في الماضي، رأينا هذه الفكرة تُطبّق في سيناريوهات معيّنة؛ حيث اعتادت المكتبات على إرسال طلبات الكتب إلى المخازن في أنابيب هوائية؛ وحتى عام 1984 تولّت شبكة مشابهة توزيع الرسائل في أرجاء باريس؛ كما عملت شبكة من الأنابيب المبنية تحت الأرض مرة على توزيع البريد بين منهاتن وبروكلين.
كما وفّرت التجارب السابقة لهذه الفكرة نقل البشر؛ حيث تولّى أحد خطوط قطار أنفاق شبيه في نيويورك، نقل الركّاب على مدار ثلاث سنوات. ففي عام 1870 بدأ نظام «بيتش بنوماتيك ترانزيت» الذي سمِّي تيمّناً بمطوّره، بتشغيل كبسولة لنقل الركاب تتحرّك بواسطة الطاقة الهوائية أسفل برودواي في مانهاتن، من شارع وارن إلى شارع موراي.

- اختبارات جريئة
وكانت شركة «فيرجن هايبرلوب وان» في لوس أنجليس، قد بدأت باختبار نظامها عام 2017، وهي اليوم تشغّله بسكة تجريبية كاملة. يقابل «فيرجن هايبرلوب وان» شركات منافسة في هذا المجال، أهمها «هايبرلوب ترانسبورتيشن تكنولوجيز» في لوس أنجليس أيضاً، و«ترانس بود» في تورونتو، ومن المتوقع أن تبنيا سككهما التجريبية هذا العام. وتعتمد كلتا الشركتين المنافستين حتى اليوم في عملهما على نظم المحاكاة الكومبيوترية.
في الصحراء القاحلة التي تبعد 35 ميلاً (56.3 كيلومتر) شمال لاس فيغاس ستريب، استخدم أنبوب «فيرجن» الذي تبلغ أبعاده 1640 قدماً طولاً و11 قدماً ارتفاعاً، لمئات التشغيلات، مع حجرة فارغة تحركه بسرعة أكبر تصل إلى 386 كيلومتراً في الساعة في الاختبار الواحد. ولكنّ الخطط تشير إلى أنّ سرعة الحجرات المسافرة في النظام التجاري من هذا الأنبوب الموجه للاستعمال، ستصل إلى 820 كيلومتراً في الساعة، مع احتمال ارتفاعها إلى 1078 كيلومتراً في الساعة.
وكشف إسماعيل بابور، أحد المهندسين المدنيين العاملين في الشركة، أنّه ولتفادي التسبب بدوار الحركة لدى الركّاب، لن يبلغ القطار سرعته القصوى قبل مضي ثلاث دقائق على انطلاقه، وسيسافر لمسافة تقارب الـ10 كيلومترات قبل الدوران بزاوية 90 درجة.
ولفت بابور إلى أنّ معدّل إقلاعه البطيء: «سيشعر الركّاب بـ30 إلى 40 في المائة فقط من السرعة، مقارنة بالطائرة العادية، مضيفاً أنّ الرحلة في هذا القطار ستكون هادئة، وأن «كوب القهوة لن ينزلق حتى ولو كانت السرعة تصل إلى 966 كيلومتراً في الساعة».

- خطط عالمية
جمعت كلّ واحدة من الشركات الثلاث عشرات ومئات ملايين الدولارات، ووضعت مقاربتها الخاصة الحاصلة على براءة اختراع للنقل العام للمسافات الطويلة.
وقّعت شركة «ترانس بود» برأس مال 52 مليون دولار، اتفاقات أولية تقضي ببناء سكة تجريبية بطول 9.6 كيلومتر لطريق ستمتدّ أخيراً بين منطقتي كالغاري وإدمونتون في ألبرتا، إلى جانب سكّة أقصر بالقرب من ليموج في فرنسا، لواحدة من طرق فرنسية كثيرة لا تزال قيد الدراسة.
أمّا شركة «هايبرلوب ترانسبورتيشن تكنولوجيز» التي جمعت ما يقارب 42 مليون دولار، فلا تزال في مرحلة تصميم سكة تجريبية يصل طولها إلى كيلومتر واحد في أبوظبي، وتحضّر لبناء سكة أخرى تجريبية بطول 0.3 كيلومتر في تولوز بفرنسا.
وبالنسبة لـ«فيرجن هايبرلوب وان»، التي جمعت نحو 295 مليون دولار، فتعمل على تطوير مشروعات في الهند وأوهايو. وكانت ولاية مهاراشترا الهندية قد أعلنت الشهر الماضي أن الشركة اقترحت بناء نظام «هايبرلوب» بين مدينتي بيون ومومباي، كجزء من بنيتهما التحتية. وكشف جاي والدر، الرئيس التنفيذي للشركة، لوسائل الإعلام الأميركية، أنّ بناء سكّة بطول 11.2 كيلومتر قد ينطلق هذا العام.
ومن المتوقّع أن يبصر نقل الركّاب في هذه الحجرات النور في منتصف العقد المقبل، ليقلّص وقت السفر بين المدن إلى 30 دقيقة، أي خمس المدّة التي يتطلّبها السفر حالياً.
وقال ويليام موردوك، المدير التنفيذي لهيئة «ميد - أوهايو» الإقليمية للتخطيط، وهي وكالة حكومية غير ربحية معنية بالنقل: «كلّما رأينا مزيداً من هذه التقنية، فسنشعر أنها مقنعة أكثر». بدورها، تعمل شركة «فيرجن هايبرلوب وان» على تطوير نظام مقترح يصل شيكاغو وكولومبوس وبيتسبرغ.
وأضاف موردوك الذي يأمل إتمام بناء طريق «هايبرلوب» في السنوات العشر القادمة: «تعتبر كولومبوس مركزاً للشحن اللوجستي، ولا شكّ أنّ الانتقال بسرعة بين شيكاغو وبيتسبرغ سيكون أمراً رائعاً».
وتؤكّد الشركات الثلاث على أنّ مزايا الطاقة التي تتميّز بها أنظمة النقل هذه ستتيح لها الحلول مكان القطارات التقليدية، بعد عقد واحد من السنين بعد إطلاقها؛ إذ لن يكون بمقدور مستخدمي القطار الانتقال من مكان إلى آخر بسرعة فحسب؛ بل سيتمكنون أيضاً وبفضل هذا التنقل السريع من أن يعيشوا براحة بعيداً عن أماكن عملهم، وأن يحظوا بفرصة الحصول على الخدمات التعليمية والثقافية والصحية البعيدة بشكل طبيعي.

- رؤية مستقبلية
يتوقع مطوّرو «الهايبرلوب» أن تحمل الحجرات حمولات باهظة منخفضة الوزن إلى جانب الركّاب، مقدّمة بديلاً عن شركات الشحن التي تستخدم النقل الجوي العالي الكلفة، كـ«فيديكس» و«أمازون». علاوة على ذلك، يقولون إن منتجي السيارات وغيرهم ممن يعتمدون على توصيل القطع سلفاً لضمان انخفاض تكاليف التخزين، سيصبحون قادرين على الحصول على هذه القطع من أماكن بعيدة.
على الرغم من أنّ هذه الرؤى المستقبلية لا تزال في عداد الأحلام البعيدة، نجحت شركات مشروعات «الهايبرلوب» في جذب مواهب مهمّة وبلديات مدن متحمّسة للعمل معها.
وتجدر الإشارة إلى أنّ السيّد والدر، مدير «فيرجن هايبرلوب وان» التنفيذي، كان قد تولّى رئاسة هيئة قطارات النقل في نيويورك، وسأل والدر برانسون عندما تولّى رئاسة «فيرجن هايبرلوب وان» العام الماضي، عما إذا كان لا يزال ملتزماً بإتمام هذا المشروع. وقال والدر: «لم يكن ملتزماً فحسب، ولكنّه اعتبر أن هذا المشروع هو من أكثر الأمور التي فعلها في حياته أهمية».
تعتمد تقنيات «هايبرلوب» للنقل اليوم على مقاربات كليّة؛ بحيث إنها تسعى إلى إعادة ابتكار وسيلة للنقل إلى جانب وضع طريقة لعمل الشركات، ووسيلة يمكن فيها ضمان تمويل مستدام لهذه المشروعات.
ومن الاختلافات الأخرى التي سينطوي عليها هذا النظام هي تجربة الركاب. إذ إنّ ضمان السلامة الهيكلية للأنبوب المفرغ، يتطلّب تصميمه دون نوافذ.
وقال سيباستيان جيندرون، الرئيس التنفيذي لشركة «ترانس بود»: «لا شكّ في أنّ الناس سيصابون بالدوار والغثيان أثناء رؤيتهم للأشجار تمرّ بجانبهم بسرعة تقارب 966 كيلومتراً في الساعة».
وكخيار بديل، يسعى المطورون إلى تطبيق أفكار محاكاة مختلفة، يمكن عرضها على شاشات كبرى في قلب الحجرة. وقال جيندرون: «يمكننا ابتكار تأثير عميق عبر عرض فيديوهات». ويمكن حتى أن يصار إلى عرض أفلام. ويعتقد أن عرض الإعلانات وتوفير خدمات أخرى للمسافرين، من شأنه أن ينتج دخلاً إضافياً يشكّل دعماً لأسعار التذاكر.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أجهزة استشعار متطورة تفتح آفاقاً جديدة لفهم الأمراض الوراثية

أجهزة استشعار متطورة تفتح آفاقاً جديدة لفهم الأمراض الوراثية
TT

أجهزة استشعار متطورة تفتح آفاقاً جديدة لفهم الأمراض الوراثية

أجهزة استشعار متطورة تفتح آفاقاً جديدة لفهم الأمراض الوراثية

في خطوة علمية قد تُحدِث تحولاً جذرياً في أبحاث الدماغ طوّر فريق من الباحثين أجهزة استشعار بسيطة ومنخفضة التكلفة قادرة على مراقبة النشاط الكهربائي داخل النماذج الدماغية المصغرة التي يتم زراعتها في المختبر. ولا يَعِد هذا الابتكار فقط بتسريع فهم الاضطرابات الجينية المعقدة، بل قد يجعل أبحاث الدماغ المتقدمة في متناول عدد أكبر من المختبرات حول العالم.

ويظل الدماغ البشري أحد أكثر الأعضاء غموضاً وتعقيداً. وعلى الرغم من الاعتماد الطويل على النماذج الحيوانية، فإنها لم تتمكن من محاكاة التعقيد الحقيقي للدماغ البشري. وقد دفع هذا التحدي العلماء إلى تطوير ما يُعرف بـ«العضيات الدماغية» وهي أنسجة صغيرة تُزرع من الخلايا الجذعية وتحاكي بعض خصائص الدماغ.

وقد فتحت هذه العضيات باباً واسعاً لدراسة الأمراض العصبية الوراثية، مثل متلازمة أنجلمان Angelman syndrome وهي حالة تتميز بتأخر النمو والإعاقات الذهنية واضطرابات النطق وصعوبات الحركة والقدرات التواصلية. ومع ذلك واجهت هذه الأبحاث عقبة كبرى هي ارتفاع تكلفة الأجهزة المستخدمة لمراقبة النشاط الكهربائي داخل هذه العضيات.

جهاز استشعار ذكي

لطالما شكّلت التكلفة الباهظة للأجهزة التقليدية عائقاً أمام تقدم الأبحاث العصبية، حيث تعتمد الأدوات الحالية على مواد نادرة وطرق تصنيع معقدة ما يجعل التجارب محدودة بعدد قليل من العينات فقط. ويحرم هذا القيد المالي العلماء من الحصول على بيانات شاملة، ويحد من قدرتهم على فهم التباين البيولوجي بين العينات.

لكنّ فريقاً بحثياً من جامعة ولاية كارولاينا الشمالية في الولايات المتحدة نجح في كسر هذا الحاجز من خلال تطوير جهاز مبتكر يحمل اسم «مصفوفة مطابقة لرصد الفيزيولوجيا الكهربائية للعضيات» Conformal Array for Monitoring Electrophysiology of Organoids (CAMEO) في دراسة نُشرت في مجلة «npj Biosensing» في أبريل (نيسان) 2026.

وقد أوضحت الباحثة نافيا ميشرا المؤلفة الرئيسية للدراسة من قسم الهندسة الكهربائية وهندسة الحاسوب في كارولاينا الشمالية أن هذا الجهاز يقدم حلاً عملياً يجمع بين الدقة العالية والتكلفة المنخفضة ما يمهّد لمرحلة جديدة في أبحاث الدماغ تتسم بقدرة أكبر على التوسع، ودقة أعلى في النتائج.

وتعتمد المصفوفه أو CAMEO على تقنية مبتكرة تستخدم أنابيب الكربون النانوية المرنة التي تُرتب على شكل سلة دقيقة. إذ تُوضع العضية الدماغية داخل هذه «السلة»، وتعمل الخيوط النانوية كأنها أقطاب كهربائية تلتقط الإشارات العصبية.

ثم تُنقل هذه الإشارات إلى جهاز تسجيل مما يسمح للعلماء بمراقبة النشاط الكهربائي بدقة عالية وفي الوقت الفعلي تماماً كما تفعل الأجهزة التقليدية ولكن بتكلفة أقل بكثير. وفي الاختبارات الأولية أظهر الجهاز قدرة فائقة على التقاط الإشارات الضعيفة والاستجابة للتغيرات الكيميائية، مما يؤكد كفاءته في التطبيقات البحثية.

شكل تصويري لخلايا حية تزرع مختبريا لتطوير الأنسجة الحية الصغيرة التي تحاكي اعضاء الجسم

أهمية التطوير

• لماذا يُعد هذا التطور مهماً؟ أولاً لأنه يوسّع نطاق الأبحاث بشكل غير مسبوق. كما أن انخفاض التكلفة يعني أن الباحثين يمكنهم دراسة عدد أكبر بكثير من العضيات في تجربة واحدة ما يعزز دقة النتائج، ويقربهم من فهم أعمق للأمراض.

ثانياً لأنه يمهّد لتوحيد طرق البحث، حيث إن وجود نظام بسيط وموحّد يسهل على المختبرات في مختلف أنحاء العالم مقارنة نتائجها وتبادل البيانات، وهو أمر أساسي لتسريع الاكتشافات العلمية.

وثالثاً إتاحة أبحاث الدماغ للمختبرات الصغيرة. فالمختبرات الصغيرة أو الموجودة في دول ذات موارد محدودة لم تعد مستبعدة من هذا المجال المتقدم، بل يمكنها الآن المساهمة فيه بفاعلية.

• آفاق أوسع من مجرد اضطراب واحد. ولا يقتصر تأثير هذا الابتكار على دراسة متلازمة أنجلمان فقط، بل يمتد إلى طيف واسع من الاضطرابات العصبية، مثل التوحد والصرع والأمراض التنكسية مثل ألزهايمر. كما يمكن استخدامه في اختبار الأدوية الجديدة عبر مراقبة كيفية استجابة الخلايا العصبية للعلاجات المختلفة، مما قد يسرّع تطوير علاجات أكثر دقة وفاعلية.

ويرى الباحثون أن هذا الإنجاز ليس سوى البداية. فمع تطور تقنيات زراعة العضيات ستصبح الأدوات مثل CAMEO جزءاً أساسياً من المختبرات، وتساعد في فك أسرار الدماغ بطرق لم تكن ممكنة من قبل.

في النهاية، لا يمثل هذا الابتكار مجرد تحسين تقني بل سيكون تحولاً جذرياً في طريقة إجراء أبحاث الدماغ ما يجعلها أسرع وأوسع وأكثر شمولاً. وبالنسبة للمرضى وعائلاتهم يحمل هذا التقدم رسالة أمل أن الطريق نحو فهم أفضل للأمراض العصبية وربما علاجها قد أصبح أقصر مما كان عليه بالأمس.

لدراسة الأنسجة الصغيرة التي تحاكي بعض خصائص الدماغ


طريقة علمية توفر المياه والطاقة بالمجمعات السكنية الكبرى في مصر

ألواح شمسية مثبتة على سطح منزل في قرية بمحافظة الشرقية المصرية _رويترز_
ألواح شمسية مثبتة على سطح منزل في قرية بمحافظة الشرقية المصرية _رويترز_
TT

طريقة علمية توفر المياه والطاقة بالمجمعات السكنية الكبرى في مصر

ألواح شمسية مثبتة على سطح منزل في قرية بمحافظة الشرقية المصرية _رويترز_
ألواح شمسية مثبتة على سطح منزل في قرية بمحافظة الشرقية المصرية _رويترز_

مع تصاعد التحديات المرتبطة بندرة المياه وارتفاع تكاليف الطاقة، تتجه الأنظار نحو الحلول التكنولوجية المستدامة التي يمكن أن تعيد تشكيل مستقبل المدن. وفي ظل ازدياد الضغط على البنية التحتية في المجتمعات العمرانية الجديدة، تبرز الحاجة إلى نماذج مبتكرة تجمع بين الكفاءة الاقتصادية والحفاظ على الموارد الطبيعية، بما يضمن استدامة الخدمات الأساسية للأجيال المقبلة.

وفي هذا السياق، قدمت دراسة مصرية نموذجاً نظرياً يقوم على تصميم ومحاكاة نظام متكامل يجمع بين إعادة تدوير المياه الرمادية وتوليد الطاقة الشمسية داخل المجمعات السكنية الكبرى، بهدف تقليل الهدر المائي وخفض استهلاك الكهرباء في آنٍ واحد.

وكشفت النتائج عن إمكانات كبيرة لتحويل المباني السكنية إلى وحدات أكثر كفاءة واستدامة، بما يعزز جدوى تطبيق هذه الحلول على نطاق أوسع داخل المدن المصرية، وفق الدراسة المنشورة في عدد 6 مايو (أيار) 2026 من دورية (Scientific Reports).

حل مستدام

يتمثل الحل المستدام الذي تقترحه الدراسة في دمج منظومتين متكاملتين داخل المجمع السكني؛ الأولى تعتمد على إعادة تدوير المياه الرمادية وإعادة استخدامها في شطف المراحيض وري المساحات الخضراء بدلاً من إهدارها، فيما تقوم الثانية على تركيب ألواح الطاقة الشمسية فوق أسطح المباني لتوليد جزء من الكهرباء المستهلكة محلياً.

والمياه الرمادية هي المياه الناتجة عن الاستخدامات المنزلية مثل المغاسل والاستحمام، التي يمكن معالجتها وإعادة استخدامها في أغراض غير الشرب، مثل الري وشطف المراحيض.

ووفق الدراسة، يمكن للجمع بين الحلين تحقيق وفرة مزدوجة في أكثر الموارد استنزافاً داخل المجمعات السكنية الكبرى، مع تقليل ملموس في البصمة الكربونية والاعتماد على الشبكات المركزية.

أما على صعيد التطبيق، فتُجمع المياه الرمادية من المباني عبر شبكة أنابيب منفصلة، ثم تُضخ إلى محطة معالجة مركزية تمر بثلاث مراحل متتالية تشمل التخثير، ثم الترشيح متعدد الطبقات، وأخيراً التعقيم بالكلور، قبل إعادة ضخها إلى خزانات التخزين وتوزيعها على دورات المياه ومناطق الري.

وبالتوازي، تُثبت الألواح الشمسية على أسطح المباني وتُوصل بمحوّلات تيار وعدادات ذكية ضمن نظام شبكة مصغّرة متصلة بالشبكة الوطنية، بحيث يغطي الإنتاج الشمسي ما بين 29 و30 في المائة من الحمل الكهربائي، بينما يُستكمل باقي الاستهلاك من الشبكة العامة.

وركزت الدراسة على جدوى تطبيق هذا الحل وما يمكن أن يحققه من نتائج داخل مجمع سكني في القاهرة الجديدة يضم 365 مبنى و7512 وحدة سكنية، بهدف تقليل استهلاك المياه الصالحة للشرب وخفض تكاليف الطاقة على نطاق واسع.

واعتمدت الدراسة على تقديرات استهلاك يومية للفرد، أظهرت أن حجم المياه الرمادية الناتجة داخل المجمع يبلغ نحو 6300 متر مكعب يومياً، أي ما يعادل 2.3 مليون متر مكعب سنوياً، في حين تصل احتياجات مياه صناديق الطرد في دورات المياه إلى نحو 2700 متر مكعب يومياً، بما يعادل 985.5 ألف متر مكعب سنوياً.

ووفق تقديرات الدراسة، فإن المياه الرمادية، التي تمثل ما بين 50 و80 في المائة من مياه الصرف المنزلي، يمكن أن تشكل مورداً استراتيجياً مهماً إذا ما أُعيد توظيفها في استخدامات غير الشرب، مثل ري المساحات الخضراء أو شطف المراحيض.

مياه وطاقة

وأوضحت الدراسة أن النظام المقترح يعتمد على محطة معالجة للمياه الرمادية في الموقع بطاقة 6300 متر مكعب يومياً، باستخدام تقنيات المعالجة الفيزيائية والكيميائية التي تشمل التخثير والترشيح متعدد الطبقات والتطهير بالكلور. وباحتساب فاقد غسل المرشحات بنسبة 5 في المائة، يصل معدل استرداد المياه المعالجة إلى نحو 95 في المائة، أي ما يعادل 2.18 مليون متر مكعب سنوياً.

وبيّنت النتائج أن كمية المياه المعالجة المستردة يمكن أن تتجاوز احتياجات استخدامات صناديق الطرد، ما يعني إمكانية تحقيق وفرة كاملة في المياه الصالحة للشرب لهذا الغرض، مع وجود فائض يمكن توجيهه لاستخدامات غير صالحة للشرب أخرى، مثل الري أو أعمال التنظيف.

وفيما يتعلق بالطاقة الشمسية، قدّرت الدراسة أن أنظمة الخلايا الكهروضوئية فوق أسطح المباني يمكنها تغطية ما يصل إلى 30 في المائة من استهلاك الكهرباء داخل المجمع. وقدّرت فترة استرداد تكلفة الاستثمار في هذه الأنظمة بنحو 10 سنوات، مع إمكانية تغيّرها تبعاً لمعدلات الإشعاع الشمسي، ما يعكس الجدوى الاقتصادية للمشروع على المدى الطويل، إلى جانب دوره في تعزيز كفاءة استهلاك الموارد وتقليل الضغط على شبكات المياه والطاقة التقليدية.

تقول الدكتورة داليا سعد الدين أحمد، أستاذة مساعدة بقسم هندسة البيئة في كلية الهندسة بجامعة الزقازيق المصرية والباحثة المشاركة بالدراسة، إن دمج أنظمة إعادة تدوير المياه الرمادية مع الطاقة الشمسية يمثل خياراً استراتيجياً مستداماً، قادراً على تقليل الضغط على الموارد الطبيعية، وتحقيق وفورات اقتصادية ملموسة.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن النتائج تشير إلى إمكانية تطبيق هذا النموذج في المدن الجديدة، ليصبح أساساً لمستقبل عمراني أكثر كفاءة واستدامة في مصر والمنطقة.


حين يدخل الذكاء الاصطناعي غرفة العمليات... من يقود الجراحة فعلاً؟

من اداة صامتة الى زميل ذكي
من اداة صامتة الى زميل ذكي
TT

حين يدخل الذكاء الاصطناعي غرفة العمليات... من يقود الجراحة فعلاً؟

من اداة صامتة الى زميل ذكي
من اداة صامتة الى زميل ذكي

في الماضي، كان الجراح يدخل غرفة العمليات بوصفه العقل المركزي الذي تبدأ منه القرارات وتنتهي عنده، بينما تبقى الأجهزة مجرد أدوات صامتة تنفّذ ما تمليه خبرته البشرية.

لكن هذا المشهد بدأ يتغير بهدوء داخل أكثر غرف العمليات تطوراً في العالم. فالأنظمة الذكية لم تعد تكتفي بعرض الصور الطبية أو تشغيل الروبوتات الجراحية، بل بدأت تتحول تدريجياً إلى أنظمة قادرة على التحليل الفوري، والتنبؤ بالمضاعفات، واقتراح الخطوة التالية أثناء العملية نفسها.

هل ما زالت غرفة العمليات تفهم الإنسان

هنا يظهر سؤال كان يبدو قبل سنوات أقرب إلى الخيال العلمي: هل سيبقى الجراح قائد العملية فعلاً، أم يتحول تدريجياً إلى شريكٍ لنظام يتعلّم أسرع منه؟

من الأداة إلى «الزميل السريري»

في دراسة حديثة نُشرت في مجلة «فرونتيرز إن ساينس» (Frontiers in Science) بتاريخ 7 مايو (أيار) 2026، قاد الباحث الدكتور غاي-هيرفي أزولاي (Guy-Hervé Azoulay) من معهد البحوث في سرطان الجهاز الهضمي بمدينة ستراسبورغ الفرنسية (Institute for Research into Cancer of the Digestive System – IRCAD, Strasbourg, France) فريقاً بحثياً ناقش التحول المتسارع في مفهوم «الفريق الجراحي» مع دخول الذكاء الاصطناعي والروبوتات الطبية إلى قلب العمل السريري.

من يقود العملية: الإنسان أم الخوارزمية

وأشار الباحثون إلى أن غرفة العمليات قد تتحول قريباً إلى منظومة ذكية هجينة يعمل فيها الإنسان والآلة ضمن شراكة معرفية معقدة، حيث لا تعتمد الجراحة فقط على مهارة اليد البشرية، بل على تدفق هائل من البيانات الحية التي تُحلل لحظةً بلحظة أثناء العملية، بما يشمل الصور الطبية، والمؤشرات الحيوية، واحتمالات المضاعفات، والسيناريوهات الجراحية البديلة.

والروبوت الجراحي التقليدي كان يعمل بوصفه امتداداً ليد الجراح، ينفّذ الحركة بدقة أعلى ويقلل الاهتزاز البشري. أما الأنظمة الجديدة، فتتجه نحو ما يشبه «الذكاء التعاوني» (Collaborative Intelligence)، حيث تستطيع الخوارزميات تحليل المشهد الجراحي، والتنبؤ بالمضاعفات المحتملة، وتنبيه الفريق قبل حدوث الخطأ. بمعنى آخر، لم تعد الآلة مجرد أداة... بل بدأت تتحول تدريجياً إلى «زميل سريري» يشارك في فهم العملية نفسها.

هل تصبح الخبرة البشرية أقل مركزية؟

تاريخياً، كان الجراح يتعلم من سنوات التدريب الطويلة، ومن العمليات التي أجراها بنفسه، ومن أخطائه ونجاحاته الشخصية. لكن الذكاء الاصطناعي يعمل بطريقة مختلفة تماماً. فالخوارزمية لا تتعلم من عشرات العمليات، بل من ملايين الحالات المتراكمة عالمياً، ولا تعتمد على الذاكرة البشرية المحدودة، بل على تحليل أنماط دقيقة قد لا تراها العين البشرية أصلاً.

وهذا قد يقود مستقبلاً إلى ما يمكن وصفه بـ«الخبرة الرقمية الجماعية»، إذ تتحول كل عملية جراحية تُجرى في أي مكان بالعالم إلى جزء من ذاكرة عالمية تتعلم منها الأنظمة الذكية بصورة لحظية. وهنا يظهر السؤال الأكثر حساسية: إذا كانت الخوارزمية ترى احتمالات أكثر، وتقرأ بيانات أوسع، وتتعلّم بسرعة هائلة، فهل يبقى القرار النهائي إنسانياً فعلاً؟

حين ينام الجراح وتبقى الخوارزمية مستيقظة

السلطة الطبية الموزعة

الطب الحديث يدخل اليوم مرحلة يمكن وصفها بـ«السلطة الطبية الموزعة». فالقرار لم يعد يصدر من الطبيب وحده، بل أصبح نتيجة تفاعل معقد بين الإنسان والآلة والبيانات والأنظمة الرقمية.

في غرفة العمليات المستقبلية، قد يقترح النظام الذكي تعديلاً في المسار الجراحي قبل أن ينتبه إليه الفريق البشري، وقد يحذر من احتمال نزف أو مضاعفة اعتماداً على أنماط رقمية غير مرئية للطبيب.لكن المعضلة الأخلاقية تبدأ عندما يختلف الإنسان مع الخوارزمية. فإذا اقترح الذكاء الاصطناعي خطوة جراحية ورفضها الجراح، ثم حدثت مضاعفات، فمن يتحمل المسؤولية؟ وإذا اتبع الطبيب توصية النظام ووقع الخطأ، فهل تصبح الخوارزمية شريكاً في القرار الطبي؟ هذه الأسئلة لم تعد خيالاً فلسفياً، بل أصبحت جزءاً من النقاش العلمي الحقيقي داخل المؤسسات الطبية العالمية.

الخطر ليس في الذكاء...

بل في الطاعة العمياء

المفارقة أن التهديد الحقيقي قد لا يكون في «ذكاء» الأنظمة، بل في ميل البشر إلى الوثوق المفرط بها. فكلما أصبحت الخوارزميات أكثر دقة، زاد احتمال أن يتحول الطبيب تدريجياً من صانع قرار إلى مراقب يعتمد نفسياً على اقتراحات النظام. وهنا تظهر أهمية ما يمكن تسميته «الوعي الخوارزمي السريري»، أي قدرة الطبيب على فهم حدود الذكاء الاصطناعي، لا الانبهار بنتائجه فقط. فالخوارزمية قد تحلل البيانات بسرعة خارقة، لكنها لا تفهم دائماً السياق الإنساني الكامل للمريض، ولا تشعر بالخوف أو الألم أو التعقيد النفسي والاجتماعي الذي يحيط بالقرار الطبي. ولهذا شدد الباحثون في الدراسة على أن الحكم البشري يجب أن يبقى في مركز العملية الجراحية، حتى مع التطور المتسارع للأنظمة الذكية.

غرفة العمليات القادمة

ما يحدث اليوم ليس مجرد تحديث تقني في الجراحة، بل إعادة تعريف كاملة لمعنى العمل الطبي نفسه. فغرفة العمليات القادمة قد تضم جراحاً بشرياً، وروبوتاً جراحياً، ونظام ذكاء اصطناعي يتعلم لحظياً، وتحليلاً مباشراً للصور والبيانات، وربما «توأماً رقمياً» (Digital Twin) يحاكي حالة المريض قبل اتخاذ القرار. وفي دول مثل المملكة العربية السعودية، التي تستثمر بقوة في الطب الرقمي والذكاء الاصطناعي ضمن رؤية السعودية 2030، قد تصبح هذه النماذج جزءاً من الواقع الطبي خلال سنوات قليلة.

لكن السؤال الأهم سيبقى إنسانياً لا تقنياً: عندما تصبح الآلة قادرة على التفكير داخل غرفة العمليات، هل نحافظ على الطبيب قائداً للقرار؟ أم نجد أنفسنا يوماً داخل غرفة عملياتٍ تتخذ فيها الخوارزميات القرار... بينما يكتفي الإنسان بالمراقبة؟