مدنيون خرجوا من «جحيم الموت» إلى مستقبل مجهول

«الشرق الأوسط» ترصد مغادرة آلاف جيب «داعش» إلى مخيمات النازحين شرق سوريا

شاحنة تنقل نازحين من الباغوز في ريف دير الزور شرق سوريا (الشرق الاوسط)
شاحنة تنقل نازحين من الباغوز في ريف دير الزور شرق سوريا (الشرق الاوسط)
TT

مدنيون خرجوا من «جحيم الموت» إلى مستقبل مجهول

شاحنة تنقل نازحين من الباغوز في ريف دير الزور شرق سوريا (الشرق الاوسط)
شاحنة تنقل نازحين من الباغوز في ريف دير الزور شرق سوريا (الشرق الاوسط)

أجلت «قوات سوريا الديمقراطية» مزيداً من المحاصرين من آخر جيب لتنظيم «داعش» في شرق سوريا، تمهيداً لنقلهم على غرار الآلاف الذين خرجوا خلال الأسابيع الماضية، إلى معتقلات أو مخيمات، وذلك مع إعلان هذه القوات أمس بدء المعركة الأخيرة تمهيداً لـ«الانتصار الكامل» على التنظيم المتطرف.
ويستمر منذ عشرة أيام خروج آلاف الرجال والنساء والأطفال، بينهم عدد كبير من الأجانب، من البقعة الأخيرة المحاصرة في بلدة الباغوز وتقدّر مساحتها بنصف كيلومتر مربع، وغالبيتهم نساء وأطفال من عائلات مقاتلي التنظيم. والتقت «الشرق الأوسط» عدداً من الخارجين من الباغوز بعد التحقيق معهم وتفتيشهم للتأكد من عدم ارتباطهم بـ«داعش» قبل نقلهم إلى مخيمات للنازحين، حيث أوقفت «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من واشنطن، أكثر من خمسة آلاف عنصر من التنظيم كانوا في عداد نحو 52 ألف شخص فروا منذ نهاية عام من مناطق سيطرة التنظيم في شرق سوريا.
وبعد أسابيع من تضييق الخناق على جيب التنظيم، يصل الخارجون من الباغوز متضوّرين جوعاً ويحملون أغراضاً بسيطة، من ثياب وأغطية، إلى نقطة الفرز التي استحدثتها قوات سوريا الديمقراطية التحالف الكردي - العربي، على بعد أكثر من عشرين كيلومتراً شمال بلدة الباغوز.

من العاصمة تونس المطلة على شاطئ البحر المتوسط، حيث تنخفض درجات الحرارة صيفاً، سافرت نور الإيمان رفقة زوجها شرقاً نحو سوريا إحدى أكثر الدول سخونة منذ العام 2011. عبرَ رحلة جوية أقلتها من مطار قرطاج الدولي إلى مطار أتاتورك بمدينة إسطنبول التركية.
ومنها أكملوا الرحلة براً على متن حافلة حديثة اتجهت إلى مدينة أورفا الحدودية مع سوريا، ليدخلوا سراً منتصف 2015 إلى مدينة الرقة شمال سوريا، حيث كانت عاصمة «داعش» آنذاك، في سبيل تحقيق وهم لطالما كانت تحلم بتحقيقه، لكن انتهى بها المطاف في بلدة الباغوز وسط صحراء بادية الجزيرة السورية.
هذه المنطقة باتت آخر موطئ قدم لعناصر تنظيم داعش وخرجت نور مع زوجها وأطفالها قبل يومين إلى نقطة تجمع الفارين، تنتظر مع آلاف الفارين غالبيتهم من عائلات وأسر التنظيم تأشيرات للعبور إلى مخيم الهول شمالاً.
«كنت واهمة»، بهذه الكلمات بدأت نور ذات الثلاثين عاماً حديثها لـ«الشرق الأوسط» من نقطة تجمع الفارين من الجيب الأخير الخاضع لسيطرة التنظيم، وبدت علامات الندم من نبرة صوتها، ونقلت أنهم ينامون في العراء وسط هبوب رياح صحراوية جافة، وانخفاض درجة الحرارة إلى 5 درجات ليلاً، لتضيف: «أخذوا زوجي للاشتباه بانتمائه للتنظيم، أنا وأطفالي ننتظر السماح لنا بالعبور إلى مخيم الهول، يقدمون لنا الطعام والمياه»، وتساءلت بصوت مرتفع: «متى سيتم نقلنا من هنا».

خرجن بأمر قيادي

تروي السعدية (32 سنة) المتحدرة من المغرب من النقطة الأمنية، كيف سافرت مع خطيبها وطلبت أن يكون مهرها العيش في كنف «داعش» على حد تعبيرها، ليوافق الشاب على طلبها، وقررا السفر نهاية 2015 عبر تركيا إلى سوريا، وقصدا مدينة منبج شرقي حلب والتي كانت خاضعة وقتذاك لسيطرة التنظيم، قبل أن يطرد منها صيف 2016 على يد «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من التحالف الدولي بقيادي أميركية.
عقدت قرانها في منطقة أصبحت ساخنة بعد أشهر من زواجها، وقالت: «بسبب المعارك نزحنا إلى الرقة، بقينا هناك أقل من سنة ليقتل زوجي الأول بغارة طيران وأنجبت منه طفلة، ثم ارتبطت بمقاتل تونسي»، ليقتل هو الآخر في المعارك هناك، «بعدها تزوجت للمرة الثالثة من مقاتل عراقي ولا يزال هناك يرابط مع الإخوة»، على حد تعبيرها.
اتشحت السعدية بالسواد وغطى وجهها ولم يظهر منه سوى عينيها، كشفت أنّ زوجها مقاتل انغماسي ونفذ عدة عمليات انتحارية، وقررت الخروج مع عائلات التنظيم بناءً على طلب: «بأمر من (زعيم داعش) أبو بكر البغدادي، طلب من جميع النساء والأطفال الخروج ليتسنى للمقاتلين التفرغ للقتال، سنذهب للمخيم وننتظر عودة أزواجنا»، ولفتت أنها لم تشاهد البغدادي كحال عامة الناس لم يشاهده أحد، «أظن إنه لا يزال يقاتل إلى جانب الإخوة في الباغوز لرفع معنويات المقاتلين».
في نقطة تبعد 20 كيلومتراً شمال الباغوز، يقف مجموعة من الجنود الأميركيين ومسؤولين من قوات التحالف الدولي، برفقة قادة عسكريين ومقاتلين من «قوات سوريا الديمقراطية»، يدققون في هوية الخارجين من البلدة المحاصرة، يبدو أنها نقطة تفتيش خاصة بالتحقيق مع عناصر التنظيم، تقوم الدورية بإجراءات التفتيش بشكل معقد خشية تسلّل عناصر التنظيم بين المدنيين، وينقل الأطفال والنساء إلى مخيم الهول، بينما يُرسل الرجال المشتبه بهم إلى مراكز الاعتقال.
فاطمة المتحدرة من مدينة الموصل العراقية، بدت علامات التقدم بالعمر عليها وارتسمت تجاعيد وجهها رغم أنها في بداية عقدها الخامس، أكدت أنّ سبب بقائها بالباغوز كان لعدم توفر المال لدفعه للمهربين، وبلكنة عراقية محلية ومفردات بالكاد تفهم، قالت: «ما كان بي فلوس – مال - لدفعه للمهربين لإخراجنا من هناك، زوجي احتجزوه هنا وبقي أبنائي الكبار يقاتلون هناك».
ونقلت أنه لا يزال الكثير من المحاصرين يرغبون بالخروج من جحيم الموت، وتضيف: «الجميع خائف ومرعوب يريدون النجاة بسرعة، الكل يعرف زين أن ساعة الصفر قربت».
وادعت سعاد (47 سنة) المتحدرة من مدينة حمص وسط سوريا، أنّ زوجها لم يكن مقاتلاً أو عنصراً في صفوف التنظيم، وكان يعمل في مجال التجارة، وقالت: «متنا من الجوع هناك، خلال الحصار كان التنظيم يوزع الطعام ومياه الشرب على عناصره فقط، مؤخراً دخلت شاحنة محملة بالغذاء تم توزيعها على أمراء التنظيم».
وأوضحت أن زوجها تم توقيفه للاشتباه بانتمائه للتنظيم، وأضافت قائلة: «أوقفوه ولا علاقة له بالتنظيم، كنا مجبورين أن نعيش هناك، هو مطلوب للنظام وما التحق بالجيش الحر، أجبرنا التنظيم تحت تهديد السلاح الخروج للمناطق التي يسيطر عليها».

الهروب من الجحيم

فرَ آلاف المدنيين وعائلات عناصر تنظيم داعش خلال الأيّام الماضية من الأمتار الأخيرة المتبقية في بلدة الباغوز التابعة لناحية السوسة بريف دير الزوّر الشمالي، وتواصل «قوات سوريا الديمقراطية» المرحلة الأخيرة من هجومها الهادف لإنهاء وجود التنظيم المتطرف شرقي الفرات.
وانتظر هؤلاء الفارون ساعات طويلة وسط المنطقة المحاصرة، في ظل برد قارس نخر أجسادهم النحيلة من قلة الطعام ومياه الشرب قبل بلوغ النقطة الآمنة الواقعة على بعد 5 كيلومترات شرقي البلدة، وتمكنت «قوات سوريا الديمقراطية» من فتح معبر آمن منذ بداية الشهر الجاري، حيث تستقبلهم برفقة طاقم طبي أميركي في موقع فرز أنشأته عند التلة المرتفعة المقابلة للباغوز، ويتم التدقيق في هوياتهم وأخذ بصماتهم، ويحال المشتبه بانتمائهم للتنظيم إلى مراكز التحقيق.
ونقلت العنود (46 سنة) المتحدرة من مدينة القائم العراقية المحاذية للحدود مع سوريا وتقابل بلدة الباغوز، أنهم كانوا يأكلون الحشائش ويشربون مياه النهر جراء حصار عناصر التنظيم، وعمدوا إلى توزيع الإمدادات الغذائية على مقاتليهم فحسب، وقالت: «الدواعش حاصرونا ومنعوا عنا كل شيء، لا أدوية ولا طعام ولا رحمة، السلع المتوفرة كانت أسعارها باهظة الثمن، من يملك المال يأكل، بقينا أيّام وليال نتضور جوعاً».
وبحسب روايات الهاربين من بلدة الباغوز البائسة، يعيش المدنيون المحاصرون ومقاتلو «داعش» أوضاعاً إنسانية صعبة، حيث لا يتوافر الطعام الكافي ومياه صالحة للشرب، مع قصف متواصل لطيران التحالف.
بينما وصفت هيفاء (31 سنة) القادمة من العاصمة السورية دمشق، الحياة بالباغوز بـ«جحيم الموت» وقالت: «كنا نتنقل من مدينة إلى أخرى ومن قرية إلى ثانية، نعيش الجحيم تحت القصف؛ الموت كان في كل مكان، مصابون وجرحى ولم يكن هناك وقت لدفن الأموات».
ويتمركز الجيب المحاصر التابع لعناصر التنظيم وتقدر مساحته بأقل من واحد كيلومتر شرقي الباغوز على الضفة الشرقية لنهر الفرات، يعد آخر معقل للتنظيم في هذا الجزء من سوريا، ولطالما لجأ التنظيم على جبهات عدة إلى استخدام المدنيين كدروع بشرية، بهدف عرقلة تقدم خصومه لدى تضييقهم الخناق على آخر معاقله، كما يزرع خلفه الألغام والمفخخات لمنع المدنيين من الخروج ولإيقاع خسائر في صفوف خصومه.
ولدى حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أوضح عدنان عفريني قيادي عسكري من «قوات سوريا الديمقراطية»، عدم التأكد من أنّ هؤلاء الفارين هم آخر من تبقى في الباغوز من مدنيين وذوي التنظيم الراغبين بالخروج، وقال: «نعتقد وجود مدنيين يستخدمهم التنظيم دروعاً بشرية، ومن بين هؤلاء رهائن ومختطفون ومن الطائفة الإيزيدية ومقاتلون من (قوات سوريا الديمقراطية)»، وذكر أنّ أغلب الذين تم إجلاؤهم خلال الأسبوعين الماضيين قدر عددهم بنحو 5 آلاف شخص كانوا من عائلات التنظيم نفسه، مشيراً: «التنظيم الإرهابي يستخدم حتى أسره كدروع بشرية لعرقلة تقدم قواتنا وتحرير كامل المنطقة، وتبين أن المئات من مقاتلي التنظيم لا يزالون يتحصنون عبر خنادق وأنفاق في الباغوز».
ومن شأن استكمال إجلاء المحاصرين من جيب التنظيم الأخير أن يحدّد ساعة الصفر لـ«قوات سوريا الديمقراطية» من أجل حسم المعركة؛ سواء عبر استسلامهم أو إطلاق الهجوم الأخير ضدّهم، تمهيداً لإعلان انتهاء سيطرة التنظيم على مناطق أثارت الرعب على مدى سنوات.
وأوضح عفريني أنّ الهدف الأساسي هو إجلاء كل من تبقى من الباغوز يرغب في الخروج حتى وإن كانوا من عائلات التنظيم، وقال: «نحن نتعامل مع النساء والأطفال على أنهم مدنيون، وقواتنا ملتزمة أخلاقياً بعزلهم عن نيران المعارك، فالأنفاق والمدنيون يؤخران القضاء على «داعش» جغرافياً وعسكرياً».
واستسلم الكثير من مقاتلي وقادة التنظيم خلال الدفعات التي خرجت مؤخراً، فالبعض اغتنم الفرصة وتنكر بلباس المدنيين وعند وصوله إلى نقطة التفتيش كشف عن هويته وسلم نفسه، فيما حاول آخرون تزوير هويتهم لكن بعد أخذ بصماتهم وإجراء تحقيق دقيق ومعقد تبين أنهم من مقاتلي التنظيم بحسب عفريني، مشدداً: «سلم الكثير من أمراء وقادة بارزين في التنظيم أنفسهم، كما ألقينا القبض على آخرين متنكرين خلال الأيام الماضية، يتحدرون من جنسيات غربية وعربية وتركية».

قدموا من مسافات

أسدل الستار على الفصل الأخير من «داعش» جغرافياً. حفنة من الرجال يرتدون لباساً طويلاً ويجلسون في العراء وسط صحراء جافة مع هبوب رياح مغبرة. تبدو عليهم ملامح أجنبية، قادمين من آلاف الكيلومترات إلى أكثر منطقة ساخنة في الشرق الأوسط، لطالما حلموا بالعيش في كنف «الخلافة المزعومة»، لكن انتهى بهم المطاف في نقطة تفتيش بانتظار تحديد مصيرهم بعد استسلامهم. ليس خافياً على أحد أنّ هؤلاء هم عناصر تنظيم داعش المتطرف، الذين أثاروا الرعب بقواعده المتشددة وأحكامه المتوحشة، وأصدر مناهجه الدينية وعملته الخاصة وجنى الضرائب من قرابة 8 ملايين نسمة في ذروة قوته.
لكن المئات من مقاتلي التنظيم قرروا القتال، فيما الكثير منهم سلموا أنفسهم لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، في حين بدأ آخرون التفاوض مع جهات عدة من أجل الخروج من المنطقة إلى بقعة ثانية تحت سيطرتهم.
بلحية طويلة غير مهذبة، وشعر أشعث كثيف، ظهر أحمد الشاب الثلاثيني المتحدر من تونس، انتظر مع زوجته وأطفاله الصغار نحو 12 ساعة حتى خرجوا من بلدة الباغوز، بعد وصوله إلى نقطة أمنية تتبع «قوات سوريا الديمقراطية» كشف عن هويته.
يروي أنه دخل إلى سوريا قبل ثلاث سنوات، تنقل خلالها بين إدلب والرقة والمدن العراقية، بقي مقاتلاً حتى قرر الهروب صيف العام الفائت والعودة إلى مسقط رأسه بحسب ادعائه، وقال: «كشف أمري وسجنت شهرين، بعد خروجي حاولت عدة مرات دون جدوى، وعند خروج المحاصرين والمدنيين قررت الخروج معهم وتنكرت بلباس مدني».
وأكد مقاتل مغربي يدعى مروان (37 سنة) أنّ المعاملة لدى التنظيم كانت بحسب الجنسيات، فالعراقي يكون قائدا عسكرياً والشيشاني والإيغور ودول روسيا الاتحادية كانوا قادة، أما باقي الجنسيات من العرب والأجانب يتولون مناصب متدنية وتوكل لهم مهام إدارية وتنظيمية، وقال: «العراقيون كانوا متسلطين ويحكمون بقبضة من حديد، فالمسؤول الأول عن الأذرع الإعلامية ومنابر التنظيم شخصية عراقية يكنى بأبو محمد العراقي، ويشاع أنه كان قياديا لدى الرئيس العراقي السابق صدام حسين».
بينما محمد (42 سنة) المتحدر من دولة كازاخستان يكاد يتحدث بالعربية، ادعى أنه كان يعمل إدارياً في صفوف التنظيم وقرر الخروج برفقة زوجته وأبنائه الصغار، وبكلمات مبعثرة وعلامات حيرة ارتسمت على وجهه، قال: «بقيت في مناطق التنظيم بسوريا والعراق نحو عامين ونصف، شاهدت كيف ينحرون الأبرياء ويقطعون الرؤوس ويحكمون بيدٍ من حديد، يحرمون الحلال ويحللون الحرام»، وأضاف: «بعد سقوط الرقة قررت الخروج وطلبت من التنظيم السماح لي بالعودة إلى مسقط رأسي، المفاجأة أنهم سجنوني وبقيت 3 أشهر، أنا جئت إلى هنا بإرادتي فكيف يمنعون عودتي!!!».
مصدر مطلع على سير المفاوضات بين عناصر تنظيم داعش، ووجهاء وعشائر من ذوي وأسر مقاتلي «قوات سوريا الديمقراطية» الذين سقطوا أسرى خلال المعارك الدائرة بالباغوز، قال: «نتعامل بحذر مع ملف مقاتلينا الأسرى، لكن أؤكد أننا لا نتفاوض مع تنظيم إرهابي، ولديه خياران إما الاستسلام أو تمضي المعركة للنهاية ويتم القضاء عليهم عسكرياً».
وأكد المصدر أنّ لجنة التفاوض المشكلة من وجهاء وعشائر يتفاوضون مع مسلحي «داعش»، وبأنّ مطالبهم تفضي بنقل عناصره إلى بادية البوكمال قرب الحدود السورية - العراقية في منطقة غرب الفرات خاضعة لسيطرة (داعش)، أو إلى مدينة إدلب غرب سوريا، ويفضل قادة التنظيم الخيار الثاني.
وبحسب المصدر المطلع، رسم مسلحي التنظيم خريطة سيرهم وتنقلهم، تبدأ الحركة من بلدة الباغوز المحاصرة إلى مدينة الرقة معقل التنظيم سابقاً، ومنها يتوجهون غرباً إلى مدينة منبج المحاذية للحدود التركية، للدخول إلى مناطق فصائل درع الفرات المدعومة من تركيا، والتي تسيطر على مدن وبلدات شمال وغرب حلب، ومنها يسافرون إلى وجهتهم محافظة إدلب الخاضعة لنفوذ هيئة تحرير الشام – جبهة النصرة سابقاً - وتعد الفرع السوري لتنظيم القاعدة.
وأكد المصدر أن التنظيم يضغط على عائلات أسرى القوات لدى «داعش» ويبلغ عددهم 27 عنصرا. وقال: «من خلال الاتصالات اليومية بين الأسرى وعائلاتهم، لأجل الحصول على موافقة لنقل عناصر التنظيم إلى منطقة صحراء الرطبة جنوب غربي مدينة البوكمال، أو إلى إدلب غرباً».
وتشهد خطوط الجبهة الأمامية في بلدة الباغوز الواقعة أقصى ريف دير الزور الشمالي، هدوءًا نسبياً للأسبوع الثالث على التوالي، مع تريث «قوات سوريا الديمقراطية» شن هجومها الأخير في انتظار إجلاء آخر المدنيين وعائلات التنظيم المحاصرين، لإعلان ساعة الصفر والقضاء على التنظيم.
وشدّد المصدر أن قيادة «قوات سوريا الديمقراطية» تتعامل بحذر مع ملف إنقاذ مقاتليها والأسرى الرهائن لدى التنظيم، وقال: «لا يزال مصير المختطفين والرهائن العرب والأجانب مجهول ويرجح يكونوا بالباغوز، كما توجد فتيات ونساء إيزيديات سبايا لدى التنظيم، كل هذه الملفات الشائكة تعرقل إعلان ساعة الصفر».
وتسببت العمليات العسكرية منذ بدايتها في سبتمبر (أيلول) العام الماضي، بفرار 50 ألفاً من المنطقة الخاضعة لسيطرة التنظيم من بينهم نحو 5000 آلاف مشتبه بانتمائهم إلى التنظيم تم توقيفهم، وتقدّر «قوات سوريا الديمقراطية» وجود قرابة نحو 5 آلاف من المدنيين وعائلات «داعش» المحاصرين معهم، في الجيب الأخير الخاضع لسيطرة التنظيم.

محنة الإيزيديين

جيهان الفتاة الإيزيدية البالغة من العمر 22 سنة، والمتحدرة من مدينة شنكال العراقية، كانت مختطفة منذ أغسطس (آب) 2014. وتمكنت من الفرار من قبضة التنظيم المتشدّد، فلم تصدق كيف وصلت إلى هذه النقطة الآمنة؛ قالت: «الأمر غير قابل للتصديق. حقيقة كنت أظن أننا في عداد الموتى، أمراء التنظيم باعوني وكنت سبية لأعوام مضت. اليوم أحصل على حريتي»؛ اغرورقت عيناها بالدموع وهي تروي قصتها وفصول المأساة التي مرت بها، حيث تعرضت للاغتصاب 6 مرات، وكان عناصر التنظيم يقايضونها إما بالتبادل مع فتاة إيزيدية ثانية، أو مقابل مال، لتضيف: «أحلم بالعودة إلى منزلي للاطمئنان على من تبقى من أهلي، أشعر أن عمري تجاوز مائة سنة من العذاب الذي تعرضت له على يد هؤلاء الإرهابيين».
فيما لا يتذكر الطفل جاندار ويبلغ عمره 12 سنة يتحدر من مدينة شنكال، كيف تم خطفه ويجهل مصير عائلته، وقال: «عندما خطفني «داعش» كنت بعمر 7 سنوات، أخذوني إلى تلعفر ثم إلى الموصل»، وبحسب الطفل قام عناصر التنظيم يومذاك بفصل النساء عن الرجال وبقي الصغار لوحدهم، وأضاف: «تنقلت عدة مرات بين الموصل العراقية والرقة السورية، بعدها إلى هجين ثم السوسة وكانت آخر محطة الباغوز».
ولا يزال جاندار يعيش حالة من الصدمة ولا يصدق أنه وصل إلى نقطة آمنة خاضعة لقوات عسكرية عمادها العسكري «وحدات حماية الشعب» الكردية، وتابع ليقول: «أجبروني على اعتناق الإسلام، كنت أتعرض للسجن إذا خالفت أوامرهم، عملوا على زرع الأفكار المتطرفة في نفوسنا»، ونقل أنه عمل في صفوف «أشبال داعش» مجبراً، «كنا نعيش في معسكرات مغلقة نتلقى تدريبات، كانوا يعلموننا كيفية استخدام السلاح وأن نكون انغماسيين لتنفيذ عمليات انتحارية».
وكان يجلس إلى جانبه طفل ثانٍ يدعى دلوفان (11 سنة)، في المنطقة الأمنية القريبة من الحدود العراقية، تحدث بصوت منخفض وكان يقول اسم التنظيم كاملاً، فالخوف كان يتملكه ولا يزال يعيش حالة من الرعب، وقال: «أريد فقط العودة إلى أمي وأبي... أدعو أن يكون أهلي هناك بألف خير، لا أعلم عنهم شيئا، اشتقت لهم كثيراً وأريد العيش معهم طوال حياتي».
ويسعى الجانب العراقي وبضغط من الأقلية الدينية الإيزيدية، إلى عقد صفقة مع قادة تنظيم داعش لتحرير النساء والفتيات الإيزيديات ويتراوح عددهن بين 500 و600 مختطفة، مقابل السماح بفتح معبر أمن لخروج عناصره إلى صحراء الأنبار والتي لا تزال خاضعة للتنظيم.
وذكر الناشط الإيزيدي علي الخانصوري والذي عمل كوسيط لتحرير المختطفات الإيزيديات، في مكالمة صوتية عبر خدمة (واتساب) لـ«الشرق الأوسط»، أنّ تنظيم داعش نفذ عمليات إعدام جماعية بحق المختطفات الإيزيديات في الباغوز، وقال: «انتقاما لمقتل قادة بارزين في صفوف التنظيم الإرهابي بعد غارة جوية نفذها طيران التحالف الدولي قبل أيّام»، مضيفاً أن عمليات الإعدام تمت ذبحاً في عدة مناطق من البلدة بحق أكثر من 50 مختطفة من فتيات ونساء المكون الإيزيدي، وقال: «عناصر عراقيون وسوريون وأجانب نفذوا العملية بأمر من البغدادي». وكشف الخانصوري أنه على اتصال مع قيادي بارز من التنظيم في الباغوز بهدف تحرير من تبقى من الإيزيديات، وأكد أن قرار الإعدامات جاء بأمر من زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي، وهددوا مراراً التحالف الدولي و«قوات سوريا الديمقراطية» بتنفيذ المزيد من الإعدامات ما لم يتم تحقيق مطالبهم، مضيفاً: «الجهات العراقية المعنية لم تتدخل لإنقاذ الإيزيديين من هذه المجازر».



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.