الغموض يكتنف حياة واغتيال قيادي حزب الله حسان اللقيس

لعب دور خبير التقنيات والدعم اللوجيستي للحزب

القيادي في حزب الله حسان اللقيس
القيادي في حزب الله حسان اللقيس
TT

الغموض يكتنف حياة واغتيال قيادي حزب الله حسان اللقيس

القيادي في حزب الله حسان اللقيس
القيادي في حزب الله حسان اللقيس

كفتاة صغيرة، لم تكن نور تعلم على وجه اليقين الصلة بين والدها، حسان اللقيس، وحزب الله، لكنها على الرغم من ذلك كانت تعلم أنها قد تفقده مبكرا. فخلال فترات غيابه الطويل، التي تذكرها الآن، كانت تحدق في صورة له وهو نائم وتتخيل أنها تنظر إلى جثته.
لكن نور، ابنة الثامنة والعشرين الآن، اكتشفت مع بقية اللبنانيين والعالم من هو صالح اللقيس، الذي اغتيل الشهر الماضي في مرأب سيارات، جنوب بيروت، ودوره في حزب الله. فقد كان خبير التقنيات والدعم اللوجيستي للحزب، وامتدحه قائده حسن نصر الله واصفا إياه بـ«الصديق الحبيب، وواحد من ألمع العقول في الحزب».
انضم اللقيس إلى حزب الله في الثمانينات في سن التاسعة عشرة، وكان ولعا بالتكنولوجيا، وأسهم خلال الفترة التي تلت ذلك في بناء ترسانة له من الأسلحة أكثر تعقيدا من تلك التي تمتلكها العديد من الجيوش النظامية في المنطقة، كما حول الميليشيا الشيعية إلى قوة تمكنت بنجاح كبير من مواجهة إسرائيل في الصراع. كما أسهم في إنشاء أنظمة مراقبة باستخدام طائرات من دون طيار وشبكات اتصالات مستقلة، واستخدم قواعد سرية داخل سوريا لتخزين الصواريخ المتطورة بعيدة المدى، التي يقول المحللون إنها تنقل الآن إلى لبنان.
نظرا لخطورة الدور الذي لعبه اللقيس وضع الموساد اسمه على قائمة الاغتيالات منذ عدة سنوات، ووصفوه بأنه واحد من أكثر خمسة ينبغي قتلهم. وتمكن الموساد خلال الفترة بين عامي 2008 و2011 من تصفية أربعة منهم بالفعل عبر جواسيسه. فاغتيل عماد مغنية في تفجير في دمشق عام 2008، وقتل لواء سوري مقرب من الأسد برصاص قناص على شواطئ طرطوس، وفي دبي اغتال الموساد في فضيحة مدوية محمود المبحوح أحد مسؤولي التصنيع العسكري وتوريد الأسلحة لحركة المقاومة الإسلامية حماس، خنقا، بالإضافة إلى لواء إيراني قُتل في انفجار في طهران. وكان اللقيس الأخير على قائمة المستهدفين بالقتل.
ويرى محللون لبنانيون وإسرائيليون أن إسرائيل، التي تعمل عبر عملائها، هي أكثر المشتبه بهم احتمالا للضلوع في عملية من هذا النوع. لكن تغيير حزب الله لمساره خلال العامين الماضيين، بإرسال قواته إلى سوريا لدعم الحكومة، حليف الحزب، في القتال ضد الانتفاضة التي انضم إليها جهاديون أجانب، أضافت أعداء جددا على قائمة اللقيس المكتظة بالفعل. فحتى بين بعض الشيعة هناك الشائعات عن رفض ومخاوف من أن تكون المجموعة قد زادت من حدة التوترات الطائفية وجعلتهم عرضة لعمليات انتقامية.
ومن ثم تحول اغتيال اللقيس إلى رواية سياسية مفعمة بالكثير من الحسابات المعقدة، وتغير مواقع الحلفاء والأعداء، فينظر إلى المسلحين السنة في لبنان ومقاتلي «القاعدة» والثوار السوريين كقتلة محتملين. ويشير المحللون إلى أن طبيعة السرية التي تغلف عمل اللقيس والطبيعة الاحترافية لعملية القتل، ربما يكون ذلك عملا استخباريا. لكن حتى أولئك الأقل احتمالية في قتله كانوا متلهفين للقيام بذلك.
وحمل حسن نصر الله، زعيم حزب الله، إسرائيل مسؤولية اغتيال صديقه، قائلا إن تلك المحاولات لإلقاء اللوم على مجموعات سنية هي مجرد محاولة لإذكاء نيران الحرب الطائفية.
لكن مسؤولين إيرانيين أشاروا بأصابع الاتهام إلى مجموعة تابعة لـ«القاعدة» يقودها المنشق السعودي الذي اعتقل مؤخرا في لبنان. إضافة إلى الشكوك والغموض، زعمت تلك المجموعة، كتائب عبد الله عزام، الأسبوع الماضي أن اللقيس توفي بالفعل في تفجير السفارة الإيرانية في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. فيما زعم الثوار السوريون أنهم قتلوه في سوريا، وأن مسرح جريمة بيروت لم يكن سوى نوع من التمويه. وكانت هناك أيضا شائعات أنه قتل بأيدي قادة حزب الله نتيجة صراع داخلي أو خيانة، لكن كليهما أمر غير منطقي بالنسبة لمنظمة تتمتع بقدر كبير من الانضباط.
وقال علي رزق، مدير الأخبار في قناة «برس تي في» الإيرانية، إن وفاة اللقيس أظهرت أن أجواء العداء تجاه حزب الله خلقت فرصا لأعدائها. ويقول رونين بيرغمان، خبير الأمن الإسرائيلي والكاتب المشارك في مجلة «نيويورك تايمز» الذي كتب عن القائمة المفصلة للموساد في كتابه «الحرب السرية مع إيران»، إن استخدام إسرائيل على الأغلب لوكلاء محليين في البلدان يحمل مخاطرة كبيرة جدا لعملائها.
اللقيس عاش أيضا على خطوط التصدع لعدم الارتياح في لبنان نتيجة لتدخل حزب الله في سوريا، وهو أمر برز جليا عندما كشف موته عن لمحات نادرة لشخصية القيادي البارز وخلفيته الشخصية.
ويبدي الحزب استياء من تبادل تلك التفاصيل الخاصة بحياة مقاتليها مفضلة تصويرهم، كما فعل نصر الله مع اللقيس، كأشخاص ليست لديهم حياة أخرى ذابوا في المقاومة. لكن ربما لأن موته كان لحظة كارثية بالنسبة لمجتمع عليه أن يظل هادئا على الرغم من مصرع الكثير من مقاتليه في سوريا، سارع البعض ليرووا ذكرياتهم عنه.
فتحدث نصر الله عن فترة شبابهما معا في بعلبك، حيث ثبتت صورة اللقيس المراهق ذي الشعر المجعد وصاحب الابتسامة العريضة على جدار إسمنتي. ويحمل أحد شوارع بعلبك اسم حارة اللقيس نسبة إلى عائلته، الأسرة التي عملت بالتجارة في بعلبك والتي كونت ثروة في ليبيريا وقامت ببناء مسجد ومركز تسوق في وسط المدينة.
عرف عن اللقيس كرمه وتواضعه، وكان يلقب بالحاج حسن، ويدير متجر «ديجيكون» للإلكترونيات. ويقول أحد أقاربه، والذي ليس عضوا في حزب الله «لم يكن الحزب وحده الذي تأسف لموته، بل بعلبك كلها». من يعرفونه كان يعلمون أنه عضو بحزب الله، لكنهم لم يعلموا على الإطلاق أنه بهذا القدر من الأهمية، فلم يسافر على الإطلاق مصطحبا حرسا شخصيا. ويقول أحد معارفه إنه بدا في الآونة الأخيرة أكثر حذرا، فكان يرفض زيارتهم في وجود غرباء. وقال آخر إن أبناء عمه في حزب الله أخبروه بأن اللقيس كان يطمح أن يخلف مغنية، الذي اغتيل في دمشق، وأن أحد أبناء عمومته لعب دورا رئيسا في عملية أسر الجنود الإسرائيليين التي أدت إلى اندلاع حرب عام 2006.
تعد مدينة بعلبك مدينة مختلطة لا تحمل فيها الأقلية الشيعية نفس القدر من الولاء الذي تحمله للعشائر القبلية أو الأحزاب الأخرى، وحيث تمتد العائلات، بما في ذلك اللقيس، لتضم أشخاصا من كل الطائفتين. والبعض يتساءل صراحة عن السبب في رغبة حزب الله في استغلال ميليشياته، التي تعتبرها الحكومة رادعا لإسرائيل، للقتال ضد المسلمين العرب.
ونظرا لكونه جزءا من القيادة التقنية لحزب الله، لا سلطاتها الدينية أو السياسية، بدا اللقيس أكثر قناعة بهذا الاستقلال، وكذلك السكان أو الأصدقاء الذين يرتبطون بعائلته.
وقد نعاه صهره حكمت عوادة على صفحته على «فيس بوك»، قائلا «كان جل اهتمامي بعلبك، أما هو فكانت حدوده تبدأ من لبنان وتنتهي في أرض الله الواسعة، من فلسطين إلى إيران إلى العراق، لا أعلم أين؟».
وقالت إحدى أقربائه إنها حاولت كثيرا تحفيز أقربائه وأصدقائه في حزب الله للبوح عن مشاعرهم تجاه سوريا، لكن دون جدوى. وقالت إن «المقاتلين يتصلون بزوجاتهم من معركة القصير، الواقعة على الحدود، ثم يعودون إلى المنزل، وكأنهم كانوا في نزهة خلوية». وأضافت أن اللقيس كان معروفا عنه شغفه بتعليم بناته وتدليلهن أكثر من أبنائه. فابنته الكبرى نور كانت عضوا في مجموعة من المعلمات الشابات في مدرسة حزب الله، اللاتي كن يتساءلن عن تكلفة المهمة السورية التي أودت بحياة الكثير من الشباب، بحسب قريب لأحد المعلمات، والذي أكد على أنه لا يعرف وجهة نظر نور.
بدت نور خلال حفل تأبين والدها مشرقة الوجه مليئة بالفخر بوالدها، وقالت إن وفاته كانت خسارة كبيرة، وذكرت أن ابنها، حفيده المفضل، كان يسارع إلى احتضانه لدى زياراته لابنته، لكنها كانت تؤيد التزامه.
ولدى سؤالها عن سوريا، أجابت بحدة «أنا لا أكترث لذلك»، ثم عقبت سريعا «لن أتمكن من الحديث إلا عن والدي فقط». ولدى سؤالها عما إذا كان لتورط حزب الله في سوريا علاقة بمقتل والدها، قالت «الحاج حسان كان له عدو واحد فقط، هو إسرائيل».
* شاركت هويدا سعد في إعداد التقرير
* خدمة «نيويورك تايمز»



نشطاء يعلنون اعتقال إسرائيل مصريَّين شاركا في «أسطول الصمود»

متظاهرون بأثينا في 18 مايو 2026 احتجاجاً على اعتراض البحرية الإسرائيلية أسطول التضامن العالمي قرب قبرص (أ.ف.ب)
متظاهرون بأثينا في 18 مايو 2026 احتجاجاً على اعتراض البحرية الإسرائيلية أسطول التضامن العالمي قرب قبرص (أ.ف.ب)
TT

نشطاء يعلنون اعتقال إسرائيل مصريَّين شاركا في «أسطول الصمود»

متظاهرون بأثينا في 18 مايو 2026 احتجاجاً على اعتراض البحرية الإسرائيلية أسطول التضامن العالمي قرب قبرص (أ.ف.ب)
متظاهرون بأثينا في 18 مايو 2026 احتجاجاً على اعتراض البحرية الإسرائيلية أسطول التضامن العالمي قرب قبرص (أ.ف.ب)

أعلن نشطاء أن إسرائيل احتجزت مصريين اثنين - دبلوماسي سابق وطالب - كانا على متن أسطول مساعدات يتجه إلى قطاع غزة، معروف باسم «أسطول الصمود»، بعد أن تم اعتراضه في البحر قبالة سواحل قبرص.

وكانت السلطات الإسرائيلية قد أعلنت، مساء الثلاثاء، احتجاز 430 ناشطاً كانوا على متن أسطول المساعدات المتجه إلى غزة، قبل اقتيادهم إلى ميناء أشدود.

وأبحرت سفن الأسطول، البالغ عددها نحو 50 سفينة، من جنوب غرب تركيا قبل نحو أسبوع متوجهة إلى غزة، وعلى متنها مساعدات إنسانية وإغاثية حيوية تشمل الغذاء والمياه والأدوية.

وأفاد متحدث باسم «الخارجية» الإسرائيلية بأنه «تم نقل جميع الناشطين البالغ عددهم 430 إلى سفن إسرائيلية، وهم في طريقهم إلى إسرائيل؛ حيث سيتمكنون من مقابلة ممثليهم القنصليين».

وتحدث «أسطول الصمود العالمي»، في أكثر من إفادة على منصاته الرقمية، عن «اعتراض القوات الإسرائيلية قواربه التي تبلغ نحو 50 قارباً»، وأشار إلى «اختطاف النشطاء والمتطوعين المشاركين في القافلة»، وطالب بـ«الإفراج السريع عن المحتجزين، وإنهاء الحصار المفروض على قطاع غزة».

وتحدث نشطاء مصريون عن احتجاز دبلوماسي مصري سابق وناشط مصري، ضمن المتطوعين الذين احتجزتهم تل أبيب في «أسطول الصمود»، وتداولوا عبر منصاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً للدبلوماسي السابق محمد عليوة، والطالب كريم عوض، على متن قوارب الأسطول.

وأشار النشطاء إلى أن الدبلوماسي السابق محمد عليوة، سبق وشغل مناصب في «الخارجية» المصرية، من بينها قنصل مصر لدى الأردن.

ولم تصدر أي إفادة رسمية من مصر بشأن «موقف المحتجزين المصريين لدى إسرائيل»، وحاولت «الشرق الأوسط» التواصل مع وزارة الخارجية المصرية، إلا أنه لم يتسنَّ الحصول على رد حتى كتابة التقرير.

جنود إسرائيليون على متن سفينة تحمل رموز أسطول الصمود العالمي وخلفها سفينة حربية إسرائيلية كما يظهر من مدينة أشدود (رويترز)

وتداول موقع «أسطول الصمود»، فيديو للناشط كريم عوض، الثلاثاء، على متن أحد قوارب الأسطول، أشار فيه إلى أنه «ذاهب إلى غزة»، كما دعا فيه إلى «التعبئة في الشوارع لدعم الفلسطينيين».

وأشار والد الناشط المحتجز محمد فتوح عوض، في تدوينة على صفحته بموقع «فيسبوك»، الأربعاء، إلى أنه «تلقى اتصالات من وزارة الخارجية البريطانية، تفيد باحتجاز نجله ضمن الدفعة الأولى من المحتجزين، الذين وصلوا إلى ميناء أشدود الإسرائيلي»، وقال إن «هناك محامين حصلوا على تصاريح بالدخول إلى المحتجزين».

وانتقد والد الناشط المصري، الفيديوهات المتداولة لوزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، وهو يعتدي على المحتجزين، وأشار إلى أن «مثل هذه الممارسات لن تمنع النشطاء من مواصلة دورهم في دعم غزة»، ونوه بـ«خروج مظاهرات في بولندا الأربعاء للاحتجاج على احتجاز تل أبيب للمشاركين في الأسطول».

وليس غريباً أن يشارك نشطاء مصريون في قافلة صمود لدعم غزة، حسب رأي رئيس الهيئة الدولية لدعم فلسطين صلاح عبد العاطي، الذي قال إن «الدعم المصري المستمر لغزة يتنوع ما بين إطاره السياسي والدبلوماسي والشعبي».

ويرى عبد العاطي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن احتجاز إسرائيل نشطاء «أسطول الصمود» يعد «جريمة قرصنة دولية، يجب أن تحاسب عليها دولياً»، وأشار إلى أن «الممارسات الإسرائيلية بحق نشطاء القافلة لن تقيد نشاطهم التضامني، بدليل زيادة عدد المشاركين في القافلة عما سبق».

ويُعد «أسطول الصمود العالمي» ثالث مبادرة خلال عام تهدف إلى كسر الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، الذي يعاني من نقص حاد في الغذاء والمياه والأدوية والوقود، منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.


بعد إقرار مصري بتضررها... هل باتت علاقات القاهرة وتل أبيب على المحك؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)
TT

بعد إقرار مصري بتضررها... هل باتت علاقات القاهرة وتل أبيب على المحك؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)

تطرق حديث رسمي مصري عن تضرر العلاقات مع تل أبيب، جراء سياساتها العدوانية بالمنطقة، بعد سلسلة انتقادات إسرائيلية في وسائل إعلام عبرية تجاه القاهرة وتسليحها ومواقفها، ما يعبر عن توتر في العلاقات مستمر منذ حرب السابع من أكتوبر (تشرين الأول) في قطاع غزة.

الموقف المصري، بحسب دبلوماسيين سابقين، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، يعد تأكيداً على ما وصلت إليه الحالة المصرية في تصورها للعلاقات مع إسرائيل، مؤكدين «أنها باتت على المحك، والتنبؤ بمستقبلها يتوقف على تراجع تل أبيب عن سياساتها في المنطقة، من دون أن يؤثر ذلك على اتفاقية السلام التي ستبقى مجرد نصوص قانونية بلا تطبيق كامل».

علاقات «متضررة»

وقال وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في مقابلة مع شبكة «CNN»، الثلاثاء، إن القاهرة ملتزمة بتعهداتها مع إسرائيل بموجب معاهدة السلام، وإنها ستظل ملتزمة ما دام الجانب الإسرائيلي ملتزماً بتعهداته.

وأضاف أن علاقات البلدين تأثرت بالسياسات العدوانية الإسرائيلية، لا سيما في الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان، والهجمات على دول عربية أخرى.

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد حجازي، أن تصريحات الوزير المصري «دقيقة وتعبر عن واقع العلاقات، وعن موقف مصر صاحبة المبادئ والالتزام بالتعهدات، وتأكيد على الرفض القاطع للممارسات الإسرائيلية في مختلف الساحات، والتي تمس العلاقات وتضعها في موقف محرج للغاية».

ويشير مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، إلى أنه «منذ حرب غزة وحتى اللحظة، العلاقات بين مصر وإسرائيل يشوبها توتر كبير، وأصبحت على المحك، خاصة إذا استمرت إسرائيل في سياساتها الحالية في غزة والضفة وجنوب لبنان».

ولا يستبعد هريدي أن يزداد التوتر بين مصر وإسرائيل في ضوء تداعيات حرب إيران، «وإصرار تل أبيب على تهديد أمن واستقرار المنطقة».

وأوائل مايو (أيار) الحالي، دعت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية إلى «ضرورة أن تنظر إسرائيل بجدية نحو حدودها الجنوبية، وتستعد لاحتمال نشوب حرب مباشرة مع مصر، مع وجود تهديد متنامٍ من القاهرة»، زاعمة، أن «هناك حالياً، حرباً باردة مع مصر، وليس سلاماً بارداً».

ورغم «اتفاقية السلام» المُوقَّعة عام 1979، فإنَّ القاهرة تعمل، حسب ادعاءات التقرير العبري، «مراراً ضد المصالح الإسرائيلية، لا سيما بمعارضتها الشديدة للاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وصولاً إلى التدخل في المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان، وكان ذروة ذلك، تنظيم مناورات عسكرية استفزازية تماماً على الحدود الإسرائيلية الشهر الماضي».

وآنذاك لم يستبعد الجنرال المتقاعد إسحاق بريك، في مقال له، دخول إسرائيل في «حرب صعبة» ضد التحالف التركي - المصري، مع تعزيز البلدين قدراتهما العسكرية.

وأواخر أبريل (نيسان) الماضي، زعم عضو الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقَّعة منذ عقود مع إسرائيل «بشكل ممنهج، بإنشاء بنية تحتية قتالية في سيناء، وتشييد جيش ضخم وحديث، وإجراء تدريبات على الحدود».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

مستقبل «محل شكوك»

وفي ضوء ذلك التحريض، فإن مستقبل العلاقات بين مصر وإسرائيل يبقى «موضع شكّ»، حيث أكد السفير محمد حجازي أن ذلك المستقبل يتوقف على سياسات إسرائيل في المنطقة، «وإذا رغبت في التصعيد فلن يكون لها مكان في علاقات الشرق الأوسط ومستقبله».

ومنذ اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل لم تشهد العلاقات بين البلدين توتراً مثل الحاصل حالياً، خاصة بعد احتلال إسرائيل محور «فيلادلفيا» المحاذي للحدود المصرية بالمخالفة لمعاهدة السلام، ثم نقضها اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى التوصُّل إليه في يناير (كانون الثاني) 2025 بوساطة القاهرة، ثم احتلالها محور «موراغ»، فضلاً عن احتلال القوات الإسرائيلية معبر رفح من الجانب الفلسطيني، قبل القبول باتفاق في أكتوبر الماضي، تواصل خرقه يومياً.

وفي سبتمبر (أيلول) 2025، وفي خضم أزمة افتعلها نتنياهو بشأن اتفاق الغاز بين القاهرة وتل أبيب، تطرَّق وزير الإعلام المصري ضياء رشوان (الذي كان وقتها رئيس هيئة الاستعلامات المصرية) إلى حرب عام 1973 بين مصر وإسرائيل، ووصفها بأنها كانت «نزهة»، مضيفاً: «الآن الأسلحة تطوَّرت، والمسافات قصرت، والقدرة على استخدام الأوراق العسكرية مختلفة؛ إذ حشدت تل أبيب 5 فرق لمحاولة السيطرة على قطاع غزة، الذي تبلغ مساحته 365 كيلومتراً مربعاً، فماذا ستفعل في مواجهة جيوش نظامية حقيقية في المنطقة».


هل يعلق لبنان حضوره «المسار الأمني» مع إسرائيل أم يُشارك لتثبيت الهدنة؟

الدخان يتصاعد من بلدة البرج الشمالي في جنوب لبنان إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من بلدة البرج الشمالي في جنوب لبنان إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)
TT

هل يعلق لبنان حضوره «المسار الأمني» مع إسرائيل أم يُشارك لتثبيت الهدنة؟

الدخان يتصاعد من بلدة البرج الشمالي في جنوب لبنان إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد من بلدة البرج الشمالي في جنوب لبنان إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)

استمرار الخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار، بدلاً من العمل على تثبيته، لا يشجّع لبنان، المتردد في المشاركة في اجتماع المسار الأمني، الذي يطغى عليه الحضور العسكري ويجمعه بالوفد الإسرائيلي، برعاية وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في واشنطن يوم 29 مايو (أيار) الحالي.

ويقف لبنان حالياً أمام خيارين؛ إما تعليق مشاركته، وإما حضوره، مشترطاً إدراج وقف إطلاق النار بنداً أول على جدول الأعمال التقني، لأن تعذّر وقفه يحرج، في آنٍ واحد، رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون وحكومة الرئيس نواف سلام، بعدما كانا قد ربطا موافقتهما على بدء المفاوضات بوقف الأعمال العدائية، التي أخذت تتوسع، بدلاً من أن تتراجع، مع ارتفاع وتيرة الغارات الإسرائيلية على البلدات الواقعة شمال نهر الليطاني.

فلبنان لا يبدي حماسةً لاستئناف المفاوضات تحت ضغط إسرائيل بالنار ورد «حزب الله» عليها، وهذا ما يضع الولايات المتحدة الأميركية أمام اختبار تعهدها بالضغط على تل أبيب لإلزامها بوقف النار على أن ينسحب تلقائياً على «حزب الله».

وفي هذا السياق، قال مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط» إن لبنان تجاوب مع طلب الولايات المتحدة الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، كما استجاب لاحقاً لرغبتها في رفع مستوى التمثيل وضم عسكريين إلى الوفد المفاوض، مقابل إصراره على أن تبدأ بتثبيت الهدنة.

وتساءل المصدر: ماذا قدَّم الراعي الأميركي للبنان؟ وما الأسباب الكامنة وراء عدم تجاوبه في تثبيت وقف إطلاق النار بما يُعزّز موقع الدولة اللبنانية في مواجهة «حزب الله»، الذي يرفض المفاوضات المباشرة، ويطالب باستبدال أخرى غير مباشرة بها، ويشن عليها أقسى الحملات السياسية، فيما يتباهى نوابه بالإنجازات والانتصارات التي حققها مقاتلو الحزب، ويدعون إلى استثمارها، ولكن عبر مفاوضات غير مباشرة؟

ولفت المصدر إلى أن لبنان كان قد اتخذ قراره بعدم ربط مصيره بإيران، خلافاً لإصرار «الثنائي الشيعي»، ومن ثم لا يجد ما يبرر لواشنطن عدم إلزام إسرائيل بوقف إطلاق النار. وقال إن لبنان شارك في الجلسة الثالثة من المفاوضات بوفد ترأسه السفير السابق سيمون كرم، وإن مشاركته جاءت في إطار إعلان نيته إنهاء حال الحرب مع إسرائيل التي لم تلتزم بوقف الأعمال العدائية. وأضاف أن لبنان كان، ولا يزال، يراهن على تدخل الإدارة الأميركية فور انتهاء الجولة، للضغط على إسرائيل وتهيئة المناخين السياسي والأمني الملائمين لانعقاد اجتماع يقتصر على العسكريين تحت سقف البحث في المسار الأمني، تمهيداً لاستئناف اجتماعات المسار السياسي يومي 2 و3 يونيو (حزيران) المقبل.

وأكد أن لبنان بدأ التحضير لاجتماع المسار الأمني، الذي يغلب عليه الطابع التقني، مستغرباً ما روّج له البعض عن أن عون، بالتوافق مع سلّام، يدرسان تشكيل لواء خاص بالجنوب استجابة لطلب واشنطن. وأوضح أن هذا الطرح لم يُدرج على بساط البحث خلال جولة المفاوضات الأخيرة، وأن ما جرى تداوله استند، بصورة غير مباشرة، إلى تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لإحدى المحطات الأميركية.

عناصر في الدفاع المدني يبحثون عن ضحايا عالقين تحت أنقاض منزل استهدف بغارة إسرائيلية في بلدة دير قانون النهر يوم الثلاثاء (أ.ب)

واستغرب المصدر الحملة التي شنّها نواب «حزب الله» في هذا الخصوص، وقال إنهم كانوا في غنى عنها لو استمزجوا رأي عون فيما يجري التداول به عبر الوسيط الرئاسي الذي يتواصل مع النائب حسن فضل الله، والمقصود به العميد أندريه رحال. وأكد أن تشكيل لواء خاص مقاتل من الجيش ليس مطروحاً؛ لأنه لا وجود لدى قيادته لأي تمييز بين لواء وآخر، ولا فرز لألويته إلى فئة «أ» و«ب». إضافة إلى أن موقف عون لا جدال فيه في هذا الشأن. ولفت إلى أن «حزب الله» يفتعل معركة لا وجود لها لصرف الأنظار عن مطالبته بحصرية السلاح بيد الدولة لبسط سلطتها على كل أراضيها تطبيقاً لاتفاق الطائف الذي يؤيده وبدأ يستحضره في جميع المناسبات.

وأوضح المصدر أن تشكيل الوفد العسكري إلى اجتماع المسار الأمني لا يزال موضع تداول وتشاور بين عون وسلام وقائد الجيش العماد رودولف هيكل. وتوقّع أن يضم الوفد، إضافة إلى الملحق العسكري في سفارة لبنان في واشنطن العميد أوليفر حاكمة، عدداً من الضباط ذوي الاختصاص والخبرة الميدانية، ولم يستبعد أن يكون من بينهم قائد عمليات منطقة جنوب الليطاني العميد نيقولا تابت، الذي يمثّل لبنان في اجتماعات لجنة «الميكانيزم» المكلفة بالإشراف على تطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية. كما توقّع أن تستجيب واشنطن والمجتمع الدولي لاحتياجات الجيش من التجهيزات على مختلف المستويات، بما يُتيح له تعزيز انتشاره في الجنوب.

ولم يستبعد بأن يلتحق بالوفد ضباط من مديرية الشؤون الجغرافية وغرفة العمليات في وزارة الدفاع، وقال إن اجتماع المسار الأمني هو لوضع اتفاق الإطار الذي يتمسك به الوفد المفاوض، ويكون بمثابة خريطة الطريق لنشر الجيش في جنوب الليطاني حتى الحدود الدولية، بالتزامن مع انسحاب إسرائيل منه طبقاً لجدول زمني يُتفق عليه برعاية أميركية وبواسطة لجنة ارتباط ثلاثية، تضم ضباطاً عن الأطراف الثلاثة، يوكل إليها مراقبة تنفيذ الاتفاق الأمني لإنهاء حال الحرب بين البلدين والتدخل لمعالجة الخروق في حال حصولها.

ورأى المصدر أن هناك ضرورة لوجود ممثل عن مديرية الشؤون الجغرافية، للتحقق من انسحاب إسرائيل حتى الحدود الدولية، تطبيقاً لما نصّت عليه اتفاقية الهدنة المعقودة بين البلدين عام 1949. وأضاف أنه يمكن تقسيم الجنوب إلى قطاعات أمنية للتأكد، بشكل ملموس، من عدم وجود أي سلاح غير شرعي. ورجّح أن يبحث المسار الأمني مرحلة ما بعد انتهاء مهام قوات «يونيفيل» في مطلع العام المقبل، بهدف إيجاد بديل لها، وقد يقع الخيار على تفعيل دور هيئة المراقبين المنبثقة عن الهدنة مع زيادة عددها، علماً بأنها تنتشر حالياً على جانبي الحدود، ولها مقران رئيسيان في محلة بئر حسن في الضاحية الجنوبية لبيروت، وفي القدس.

الدخان يتصاعد من بلدة البرج الشمالي في جنوب لبنان إثر استهدافها بقصف إسرائيلي (أ.ف.ب)