حيل المصارف القانونية تتحول من «نعمة إلى نقمة»

وكالات التصنيف تضيق الخناق بعكس المسار تجاه المنتجات البنكية

حيل المصارف القانونية تتحول من «نعمة إلى نقمة»
TT

حيل المصارف القانونية تتحول من «نعمة إلى نقمة»

حيل المصارف القانونية تتحول من «نعمة إلى نقمة»

يقول السير ويليام لورنس: «عندما نبدأ في ممارسة الخداع، فإننا بذلك ننسج شبكة معقدة». لذا تستخدم المصارف حول العالم بعض الحيل القانونية التي تمكنها من تحويل الإنفاقات أو مدخرات مالية على كشوف حساباتها من عبء ضريبي إلى منفذ قانوني يدر المزيد من الأرباح، أو زيادة رأس المال.
وقال بنك إقليمي ضخم إنه سيعلن عن خسارة كبيرة. وألقى باللائمة على قيود قانون فولكر على مضاربة البنوك في ممتلكاتها. ورد منظمو البنك بالقول إن قانون فولكر ربما لا ينطبق على البنك. وصدر بيان البنك، فيما صدر الرد التنظيمي أيضا، وكانت المحصلة الرئيسة هي أنه لم يتضح ما إذا كان «زايونز بنك كوربوريشن» سيتمكن من مواصلة التعتيم على الخسائر التي تكبدها البنك، أم سيضطر إلى إدراجها في قائمة دخله.
لكن الجانب المشوق في قصة «زايونز» واضح، فالمناورة التي بدأت قبل أربعة عشر عاما للتحايل على قواعد رأس المال انتهت نهاية سيئة بالنسبة للبنك.
لم يكن كل ما قام به «زايونز بنك كوربوريشن» غير قانوني أو تم إخفاؤه عن المنظمين. وبدت الاستراتيجيات التي استخدمها لخفض رأس المال الذي يحتاجه ذكية، وتعمل بشكل جيد في إطار القواعد. لكن انتهى بهم الحال إلى تكبد خسائر كبيرة. ما يقبع على المحك الآن هو قدرة «زايونز» على الاحتفاظ ببعض السندات المالية أملا في إمكانية التعافي، وما إذا كان سيضطر إلى تكبد خسائر في قائمة دخله عوضا عن الكشف عنها في الحواشي السفلية.
تعتمد استراتيجية «زايونز» في جانب منها على استخدام التصنيف المرتفع من قبل وكالات تصنيف السندات عند تقييمها للسندات المتأزمة. والآن، وقد تم دحض هذه التقييمات، عكست الوكالات من مسارها وقامت بخفض التصنيف بشكل حاد. ويشكو البنك من أن التصنيف منخفض على نحو غير معقول وهو ما يجعل الخسائر أكثر مما ينبغي أن تكون.
كان حملة الأسهم في «زايونز» سيؤدون بشكل أفضل لو أن البنك، وآخرين، أداروا الأمور بنفس الطريقة القديمة. كان باستطاعته جمع المزيد من رؤوس الأموال عبر إصدار أسهم عادية. فعندما كان بحاجة إلى إيداعات إضافية لتمويل القروض التي أراد تقديمها، كان بمقدوره عرض معدل فائدة أعلى. وكان المحتمل أن يؤدي هذان المساران إلى تراجع أرباح السهم، وربما الإضرار بسعر سهم «زايونز»، لكنهما ما كان ليتسببا في الخسائر الضخمة التي أعلن عنها الآن. وسيحاول هذا المقال تلخيص ما جرى، وربما يدرك القراء أن القروض السيئة - السبب التقليدي لخسارة الأموال في المصارف - لم تلعب دورا. فقد أقرض «زايونز» بعضا من هذه القروض، بطبيعة الحال، لكن مصاعب البنك الحالية كانت نتيجة لسياسة التمويل لا الديون التي لم تسدد.
تعود جذور المشكلة إلى عام 2000، في وقت لم تكن الودائع تنمو فيه بالشكل الكافي لتسمح لـ«زايونز» بالوفاء بمطالب عملائه من القروض. ولذا قام بإنشاء كيان خاص لهذا الغرض سماه «لوكهارت للتمويل». قدم «زايونز» القروض وقام بتحويلها إلى سندات وباعها إلى «لوكهارت»، التي جرى تمويلها بشكل كبير من بيع السندات التجارية قصيرة الأجل.
وقد أخبرني كلارك هينكلي، نائب رئيس بنك «زايونز»، قبل ست سنوات، بأن إنشاء «لوكهارت»: «أتاح لنا هذه الاستراتيجية بشكل أساسي إنتاج هذه القروض وعدم الاحتفاظ برأس مال ملموس عداها».
كان هذا البيع إلى «لوكهارت» نسجا من خيال. فقد أصدر «زايونز» ضمانات سيولة إلى «لوكهارت». ولو فسدت أي من السندات المالية التي تملكها «لوكهارت»، أو لم تتمكن «لوكهارت» من إصدار سندات تجارية، فسوف يقوم «زايونز» بشراء السندات مرة أخرى بقيمتها الاسمية. ومع بداية أزمة الائتمان في أواخر عام 2007، تجمدت سوق السندات الجارية المدعومة بالأصول، واضطر «زايونز» إلى الوفاء بذلك الوعد. وقد تسبب ذلك في خسارة تقدر بـ33 مليون دولار، واختار «زايونز» الكشف عنها عشية رأس السنة، وتزايدت تلك الخسارة بمرور السنوات.
وعندما تحدثت عن المشكلة في عام 2008، أشرت عرضا إلى أن «(لوكهارت) تقوم أيضا بشراء السندات المالية لا تلك التي قام (زايونز) بجمعها». كان ينبغي أن أدرس كليهما بحثا عن نوعية هذه السندات وسبب قيام «لوكهارت» بشرائها، والتي اتضح أنها كانت المصدر الرئيس خلف مشكلات «زايونز» الحالية.
كانت السندات التي تم اختيارها حزما من السندات المالية التي أصدرها بنك آخر، يسيطر على شركات. لماذا أصدرت هذه البنوك هذه السندات؟.. لكي يبدو أن البنك يحتفظ برأس مال جيد من دون أن يتمكن فعليا من اجتذاب أي شخص للاستثمار فيه. ولماذا كانت «لوكهارت» بحاجة إلى شراء السندات المالية؟.. لأن وكالات التصنيف، التي طلب منها منح سندات «لوكهارت» التجارية تصنيفا عاليا، طالبتها بأن تشتري سندات أخرى ممتازة لتنويع محفظتها.
كانت السندات موضع التساؤل حزما - التزامات الدين المضمونة - التي يطلق عليها السندات المضمونة الثقة التي أصدرتها المصارف وشركات التأمين. تلك السندات التي تعرف اختصارا باسم «ترو بي إس» كانت انتصارا للابتكارات المالية. كانت هذه الأوراق المالية بالنسبة لخدمة الدين الداخلي سندات، والفائدة التي يدفعها البنك كانت مخصومة من الضرائب. لكن بالنسبة لمنظمي البنك، كان بالإمكان معالجة المال المدفوع لهم كرأس مال، كما هو الحال بالنسبة لأرباح إصدار الأسهم العادية.
كان البنك قادرا على معالجة رأس المال لأن لديه الحق في وقف دفع الفائدة حتى خمس سنوات. بيد أنه بعد تلك العطلة كان عليهم إما دفع الفائدة أو المخاطرة باللجوء إلى إعلان الإفلاس. ومعظم التزامات الدين المضمونة التي يمتلكها «زايونز» الآن تم شراؤها في الأصل من قبل «لوكهارت» وحصلت على تصنيف ممتاز في ذلك الوقت.
وفي آخر إيداع فصلي لدى لجنة الأوراق المالية والبورصة كشف «زايونز» عن كيفية حدوث ذلك. فقد استغلت الكثير من المصارف ميزة الخمس سنوات هذه، وهو ما دفع وكالات التصنيف إلى إعادة التفكير. لكن الأوراق المالية الممتازة التي اشترتها «لوكهارت» لم تعد تملك تصنيف الدرجة الاستثمارية. فأفضلها تحمل التصنيف «BB» أما أسوأها فتصنيفها «CC» وهي القريبة من العجز عن التسديد. لكن «زايونز» لا يزال يتوقع أن تتمكن هذه السندات في النهاية من تسديد ديونها كاملة.
بيد أن البعض يخالفون هذا الرأي. لأن هذه الأوراق المالية تمتلك قيمة سوقية تقارب نصف القيمة الاسمية فقط. وكشف «زايونز» عن كل هذا الانخفاض في القيمة سابقا بصورة متعمقة في الهوامش. بيد أن الكثير من الخسائر التي تكبدها لم تظهر في قائمة الدخل الخاصة بالبنك على أنها خسائر. وقال البنك إنه توقع الكشف عن وجود صافي عبء، بعد خصم الضريبة، يقدر بنحو 387 مليون دولار أميركي، وهو ما يزيد من الأرباح المذكورة في أي سنة مضت منذ عام 2007.
ولم يجر إظهار هذه الخسائر في بيان الأرباح والخسائر قبل ذلك لأن القواعد المحاسبية الخاصة بتقييم الأوراق المالية تمنح البنوك الكثير من الحرية.
ويقول روبرت سويرينجا، أستاذ المحاسبة بجامعة كورنيل والذي كان عضوا منشقا عن مجلس المعايير المحاسبية المالية عندما جرى إرساء هذا النظام المرن منذ أكثر من عقدين من الزمان «يمكن أن تكون لديك قيمة مختلفة اعتمادا على الغرض الذي صرحت به بخصوص تعاملك مع الأوراق المالية». وحتى في حال انخفاض القيمة، يمكن أن تسهم الخطة المقررة لأي بنك في التحكم إذا ما كان هذا الانخفاض يجب ذكره على أنه خسارة أو أي شيء آخر أو حتى تجاهله. ويقول «زايونز» إن «قاعدة فولكر» تعني الآن أنه لم يعد بإمكانه التعبير عن عزمه الاحتفاظ بهذه الأوراق المالية حتى تستعيد قيمتها الكاملة. بيد أن المنظمين أعلنوا عن وثيقة توضح أنه من الممكن عدم سقوط التزامات الدين المضمونة إلى مستوى الفئة المحظورة أو يمكن إعادة هيكلتها مرة أخرى، في حال حدوث ذلك، من أجل الخروج من تلك المشكلة. لم يكن هناك توضيح مباشر ما إذا كان «زايونز» سيصرح بأن هذا الأمر «غير مهم» أم لا. وفي حال فعله لذلك، فمن الممكن أن يسمح له ذلك التصرف بالصمود وانتظار استعادة النشاط.
وبالطبع، فإن هذا الأمر قد لا يحدث، ومن ثم من الممكن أن تكون الخسائر أكبر. ومن ثم لجأت الكثير من البنوك التي إلى استخدام خيار عدم السداد لمدة خمس سنوات، وفعلت الأمر نفسه في عام 2009 أو عام 2010. وسيتعين على تلك البنوك قريبا أن تقرر ما إذا كان بإمكانها تحمل سداد تلك المبالغ المرحلة أم لا.
وإذا لم يُسمح ببيع الأوراق المالية وهي تجمع بين خصائص السندات والأسهم الممتازة، لما كانت البنوك قد حولتها إلى رأس مال بصورة أفضل لأنها كان سيتعين عليها حينئذ إصدار المزيد من الأسهم العادية. وتوصلت دراسة صادرة عن المؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائع إلى أن «المؤسسات المصرفية التي أصدرت هذه السندات كانت أكثر ضعفا، ونتيجة لذلك زادت المخاطر وأخفقت بشكل أكثر من المنظمات التي لم تتخذ تلك الخطوة». تجري مطالبة البنوك الكبرى بالتوقف تدريجيا عن التعامل مع الأوراق المالية «ترو بي إس» على أنها رأس مال. وقالت شيلا بير، الرئيسة السابقة لمجلس إدارة المؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائع، إن «الدرس المستفاد من ذلك الأمر هو أن رأس المال الوحيد المهم هو رأس المال العادي الملموس، وأن المشرعين يحتاجون إلى القيام بعمل أفضل من أجل تقييد عملية شراء البنوك لكل الأوراق المالية الأخرى».
وخسرت البنوك التي اشترت الأوراق المالية «ترو بي إس»، أو التي يوجد بها الكثير من التزامات الدين المضمونة، مثل «زايونز»، الكثير من الأموال. وتواجه الآن هذه البنوك تهديدا آخر أكثر خطورة. جرى إصدار الأوراق المالية «ترو بي إس» من قبل البنوك التي تمتلك شركات، وليس البنوك الفعلية. ووجد بعض الممولين البارعين طرقا لإعادة رسملة البنوك المتعثرة ثم إعلان إفلاس الشركات التي تحمل تلك الأوراق لتصير تلك الأوراق المالية عديمة القيمة. ولذلك يلجأ الآن المالكون للأوراق المالية إلى المحاكم من أجل محاولة إيقاف هذا التكتيك.
والسؤال الآن هو: أليس الابتكار المالي أمرا رائعا؟



«السعودية لإعادة التمويل العقاري» توقع اتفاقية شراء محفظة تمويل مع «البنك الأول»

جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
TT

«السعودية لإعادة التمويل العقاري» توقع اتفاقية شراء محفظة تمويل مع «البنك الأول»

جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)
جانب من توقيع الاتفاقية في السعودية (الشركة)

أعلنت «الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري»، إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة، عن توقيعها اتفاقية شراء محفظة تمويل عقاري سكني مع «البنك السعودي الأول». وتأتي هذه الخطوة ضمن جهود الشركة في دعم منظومة الإسكان في المملكة وتعزيز استدامة سوق التمويل العقاري السكني من خلال توفير السيولة للجهات التمويلية وتمكينها من توسيع نطاق خدماتها.

وحسب بيان للشركة، تهدف عملية الشراء إلى رفع كفاءة سوق التمويل العقاري السكني عبر توفير خيارات تمويل أكثر مرونة لدى البنوك وشركات التمويل، ما يتيح لها الاستمرار في تلبية الطلب المتنامي على تملّك المساكن، ويُعزز من قدرة الأُسر على الحصول على التمويل الملائم.

وقال الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري»، مجيد العبد الجبار: «تُمثل عملية الشراء مع (البنك الأول) خطوة جديدة في مسار الشركة نحو تعزيز السيولة واستدامة التمويل في السوق العقارية السكنية؛ حيث نعمل على تهيئة بيئة تمويلية تدعم الجهات الممولة، وتتيح لها الاستمرار في تقديم منتجات تناسب احتياجات الأسر السعودية، بما يُسهم في تسهيل رحلة تملّك السكن وفق مستهدفات برنامج الإسكان و(رؤية 2030)».

من جانبه، صرّح الرئيس التنفيذي لإدارة الثروات والمصرفية الشخصية لدى «البنك الأول»، بندر الغشيان: «نؤمن بأن هذه الشراكة تدعم استمرارية النمو في قطاع الإسكان، وتسهم في رفع نسبة تملك المواطنين للمنازل».

وتعكس هذه المبادرة الدور المحوري لـ«الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري» في تطوير السوق الثانوية للتمويل العقاري، وتوفير حلول مرنة للسيولة وإدارة المخاطر، بما يدعم استدامة التمويل وتوسّع قاعدة المستفيدين في مختلف مناطق المملكة.

يذكر أن «الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري» تأسست من قبل صندوق الاستثمارات العامة عام 2017، بهدف تطوير سوق التمويل العقاري بالمملكة، وذلك بعد حصولها على ترخيص من البنك المركزي السعودي للعمل في مجال إعادة التمويل العقاري، إذ تؤدي الشركة دوراً أساسياً في تحقيق مستهدفات برنامج الإسكان ضمن «رؤية 2030» الرامية إلى رفع معدل تملك المنازل بين المواطنين السعوديين، وذلك من خلال توفير السيولة للممولين لتمكينهم من توفير تمويل سكني ميسور التكلفة للأفراد، والعمل بشكل وثيق مع الشركاء لدعم منظومة الإسكان بالمملكة.


سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط العالميين

رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
TT

سوريا تفتح أبواب الطاقة لعمالقة النفط العالميين

رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)
رجل يسير بجوار مضخات نفط في مدينة الرميلان الغنية به (رويترز)

تتحرك سوريا بخطى متسارعة لاستعادة مكانتها لاعب طاقة إقليمياً، حيث كشف الرئيس التنفيذي لـ«الشركة السورية للنفط»، يوسف قبلاوي، عن خطط طموح لفتح المجال أمام شركات عالمية كبرى، مثل «شيفرون»، و«كونوكو فيليبس»، و«توتال إنرجي»، و«إيني».

وفي حديثه لصحيفة «فاينانشال تايمز»، أكد قبلاوي أن البلاد لم تستكشف سوى أقل من ثلث إمكاناتها النفطية والغازية، مشيراً إلى وجود تريليونات الأمتار المكعبة من الغاز في أراضٍ لم تُمس بعد، في انتظار الخبرات الدولية لاستخراجها.

تحالفات استراتيجية وعقود استكشاف بحرية

بدأت ملامح الخريطة الجديدة للقطاع تتشكل بالفعل؛ حيث وقعت شركة «شيفرون» الأميركية اتفاقية مع مجموعة «باور إنترناشيونال» القطرية لبدء استكشاف بلوك بحري، ومن المتوقع انطلاق الأعمال الميدانية خلال شهرين.

ولا يتوقف الطموح عند هذا الحد؛ إذ تدرس «قطر للطاقة» و«توتال إنرجي» الدخول في بلوك ثانٍ، بينما تُجرى مفاوضات مع «إيني» الإيطالية لبلوك ثالث. كما عززت «كونوكو فيليبس» وجودها بتوقيع مذكرة تفاهم سابقة؛ مما يعكس ثقة الشركات الكبرى بجدوى الاستثمار في القطاع السوري الواعد، وفق «فاينانشال تايمز».

معركة الإنتاج

بعد سنوات من الصراع، أحكمت الحكومة السورية سيطرتها بـ«القوة» على الحقول النفطية في الشمال الشرقي التي كانت خاضعة للقوات الكردية. ويصف قبلاوي حالة هذه الحقول بـ«السيئة»، حيث انخفض الإنتاج من 500 ألف برميل يومياً إلى 100 ألف فقط نتيجة التخريب واستخدام المتفجرات لزيادة الإنتاج قصير الأمد. ولتجاوز هذا العائق، يطرح قبلاوي استراتيجية «قطع الكعكة»، التي تقوم على منح الشركات العالمية حقولاً قائمة لإعادة تأهيلها، والسماح لها باستخدام عوائد هذه الحقول لتمويل عمليات استكشاف جديدة وعالية التكلفة في مناطق أخرى.

الخبرة الدولية

تسعى سوريا إلى سد الفجوة التقنية، خصوصاً في عمليات الاستكشاف بالمياه العميقة، حيث أجرت دراسات زلزالية ورسمت خرائط للحقول المحتملة، لكنها تفتقر إلى التكنولوجيا المتقدمة. وفي إطار هذا المسعى، من المقرر إجراء محادثات مع شركة «بي بي» في لندن، مع بقاء الأبواب مفتوحة أمام الشركات الروسية والصينية. ووفق تقديرات «وود ماكينزي»، فإن سوريا تمتلك احتياطات مؤكدة تبلغ 1.3 مليار برميل، مع مساحات شاسعة غير مستكشفة، لا سيما في القطاع البحري.

وفي تطور آخر نقلته «رويترز»، يستعد تحالف ضخم لبدء عمليات استكشاف وإنتاج واسعة في الشمال الشرقي السوري. ويضم هذا التحالف شركة «طاقة» السعودية بالتعاون مع عمالقة الخدمات النفطية والطاقة من الولايات المتحدة؛ «بيكر هيوز»، و«هانت إنرجي»، و«أرجنت إل إن جي».

يستهدف هذا المشروع تطوير ما بين 4 و5 بلوكات استكشافية في المناطق التي كانت تخضع سابقاً لسيطرة القوات الكردية قبل دمجها في الدولة، ويسعى التحالف إلى توحيد موارد البلاد تحت راية واحدة، في خطوة وصفها الرؤساء التنفيذيون بأنها تجسيد لرؤية سياسية مشتركة تهدف إلى نقل سوريا من «الظلمة إلى النور» عبر فوائد اقتصادية ملموسة.

نحو استقرار طاقي بنهاية العام

بوجود ألفي مهندس يعملون حالياً على تقييم الأضرار في الشمال الشرقي، تتطلع الحكومة السورية إلى إعلان جدول زمني كامل للتعافي بحلول نهاية فبراير (شباط) الحالي. ويحدو «الشركة السورية للنفط» تفاؤل كبير بالقدرة على مضاعفة إنتاج الغاز ليصل إلى 14 مليون متر مكعب يومياً بنهاية عام 2026.

وتأتي هذه التحركات مدعومة بزخم استثماري إقليمي، تقوده شركات سعودية وأميركية في مشروعات بنية تحتية وطاقة؛ مما يؤسس لمرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي تحت شعار الأمن والاستقرار.


الاتحاد الأوروبي يواجه تراجعه الهيكلي باستراتيجية «تبسيط القوانين»

فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي يواجه تراجعه الهيكلي باستراتيجية «تبسيط القوانين»

فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)
فون دير لاين تتحدث خلال مناقشة حول الإجراءات العاجلة لإنعاش القدرة التنافسية للاتحاد الأوروبي (إ.ب.أ)

يعيش الاتحاد الأوروبي لحظة فارقة في تاريخه الاقتصادي، حيث بات القلق من اتساع الفجوة مع الولايات المتحدة والصين يتصدر الأجندة السياسية في بروكسل. وفي ظل نظام عالمي مضطرب، حذرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، من أن الاستمرار في النهج الحالي يهدد مكانة القارة العجوز، مؤكدة أن المفتاح الحقيقي لاستعادة الزخم يكمن في «تبسيط القوانين» وكسر قيود البيروقراطية التي كبّلت الابتكار والإنتاجية لسنوات طويلة.

وفي نقد صريح للبنية المالية الأوروبية، قارنت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، بين الوحدة الأميركية والتشتت الأوروبي. فبينما تمتلك الولايات المتحدة نظاماً مالياً واحداً وعاصمة مالية موحدة، يغرق الاتحاد الأوروبي في 27 نظاماً مالياً مختلفاً، وأكثر من 300 منصة تداول. ووصفت فون دير لاين هذا الوضع بأنه «تجزئة مفرطة»، مشددة على ضرورة بناء سوق رأسمال موحدة، عميقة وسلسة، لتمويل مشاريع المستقبل، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي التي يتخلف فيها «الاتحاد» بشكل ملحوظ.

مطالب قطاع الصناعة

بالتزامن مع القمم السياسية، اجتمع قادة كبرى الشركات الأوروبية مثل «أرسيلور ميتال» للصلب و«سيمنز إنرجي» للتعبير عن مخاوفهم من التراجع الصناعي. وتلخصت مطالب قطاع الأعمال في ثلاث نقاط جوهرية؛ أولاها خفض أسعار الطاقة التي لا تزال مرتفعة جداً، مقارنة بالمنافسين الدوليين، وثانيتها المرونة التشغيلية عبر تخفيف القوانين البيروقراطية وقوانين العمل المتصلبة، وثالثتها دعم المنتجات الخضراء عبر تحفيز الطلب على المنتجات منخفضة الكربون لمواجهة الواردات الرخيصة.

مؤشرات الخطر

أظهر تقريرٌ حديث أعدّته شركة «ديلويت»، بتكليف من قطاع الصناعة، أن العلامات الحيوية للاقتصاد الأوروبي في اتجاه تنازلي. ومِن بين 22 معياراً للتنافسية، لم يتفوق الاتحاد الأوروبي إلا في 3 معايير فقط (أبرزها استخدام المواد المُعاد تدويرها). أما في معايير تكلفة البيروقراطية، أسعار الطاقة، والابتكار، فقد جاءت أوروبا في مرتبة متأخرة خلف الولايات المتحدة والصين، مما يعزز الرواية الداعية إلى إصلاح هيكلي شامل.

ثورة إدارية ومالية

استراتيجية «التبسيط» التي تقودها فون دير لاين لا تستهدف المصانع والشركات الكبرى فحسب، بل تمتد لتشمل جوهر العمل الاقتصادي: توحيد أسواق رأس المال لخلق عمق مالي يسمح بتمويل المشاريع الكبرى دون تعقيدات حدودية، وتخفيف الأعباء التنظيمية لتقليل تكلفة ممارسة الأعمال، مما يمنح الشركات الأوروبية القدرة على خوض حروب تجارية عالمية بمرونة أكبر، وإعادة صياغة قوانين الطاقة والعمل لضمان استجابة أسرع لمتغيرات السوق العالمية والواردات الرخيصة.

انقسام الرؤى

رغم اتفاق جميع دول الاتحاد على ضرورة التغيير، فإن الطريق نحو الهدف يشهد انقساماً حاداً بين القوى الكبرى:

- المعسكر الفرنسي: بقيادة إيمانويل ماكرون، يدفع نحو «الاقتراض المشترك» للاستثمار الضخم في الصناعة، وتعزيز استراتيجية «صُنع في أوروبا» لمواجهة هيمنة الدولار.

- المعسكر الألماني: بقيادة المستشار فريدريش ميرتز، يرفض بناء ديون جديدة، ويرى أن الحل يكمن في زيادة الإنتاجية، وتحسين الاتفاقيات التجارية، وتحرير الأسواق.

تتجه الأنظار نحو قمة القادة، التي تضم أسماء ثقيلة مثل ماريو دراغي وإنريكو ليتا، اللذين قدما تقارير تحذيرية حول مستقبل السوق الموحدة. وتبرز، الآن، دعوات جادة لتحديد موعد نهائي بحلول عام 2028 لاستكمال السوق الأوروبية الموحدة كلياً. هذا التحرك ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو الرد الوحيد الممكن لمواجهة ضغوط الحرب التجارية التي يقودها دونالد ترمب، والقيود الصينية على المواد الخام، والتهديدات الجيوسياسية الروسية، لضمان استمرار أوروبا قوة عظمى في القرن الحادي والعشرين.