«بأي ذنبٍ رَحلَتْ؟»... رواية تستبطن الشخصية المغربية المثقفة

من روايات «القائمة القصيرة» لجائزة «بوكر» العربية

«بأي ذنبٍ رَحلَتْ؟»... رواية تستبطن الشخصية المغربية المثقفة
TT

«بأي ذنبٍ رَحلَتْ؟»... رواية تستبطن الشخصية المغربية المثقفة

«بأي ذنبٍ رَحلَتْ؟»... رواية تستبطن الشخصية المغربية المثقفة

من روايات القائمة القصيرة لجائزة «بوكر العربية» رواية «بأي ذنبٍ رَحلَتْ؟»، للروائي المغربي محمد المعزوز، الصادرة عن «المركز الثقافي للكتاب»، في الدار البيضاء. وقد سبق للمؤلف أن أصدر رواية «رفيف الفصول»، ونال عنها جائزة المغرب للكتاب عام 2007، عن فئة الكتابة الإبداعية، وهو باحث أيضاً، وله كتب أخرى في المسرح والسياسة وعِلم الجمال.
أوردنا هذه المقدمة لأنها تُوحي بأن هناك أصداء للسيرة الذاتية لكاتب الرواية ومبدعها، ليس بالضرورة أن تتطابق مع أحداث النص، لكنها تستوحي منه كثيراً من المظاهر الفكرية والاجتماعية والسياسية، ولعلها تذهب أبعدَ من ذلك، حين تتكئ على الرسم والموسيقى والفلسفة وعلم الجمال، وتتخذ منها ثيمة رئيسية للرواية التي تزدان بالشخصيات المثقفة التي يشرّحها الكاتب، ويكشف عن أسرارها العميقة، بُغية إدراك إشكالياتها الوجودية، وملامسة اختلالات القيم التي عصفت بالمجتمع المغربي على وجه التحديد، من دون أن نغفل التحولات الكبيرة التي شهدها العالم برمته منذ ستينات القرن الماضي حتى الوقت الحاضر.
لم يرِد محمد المعزوز أن يقدم لنا نصاً كلاسيكياً، لذلك استعان بالراوي العليم الذي يسرد الأحداث الروائية بزمن دائري، يبدأ من منتصف الرواية ثم يعود بنا إلى زمنها الخطي المستقيم، الذي يبدأ من باريس وينتهي في مدينة «وجدة» المغربية التي تحتضن أبطال الرواية وبعض الشخصيات الهامشية الأخرى التي تؤثث المتن السردي، وتمدّه بنسغ الحياة على أصعدة مختلفة، لكي يتكشّف اللغز الوحيد الذي تقوم عليه هذه الرواية التي توسل فيها الكاتب التقنية البوليسية التي ينجلي فيها السرّ في خاتمة النَصّ ونهايته المدروسة بعناية فائقة.
ووفق البنية الدائرية التي تبدأ من المنتصف، نجد أنفسنا أمام شخصية عبد الله الذي يعمل في المخبَز، ويقدّم أرغفته الطازجة إلى الناس، لكنه ينعزل في هذا المكان ويتوحّد فيه بعيداً عن مجتمع مدينة «وجدة»، في أقصى الشمال الشرقي من المغرب. ورغم أنّ عبد الله لا يختلط بالناس، ولا يتكلم كثيراً، فإننا سنتعرّف على شخصيته المتكتّمة التي تثير الانتباه، وربما تكون اللوحة الفنية التي يعلّقها على أحد جدران المخبز هي التي ستُخرجه من صمته، حين تسأله راحيل عن سرّ اغتيال التوقيع الذي يذيّل اللوحة المعبّرة، لكنه يمتنع عن البوح باسم الرسّامة التي أبدعت هذا العمل الفني اللافت للانتباه.
ولكي نضع القارئ في صورة الحدث الروائي، لا بد من العودة إلى شخصية عبد الله المنهمك بالفلسفة ودراستها في باريس، فهو متزوج من راشيل، الرسّامة الفرنسية التي لا تعوّل كثيراً على المؤسسة الزوجية، فقد اعترفت له بارتكاب خطيئة فادحة عندما أنجبت طفلة منه. وفي لحظة هستيرية، أحرقت لوحاتها الثلاث، ولكنه تمكّن من إنقاذ إحداها، بعد أن امتدّت ألسنة النيران إلى الورشة برمتها.
ويتلقّى عبد الله مكالمة هاتفية من شقيقه في «وجدة»، ليخبره بأنّ زوجته الفرنسية راشيل قد جاءت رفقة طفلتها إلى بيت والده تسأل عنه. وحينما وصل، اكتشف أنها توارت عن الأنظار قبل مجيئه بساعات.
لم يستغرق بحثه زمناً طويلاً، إذ أخبرته الشرطة بأنه تمّ العثور على زوجته منتحرة، بعد أن قطعت شرياني معصميها لتتركه نهباً للعزلة والانطواء في مخبزه الذي يحتضن لوحتها الوحيدة المتبقية التي جلبها أحد أصدقائه من بيته في باريس بعد أن فسخ عقد الإيجار. تأخذ الرواية منحى بوليسياً إثر اختفاء ابنته راحيل، وسوف يتعرّف القارئ تدريجياً على شخصية الأب عبد الله، وعلى ابنته راحيل، وبقية الشخصيات الأخرى التي تدور في فلكيهما.
فإذا كان الأب غارقاً في الفلسفة، والأم رسّامة، فإن البنت المفقودة قد أصبحت عازفة موسيقية ومغنية أحبّت خالد، المناضل السياسي، وتزوجته، لكنهما وصلا إلى طريق مسدود أفضى بهما إلى الانفصال من دون أن يتطلّقا. ربما تكون راحيل هي الشخصية الأكثر إغراءً في الرواية، ولعلها تقف بموازاة شخصية الأب المنطوية التي يلفّها الغموض. وقد عمد الروائي إلى اتّباع تقنية الاسترجاع للكشف عن حياة راحيل المبهمة أيضاً، لكن هذا الالتباس سوف يُزال تباعاً، فنعرف أنّ «عيشة» المتسوّلة قد سرقت الطفلة راحيل، تاركة وراءها جثة أم مضرّجة بالدماء. وبما أنّ «عيشة» كانت ترتاد حلقات الذِكر، وتسقط مغشياً عليها وهي تنشد كلمات عبد القادر الجيلاني، ونصوص الحلاج وابن عربي، فإن هذه الطفلة قد شُغفت بسماع الذِكر والإنشاد، وإن المتسولة قد أطلقت عليها اسم «رابعة»، تيمّناً برابعة العدوية. وقبل أن تواجه «عيشة» مصيرها المحتوم، سلّمت راحيل إلى دار الأيتام، حيث تعلّمت العزف والغناء على يد امرأة مُسنة تُدعى زينب، وبما أنّ هذه الأخيرة مُصابة بالسلّ، وعلى وشك أن تغادر الحياة، فقد سردت لها قصة حياتها منذ انتحار أمها حتى لحظة وجودها الأخيرة في الميتم، وسلّمتها حقيبة تحتوي على لوحة فنية بديعة ملفوفة بقماش من حرير، إضافة إلى صورة كُتب على ظهرها: «أُهدي هذه الملامح المتصارعة إلى ابنتي التي ستدرك أنّ الأمومة أكذوبة، وأنّ الإنجاب تكرار لفصيلة من الكائنات فقدت كينونتها وجهلت سرّ خلقها»... قصدت راحيل المخبز لتشتري رغيفين، لكنها صدمت حين شاهدت لوحة معلقة على الجدار تحمل توقيعاً مموهاً أو مطموساً. شعرت وكأنها تعرف هذه اللوحة، وتمتّ إليها بصلة ما، لأنها «تلبس كل المعاني التي لها دلالة على الوجود والامتداد».
ترتبط راحيل بخالد الذي يدعم المقاومة الفلسطينية ويجمع لها التبرعات. وذات مرة، يطلب منها أن تبيع اللوحة التي ورثتها عن أمها، وتتبرع بأموالها إلى المقاومة، فترفض مفضّلة الانفصال على بيع الأثر الوحيد الذي خلّفته لها الوالدة بعد انتحارها. وعندها، أدركت «أنها لم تكن في عالمه إلا شيئاً مُلحقاً، أو أنه لم يكن يرى فيها أكثر من مجرد موضوع للأنس والألفة».
تنظّم راحيل حفلاً موسيقياً وغنائياً يحضره جهور غفير، بينهم عبد الله وخالد ووليد وجيهان، وتعزف وتغنّي من أعماق القلب غناء يثير الشجون، لكن رأسها يسقط على المفاتيح الوسطى للبيانو وتفارق الحياة، وسط شهقات الحاضرين، لتصرخ جيهان بصوت عالٍ وهي تتجه نحو عبد الله مفزوعة لتخبره بأن الحقيقة قد انكشفت، وأنّ راحيل هي ابنته التي فقدها بعد انتحار زوجته راشيل. عندها، يختتم الرواية متسائلاً: «ماذا يختبئ بعد وراء الستار؟».
ثمة شخصيات تمدّ الرواية بقصص جانبية، مثل رؤوف السياسي الذي يمثل الانتهازية في أعلى درجاتها، وقد سافر مع جيهان إلى ألمانيا، واعتدى عليها بذريعة إباحة الجنس للذوات البشرية. وهناك عبد العزيز الوجدي الذي دخل السجن، وتعرّض لمختلف أنواع التعذيب، مذكراً إيانا بأدب السجون والمعتقلات. وهناك استحضار لشخصية جان دارك من عمق التاريخ الفرنسي، حيث رأت في منامها ملاكاً يأمرها بنصرة شارل السابع، وتحرير فرنسا من هيمنة الإنجليز.
ما يميز هذه الرواية التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة «بوكر العربية» هو ثيماتها المتعددة التي تجمع بين الفلسفة والفن التشكيلي، والموسيقى والغناء، وتغوص في أعماق الشخصيات العربية والفرنسية، وتكشف عن جذورها، ضمن حبكة درامية رصينة.



جاك لندن... من راوي المغامرة إلى شخصية تسكنها التناقضات

جاك لندن
جاك لندن
TT

جاك لندن... من راوي المغامرة إلى شخصية تسكنها التناقضات

جاك لندن
جاك لندن

تحلّ هذا العام الذكرى المائة والخمسون لميلاد جاك لندن الكاتب المعروف، فتعود إلى واجهة النقاش الأدبي والثقافي واحدة من أكثر الشخصيات الأميركية تعقيداً وإثارةً للجدل. وبهذه المناسبة تُبادر دور النشر الفرنسية والأميركية إلى إعادة إصدار أعماله، بينما تتسابق الصحف ذات الثقل الفكري إلى تقديم قراءات جديدة لإرثه.

والواقع أن هذه العودة ليست مجرد طقس احتفالي أو واجب ذكرى، بل هي دعوة ضمنية لمراجعة الصورة النمطية التي رسختها عقود من القراءات المبسِّطة، والسؤال المطروح الذي تناولته الكثير من المنابر الثقافية في هذه المناسبة هو: هل كان لندن حقاً كاتب المغامرة والطبيعة الجامحة أم أن في الأمر قراءة ناقصة، إن لم تكن خيانة أدبية صريحة؟

وقبل الإجابة، كان الإجماع هو أن لندن قد منح القراء حول العالم متعةً أدبية خالصة، فرواياته الكبرى عن ألاسكا وعن ذئاب اليوكون وعن قسوة الطبيعة التي تبتلع الضعفاء جعلت منه اسماً لا يُنسى في الأدب المكتوب بالإنجليزية، غير أن هذه الشهرة كانت في الوقت ذاته حجاباً سميكاً غط جانباً آخر من شخصيته وكتابته؛ لندن الآخر هو ذاك الذي نشأ في أحضان الفقر، وعمل في المصانع وعلى أرصفة الموانئ قبل أن يكتب، والذي انتسب إلى الحزب الاشتراكي الأميركي ولم يرَ في ذلك أي تناقض مع أدبه.

ولاحظت صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» في موضوع نشر بمناسبة ذكرى ميلاده أن «لندن كثيراً ما يُربط بالمغامرة والفضاءات الواسعة والحياة البرية، في حين أن ما يميّزه فعلاً هو حسٌّ اجتماعي حاد جعل منه أديباً يلتقط ما تحجبه الأساطير من حقائق»، ويكشف هذا التصويب النقدي أن المجلة تدعو القارئ إلى إعادة النظر في لندن: لا كاتبَ المناظر الطبيعية بل المراقب الاجتماعي الذي يخترق المجتمع الأميركي من الداخل. وتعتبر رواية «شعب القاع» أو People of the Abyss الصادرة في 1903، تجسيد قوي لهذا التوجه، ففيها لا يقف لندن خارج المشهد لينقله، بل يرتدي ملابس العاطل ويقتحم أحياء الفقر في حي «إيست إند» اللندني ليعيش من الداخل ما كان يصفه غيره من الخارج: الجوع اليومي والسكن الرديء والبطالة المزمنة، وهو ما منحه طابعاً شبه وثائقي يجعله أقرب إلى الصحافة الاستقصائية منه إلى الرواية التقليدية. وقد أشارت قراءات فرنسية متعددة إلى هذه الخاصية بدقة لافتةً، مشيرة إلى أن جاك لندن لا يراقب البؤس بل «يعبره»، وأن هذا التماس المباشر مع العالم السفلي للمجتمع الصناعي هو ما يحوّل كتابته إلى فعل استقصاء حقيقي. فالأدب عنده لا يكتفي بتصوير الواقع، بل يُصبح أداة معرفية من الدرجة الأولى.

على أن هذه الذكرى قد منحت الصحافة الفرنسية فرصة أخرى لا تقل أهمية، وهي الإمساك بالتناقض الجوهري الذي يجعل لندن أغنى من أي تعريف أحادي. فقد اختارت صحيفة «لوفيغارو» بهذه المناسبة عبارة كاشفة، إذ وصفته بـ«المغامر صاحب الحيوات المتعددة»، وهي عبارة ذات وجهين، فهي تُضيء البعد الأسطوري في سيرته وتُجلّيه، لكنها في الوقت ذاته تُلمّح إلى رجل لا يمكن حبسه في هوية واحدة، ولا اختزاله في قناع بعينه، حيث كان العامل واليتيم والمتسكع والبحار والمستكشف والاشتراكي والمزارع والكاتب الأكثر مبيعاً. أما مجلة «ماريان»، فقد ذهبت أبعد وأجرأ، حين قدّمت لندن بوصفه «الكاتب الاشتراكي غير المفهوم» وهي صيغة تلتقط بدقة التوتر الكامن في مشروعه الأدبي والفكري. فهو من جهة منحاز بوضوح إلى الفقراء والمقهورين، حيث انتسب إلى الحزب الاشتراكي وخطب في التجمعات العمالية وكان أكثر الكتاب الأميركيين قراءة في الاتحاد السوفياتي، ومن جهة أخرى كان معجباً بالقوة الغريزية وفكرة الصراع وبأسطورة الإرادة الفردية، حتى إنه اقتنى مزرعة فارهة في كاليفورنيا ويخت خاص من النوع الفاخر، وكأنه يدين الرأسمالية بقلمه، لكنه يمتلك بيده ما تمنحه من امتيازات.

لا تختلف الصحافة الأميركية في مجملها عن نظيرتها الفرنسية في إعادة تقديم لندن بوصفه أعمق مما تسمح به الصورة الشائعة. ففي اليوم الذي يُصادف عيد ميلاده نشرت مجلة «ذا ساتردي إيفنينج بوست» وهي المجلة الأميركية العريقة التي نشرت «نداء البرية» أول مرة عام 1903 مقالةً بعنوان «جاك لندن في المائة والخمسين» تذكر فيها بأن كثيرين من القراء الأميركيين لم يعرفوا من لندن سوى كاتب المناهج المدرسية، فيما هو في حقيقته «صحافي حرب وكاتب مذكرات، وكاتب فضائح، ومحرّض اشتراكي، ومغامر متسلسل». وقد دعت المجلة إلى قراءة لندن كاملاً: خمسين كتاباً تتضمن الروايات ومجموعات القصص والمقالات والرحلات والشعر، لا مجرد روايتين عن الذئاب والثلج.

وفي الوقت ذاته نشر موقع «بيبلز وورلد» أبرز المنابر اليسارية في الصحافة الأميركية مقالاً تحليلياً للناقدة جيني فارِل بعنوان «جاك لندن في المائة والخمسين: الكعب الحديدي بوصفه أولى ديستوبيات عصر الإمبريالية». وفي هذا النص المطوّل الذي استقطب اهتماماً واسعاً تُقدّم فارِل رواية «االعقب الحديدية» (1908) بوصفها: «أكثر من مجرد رواية سياسية، بل نصاً تأسيسياً في الأدب الديستوبي»، مشيرة إلى أنها ظهرت قبل الفاشية الأوروبية بعقدين كاملين، وتُلاحظ الكاتبة أن لندن رسم في هذه الرواية معالم نظام أوليغارشي يسحق العمال بعنف منظّم، مستنداً إلى تحليله الماركسي لصعود الرأسمالية الاحتكارية في استباق أدبي لما سيشهده العالم بعده.

وتُشير فارِل إلى أن الرواية كانت مصدر إلهام لجورج أوروِل حين كتب «1984»، حسب اعترافه، وهو ما يمنحها موقعاً مركزياً في تاريخ الأدب السياسي الغربي.

أما مجلة «كاونتربنش» الأميركية Counter punch فقد اختارت، قُبيل الذكرى، نبرةً أكثر تعقيداً وأشد جرأة، إذ نشرت موضوع للناقد والمؤرخ الأدبي جوناه راسكين تحت عنوان «جاك لندن الاشتراكي المشهور في عمر المائة والخمسين»

وفي هذه المقالة التي أشعلت جدلاً واسعاً في المشهد الثقافي الأميركي، لم يتوانَ راسكين عن طرح السؤال المُحرج بصراحة: ما الذي يُبقي لندن راسخاً في المناهج الدراسية حين تتجاهل قراءات تلك المناهج جوانب مقلقة في إرثه، من العنصرية إلى التناقض بين خطابه الطبقي وحياته المرفّهة؟، وهنا يُذكّر راسكين بأن إيما غولدمان، الفوضوية الأميركية الروسية الشهيرة وصفته بأنه «الكاتب الثوري الوحيد في أميركا».

على صعيد مختلف، أصدرت «مكتبة أميركا» المرجعية الأكاديمية التي تُعدّ من أرفع مؤسسات التوثيق الأدبي في الولايات المتحدة، في الثالث عشر من يناير (كانون الثاني) 2026 مقالةً بعنوان «رماداً لا غباراً: جاك لندن المتمرد الأدبي في المائة والخمسين» تركز فيها على زوايا من شخصية لندن لا طالما أربكت قرّاءه: كيف يكون المرء ثورياً بالقلم ومترفاً بالسلوك في آنٍ واحد؟

مات جاك لندن عام 1916 وهو في الأربعين من عمره، تاركاً أكثر من خمسين كتاباً وأسطورة أضخم من الكتب. ولعل في رحيله المبكر، شيئاً من المنطق الداخلي لحياة احترقت في الاتجاهين، وفي هذا التوتر بين الجانبين، تكمن فرادة جاك لندن وتظل قراءته اليوم ضرورة لا رفاهية.


الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً
TT

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

في مجموعته القصصية «كل الألوان أزرق» الصادرة أخيراً عن دار العين بالقاهرة، لا يكتفي الكاتب والقاص المصري مجدي القشاوي باستلهام الفن التشكيلي كمرجعية جمالية للكتابة، بقدر ما يكتب من داخل عالمه البصري والحسيّ، بحيث لا يتحرك السرد وفقاً لمنطق الحكاية التقليدية بقدر ما يتحرك بمنطق اللوحة؛ الضوء، واللون، والكتلة، والفراغ، والعلاقات الدقيقة بين العناصر، لتبدو قصص المجموعة أقرب إلى تكوينات بصرية أو حالات انطباعية منها إلى نصوص تنهض على الحدث.

منذ عتبة القصة الأولى «طبيعة صامتة» يتشكل عالم البطلين كسطحٍ فني يُبنى تدريجياً، لتصبح استجاباتهما الشعورية نفسها أقرب إلى فعل تشكيلي، يقول السارِد عن البطلة: «وحدها من استطاعت، بضربة واحدة من فرشاتها، أن تفتح الدوائر المعتمة من حولي، فينساب الضوء كريماً وشوافاً»، لتسري العلاقة بين البطلين عبر تحوّلات رقيقة تشبه انعكاسات الضوء.

ولا تبدو «الفُرشاة» في عالم القشاوي مجرد أداة للرسم، بل أداة للكشف وإعادة الرؤية، بقدرتها على إعادة تشكيل المجالين البصري والنفسي معاً، ففي قصة «الخط الأبيض العريض» يبدو العالم وكأنه لوحة بصرية مراوغة إذ يقول البطل: «تحوّلت كل الصور إلى حالة شبحية، كأن هناك من أمسك بفرشاة ومرّ عليها حتى صنع فوقها خطاً عريضاً»، وفي الوقت نفسه تقوم بوظيفة كاشفة، حيث «الفرشاة كانت تُزيح أكثر مما تطمس»، وكأن الكتابة هنا تسعى إلى كشط تراكمات الواقع، للكشف عن هشاشته وتفاصيله الخفية

حساسية انطباعية

من هنا يمكن فهم اقتراب القشاوي من حساسية «الانطباعيين»، حيث النصوص لا تنشغل بالتقاط الأشياء في صورتها النهائية، بقدر ما تنشغل بالتقاط أثرها المتحوّل على الحسّ والوعي، وذلك بنوع من «تحييد المعنى» لصالح الإحساس العابر واللحظة الهاربة، فالضوء يتغير باستمرار، والضباب يُذيب الحدود، والألوان تتحوّل إلى خبرات شعورية، كما في قول بطل إحدى القصص المُغرم بالمدرسة الانطباعية «شاهدت لوحة لخمس تفاحات خضراء متجاورة فوق المنضدة، جميعها بدرجة لون واحدة، وحتى التركيز على الظلال لم يكن ظاهراً في اللوحة، والنتيجة كانت أنني أحسست الأخضر كما لم أحسه في المزارع الكبرى»، بل إن اللون نفسه لا يعود مجرد عنصر بصري، وإنما يتحوّل إلى حمولة حسية ووجدانية: «اللون وقد نجح أن يتحوّل إلى وزن»، وهي تمثيلات تُعزز طموح السرد لالتقاط الانطباعات السريعة قبل الزوال.

تبدو الحساسية الفنية هنا جزءاً عضوياً من بناء شخصيات المجموعة وطريقتها في فهم العالم، فأبطال القشاوي غالباً ما يمتلكون وعياً جمالياً فائقاً، أو يرتبطون بالفعل الفني بصورة مباشرة كما في قصة «أربعون غياباً على حوائط حجرة واحدة».

ففي أكثر من قصة يظهر البطل متأملاً لوحة صامتة، أو مشغولاً بطريقة تشكّل الضوء فوق الأشياء، ويبدو أحد الأبطال كما لو كان يتحدث بنبرة تستدعي رسائل «فان جوخ»، لا سيما في استنطاقه الألوان: «أيها الأصفر، أخبرني تاريخ صحراواتك وعبْر ما تشعر به».

شظايا وكولاج

لكن حساسية المجموعة لا تتوقف عند الانطباعية وحدها، بل تمتد إلى نوع من الجماليات القائمة على التشظي والترميم، ففي قصة «طبيعة صامتة» تصنع البطلة منضدة من قطع موزاييك وشظايا زجاج سيارتها بعد تهشمها في حادث قديم، ليصبح الكسر نفسه جزءاً من التجربتين الإنسانية والفنية معاً، يقول السارِد: «المذهل كان تكسيرها للقطع الصغيرة بمطرقة، الأمر الذي جعل لهشيم العالم مساحة واضحة داخل العمل»، وهي عبارة تكاد تختصر الرؤية الجمالية للمجموعة بأكملها، حيث العالم لا يُرمَّم عبر محو الشروخ، بل عبر إعادة ترتيبها داخل قالب جديد يسمح بالحياة فوق الندبة نفسها.

ويتجاوز التشظي مستوى الصورة إلى البناء السردي ذاته، خصوصاً في قصة «إحدى وعشرون رسالة عن فراشة سوداء فوق وجه عازفة الفلوت»، التي يستعين فيها القشاوي ببنية الرسائل القصيرة داخل الوسيط الرقمي «إنستغرام»، لتبدو الرسائل الشذرية التي يرسلها السارد إلى البطلة وحدات مستقلة تشارك معاً في تشكيل حالة كلية من القلق والهشاشة والزوال، ولذا يقول السارِد إن «الرسائل، على محدودية حجمها، قادرة على حمل فكرة أو دفقة شعورية مكتملة».

يظهر الفن في المجموعة بوصفه محاولة لإبطاء العالم وتدبّر اللحظات الهاربة، ففي قصة «الفراشة السوداء» يتأمل الكاتب اندفاعة الحياة البلهاء، ذلك التيار المتواصل الذي يدفع الأشياء والكائنات نحو الاستهلاك والزوال، بينما تبدو الكتابة نفسها محاولة يائسة للحاق بالأثر قبل اختفائه، كما في تلك المفارقة: «انتهى عمر الفراشة وأنا أكتب».

خبرة الحواس

تبدو العلاقات العاطفية داخل المجموعة نفسها قائمة على إعادة تشكيل الإدراك، لا على الحب بوصفه حكاية تقليدية، فالمرأة في القصص تبدو وسيطاً يُعيد من خلاله الرجل اكتشاف العالم والحواس والألوان، ففي «أربع علامات استفهام في حوار صباحي سريع» يُعبَّر عن الحب عبر تفاصيل صغيرة؛ وسادة طبية، سؤال عن مذاق الطعام، حتى المشاعر نفسها تتحوّل إلى تكوينات حسّية، فيقول البطل حينما باغته الحب أنه «شعر بإصبع حنون تضغط على المنطقة التي تقع بين عينيه».

تعتمد قصص المجموعة بدرجة كبيرة على الحواس بوصفها أدوات للمعرفة؛ الرائحة، والصوت، والملمس، ولا تُستخدم بوصفها فوائض وصفية بقدر ما تطمح إلى فهم العالم والتقاط أثره الداخلي، يقول أحد الأبطال: «الرائحة تحفر داخلي مساراً منفرداً»، وفي قصة أخرى يقول بطلها: «في جلستي التي طالت؛ رأيت خيوطاً من الصوف تخرج من بلوزتها ذات الرقبة المرتفعة، ورأيتني أنظر إليها بتركيز حتى اخترقت النسيج، وأحسست الوبر، وتشبعت مسامي بلون الصوف الأصفر الأدكن الذابل الذي يماثل، حد التطابق، لون أزهار الشجرة الضخمة الوحيدة»، وكأن الشخصيات تتنفس المعنى عبر خبرة الحواس البدائية التي تسبق اللغة ذاتها.

وهكذا، تبدو قصص المجموعة بمثابة زوايا مفتوحة على التأمل، وإعادة النظر في مفهوم الزائل، كما وردة الصحراء، أو الفراشة، أو قطعة زجاج، أو حتى الحب نفسه، عبر كتابة تتلمس النقص وتحتفي به، أو على حد تعبير أحد الأبطال: «عدم اكتمال اللوحة أغنانا».


صدور المجموعة الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدور المجموعة  الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم
TT

صدور المجموعة الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدور المجموعة  الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدرت في بغداد المجموعة الشعرية الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم، ويعد صدور هذه المجموعة محطة بارزة في توثيق تجربة شعرية امتدت لأكثر من أربعة عقود، رافقت التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي عاشها العراق منذ النصف الثاني من القرن العشرين وحتى اليوم. وهي لا تعني مجرد إعادة نشر قصائد متفرقة في مجلد واحد، بل تمثل إعادة اكتشاف لمسيرة إبداعية متكاملة، وقراءة جديدة لصوت شعري ظل وفياً للإنسان والذاكرة والأسئلة الكبرى التي شغلت الأجيال العراقية المتعاقبة.

وحميد قاسم أحد الأصوات الشعرية التي سعت إلى بناء قصيدتها الخاصة بعيداً عن التقليد والتكرار، فقد اتسم مشروعه الشعري بالنزعة الإنسانية والاهتمام بالتفاصيل اليومية الصغيرة، إلى جانب حسّ تأملي عميق جعل من قصائده مرآة للقلق الوجودي والبحث الدائم عن معنى الحياة. ومن هنا تأتي أهمية صدور أعماله الكاملة، إذ تمنح القارئ فرصة لتتبع تطور تجربته الفنية والفكرية، والوقوف على التحولات الأسلوبية واللغوية التي مرت بها قصيدته عبر السنين.

لقد عكست قصائد حميد قاسم صورة العراق بكل ما فيه من جمال وألم، فكان شاعرًا قريبًا من الناس، منحازًا إلى البسطاء والمهمشين، ومؤمنًا بأن الشعر ليس ترفًا لغويًا، بل فعل مقاومة ضد القبح والنسيان. وفي نصوصه تتجاور صور الطفولة والمدينة والمنفى والحب والحرب، لتشكّل فسيفساء إنسانية تعبّر عن وجدان العراقيين في مختلف مراحلهم التاريخية. لذلك فإن إصدار المجموعة الشعرية الكاملة لا يمثل حدثاً شخصياً يتعلق بالشاعر وحده، بل يُعد إضافة نوعية إلى المكتبة العراقية والعربية، وحفظًا لذاكرة شعرية ترتبط بتاريخ وطن كامل.

وتكمن أهمية هذا الإصدار أيضاً في كونه يتيح للأجيال الجديدة الاطلاع على تجربة شعرية ربما لم تتح لها فرصة التعرف إليها بصورة شاملة من قبل. فالكثير من الدواوين القديمة كانت قد نفدت طبعاتها أو توزعت بين مجلات وصحف ودور نشر متباعدة، مما جعل الوصول إليها أمراً صعباً. أما اليوم، فإن جمع هذه النصوص في إصدار واحد يمنح الباحثين والقراء فرصة ثمينة لدراسة منجز الشاعر قراءة متكاملة، والكشف عن الروابط الداخلية بين نصوصه المختلفة، فضلاً عن متابعة تطور رؤيته الشعرية والإنسانية.

ومن المعروف أن الشعر العراقي الحديث يمتلك إرثاً غنياً صنعته أسماء كبيرة تركت أثراً واضحاً في الثقافة العربية، وقد جاء حميد قاسم ضمن هذا السياق الإبداعي الذي احتفى بالتجديد وكسر الأشكال التقليدية. لكنه في الوقت نفسه احتفظ بصوته الخاص، فلم يكن تابعاً لتيار بعينه، بل استطاع أن يخلق توازناً بين الحداثة والوضوح، وبين العمق والبساطة، وهو ما منح قصيدته قدرة على الوصول إلى القارئ دون أن تفقد بعدها الفني والجمالي.

إن صدور الأعمال الشعرية الكاملة لأي شاعر يُعد اعترافاً بقيمة تجربته ومكانته في المشهد الأدبي، وهذا ما ينطبق على حميد قاسم الذي استطاع عبر سنوات طويلة أن يرسخ حضوره بوصفه شاعراً يمتلك حساسية خاصة تجاه اللغة والحياة. فقصيدته لا تعتمد على الزخرفة اللفظية بقدر اعتمادها على الصدق الشعوري والقدرة على التقاط اللحظة الإنسانية بأبعادها المختلفة. ولهذا بقي شعره قريباً من القارئ، قادراً على إثارة التأمل وإعادة طرح الأسئلة المتعلقة بالوطن والهوية والإنسان.

كما أن هذا الإصدار يشكل خطوة مهمة في حفظ الإرث الثقافي العراقي، خصوصاً في ظل ما تعرضت له الثقافة العراقية من تشتت وضياع خلال العقود الماضية بسبب الحروب والهجرة والظروف السياسية الصعبة. فتوثيق أعمال الشعراء والمبدعين وإعادة نشرها يسهمان في حماية الذاكرة الثقافية من النسيان، ويعيدان الاعتبار للكلمة بوصفها جزءاً من هوية المجتمع وتاريخه.