«بأي ذنبٍ رَحلَتْ؟»... رواية تستبطن الشخصية المغربية المثقفة

من روايات «القائمة القصيرة» لجائزة «بوكر» العربية

«بأي ذنبٍ رَحلَتْ؟»... رواية تستبطن الشخصية المغربية المثقفة
TT

«بأي ذنبٍ رَحلَتْ؟»... رواية تستبطن الشخصية المغربية المثقفة

«بأي ذنبٍ رَحلَتْ؟»... رواية تستبطن الشخصية المغربية المثقفة

من روايات القائمة القصيرة لجائزة «بوكر العربية» رواية «بأي ذنبٍ رَحلَتْ؟»، للروائي المغربي محمد المعزوز، الصادرة عن «المركز الثقافي للكتاب»، في الدار البيضاء. وقد سبق للمؤلف أن أصدر رواية «رفيف الفصول»، ونال عنها جائزة المغرب للكتاب عام 2007، عن فئة الكتابة الإبداعية، وهو باحث أيضاً، وله كتب أخرى في المسرح والسياسة وعِلم الجمال.
أوردنا هذه المقدمة لأنها تُوحي بأن هناك أصداء للسيرة الذاتية لكاتب الرواية ومبدعها، ليس بالضرورة أن تتطابق مع أحداث النص، لكنها تستوحي منه كثيراً من المظاهر الفكرية والاجتماعية والسياسية، ولعلها تذهب أبعدَ من ذلك، حين تتكئ على الرسم والموسيقى والفلسفة وعلم الجمال، وتتخذ منها ثيمة رئيسية للرواية التي تزدان بالشخصيات المثقفة التي يشرّحها الكاتب، ويكشف عن أسرارها العميقة، بُغية إدراك إشكالياتها الوجودية، وملامسة اختلالات القيم التي عصفت بالمجتمع المغربي على وجه التحديد، من دون أن نغفل التحولات الكبيرة التي شهدها العالم برمته منذ ستينات القرن الماضي حتى الوقت الحاضر.
لم يرِد محمد المعزوز أن يقدم لنا نصاً كلاسيكياً، لذلك استعان بالراوي العليم الذي يسرد الأحداث الروائية بزمن دائري، يبدأ من منتصف الرواية ثم يعود بنا إلى زمنها الخطي المستقيم، الذي يبدأ من باريس وينتهي في مدينة «وجدة» المغربية التي تحتضن أبطال الرواية وبعض الشخصيات الهامشية الأخرى التي تؤثث المتن السردي، وتمدّه بنسغ الحياة على أصعدة مختلفة، لكي يتكشّف اللغز الوحيد الذي تقوم عليه هذه الرواية التي توسل فيها الكاتب التقنية البوليسية التي ينجلي فيها السرّ في خاتمة النَصّ ونهايته المدروسة بعناية فائقة.
ووفق البنية الدائرية التي تبدأ من المنتصف، نجد أنفسنا أمام شخصية عبد الله الذي يعمل في المخبَز، ويقدّم أرغفته الطازجة إلى الناس، لكنه ينعزل في هذا المكان ويتوحّد فيه بعيداً عن مجتمع مدينة «وجدة»، في أقصى الشمال الشرقي من المغرب. ورغم أنّ عبد الله لا يختلط بالناس، ولا يتكلم كثيراً، فإننا سنتعرّف على شخصيته المتكتّمة التي تثير الانتباه، وربما تكون اللوحة الفنية التي يعلّقها على أحد جدران المخبز هي التي ستُخرجه من صمته، حين تسأله راحيل عن سرّ اغتيال التوقيع الذي يذيّل اللوحة المعبّرة، لكنه يمتنع عن البوح باسم الرسّامة التي أبدعت هذا العمل الفني اللافت للانتباه.
ولكي نضع القارئ في صورة الحدث الروائي، لا بد من العودة إلى شخصية عبد الله المنهمك بالفلسفة ودراستها في باريس، فهو متزوج من راشيل، الرسّامة الفرنسية التي لا تعوّل كثيراً على المؤسسة الزوجية، فقد اعترفت له بارتكاب خطيئة فادحة عندما أنجبت طفلة منه. وفي لحظة هستيرية، أحرقت لوحاتها الثلاث، ولكنه تمكّن من إنقاذ إحداها، بعد أن امتدّت ألسنة النيران إلى الورشة برمتها.
ويتلقّى عبد الله مكالمة هاتفية من شقيقه في «وجدة»، ليخبره بأنّ زوجته الفرنسية راشيل قد جاءت رفقة طفلتها إلى بيت والده تسأل عنه. وحينما وصل، اكتشف أنها توارت عن الأنظار قبل مجيئه بساعات.
لم يستغرق بحثه زمناً طويلاً، إذ أخبرته الشرطة بأنه تمّ العثور على زوجته منتحرة، بعد أن قطعت شرياني معصميها لتتركه نهباً للعزلة والانطواء في مخبزه الذي يحتضن لوحتها الوحيدة المتبقية التي جلبها أحد أصدقائه من بيته في باريس بعد أن فسخ عقد الإيجار. تأخذ الرواية منحى بوليسياً إثر اختفاء ابنته راحيل، وسوف يتعرّف القارئ تدريجياً على شخصية الأب عبد الله، وعلى ابنته راحيل، وبقية الشخصيات الأخرى التي تدور في فلكيهما.
فإذا كان الأب غارقاً في الفلسفة، والأم رسّامة، فإن البنت المفقودة قد أصبحت عازفة موسيقية ومغنية أحبّت خالد، المناضل السياسي، وتزوجته، لكنهما وصلا إلى طريق مسدود أفضى بهما إلى الانفصال من دون أن يتطلّقا. ربما تكون راحيل هي الشخصية الأكثر إغراءً في الرواية، ولعلها تقف بموازاة شخصية الأب المنطوية التي يلفّها الغموض. وقد عمد الروائي إلى اتّباع تقنية الاسترجاع للكشف عن حياة راحيل المبهمة أيضاً، لكن هذا الالتباس سوف يُزال تباعاً، فنعرف أنّ «عيشة» المتسوّلة قد سرقت الطفلة راحيل، تاركة وراءها جثة أم مضرّجة بالدماء. وبما أنّ «عيشة» كانت ترتاد حلقات الذِكر، وتسقط مغشياً عليها وهي تنشد كلمات عبد القادر الجيلاني، ونصوص الحلاج وابن عربي، فإن هذه الطفلة قد شُغفت بسماع الذِكر والإنشاد، وإن المتسولة قد أطلقت عليها اسم «رابعة»، تيمّناً برابعة العدوية. وقبل أن تواجه «عيشة» مصيرها المحتوم، سلّمت راحيل إلى دار الأيتام، حيث تعلّمت العزف والغناء على يد امرأة مُسنة تُدعى زينب، وبما أنّ هذه الأخيرة مُصابة بالسلّ، وعلى وشك أن تغادر الحياة، فقد سردت لها قصة حياتها منذ انتحار أمها حتى لحظة وجودها الأخيرة في الميتم، وسلّمتها حقيبة تحتوي على لوحة فنية بديعة ملفوفة بقماش من حرير، إضافة إلى صورة كُتب على ظهرها: «أُهدي هذه الملامح المتصارعة إلى ابنتي التي ستدرك أنّ الأمومة أكذوبة، وأنّ الإنجاب تكرار لفصيلة من الكائنات فقدت كينونتها وجهلت سرّ خلقها»... قصدت راحيل المخبز لتشتري رغيفين، لكنها صدمت حين شاهدت لوحة معلقة على الجدار تحمل توقيعاً مموهاً أو مطموساً. شعرت وكأنها تعرف هذه اللوحة، وتمتّ إليها بصلة ما، لأنها «تلبس كل المعاني التي لها دلالة على الوجود والامتداد».
ترتبط راحيل بخالد الذي يدعم المقاومة الفلسطينية ويجمع لها التبرعات. وذات مرة، يطلب منها أن تبيع اللوحة التي ورثتها عن أمها، وتتبرع بأموالها إلى المقاومة، فترفض مفضّلة الانفصال على بيع الأثر الوحيد الذي خلّفته لها الوالدة بعد انتحارها. وعندها، أدركت «أنها لم تكن في عالمه إلا شيئاً مُلحقاً، أو أنه لم يكن يرى فيها أكثر من مجرد موضوع للأنس والألفة».
تنظّم راحيل حفلاً موسيقياً وغنائياً يحضره جهور غفير، بينهم عبد الله وخالد ووليد وجيهان، وتعزف وتغنّي من أعماق القلب غناء يثير الشجون، لكن رأسها يسقط على المفاتيح الوسطى للبيانو وتفارق الحياة، وسط شهقات الحاضرين، لتصرخ جيهان بصوت عالٍ وهي تتجه نحو عبد الله مفزوعة لتخبره بأن الحقيقة قد انكشفت، وأنّ راحيل هي ابنته التي فقدها بعد انتحار زوجته راشيل. عندها، يختتم الرواية متسائلاً: «ماذا يختبئ بعد وراء الستار؟».
ثمة شخصيات تمدّ الرواية بقصص جانبية، مثل رؤوف السياسي الذي يمثل الانتهازية في أعلى درجاتها، وقد سافر مع جيهان إلى ألمانيا، واعتدى عليها بذريعة إباحة الجنس للذوات البشرية. وهناك عبد العزيز الوجدي الذي دخل السجن، وتعرّض لمختلف أنواع التعذيب، مذكراً إيانا بأدب السجون والمعتقلات. وهناك استحضار لشخصية جان دارك من عمق التاريخ الفرنسي، حيث رأت في منامها ملاكاً يأمرها بنصرة شارل السابع، وتحرير فرنسا من هيمنة الإنجليز.
ما يميز هذه الرواية التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة «بوكر العربية» هو ثيماتها المتعددة التي تجمع بين الفلسفة والفن التشكيلي، والموسيقى والغناء، وتغوص في أعماق الشخصيات العربية والفرنسية، وتكشف عن جذورها، ضمن حبكة درامية رصينة.



الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته
TT

الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته

كانوا ثُلة من الكُتّاب، والشعراء، والرسامين، والمصورين، والناشرين؛ جُلّهم من أبناء العالم الجديد في أميركا، وبعضهم من أرواح أوروبا الحالمة. كانوا شباباً تتوهج في مآقيهم أحلامٌ جامحة، أذكياء ومتمردين، لامست شهرة بعضهم الآفاق مبكراً، رغم أن جيوبهم كانت غالباً خاوية من المال، ولكن أرواحهم كانت تفيض بثراءٍ لا ينضب. كبروا في ظلال الحرب العالمية الأولى الكئيبة، فكفروا بيقينيات العالم القديم وقيمه البالية، ونفضوا عن أكتافهم غبار تقاليد الآباء.

وفي صخب عشرينيات القرن الماضي، فتحت باريس لهم ذراعيها كعشيقة سخيّة، لتمنحهم ما قطعوا المحيطات بحثاً عنه: حرية التسكع في أزقتها، وحرية الكتابة بمداد القلب، وحرية العشق العاري من القيود، والشرب حتى الثمالة، والجدل العقيم الذي يمتد حتى يوقظ خيوط الفجر الأولى، وقبل ذلك كله؛ حرية ابتكار طريقة جديدة ومبتكرة لمعانقة الوجود.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» (The Lost Generation). وهي صياغة لا تنفصل عن الكاتبة جيرترود ستاين، التي أطلقتها كالرصاصة أمام إرنست همنغواي، ليأخذها الأخير ويطير بها إلى الخلود، جاعلاً منها نقشاً استهلالياً لروايته «وتشرق الشمس أيضاً» (The Sun Also Rises)، مانحاً بذلك اسماً لكوكبة كاملة من الكُتاب المغتربين. ولكن، لعلّ هذا الجيل لم يكن ضائعاً بالمعنى الحرفي؛ بل كان جيلاً اقتلع جذوره ليغرسها في تربة أخرى، فكانت باريس هي وطنهم الروحي المختار.

امتدت جغرافية أرواحهم من مقاهي «مونبارناس» النابضة إلى سكون الحي اللاتيني، ومن أشجار حدائق لوكسمبورغ الوارفة إلى ساحة الأوديون، وصولاً إلى ضفاف نهر السين؛ حيث يتنفس حي «سان جيرمان دي بري» سحره العتيق. شوارع معدودة كانت كافية لنسج خيوط حياتهم؛ تربط بين شققهم الباردة، ومراسمهم المكتظة بالفوضى، ومقاهيهم الصاخبة، ومكتباتهم، ومطاعمهم، والفنادق التي كانت تشهد تقاطع خُطى من سيغيِّرون وجه الأدب والفن في القرن العشرين.

سيلفيا بيتش أول من نشر «يوليسيس» في باريس

وفي قلب هذه المجرة المتلألئة، وقف إرنست همنغواي. كان صحافياً رحالة، وملاكماً هاوياً، وصياداً شغوفاً، ونديماً لا يشبع، ولكنه قبل كل شيء كان كاتباً ينسج من عصب الحياة حروفه. لقد جعل من باريس البوتقة الأساسية التي صهرت موهبته الأدبية. وبعد عقود طويلة، سيعود ليبعث ذلك الشباب من رماد الذاكرة في رائعته «وليمة متنقلة» (A Moveable Feast)، التي تُرجمت إلى «باريس: عِيد متنقل». هناك، لخّص عشقه المتجذر لتلك المدينة في عبارات باتت منقوشة في لوح الخلود: «لا نهاية لباريس أبداً»، «أنتِ ملكي، وكل باريس مُلكي»، وتلك الجملة التي تصلح أن تكون شاهدة قبرٍ مجيدة لكل الجيل الضائع: «لكن باريس كانت مدينة طاعنة في القِدَم، بينما كنا نحن في ريعان الشباب». نعم، المدينة العتيقة والشباب الغض، الفقر المدقع والطموح المحلِّق، المخطوطات التي لم تُكتب بعد، واللقاءات التي بدت عابرة في المقاهي؛ لكنها كانت في الحقيقة تكتب التاريخ؛ كل شيء كان يتخلَّق هناك.

وحول همنغواي، كان يحوم سكوت وزيلدا فيتزجيرالد؛ ثنائي يشتعل بالعبقرية بقدر ما يحترق بالصخب والجنون. كان فيتزجيرالد المؤرخ الأكبر لعصر الجاز، راصداً حفلاته الباذخة، وأوهامه اللامعة، وانكساراته المروعة. أما زيلدا، فلم تكن مجرد زوجة تقف في الظل؛ بل كانت كاتبة وفنانة، وواحدة من أكثر الشخصيات توهجاً وتمدداً في عصرها. كانت العلاقة بين همنغواي وفيتزجيرالد مزيجاً متفجراً من الإعجاب المتبادل، ورفقة الدرب، والمنافسة الشرسة، والاستفزاز، والقطيعة المريرة؛ إنها باختصار تلك الصداقة العاصفة التي كان يبدو أن باريس العشرينيات تحتكر سرّ تركيبتها. وكان هناك أيضاً جيمس جويس، الذي كان يعتصر روحه في غرفته ليصيغ عملاً مقدراً له أن يقلب موازين الأدب الحديث رأساً على عقب. ولا يمكن ذكر جويس في باريس دون أن يمر طيف سيلفيا بيتش ومكتبتها الأسطورية «شكسبير أند كومباني».

كانت مكتبة سيلفيا بيتش تقبع في الرقم 12 من شارع الأوديون، على بُعد خطوات من نبض «سان جيرمان دي بري» وفندق «لا لويزيان». لم تكن مجرد مكتبة تبيع الكتب الإنجليزية؛ بل كانت مكتبة إعارة، وصالوناً دافئاً، وصندوق بريد للعابرين، وملاذاً للهاربين من البرد، وبؤرة للِّقاءات الحميمة؛ بل وحتى بنكاً يُقرض الكُتاب المفلسين. بين رفوفها الخشبية، كنت لتلمح طيف همنغواي، وفيتزجيرالد، وإزرا باوند، وتي. إس. إليوت، وجيرترود ستاين، وجويس.

لقد كانت سيلفيا بيتش هي من اجترحت إحدى أكثر الخطوات جرأة في تاريخ الأدب، حين أقدمت على نشر رواية «يوليسيس» (Ulysses) لجيمس جويس في باريس عام 1922، في وقتٍ واجه فيه الكتاب مقصلة الرقابة، ورفض دور النشر في كل مكان آخر. وعلى بُعد أزقة قليلة، كانت جيرترود ستاين وأليس ب. توكلاس تديران صالونهما الشهير؛ ذلك الموقد الآخر لطليعة الإبداع؛ حيث كان الكُتاب والرسامون وهواة جمع التحف يلتقون، يتبادلون نظرات الإعجاب تارة، ويطلقون أحكاماً لاذعة تارة، وأحياناً يحتقر بعضهم بعضاً.

كان إزرا باوند أشبه بجسرٍ عظيم يربط أطراف هذه الجماعة الإبداعية. كان يكتب قصائده ببراعة بالطبع، ولكنه كان يفعل ما هو أعظم؛ كان يغوص في مخطوطات الآخرين، يشذبها من الشوائب، ويُعرّف الكُتاب بعضهم على بعض، ويستميت في الدفاع عن المواهب التي يؤمن بها. إن لمساته السحرية على مخطوطة «الأرض اليباب» (The Waste Land) لتي. إس. إليوت كانت هي الفيصل في خلودها.

أما جون دوس باسوس، صديق همنغواي ورفيق دربه في بعض الأحيان، فقد كان ينتمي هو أيضاً إلى ذلك العالم من الأميركيين الذين اكتشفوا حقيقة بلادهم بوضوحٍ أكبر حين تأملوها من وراء زجاج نوافذ أوروبا. وفي وقتٍ لاحق، جاء جون شتاينبك، الذي كان أصغر سناً وأقل انخراطاً في الدائرة الباريسية الأولى للعشرينيات، ليكمل بطريقته الخاصة هذا الإرث للأميركيين المسحورين بباريس.

ثم أطلّ مان راي، القادم من صخب نيويورك عام 1921؛ مصوراً، ورساماً، ومجرباً، ونديماً للدادائيين والسرياليين. بقدومه، ذابت الجدران الفاصلة بين الأدب والصورة الفوتوغرافية، بين اللوحة والفيلم السينمائي، بين الشعر ونبض الحياة اليومية.

وهنا، يدخل فندق «لا لويزيان» (La Louisiane) واثقَ الخطوة إلى قلب التاريخ، قابعاً في الرقم 60 من شارع السين، عند الزاوية التي يعانق فيها شارع بوسي، في مركز شرايين هذه الجغرافيا الأدبية. كان مسرح الأوديون، وضفاف النهر، والمكتبات، والمقاهي، و«شكسبير أند كومباني» تقع جميعها على مرمى أنفاس قليلة. همنغواي، فيتزجيرالد، باوند، إليوت، دوس باسوس، مان راي، وآخرون... جميعهم ينتمون إلى هذه العائلة الأدبية الكبيرة التي سكنت الحي، حتى وإن كان من ضرب الخيال أن نتصورهم جالسين معاً في اللحظة نفسها حول الزجاجة ذاتها.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» وهي صياغة لا تنفصل عن جيرترود ستاين التي أطلقتها كالرصاصة في وجه همنغواي


اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان
TT

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

على شاطئ البحر، في بلدة بمرفأ صغير اسمها «الحنيّة» بالجبل الأخضر في ليبيا، طلب فجأة ضارب دفٍّ بدوي في حفل عرس من شاب سوري مسيحي، ماروني المذهب، اسمه إميل شيباس، أن يريه كيف يرقصون في الأعراس في البلاد التي جاء منها. وافق الماروني الشاب على الطلب، وعلّم ضارب الدف دقة الدبكة، ونهض ليرقص. كان الشاب الماروني آنذاك قد أصبح تاجراً غنياً، وصل إلى الحنيّة قادماً من بنغازي محمّلاً ببضائع لفرع تجاري استحدثه في سوقها، وأوكل مهمة تشغيله لعمه. وهو يستعد لأداء رقصة الدبكة تساءل في نفسه: هل كان يتغلب على اغترابه برقصة فلاحين؟ وأجاب: «اغترابٌ واندماج: سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان».

ارتأيتُ اختيار هذه الفقرة من رواية «الماروني الشاب» لتكون مفتتحاً لمقالتي، من بين كل الرواية الصادرة حديثاً عن «دار الفرجاني» الليبية، بترجمة من اللغة الإيطالية إلى العربية قام بها السوري معاوية عبد المجيد. الرواية من تأليف كاتب اسمه ألساندرو اسبينا، وصدرت باللغة الإيطالية عام 1971، وهذه المرة الأولى التي تُترجم فيها إلى العربية. وهي صغيرة الحجم، 237 صفحة من القطع الصغير، إلا أنها كبيرة المحتوى عميقة المعنى. وحين نرفع الغطاء عن اسم ألساندرو اسبينا، نكتشف أنه سوري ماروني الأصل والمذهب، اسمه باسيلي شفيق خزّام، وُلد عام 1927 في مدينة بنغازي الليبية، ودرس في إيطاليا وعاد منها للعمل في مصنع نسيج تملكه العائلة، ولم يغادرها إلا في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، بعد تطبيق سياسة التأميمات من قبل نظام العقيد القذافي، فهاجر إلى إيطاليا وتُوفي فيها عام 2013.

وهذه الازدواجية في السيرة الذاتية للكاتب هي نفسها التي تسكن بطله الروائي؛ لذلك أرى أن الرواية سيرة روحية وفكرية لألساندرو اسبينا، صاغ فيها أزماته الذاتية وسؤال هويته المركّبة بلغة روائية شفافة وممتلئة بالحنين والتأمل. وهو، في رأيي، ليس بالأمر الفريد؛ إذ يمكن رصد تلك المشاعر في أغلب كتابات وإبداعات الكتّاب الذين يعيشون في المهاجر وبلاد الغربة. ولذلك ليس من المستغرب أن يشعر اسبينا بأنه «غريب في إيطاليا وغريب في الشرق». ورواية «الماروني الشاب» تجسيد حيّ لهذه الحالة من الشعور بالاهتزاز بين ضفتين، والبحث عن معنى للانتماء في عالم يتغيّر بسرعة وتُمزّقه التحولات السياسية. وهذا ما يجعل الماروني الشاب (إميل شيباس) يصل إلى تلك النقطة المحورية في حياته كمهاجر، لدى اكتشافه أن الاندماج والاغتراب سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان.

ألساندرو اسبينا، رغم شهرته الأدبية في إيطاليا وفوزه بعدد من الجوائز الأدبية الكبرى، ظلّ غير معروف في الساحة الثقافية العربية، وهذه المرة الأولى التي يُقدَّم فيها إلينا، وكأنه بذلك يعود إلى لغته الأم. وروايته هذه مميزة على مستوى الشكل والمضمون، ومن السهل تصنيفها تحت خانة أدب ما بعد الاستعمار.

في أدب ما بعد الاستعمار التقليدي غالباً ما يأتي النصّ إما برؤية المستعمِر (بكسر الميم) الذي يركّز على «رسالة التنوير» أو نقد الهامش، وإما برؤية المستعمَر (بفتح الميم) الذي يكتب عن المعاناة والمقاومة. لكن ألساندرو اسبينا فكّك في هذه الرواية هذه الثنائية الحادة. فهو، بصفته كاتباً نشأ في بنغازي ضمن عائلة شرقية مارونية، ويكتب باللغة الإيطالية، استطاع أن ينظر إلى التجربة الاستعمارية بعين متفردة؛ يدرك آليات السلطة الإيطالية، وفي الوقت نفسه يرتبط وجدانياً وجغرافياً وثقافياً بالبيئة المحلية والمجتمع الشرقي. لذلك، بدلاً من الخطاب الآيديولوجي الفاقع، يلجأ بذكاء وجمال إلى التحليل النفسي والاجتماعي؛ أي إلى التدقيق التاريخي المجهري، بالتركيز على تفاصيل حياة تاجر شاب مغترب.

وصل الشاب الماروني إميل إلى بنغازي قادماً بشحنة من ميناء الإسكندرية ليبيعها فيها، طامحاً إلى أن يبني مستقبلاً تجارياً، فوجدها تتهيأ لمقاومة غازٍ إيطالي قادم على ظهر بوارج حربية. لكن الحرب وانعكاساتها لم تقف حاجزاً بينه وبين تحقيق هدفه التجاري. فالشاب الماروني يجيد التحدث مع السكان بلسانه العربي، ويتعبّد في الوقت ذاته بدين الإيطالي الغازي. وكان سميرت أفندي، التاجر رفيقه في الرحلة من الإسكندرية، جسره الذي رمته المصادفة في طريقه، وعبره وصل إلى تجار المدينة وأهلها. وسميرت أفندي مات مشنوقاً فيما بعد على أيدي الإيطاليين.

نحن حقاً أمام روائي متميز، يغزل نسيج أحداثه بدقة وجمال، مستفيداً من الوثائق التاريخية، ويشيّد أمامنا عالماً روائياً آسراً. تبدأ الرواية من حدث صغير في إيطاليا، وتنتهي في منطقة برقة نهاية تراجيدية. هنا تحديداً أرى أن العنوان «الماروني الشاب» مُضلِّل بعض الشيء؛ فالبطل الحقيقي للرواية، في تقديري، هو ضابط إيطالي اسمه مارتيلو، يختفي فجأة في مقبرة إغريقية، ويُعَدّ مفقوداً في سجلات القيادة العسكرية الإيطالية. واختفاؤه دون تفسير قاطع يتحول إلى استعارة للمصير الغامض الذي ينتظر كل من يقف على الحدود بين ضفتين؛ فكما يذوب مارتيلو في تراب الأرض التي جاء ليستعمرها، يذوب إميل شيباس بين هُويتين لا تمنحانه انتماءً كاملاً لأيّ منهما. وبهذا يصبح اختفاء الضابط هو المفتاح الرمزي الحقيقي للرواية.

قد أفشل في تعريف «الملحمة»، لكني متى عثرتُ بواحدة أعرفها. وقد أُخفق في تعريف «الرواية»، لكني متى قرأتُ واحدة أتبيّنها. ورواية «الماروني الشاب» ملحمة روائية بامتياز، وهي في نفس الوقت تضعنا أمام سؤال هويتها ذاتها: هل تنتمي لنا ولأدبنا كما ينتمي كاتبها، أو أنها تنتمي إلى اللغة التي كُتبت بها والبلد الذي اختاره كاتبها مقراً ومستقراً للعيش ودُفن فيه؟

* كاتب ليبي


الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»
TT

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

يبدو الريف لمن يراه على البعد بعين سائح بقعة ساحرة من الطبيعة، حيث الماء والحياة البسيطة التي يرفل أصحابها في نعيم الهدوء والبال الرائق بعيداً عن الهموم والمتاعب، لكن رواية «حوض ريان»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب إبراهيم المطولي، تكشف عن وجه آخر للريف تتعرض فيه أراضيه الزراعية لمؤامرة يقودها «الغرباء» تحت عناوين براقة مثل استخراج كنوز، بينما تخفي الحقيقة مطامع أخرى.

وإذا كان المصري القديم حفر وصيته على الحجر منذ آلاف السنين قائلاً: «لا تنقل الحدود ولا تتعد عليها لأن الظالم تُنتزع أمتعته من يد أطفاله»، يبدو هنا أن الزمن قد دار دورته لتتوارى الوصايا القديمة خلف عجلات المعدات الثقيلة.

في قرية تضبط ساعتها على مواقيت الري وحركة الشمس، يهبط غرباء بخوذات صفراء وخرائط صامتة لا يحملون فؤوساً للزرع بل أوتاداً لتقسيم ما لا يقسّم. فجأة تتحول الأراضي الآمنة إلى مسرح لانتظارٍ ثقيل، ويجد أهالي القرية مثل سعيد الديب والحاج معوض أنفسهما أمام عدو بلا ملامح يهدد باقتلاع جذور ضاربة في عمق التاريخ.

وبينما تموج المدن البعيدة بصخب الثورات وهتافات الميادين تدور هنا في الصمت معركة أشرس بين زمنين؛ زمن الأرض البطيء الراسخ، وزمن المصالح السريع الجارف، عبر حكاية عن الخوف وعن اللحظة المصيرية التي تتحول فيها الأرض من أم تمنح الأمان إلى عبء قد يكلف أصحابه حياتهم، في نص يرصد التحولات العميقة في الريف المصري.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في أرضه المستوية، تمشي مجاري المياه والخلجان مثل الخطوط في راحة اليد، تتغير محاصيله باختلاف الموسم فيتغير وجه الأرض من الأخضر إلى الأصفر وقليلاً ما يكون أسود بانتظار المياه.

لذا كان سهلاً على الجالسين معه، رغم أن أعينهم أصابها الضعف نتيجة التعرض المستمر للشمس وذرات التراب، رؤية صلاح البحار وقد أتى ممسكاً بسبحته الكهرمان ويرفع طرف جلبابه الأزرق الزاهي بإصبعه. ربما هي حركة لإظهار الرفعة أو منعاً لملامسة تراب الأرض وروث البهائم، يظهر تحت أكمامه الواسعة القفطان الأبيض، كما يلبس حذاء أسود وليس (بُلغة) كما ينتعل بقية الرجال هنا.

الجالسون تحت تكعيبة العنب يتلقون نسمة هبت فحملت إليهم عطره فانفتحت له القلوب حتى قبل الحضور التام، ورغم علمهم بكل تاريخه - الحقيقي منه والمختلق - فإنهم لا يستطيعون منع أنفسهم من محبته والانجذاب إلى حديثه والنظر بفرح في وجهه الأبيض المتورد، يعجبون بضحكته العالية وسجائره المختلفة، حتى الصغار الذين يلعبون (السيجة) يتركونها ويحدقون في القادم.

يقولون إنه في المرات القليلة التي خلع فيها جلبابه رأوا دق وشم امرأة فوق منطقة القلب، كما رأوا أيضاً اعوجاجاً في ساعده الأيمن نتيجة عضة حمار وهو صغير».