خالد فتح الرحمن: فترة صداقتي مع الطيب صالح أغلى سنوات حياتي

الشاعر نشأ في السعودية وتأثر بثقافتها وعاد إليها سفيرا

السفير الشاعر خالد فتح الرحمن
السفير الشاعر خالد فتح الرحمن
TT

خالد فتح الرحمن: فترة صداقتي مع الطيب صالح أغلى سنوات حياتي

السفير الشاعر خالد فتح الرحمن
السفير الشاعر خالد فتح الرحمن

عرف السفير السوداني الحالي في الرياض الدكتور خالد فتح الرحمن عمر، السعودية منذ كان يافعا، حيث درس في جامعة الملك سعود. وفيها نضجت موهبته الشعرية، قبل أن يشتغل بالعمل الدبلوماسي.
لديه عدد من المجموعات الشعرية، بينها: «قصائد ليست للتصفيق»، و«غير هذا البريق.. لك»، و«سيف بلا ذاكرة»، وكتاب «حقائب الرياح.. أسفار في الأدب والتاريخ والدبلوماسية».
ويقول عن تأثره بالثقافة السعودية: «حاولت في شعري، المزج بين البيئة العربية الإسلامية بوجودها الصافي في السعودية، وما تجسده الثقافة السودانية من خصوصية».
وهو أساسا ينحدر من بيئة شاعرة في السودان، فمن عائلته الشاعران الراحلان عبد الله الشيخ البشير المعروف بشيخ الشعراء السودانيين والشاعر الغنائي المعروف إسماعيل حسن من أهل بيتي.
ولد فتح الرحمن عمر في مدينة عطبرة السودانية بشمال السودان وعاش فترة من الزمن في المدينة المنورة، ودرس في جامعة الملك سعود.. قبل أن يحط رحاله سفيرا لبلاده في الرياض. يقول عن هذه التجربة: «مدينة عطبرة بشمال السودان هي مسقط رأسي، وهي مدينة مثقفة ومنضبطة، حيث يستيقظ الناس فيها على صافرة، فالعمال والموظفون فيها يتناولون الإفطار الصباحي على صافرة، وينتهي الدوام على صافرة، وهذا الانضباط جعلها مدينة متحضرة ومثقفة، ولما كبرت انتقلت إلى الخرطوم، ومن هناك جئت في معيتي والدي إلى المدينة المنورة صبيا، حيث يعمل أستاذا بالجامعة الإسلامية هناك، لمدة تزيد على الـ15 عاما، وهذا سنح لي فرصة أن أدرس المرحلة الثانوية في مدرسة قباء ونلت منها الترتيب الأول في الشهادة الثانوية السعودية في المركز الغربي فانتقلت بعدها إلى جامعة الملك سعود طالبا وصقلتني شاعرا، ثم التحقت بالخارجية السودانية فعدت للرياض سفيرا».

* بستان التاريخ
وعن نشأته في السعودية، يقول: «كانت إحدى العلامات الفارقة أنني عندما قدمت للسعودية لأول مرة قدمت للمدينة المنورة بستان التاريخ الإسلامي، منحني وجودي فيها بالقرب من الكتب التراثية التي تعج بها الجامعة الإسلامية التي كان يعمل والدي فيها أستاذا وقتذاك، - منحني - الكثير من الثقافة الشعرية، ووجدت تشابها كبيرا بين البيئتين السودانية والسعودية في الكثير من التفاصيل، ولكن الشعر جزء مهم من تفاصيل بصماته، إنه يطالبك بأن تضع كما يقول أستاذي نذير العظمة أسئلة، حيث كان يسألنا دائما عن قصائد الشعراء السودانيين ملاحظا أن بها الكثير من التوابل السودانية، فأنا كنت أحاول المزج بين البيئة العربية الإسلامية بوجودها الصافي في السعودية، وما تجسده الثقافة السودانية من خصوصية، حيث التقاء العنصر العربي بالعنصر الأفريقي. ولكنني أزعم أنني أحمل الكثير من تفاصيل جماليات البيئة السعودية بخلاصها العربي الإسلامي والبيئة السودانية بما تحتشد به من ثراء عربي وأفريقي».
حين كان طالبا في جامعة الملك سعود بدأت تجربته الشعرية تشق طريقها نحو الجوائز، فحاز على جوائز متعددة من الجامعة، وهو يرى أن هذه الجامعة «رحبة لا وجود للتمييز بين طلابها، إذ كنت شاعر الجامعة على مدى أربعة أعوام متتالية، أحصد خلالها الجائزة بشكل مستمر، لم ألحظ أن أستاذا في الجامعة قال لنقفل هذه الجائزة على هذا السوداني، ما ترك مشاعر طيبة في نفسي».
يضيف: «جامعة الملك سعود كانت تورق فيها أكبر المواسم الثقافية في السعودية، وكان هناك شعراء ونقاد كبار مثل الدكتور شكري عياد والدكتور حسن ظاظا المتخصص في الإسرائيليات، والدكتور نذير العظمة، بجانب الشعراء والنقاد السعوديين مثل الدكتور منصور الحازمي، والدكتور محمد الهدلق، والدكتور مرزوق بن تمباك، والدكتور عبد الله الغذامي، والدكتور سعد البازعي، وغيرهم ممن كان ضمن روّاد النقد في تلك الفترة».
«قصائد ليست للتصفيق»
أصدر خالد فتح الرحمن عمر أول دواوينه الشعرية عام 1994 بعنوان «قصائد ليست للتصفيق»، وحين نسأله: هل كتبت قصائد للتصفيق بعد ولوجك عالم السياسة؟، يرد ضاحكا: «الحقيقة مكمن السر في ديوان (قصائد ليست للتصفيق)، هو الخوف من أن يشغل التصفيق الشاعر عن المعنى الحقيقي، لأننا تعودنا على القصائد المنبرية وبحسب اعتقادي الشخصي أن جزءا من الرقي في القصيدة العربية، أنها تخرج من الثوب المنبري إلى الثوب الفكري، حيث كنت أستشعر هذه المسؤولية حين ألقي القصائد فأتلقى التصفيق الحاد والكبير، فتكامل الإحساس لدي المسؤولية بعدم خداع الجمهور في العنوان، كأنني أتبرأ من أن يكون التصفيق هو مبتغى الشاعر وموئل آماله فهذا هو القصد».
ويقول عن ديوانه الثاني «غير هذا البريق.. لك»: «هذا الديوان محاولة لتحقيق الرؤية التي انطلق منها الشاعر إلى تحقيق عبر شحذ الفكر والدخول بعمق في عوالم الشعر خروجا عن إيهاب المنبريات، فالديوان الأول كان بمثابة الأسنان اللبنية، حيث إنه في الديوان الثاني تكاملت الرؤية شيئا ما ثم ولجت عالم الكتابة النثرية، في الكتابة الأسبوعية في الصحف تكاملت في جزأين في كتابي (حقائب الرياح.. أسفار في الأدب والتاريخ والدبلوماسية)، وفيه رؤى كثيرة خلال ما دار عبر السنوات العشر الماضية».

* الثقافة السعودية
غادر فتح الرحمن عمر السعودية، لكنه عاد إليها بعد سنوات سفيرا، ويتحدث عن الاختلاف الذي لاحظه في الحياة الثقافية السعودية بالقول: «تطور المشهد الثقافي السعودي تطورا كبيرا، حيث استشعر الأدباء أن الوجود السعودي يمثل قيمة كبرى في تجلياته الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة، واستفادوا من التقدم المطرد في تكنولوجيات الاتصال العالمي، لتحقيق مزيد من التواصل، والانفتاح نحو الآخر. وهناك أسماء ثقافية وجدت موقعا في المدار الإقليمي مثل الروائية رجاء عالم، والروائي عبده خال، والروائي يوسف المحيميد، وقبلهم كان الروائي عبد الرحمن منيف، والشاعر الدبلوماسي الراحل الدكتور غازي القصيبي، وغيره من الأدباء الذين يستشرفون العالمية».
وعلى الرغم من انشغاله بالشعر، فإنه قارئ جيد للرواية أيضا. يقول: «لا يوجد تنافر بين أجناس الأدب، ولكن الرواية عموما تطورت مستفيدة من آليات الشعر، حيث أصبحنا نتحدث عن شعرية الرواية حاليا ونستفيد فيها من الآخرين على الرغم من أنها موجودة في التراث العربي، فهناك تمثّل للشعر في الرواية العربية واضح جدا، كما هو الحال على المستوى العالمي، إذ إن المسألة ليست مسألة تنافس وإنما مسألة كيفية الارتقاء بالشعر من مواطئ المنبرية الفجة إلى مقام الفكر وهنا يتواصل الشعر والرواية».

* السياسة والإبداع
وحين نسأله: هل ترى أن السياسة تفسد الإبداع؟، يجيب فورا: «نعم كبيرة إذا كانت في إطار الممارسة، ولكن الشاعر يستفيد من الإطار الدبلوماسي في الانفتاح على تجارب متعددة، وكان ذلك جليا في عدد من الدبلوماسيين من الأدباء، فمثلا عندما ذهب الشاعر نزار قباني كدبلوماسي سوري إلى إسبانيا والصين كتب أجمل الشعر، وما كان له أن يكتبه لو لم تقده الدبلوماسية لتلك البقاع، وهو عبر عن ذلك بأنه استفاد من ذلك كثيرا في إنتاجه الشعري، وكذلك الشاعر الكبير عمر أبو ريشة الذي استفاد من وجوده الدبلوماسي في الهند، وخلاصة الأمر أن التجربة الدبلوماسية ترفد بالنضوج والجمال الإبداعي والتجربة المتنافرة أحيانا من ناحية، ومن ناحية أخرى تقصقص أظافر الشاعر، فتغدو أظافره للملامسة اللطيفة، وليست للخدش، والمطلوب من الشاعر أن يكون خداشا بأظافره كما يكون لطيفا في تحاياه التي يمارسها بتلك الأصابع».

* مع الطيب الصالح
لعب فتح الرحمن عمر، دورا رئيسا في عودة الروائي السوداني الراحل الطيب صالح لوطنه قبل رحيله، وهو يتحدث عن تلك التجربة بالقول: «سنوات صداقتي مع الطيب صالح أغلى سنوات الحياة، فهو أحد أرقى بني الإنسان، والذين لا يعرفون شخصيته يظنونه الأديب الكاتب فقط ولكنه أيضا هو النموذج الرائع للإنسان في أرقى لحظات تواصله مع الآخر وبيئته ومجتمعه، وسعدت كثيرا بأنني مهدت لزيارته للخرطوم وقت كانت العاصمة الثقافية وكذلك شاءت الأقدار أنه بعد أن عاد من تلك الرحلة ألمّ به داء الكلى وكنت رفيقا قريبا منه، أحاول التخفيف عنه وذهبت معه إلى دبي لإجراء العملية وبعد العودة للندن مع ثقل الداء عليه، رافقته إلى أن أخذت السماء وديعتها وظل في ذاكرتي لحظة من لحظات الجمال الفارقة في حياتي».



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.