تأثير مصطلح «الفلول» يتراجع في أوساط السياسة المصرية

ظهر مع صعود «الإسلام السياسي» عقب سقوط نظام مبارك

ارشيفية لمواطن مصري
ارشيفية لمواطن مصري
TT

تأثير مصطلح «الفلول» يتراجع في أوساط السياسة المصرية

ارشيفية لمواطن مصري
ارشيفية لمواطن مصري

تمد الطالبة الجامعية عبير يديها لترفع شجرة عيد الميلاد، وتقول وهي تهز خصلات شعرها على جبينها «أنا من الفلول». وضحك عشرات من أقاربها وأصدقائها وهم يخبطون بأيديهم على المناضد، لأن الوصف الذي بدا أن بريقه يتراجع، يعود لفترة حكم الإسلاميين التي انتهت منذ نحو ستة أشهر، وكانت كلمة «فلول» تهدف لاضطهاد نجوم فترة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك في السياسة والاقتصاد والثقافة والفن. ورفع والد عبير إصبعيه بعلامة النصر، وصاح وسط النادي الراقي «أنا مع السيسي».
ويتشكل في مصر تيار سياسي جديد يجمعه الالتفاف حول قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح السيسي. ويتكون هذا التيار من خليط ممن كانوا رجالا بارزين في عهد مبارك، وممن كانوا يعارضونه أيضا إضافة لقطاع لم يكن معنيا بالسياسة في الماضي. ويستثنى من ذلك مجموعة إسلاميين يصرون على عودة عقارب الساعة إلى الوراء؛ «أي رجوع الإخوان إلى الحكم».
وخرجت كلمة «فلول» لتطارد قيادات مبارك وأعضاء حزبه، الذين كان عددهم يقدر، وفقا لبيانات الحزب في ذلك الوقت، بنحو ثلاثة ملايين عضو، واتهامهم سياسيا بالمسؤولية عن التدهور الذي حل بالبلاد طيلة 30 عاما من الحكم.
وفي أحد النوادي الراقية في ضاحية مصر الجديدة شرق العاصمة المصرية لم يكن من السهل التحدث بصوت مرتفع، كما فعلت «عبير» عشية أعياد الميلاد، عن «الفلول» والحزب الذي تأسس في منزل الرئيس الراحل أنور السادات في أواخر عهده، قبل أن يتولى مبارك رئاسته باعتباره رئيس البلاد منذ عام 1981، حتى احتراق مقراته في مثل هذا الشهر من عام 2011.
ولم تكن عبير، ولا غالبية من كان معها في النادي، أعضاء في حزب مبارك أو أي حزب سياسي آخر. وتقول ساخرة: «أنا من حزب الكنبة»، في إشارة إلى شريحة كبيرة معروف عنها الانحياز للاستقرار، والذين لا يخرجون عادة للمشاركة السياسية. وتقبلت هذه الفتاة مثل ملايين المصريين الواقع الجديد بعد «ثورة 25 يناير 2011»، لكن هيمنة تيار الإسلام السياسي على التشريع في البرلمان ثم تولي حكم الدولة، أصاب «حزب الكنبة» بالصدمة، خاصة مع اختلاط الفتاوى الدينية بالأمور السياسية، كما تقول عبير.
وصاح والدها الذي يعمل في قطاع السياحة، مرة أخرى، داعيا من حوله، وهو يخبط بيده مجددا على المنضدة التي أمامه، للخروج في ذكرى ثورة يناير لمطالبة السيسي بترشيح نفسه لرئاسة الدولة. ويتبنى هذه الدعوة عدة تكتلات كبيرة تضم رجال أعمال وسياسيين وعسكريين متقاعدين، بغض النظر عن خلفيات هؤلاء، سواء كانوا من الفلول أو من حزب الكنبة أو من القيادات التي عملت سابقا في الجيش والشرطة والحزب الوطني نفسه.
ومنذ سقوط نظام مبارك وحل الحزب الوطني انزوى أعضاء الحزب في الضواحي والقرى، لكن العديد من أنصاره الكبار، من السياسيين والمثقفين والفنانين، خاضوا معارك شرسة للدفاع عن أنفسهم رافضين إطلاق كلمة «فلول» عليهم أو عزلهم سياسيا وثقافيا وفنيا، بينما كان تيار الإسلام السياسي، خاصة في 2012 و2013، يحاول إصدار تشريعات تلاحق كل من يشتبه في علاقته بنظام مبارك باعتباره من «الفلول». واتسم الهجوم ضد «الفلول» أحيانا بالتجريح الشخصي، كما حدث مع الفنانة إلهام شاهين التي خاضت معارك قضائية وانتصرت فيها ضد عدد من دعاة «الإسلام السياسي».
وتتذكر إلهام شاهين، وهي تتحدث لـ«الشرق الأوسط» أن اسمها ورد في قائمة أعدتها قيادات من الإسلاميين، مع سياسيين ورجال دين آخرين كـ«فلول» يجب أن يختفوا من الساحة في عهد ما بعد 2011. وتقول إن استخدام كلمة «فلول» كان استخداما خاطئا من الأساس، لأن الكلمة مشتقة من «فل» أي الذي يفل من الحرب ويهزم فيها، بينما «نحن لم نكن مهزومين.. أنا أصبحت نجمة ومعروفة في ظل نظام مبارك.. هذا طبيعي. من الطبيعي أن كل الناس كانوا يعملون في ظل حكم مبارك طيلة ثلاثين سنة، حتى المعارضة، ولا يمكن أن تنتقي مجموعة من الناس وتقول عنهم إن هؤلاء مذنبون».
وتضيف شاهين: «حين قالوا عني إنني من (الفلول) رددت عليهم وقلت إن اسمي ورد في قائمة تضم أشرف ناس في البلد، لأنه كان فيها اسم شيخ الأزهر واسم بابا الأقباط.. بالنسبة لي كان هذا أمرا جيدا. كما إن بعض الناس كانوا سعداء بلقب (فلول)، خاصة بعد أن بدأ يتضح أن من كان يقف وراء أحداث 25 يناير 2011 وما جرى من حرق للبلد وهجوم على السجون وأقسام الشرطة، هي جماعة الإخوان، بينما كان الشباب (المتظاهرون) يعتصمون في ميدان التحرير وقتها، من دون أن يدركوا حجم المؤامرة عليهم وعلى بلدهم في حينه».
وبفوز محمد مرسي برئاسة الدولة في يونيو (حزيران) 2012، جرب المصريون حكم «الإخوان»، وكانت النتيجة أن الملايين منهم، وكان أغلبيتهم من «حزب الكنبة»، خرجوا ساخطين على مرسي وجماعته بعد عام في الحكم.
ومنذ سقوط مرسي تتهم السلطات قيادات من تيار الإسلام السياسي، خاصة الإخوان، بـ«التخابر والإرهاب والتلاعب بالدولة»، بالتزامن مع تسريبات تبثها حاليا محطات تلفزيونية مستقلة لتسجيلات هاتفية تخص قادة من شباب ثورة يناير وهم يتحدثون عن تقاسم غنائم مالية وعن فضائح شخصية، أثناء الثورة على مبارك. وفي نادي مصر الجديدة تصطف المناضد ويشاهد الرواد، عبر شاشات عملاقة، ما يبث من هذه المكالمات. وتقول عبير مشدوهة: «هل هؤلاء هم من وثق فيهم الناس. حتى الفلول لم يتصرفوا هكذا».
وفي الوقت الحالي، إذا تصادف وسهرت في هذا النادي أو غيره من منتديات الطبقات الوسطى وما فوق الوسطى، يمكن أن ترى طريقة تفكير عبير ووالدها. طريقة التفكير هذه تتخطى سور النادي وتنعكس على العشرات من برامج التلفزيونات الخاصة والرسمية، التي يشاهدها الملايين مساء كل يوم. وملخص هذه الحالة، كما يقول الناشط أحمد عدلي، أحد أعضاء تحالف شباب ثورة يناير، هي: «نحن مع السيسي، سواء كنا فقراء أو أغنياء، من أجل مستقبل أفضل بغض النظر عن الماضي. ما معنى فلول اليوم؟ لا شيء. مجرد كلمة ما زال يرددها موالون لمرسي في محاولة يائسة لإخافة المصريين».
وتقول الناشطة الحقوقية، الدكتورة منال الطيبي، التي شاركت لفترة في إعداد دستور ما بعد مبارك في 2012، لـ«الشرق الأوسط»، إن كلمة «فلول كانت تقال أكثر على حزب الكنبة وكذلك على رجال مبارك». وتشير إلى أن ثورة 30 يونيو ضد حكم الإخوان «نزل فيها كثير من حزب الكنبة ومن الفلول، رغم أن بعض الإعدادات لهذه الثورة كانت موجهة». وتضيف أيضا أنه أصبح يوجد في الوقت الحالي، بسبب الكثير من المتغيرات، تقبل لمصطلح «الفلول»، وأن هناك الآن من يقول صراحة إنه «فلول».
وتزيد الطيبي قائلة إن غالبية المصريين «مع هذا الأمر». وترجع السبب إلى وسائل الإعلام، التي تقول إنها أصبحت تصور نظام مبارك كـ«نظام وطني، ومحاولة إظهار ثورة يناير كمؤامرة ضد الدولة».
ويقول البعض إن الثورة المناوئة للإخوان خرج فيها أكثر من 30 مليون مصري للشوارع والميادين، وإنها ما كانت لتنجح لولا مشاركة «الفلول وحزب الكنبة» فيها. وتوضح الطيبي قائلة: «في 30 يونيو كنا نواجه الإخوان، لكن المشكلة الأساسية كانت وجود الكثير من الفلول على الساحة، كما أن العديد من رجال أعمال مبارك رجعوا للمشهد أخيرا، خاصة ممن يملكون قنوات تلفزيونية فضائية».
وللدكتور جمال زهران، أستاذ العلوم السياسية، تفسير آخر لتراجع اهتمام المصريين بمن هو «فلول أو ليس فلول»، مشيرا لـ«الشرق الأوسط» إلى أن السبب يرجع إلى وقوع ثورتين وإسقاط حكمين لرئيسين في البلاد خلال وقت قياسي. ويضيف أن المصريين لن يسمحوا بعودة عقارب الساعة إلى الوراء سواء للإسلاميين أو الحزب الوطني.
ومثلما كان أنصار التيار الإسلامي يلاحقون أنصار مبارك بعد صعودهم للحكم، يواصل كثير من قيادات هذا التيار الهجوم على ثورة 30 يونيو، قائلين إنها ثورة «الفلول». ويرى الدكتور هشام كمال، أحد قيادات التحالف الموالي لـ«مرسي»، في رده على أسئلة «الشرق الأوسط» أن «من أفسدوا الحياة قبل 25 يناير أصبحوا بعد 30 يونيو يفتخرون بأنفسهم، وهم موجودون الآن بكثرة على القنوات التلفزيونية الخاصة والعامة». ويزيد أن «هؤلاء يتحدثون من وجهة نظر الفلول، ويخيل لهم أنهم عادوا ليسيطروا على البلد مرة أخرى».
ويعتقد أن جماعة الإخوان هي من نشرت «مصطلح فلول» ضد أعضاء حزب مبارك بعد 2011، كما يوضح الباحث في الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، كريم عبد الراضي. وعزا لـ«الشرق الأوسط» سبب تراجع مفعول الكلمة عن السابق، أن «الفلول أصبحوا أقوى في الوقت الحالي.. هم من يديرون الأمور بعد ثورة 30 يونيو، والجماهير تقف وراءهم، لأن الجميع يلتف حول السيسي ليكون رئيسا للدولة، ولهذا لم يعد أحد يسأل إن كنت فلولا أم لا». ويقول عبد الراضي، الذي شارك مع ائتلافات الشباب في «ثورة يناير» إنه «من خلال الاستخدام الواسع لوسائل الإعلام، خاصة برامج التوك شو بالتلفزيون (الدردشة)، توجد حالة من القبول الشعبي بوجود الفلول.. يوجد ظهير شعبي لهم».
ويترقب ملايين المصريين يوم 25 من هذا الشهر للخروج من أجل مطالبة السيسي بالترشح للرئاسة كما يقول لـ«الشرق الأوسط» كل من محمود نفادي المتحدث باسم «مصر بلدي» وعبد النبي عبد الستار المتحدث باسم حملة «كمل جميلك». ومن أمام النادي، ومع الساعات الأولى لفجر العام الجديد، كانت الأغاني المؤيدة للجيش تنطلق من السيارات، بينما هزت عبير خصلات شعرها، وقالت وهي تلحق بوالدها: «فلول أو غير فلول.. سنحتفل بذكرى يناير وندعو السيسي لرئاسة مصر».



وكيل محافظة شبوة لـ«الشرق الأوسط»: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات

وكيل محافظة شبوة لـ«الشرق الأوسط»: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات
TT

وكيل محافظة شبوة لـ«الشرق الأوسط»: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات

وكيل محافظة شبوة لـ«الشرق الأوسط»: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات

حذّر فهد الخليفي، وكيل أول محافظة شبوة، من أن جماعة الحوثي زوّدت بعض التنظيمات الإرهابية بتقنيات الطائرات المسيّرة، في إطار ما وصفه بالتخادم الجاري بين الجانبين.

وتأتي تصريحات الخليفي عقب هجوم صاروخي حوثي استهدف، الاثنين، مركز الشهيد أحمد السليماني التدريبي، الواقع على أطراف مدينة عتق، عاصمة محافظة شبوة (جنوب شرقي اليمن). وأفادت السلطة المحلية بأن المركز تعرّض للقصف بثلاثة صواريخ باليستية أثناء تلقي مجندين مستجدين في الأمن الداخلي برامج التدريب والتأهيل الأمني ما أودى بـحياة أكثر من 70 قتيلاً، وأكثر من 200 جريح.

وقال الخليفي، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، إن الهجمات التي تنفذها جماعة الحوثي لن تكسر صمود أبناء المحافظة، بل ستزيدهم عزيمة على مواجهتها.

وأضاف أن لدى السلطة المحلية معلومات تؤكد وجود تعاون بين الحوثيين وتنظيمات إرهابية، من بينها «القاعدة» و«داعش»، مشيراً إلى أن الجماعة مكّنت بعض تلك التنظيمات من الحصول على تقنية الطائرات المسيّرة.

وأوضح أن هذا التعاون يتجلى، حسب قوله، في استهداف القوى الأمنية وقوات دفاع شبوة، إلى جانب قوات درع الوطن التي تمر عبر المحافظة باتجاه محافظات أخرى.

وأعلنت السلطة المحلية اعتماد القتلى «شهداء واجب»، وتثبيت رواتبهم بصورة دائمة لأسرهم، وضمان حقوق المصابين ومستحقاتهم وصرفها دون تأخير، مؤكدة تسخير الإمكانات اللازمة لتقديم الرعاية الطبية للجرحى. وقال الخليفي إن الضحايا والمصابين من الأفراد المستجدين التابعين للشرطة والأجهزة الأمنية في المحافظة.

وأشار الخليفي إلى أن محافظ شبوة عوض بن الوزير كشف عن امتلاك السلطة المحلية أدلة على التعاون بين الحوثيين وتنظيمات إرهابية أخرى، مضيفاً أن هذا التنسيق تصاعد في الآونة الأخيرة، وأن الأجهزة الأمنية ترصده.

وتابع أن الحوثيين والتنظيمات الإرهابية ينفذون، وفق تعبيره، استهدافات مباشرة، ويزرعون العبوات الناسفة والمفخخة في الطرق والمواقع التي تسلكها القوات الأمنية وقوات دفاع شبوة. وأضاف أن هذا التعاون امتد إلى استخدام الطائرات المسيّرة، بعدما مكّن الحوثيون بعض التنظيمات من هذه التقنية.

وأكد الخليفي أن «هذه الأعمال الإرهابية لن تكسر صمود أبناء شبوة في مواجهة الحوثيين»، داعياً التحالف العربي إلى دعم الجبهات بأسلحة نوعية لمواجهة قدرات الحوثيين، ولا سيما في مجال الطائرات المسيّرة، وتوفير دفاعات أرضية للتصدي للصواريخ الباليستية.

وحمّلت السلطة المحلية في شبوة الجماعة الحوثية المدعومة من إيران المسؤولية الكاملة عن الهجوم والخسائر البشرية الناجمة عنه، عادّةً أن استهداف المجندين أثناء تلقيهم التدريب تصعيد عسكري بالغ الخطورة، وداعية إلى اتخاذ تدابير عاجلة لحماية المنشآت العسكرية والأمنية ومنتسبيها.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي _سبأ_

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي قد اطّلع على مستجدات الهجوم، خلال اتصال بمحافظ شبوة عوض بن الوزير، ووجّه الجهات المختصة بتوفير الرعاية الطبية اللازمة للجرحى، والعناية بأسر القتلى، واستكمال إجراءات تسوية أوضاعهم وصرف مرتباتهم، واتخاذ ما يلزم للرد الحازم على مصادر الهجوم.

وقال العليمي إن استهداف المجندين يعكس، حسب تعبيره، لجوء الحوثيين إلى الهجمات كلما واجهوا ضغوطاً أو تعثرت مخططاتهم المدعومة من النظام الإيراني. وأكد أن الاعتداءات لن تثني الدولة عن مواصلة مسؤولياتها في حماية المواطنين واستعادة مؤسساتها الوطنية، مشدداً على أن دماء الضحايا لن تذهب هدراً، وأن رعاية أسرهم والانتصار لتضحياتهم مسؤولية وطنية.


«فجر اليمن» تكثف ضرباتها ضد الحوثيين براً وجواً

«ألوية العمالقة» الجنوبية صدت هجمات على جبال كهبوب المطلة على باب المندب (إعلام عسكري)
«ألوية العمالقة» الجنوبية صدت هجمات على جبال كهبوب المطلة على باب المندب (إعلام عسكري)
TT

«فجر اليمن» تكثف ضرباتها ضد الحوثيين براً وجواً

«ألوية العمالقة» الجنوبية صدت هجمات على جبال كهبوب المطلة على باب المندب (إعلام عسكري)
«ألوية العمالقة» الجنوبية صدت هجمات على جبال كهبوب المطلة على باب المندب (إعلام عسكري)

تجددت المواجهات العنيفة، الثلاثاء، في جبهات مدينة تعز اليمنية، مع شن الجماعة الحوثية هجمات على جبهة الشقب، بالتزامن مع قصف مكثف استهدف قرى محيطة في جبل صبر، في حين تواصل القوات الحكومية والمقاومة الشعبية التصدي للهجمات ومنع الجماعة من تحقيق أي تقدم، بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية ضمن عملية «فجر اليمن» التي دخلت يومها الـ16.

وتأتي التطورات الجديدة غداة تصاعد الضربات الجوية وهجمات الطائرات المسيّرة على مواقع الحوثيين في تعز ومأرب والجوف، وإعلان «قوات العمالقة صد هجوم واسع للجماعة في جبال كهبوب غرب لحج، في وقت صعّدت فيه القيادة اليمنية تحركها السياسي للمطالبة بتصنيف الحوثيين منظمة إرهابية، وتشديد القيود الدولية على مصادر تسليحهم وتمويلهم.

وقالت مصادر ميدانية يمنية إن قوات الجيش والمقاومة المحلية تصدت للهجمات الحوثية على جبهة الشقب جنوب تعز، ومنعت المهاجمين من إحراز أي تقدم، بينما استمر القصف على القرى المحيطة بجبل صبر، في امتداد للمواجهات التي شهدتها المنطقة خلال الساعات الماضية.

قيادات بالسلطة المحلية في تعز تتفقد الجبهات الغربية للمدينة (إعلام حكومي)

وفي مديرية المسراخ جنوب تعز، واصلت القوات الحكومية، بإسناد من المقاومة الشعبية، هجومها على مواقع الحوثيين، وسط معارك عنيفة في قرية صنمات. وكانت القوات الحكومية قد أعلنت، الاثنين، تحقيق تقدم في منطقتي الصنمات والصراري بجبل صبر، عقب مواجهات مع مجموعات حوثية حاولت التسلل باتجاه قرى المنطقة والوصول إلى قمة جبل العروس وقطع الطرق عبر قرى صبر.

وتحدثت مصادر ميدانية عن تراجع وتيرة الهجمات الحوثية على محيط المدينة خلال الساعات الـ24 الماضية، وسط تقديرات بأن الجماعة تحاول إعادة ترتيب قواتها استعداداً لشن هجمات أعنف.

استنزاف متعدد الجبهات

خلال الساعات الـ24 الماضية، كان المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، ماجد النزيلي، أعلن تنفيذ 1164 عملية استهداف، قال إنها أسفرت عن تحييد 558 عنصراً حوثياً، بينهم قيادات ميدانية، وتدمير وإعطاب 135 آلية ووسيلة عسكرية. وأضاف أن القوات انتزعت مواقع جديدة في تعز بإسناد جوي ومدفعي، بينما واصلت جبهات شبوة الضغط على مواقع الجماعة وإعاقة تحركاتها وتعزيزاتها.

وفي مأرب والجوف، أعلنت القوات الحكومية استهداف مدرعات وآليات وتحصينات حوثية بالطيران المسيّر، بالتزامن مع هجوم صاروخي جديد على مدينة مأرب. ونشر المركز الإعلامي للقوات المسلحة مشاهد لاستهداف آليات حوثية في جبهات الجوف، وصوراً لضرب تحصينات ومواقع في مأرب، فيما أعلنت وحدة الطيران المسيّر التابعة للفرقة الثانية في قوات «درع الوطن» استهداف تجمع لمقاتلي الجماعة في منطقة اللبنات بالجوف، وأعلن الجيش تنفيذ ضربات مماثلة في محور بيحان.

وفي جبهة كهبوب غرب محافظة لحج، أعلنت «قوات العمالقة» صد هجوم حوثي واسع نفذته مجموعات متتالية، وقالت إن المواجهات استمرت ساعات بمختلف أنواع الأسلحة، وبمساندة جوية من «تحالف دعم الشرعية»، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف المهاجمين.

وتكتسب هذه الجبهة أهمية بسبب موقعها الفاصل بين لحج وتعز وقربها من الممرات المؤدية إلى باب المندب. وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الجماعة تحاول تحقيق اختراق في كهبوب لفتح مسار التفافي باتجاه المضيق، بما قد يساعدها على تخفيف الضغط عن الجيوب المتبقية لها في المنطقة. وفي المقابل، تتواصل العمليات لتأمين المواقع المحيطة بباب المندب، وسط صعوبات تفرضها كثافة الألغام.

العليمي يطلب تحركاً دولياً

سياسياً، أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، استمرار عملية «فجر اليمن» حتى تحقيق أهدافها، موضحاً أنها «لا تقتصر على العمل العسكري، وإنما تشمل حماية السكان واستعادة الخدمات وتهيئة ظروف التعافي وإعادة الإعمار وضمان انتظام عمل مؤسسات الدولة».

وجاء ذلك خلال استقباله القائمَ بأعمال السفارة الأميركية لدى اليمن، نيل هوب، حيث بحث الجانبان العلاقات الثنائية والتطورات العسكرية والأمنية، في ظل استمرار الهجمات الحوثية داخل اليمن وعبر الحدود مع السعودية.

وتناول اللقاء الانتهاكات التي تتهم الحكومةُ الجماعةَ بارتكابها، بما فيها القتل والاعتقال والتهجير والتجنيد القسري، إلى جانب الحصار المفروض على مدينة تعز، الذي قال العليمي إنه يحرم السكان من المياه والمشتقات النفطية والاحتياجات الأساسية.

وشدد العليمي على ضرورة دعم الجهود الرامية إلى إيصال المياه والغذاء والدواء، وتسهيل حركة المدنيين وفتح الطرق الحيوية أمام الإمدادات الإنسانية.

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي شكره السعودية على دعمها السياسي والاقتصادي والإنساني للحكومة والشعب اليمني، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية على جبهات عدة.

وفي تحرك موازٍ، طلب العليمي رسمياً من الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، دعم تحرك دولي عبر مجلس الأمن لتصنيف الجماعة الحوثية منظمة إرهابية، وضمان تنفيذ حظر توريد الأسلحة إليها وتجفيف مصادر تمويلها وتسليحها ومحاسبة داعميها والمسؤولين عن انتهاكاتها.

طريق رئيسية فجرها الحوثيون لعزل تعز عن المناطق اليمنية المحررة (إعلام محلي)

وخلال اتصال هاتفي مع غوتيريش، أطلع العليمي الأمينَ العام على الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي تستهدف مؤسسات الدولة والمنشآت المدنية، وتوسيع الاعتداءات على المدن والقرى، بالتزامن مع حصار تعز وقصف أحيائها السكنية. كما أشار إلى استمرار احتجاز أكثر من 70 من موظفي الأمم المتحدة، إلى جانب اختطاف آلاف المواطنين، وفق ما أورده الجانب اليمني.

وقال العليمي إن الحكومة «تعاملت بمسؤولية مع المبادرات والاتفاقات الرامية إلى إنهاء الحرب، بينما استغلت الجماعة الهدن والمساعي السياسية لإعادة ترتيب صفوفها ومواصلة التصعيد».

ودعا المجتمعَ الدولي إلى «الانتقال من الإدانة إلى التنفيذ الكامل لقرارات الشرعية الدولية، وإنهاء التهديد الحوثي، ورفع الحصار عن المدن، وفتح الطرق والممرات الآمنة أمام المدنيين والإمدادات الغذائية والطبية».

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن غوتيريش أدان الهجمات الحوثية داخل اليمن وعبر الحدود، ورفض استمرار احتجاز موظفي الأمم المتحدة والعاملين العموميين والانتهاكات للقانون الدولي، مؤكداً التزام المنظمة الدولية تقديم دعم أقوى للحكومة اليمنية والسعودية في مواجهة التهديدات.


حصار الحوثيين يخفض إنتاج المياه في تعز إلى النصف

تعذر وصول الإمدادات الإنسانية إلى داخل مدينة تعز بسبب الحصار الحوثي (الأمم المتحدة)
تعذر وصول الإمدادات الإنسانية إلى داخل مدينة تعز بسبب الحصار الحوثي (الأمم المتحدة)
TT

حصار الحوثيين يخفض إنتاج المياه في تعز إلى النصف

تعذر وصول الإمدادات الإنسانية إلى داخل مدينة تعز بسبب الحصار الحوثي (الأمم المتحدة)
تعذر وصول الإمدادات الإنسانية إلى داخل مدينة تعز بسبب الحصار الحوثي (الأمم المتحدة)

تتفاقم الأزمة الإنسانية في مدينة تعز اليمنية مع استمرار الحوثيين في إغلاق الطرق، وتعثر وصول الإمدادات، إذ انخفض إنتاج المياه إلى النصف، وارتفعت أسعار المواد الغذائية بنحو 50 في المائة، وسط شح الوقود، وغاز الطهي، واقتراب مخزونات المستشفيات من الأدوية والأكسجين والوقود من النفاد، وفق بيانات أممية حديثة ترصد تداعيات التصعيد الحوثي على المحافظة.

وتكشف هذه المؤشرات اتساع تأثير الحصار المفروض على تعز، والذي لم يعد يقتصر على عرقلة حركة السكان، والتجارة، بل بات يضغط على الخدمات الأساسية، والإغاثة، في وقت تواجه فيه المحافظة موجة نزوح واسعة، وارتفاعاً في الاحتياجات الإنسانية، بينما تتعذر على المنظمات إيصال الإمدادات الموجودة في عدن والتربة إلى المدينة.

ومنذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول)، أعاقت الطرق المغلقة وصول المساعدات الإنسانية، والتجارية، فيما نفدت السلال الغذائية لدى المنظمات الشريكة داخل المدينة، وفق التقارير الأممية. كما تعذر على المنظمات الإنسانية، منذ 8 أكتوبر، التنقل بين مدينة تعز والمديريات الجنوبية، بسبب المخاطر الأمنية، وإغلاق الطرق، وانقطاعات الاتصالات.

وبحسب بيانات الأمم المتحدة، بلغ عدد النازحين جراء التصعيد الحوثي خلال الفترة من الأول من أغسطس (آب) إلى منتصف أكتوبر الحالي 231 ألفاً و991 شخصاً، يمثلون 38 ألفاً و664 أسرة. وسُجلت 99 في المائة من حالات النزوح اعتباراً من 31 أغسطس، بالتزامن مع تصاعد الأعمال القتالية.

ربع المحتاجين فقط في تعز حصلوا على خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة (إعلام محلي)

واستحوذت تعز على نحو ثلاثة أرباع حركة النزوح المسجلة، كما تستضيف حالياً 52 في المائة من إجمالي النازحين، تليها لحج بنسبة 23 في المائة، ثم عدن بنسبة 13 في المائة، وأبين بنسبة 5 في المائة.

ولم تتوقف حركة النزوح مع استمرار المواجهات، إذ أدت الاشتباكات في منطقة التربة إلى نزوح نحو 4500 أسرة خلال ثلاثة أيام، فيما سجل نظام تتبع النزوح نزوح 44 ألفاً و202 شخص إضافي، أي 7367 أسرة، بين 4 و14 أكتوبر.

وحذرت البيانات من أن توسع القتال بالقرب من مواقع النزوح القائمة يدفع أسراً سبق أن فرّت من مناطقها إلى النزوح مجدداً. ومع إغلاق الطرق الرئيسة، بات وصول الأسر إلى محافظتي لحج وعدن أكثر صعوبة، وسط مخاوف من اتجاه مزيد من النازحين نحو مدينة تعز إذا استمرت المواجهات.

الأطفال في صدارة الضحايا

تتزامن الأزمة المعيشية والنزوح مع ارتفاع الخسائر المدنية. ووفق بيانات مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، جرى التحقق من 94 حادثة أسفرت عن 233 ضحية مدنية، بينهم 55 قتيلاً، و178 جريحاً. وشكل الأطفال أكثر من ثلث الضحايا، بواقع 27 طفلاً قتيلاً، و57 جريحاً.

وعلى صعيد الاستجابة الإنسانية، تلقى 152 ألفاً و222 نازحاً، يمثلون 21 ألفاً و746 أسرة، مساعدات أولية عبر آلية الاستجابة السريعة، فيما حصلت 13 ألفاً و243 أسرة على مساعدات نقدية طارئة، و12 ألفاً و594 أسرة على مساعدات غذائية، و9391 أسرة على خدمات المياه، والصرف الصحي، والنظافة. كما تلقى أكثر من 38 ألفاً و500 نازح خدمات صحية.

الأطفال يمثلون أكثر من ثلث الضحايا المدنيين الذين سقطوا بسبب الهجمات الحوثية (إعلام محلي)

لكن حجم الاستجابة لا يزال دون الاحتياجات؛ إذ لم تتلقَّ أربع أسر من كل عشر أسر جرى التحقق من أوضاعها أي مساعدات غذائية طارئة، بينما لم تحصل معظم الأسر التي تلقت المساعدات إلا على الدفعة الأولى من أصل ثلاث دفعات مقررة. ولم تصل مساعدات المأوى إلا إلى أقل من أسرة واحدة من كل عشر أسر محتاجة، فيما لم يحصل سوى نحو ربع المحتاجين على خدمات المياه، والإصحاح البيئي.

وتزداد المخاطر مع وجود 84 في المائة من الأسر النازحة التي جرى التحقق من بياناتها في مديريات مصنفة ضمن المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة الطوارئ. كما حذرت الأمم المتحدة من مخاطر تفشي الكوليرا في مواقع النزوح المكتظة، التي تعاني أصلاً ضعف خدمات المياه، والإصحاح البيئي.

تحرك محلي للتوثيق

في مواجهة هذه التداعيات، شدد محافظ تعز نبيل شمسان على ضرورة إعداد توثيق شامل ودقيق للآثار الإنسانية والخدمية والاقتصادية الناجمة عن الحرب والحصار المفروضين على المحافظة من قبل الحوثيين المدعومين من إيران.

وقال شمسان، خلال اجتماع لجنة شؤون الحصار بالمحافظة، إن القيود المفروضة على تعز تجاوزت إغلاق الطرق الرئيسة إلى ما وصفه بالعقاب الجماعي الممنهج، والذي طال تنقل المواطنين، والخدمات الصحية، والتعليمية، وحركة التجارة، والإغاثة، وإمدادات المياه، والغذاء، فضلاً عن ارتفاع تكاليف المعيشة.

ثلاثة أرباع النازحين جراء التصعيد الحوثي الأخير فروا من محافظة تعز (الأمم المتحدة)

ووجّه اللجنة بتوسيع عمليات الرصد لتشمل آثار الحصار، والتصعيد، والهجمات التي استهدفت المدنيين والمنشآت الحيوية في المخا، ومديريات الساحل الغربي، وإعداد تقارير تستند إلى بيانات دقيقة، وموثقة، بالتنسيق مع الجهات الرسمية، والمنظمات، والمراكز الحقوقية المحلية، والدولية.

وأكد المحافظ أن التوثيق المهني من شأنه إبراز حجم الانتهاكات، وإيصال القضية إلى الرأي العام المحلي، والدولي، ودعم جهود المساءلة. وتعتزم اللجنة إعداد تقارير يومية لقيادة السلطة المحلية، إلى جانب تقارير دورية ترصد الأبعاد الإنسانية والاقتصادية والخدمية للحصار.