تأثير مصطلح «الفلول» يتراجع في أوساط السياسة المصرية

ظهر مع صعود «الإسلام السياسي» عقب سقوط نظام مبارك

ارشيفية لمواطن مصري
ارشيفية لمواطن مصري
TT

تأثير مصطلح «الفلول» يتراجع في أوساط السياسة المصرية

ارشيفية لمواطن مصري
ارشيفية لمواطن مصري

تمد الطالبة الجامعية عبير يديها لترفع شجرة عيد الميلاد، وتقول وهي تهز خصلات شعرها على جبينها «أنا من الفلول». وضحك عشرات من أقاربها وأصدقائها وهم يخبطون بأيديهم على المناضد، لأن الوصف الذي بدا أن بريقه يتراجع، يعود لفترة حكم الإسلاميين التي انتهت منذ نحو ستة أشهر، وكانت كلمة «فلول» تهدف لاضطهاد نجوم فترة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك في السياسة والاقتصاد والثقافة والفن. ورفع والد عبير إصبعيه بعلامة النصر، وصاح وسط النادي الراقي «أنا مع السيسي».
ويتشكل في مصر تيار سياسي جديد يجمعه الالتفاف حول قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح السيسي. ويتكون هذا التيار من خليط ممن كانوا رجالا بارزين في عهد مبارك، وممن كانوا يعارضونه أيضا إضافة لقطاع لم يكن معنيا بالسياسة في الماضي. ويستثنى من ذلك مجموعة إسلاميين يصرون على عودة عقارب الساعة إلى الوراء؛ «أي رجوع الإخوان إلى الحكم».
وخرجت كلمة «فلول» لتطارد قيادات مبارك وأعضاء حزبه، الذين كان عددهم يقدر، وفقا لبيانات الحزب في ذلك الوقت، بنحو ثلاثة ملايين عضو، واتهامهم سياسيا بالمسؤولية عن التدهور الذي حل بالبلاد طيلة 30 عاما من الحكم.
وفي أحد النوادي الراقية في ضاحية مصر الجديدة شرق العاصمة المصرية لم يكن من السهل التحدث بصوت مرتفع، كما فعلت «عبير» عشية أعياد الميلاد، عن «الفلول» والحزب الذي تأسس في منزل الرئيس الراحل أنور السادات في أواخر عهده، قبل أن يتولى مبارك رئاسته باعتباره رئيس البلاد منذ عام 1981، حتى احتراق مقراته في مثل هذا الشهر من عام 2011.
ولم تكن عبير، ولا غالبية من كان معها في النادي، أعضاء في حزب مبارك أو أي حزب سياسي آخر. وتقول ساخرة: «أنا من حزب الكنبة»، في إشارة إلى شريحة كبيرة معروف عنها الانحياز للاستقرار، والذين لا يخرجون عادة للمشاركة السياسية. وتقبلت هذه الفتاة مثل ملايين المصريين الواقع الجديد بعد «ثورة 25 يناير 2011»، لكن هيمنة تيار الإسلام السياسي على التشريع في البرلمان ثم تولي حكم الدولة، أصاب «حزب الكنبة» بالصدمة، خاصة مع اختلاط الفتاوى الدينية بالأمور السياسية، كما تقول عبير.
وصاح والدها الذي يعمل في قطاع السياحة، مرة أخرى، داعيا من حوله، وهو يخبط بيده مجددا على المنضدة التي أمامه، للخروج في ذكرى ثورة يناير لمطالبة السيسي بترشيح نفسه لرئاسة الدولة. ويتبنى هذه الدعوة عدة تكتلات كبيرة تضم رجال أعمال وسياسيين وعسكريين متقاعدين، بغض النظر عن خلفيات هؤلاء، سواء كانوا من الفلول أو من حزب الكنبة أو من القيادات التي عملت سابقا في الجيش والشرطة والحزب الوطني نفسه.
ومنذ سقوط نظام مبارك وحل الحزب الوطني انزوى أعضاء الحزب في الضواحي والقرى، لكن العديد من أنصاره الكبار، من السياسيين والمثقفين والفنانين، خاضوا معارك شرسة للدفاع عن أنفسهم رافضين إطلاق كلمة «فلول» عليهم أو عزلهم سياسيا وثقافيا وفنيا، بينما كان تيار الإسلام السياسي، خاصة في 2012 و2013، يحاول إصدار تشريعات تلاحق كل من يشتبه في علاقته بنظام مبارك باعتباره من «الفلول». واتسم الهجوم ضد «الفلول» أحيانا بالتجريح الشخصي، كما حدث مع الفنانة إلهام شاهين التي خاضت معارك قضائية وانتصرت فيها ضد عدد من دعاة «الإسلام السياسي».
وتتذكر إلهام شاهين، وهي تتحدث لـ«الشرق الأوسط» أن اسمها ورد في قائمة أعدتها قيادات من الإسلاميين، مع سياسيين ورجال دين آخرين كـ«فلول» يجب أن يختفوا من الساحة في عهد ما بعد 2011. وتقول إن استخدام كلمة «فلول» كان استخداما خاطئا من الأساس، لأن الكلمة مشتقة من «فل» أي الذي يفل من الحرب ويهزم فيها، بينما «نحن لم نكن مهزومين.. أنا أصبحت نجمة ومعروفة في ظل نظام مبارك.. هذا طبيعي. من الطبيعي أن كل الناس كانوا يعملون في ظل حكم مبارك طيلة ثلاثين سنة، حتى المعارضة، ولا يمكن أن تنتقي مجموعة من الناس وتقول عنهم إن هؤلاء مذنبون».
وتضيف شاهين: «حين قالوا عني إنني من (الفلول) رددت عليهم وقلت إن اسمي ورد في قائمة تضم أشرف ناس في البلد، لأنه كان فيها اسم شيخ الأزهر واسم بابا الأقباط.. بالنسبة لي كان هذا أمرا جيدا. كما إن بعض الناس كانوا سعداء بلقب (فلول)، خاصة بعد أن بدأ يتضح أن من كان يقف وراء أحداث 25 يناير 2011 وما جرى من حرق للبلد وهجوم على السجون وأقسام الشرطة، هي جماعة الإخوان، بينما كان الشباب (المتظاهرون) يعتصمون في ميدان التحرير وقتها، من دون أن يدركوا حجم المؤامرة عليهم وعلى بلدهم في حينه».
وبفوز محمد مرسي برئاسة الدولة في يونيو (حزيران) 2012، جرب المصريون حكم «الإخوان»، وكانت النتيجة أن الملايين منهم، وكان أغلبيتهم من «حزب الكنبة»، خرجوا ساخطين على مرسي وجماعته بعد عام في الحكم.
ومنذ سقوط مرسي تتهم السلطات قيادات من تيار الإسلام السياسي، خاصة الإخوان، بـ«التخابر والإرهاب والتلاعب بالدولة»، بالتزامن مع تسريبات تبثها حاليا محطات تلفزيونية مستقلة لتسجيلات هاتفية تخص قادة من شباب ثورة يناير وهم يتحدثون عن تقاسم غنائم مالية وعن فضائح شخصية، أثناء الثورة على مبارك. وفي نادي مصر الجديدة تصطف المناضد ويشاهد الرواد، عبر شاشات عملاقة، ما يبث من هذه المكالمات. وتقول عبير مشدوهة: «هل هؤلاء هم من وثق فيهم الناس. حتى الفلول لم يتصرفوا هكذا».
وفي الوقت الحالي، إذا تصادف وسهرت في هذا النادي أو غيره من منتديات الطبقات الوسطى وما فوق الوسطى، يمكن أن ترى طريقة تفكير عبير ووالدها. طريقة التفكير هذه تتخطى سور النادي وتنعكس على العشرات من برامج التلفزيونات الخاصة والرسمية، التي يشاهدها الملايين مساء كل يوم. وملخص هذه الحالة، كما يقول الناشط أحمد عدلي، أحد أعضاء تحالف شباب ثورة يناير، هي: «نحن مع السيسي، سواء كنا فقراء أو أغنياء، من أجل مستقبل أفضل بغض النظر عن الماضي. ما معنى فلول اليوم؟ لا شيء. مجرد كلمة ما زال يرددها موالون لمرسي في محاولة يائسة لإخافة المصريين».
وتقول الناشطة الحقوقية، الدكتورة منال الطيبي، التي شاركت لفترة في إعداد دستور ما بعد مبارك في 2012، لـ«الشرق الأوسط»، إن كلمة «فلول كانت تقال أكثر على حزب الكنبة وكذلك على رجال مبارك». وتشير إلى أن ثورة 30 يونيو ضد حكم الإخوان «نزل فيها كثير من حزب الكنبة ومن الفلول، رغم أن بعض الإعدادات لهذه الثورة كانت موجهة». وتضيف أيضا أنه أصبح يوجد في الوقت الحالي، بسبب الكثير من المتغيرات، تقبل لمصطلح «الفلول»، وأن هناك الآن من يقول صراحة إنه «فلول».
وتزيد الطيبي قائلة إن غالبية المصريين «مع هذا الأمر». وترجع السبب إلى وسائل الإعلام، التي تقول إنها أصبحت تصور نظام مبارك كـ«نظام وطني، ومحاولة إظهار ثورة يناير كمؤامرة ضد الدولة».
ويقول البعض إن الثورة المناوئة للإخوان خرج فيها أكثر من 30 مليون مصري للشوارع والميادين، وإنها ما كانت لتنجح لولا مشاركة «الفلول وحزب الكنبة» فيها. وتوضح الطيبي قائلة: «في 30 يونيو كنا نواجه الإخوان، لكن المشكلة الأساسية كانت وجود الكثير من الفلول على الساحة، كما أن العديد من رجال أعمال مبارك رجعوا للمشهد أخيرا، خاصة ممن يملكون قنوات تلفزيونية فضائية».
وللدكتور جمال زهران، أستاذ العلوم السياسية، تفسير آخر لتراجع اهتمام المصريين بمن هو «فلول أو ليس فلول»، مشيرا لـ«الشرق الأوسط» إلى أن السبب يرجع إلى وقوع ثورتين وإسقاط حكمين لرئيسين في البلاد خلال وقت قياسي. ويضيف أن المصريين لن يسمحوا بعودة عقارب الساعة إلى الوراء سواء للإسلاميين أو الحزب الوطني.
ومثلما كان أنصار التيار الإسلامي يلاحقون أنصار مبارك بعد صعودهم للحكم، يواصل كثير من قيادات هذا التيار الهجوم على ثورة 30 يونيو، قائلين إنها ثورة «الفلول». ويرى الدكتور هشام كمال، أحد قيادات التحالف الموالي لـ«مرسي»، في رده على أسئلة «الشرق الأوسط» أن «من أفسدوا الحياة قبل 25 يناير أصبحوا بعد 30 يونيو يفتخرون بأنفسهم، وهم موجودون الآن بكثرة على القنوات التلفزيونية الخاصة والعامة». ويزيد أن «هؤلاء يتحدثون من وجهة نظر الفلول، ويخيل لهم أنهم عادوا ليسيطروا على البلد مرة أخرى».
ويعتقد أن جماعة الإخوان هي من نشرت «مصطلح فلول» ضد أعضاء حزب مبارك بعد 2011، كما يوضح الباحث في الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، كريم عبد الراضي. وعزا لـ«الشرق الأوسط» سبب تراجع مفعول الكلمة عن السابق، أن «الفلول أصبحوا أقوى في الوقت الحالي.. هم من يديرون الأمور بعد ثورة 30 يونيو، والجماهير تقف وراءهم، لأن الجميع يلتف حول السيسي ليكون رئيسا للدولة، ولهذا لم يعد أحد يسأل إن كنت فلولا أم لا». ويقول عبد الراضي، الذي شارك مع ائتلافات الشباب في «ثورة يناير» إنه «من خلال الاستخدام الواسع لوسائل الإعلام، خاصة برامج التوك شو بالتلفزيون (الدردشة)، توجد حالة من القبول الشعبي بوجود الفلول.. يوجد ظهير شعبي لهم».
ويترقب ملايين المصريين يوم 25 من هذا الشهر للخروج من أجل مطالبة السيسي بالترشح للرئاسة كما يقول لـ«الشرق الأوسط» كل من محمود نفادي المتحدث باسم «مصر بلدي» وعبد النبي عبد الستار المتحدث باسم حملة «كمل جميلك». ومن أمام النادي، ومع الساعات الأولى لفجر العام الجديد، كانت الأغاني المؤيدة للجيش تنطلق من السيارات، بينما هزت عبير خصلات شعرها، وقالت وهي تلحق بوالدها: «فلول أو غير فلول.. سنحتفل بذكرى يناير وندعو السيسي لرئاسة مصر».



«العزم الصلب» تغادر العراق

عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد أمس بمناسبة انسحاب القوات الأميركية (إ.ب.أ)
عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد أمس بمناسبة انسحاب القوات الأميركية (إ.ب.أ)
TT

«العزم الصلب» تغادر العراق

عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد أمس بمناسبة انسحاب القوات الأميركية (إ.ب.أ)
عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد أمس بمناسبة انسحاب القوات الأميركية (إ.ب.أ)

أنهى «التحالف الدولي» مهمة «العزم الصلب» في العراق، بعد سنوات من طلب الحكومة في بغداد المساعدة لمكافحة تنظيم «داعش».

وقالت وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) إن الولايات المتحدة وشركاءها في التحالف اختتموا عملية «العزم الصلب»، مضيفة أنه تم الانتقال إلى الأردن مع مواصلة تقديم الدعم الاستخباري للشركاء العراقيين.

وأفاد رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، بأن «انتهاء مهمة التحالف الدولي لا يعني انتهاء معركتنا مع الإرهاب، بل هو انتقال إلى مرحلة يتولى فيها العراق المسؤولية الكاملة عن الأمن». وبشأن السلاح المنفلت، قال الزيدي: «لا سلاح خارج مظلة القانون، ولا قوة خارج مؤسسات الدولة، وفق ما يقضي الدستور».

وطمأن زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود بارزاني، أمس (الأربعاء)، مواطنيه بأن الإقليم ليس عرضة للتهديد بعد انتهاء مهام قوات التحالف الدولي.

وفي واشنطن، أفاد خبراء بأن الولايات المتحدة تركز في المرحلة الراهنة، بعد الانسحاب، على تفكيك الميليشيات وعزل النفوذ الإيراني.

وكان لافتاً أن تحتفي إيران وحلفاؤها بانسحاب آخر القوات - والذي كان بشكل أساسي من قاعدة جوية في أربيل بإقليم كردستان - بوصفه «انتصاراً»، رغم قلق طيف من العراقيين إزاء تحديات جيوسياسية.


تعز ولحج تشعلان نذر المعركة اليمنية الكبرى

تحرك القيادة اليمنية للتعبئة العامة ينذر بإطلاق معركة مصيرية ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
تحرك القيادة اليمنية للتعبئة العامة ينذر بإطلاق معركة مصيرية ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

تعز ولحج تشعلان نذر المعركة اليمنية الكبرى

تحرك القيادة اليمنية للتعبئة العامة ينذر بإطلاق معركة مصيرية ضد الحوثيين (إعلام عسكري)
تحرك القيادة اليمنية للتعبئة العامة ينذر بإطلاق معركة مصيرية ضد الحوثيين (إعلام عسكري)

دخلت المواجهات بين الحكومة اليمنية والجماعة الحوثية مرحلة أكثر حدة، مع اشتداد المعارك في جبهات تعز ولحج، وتزامن العمليات البرية والجوية والصاروخية مع تحرك مؤسسات الدولة لتفعيل التعبئة العامة ورفع الجاهزية العسكرية، في مؤشر على استعداد رسمي لمعركة كبرى ضد الجماعة المتحالفة مع إيران.

وتتركز المعارك في غرب تعز والمناطق المتصلة بلحج، حيث تخوض القوات الحكومية، بمشاركة «ألوية العمالقة» و«درع الوطن» ومقاتلين قبليين، مواجهات عنيفة مع هجمات حوثية ومحاولات تسلل والتفاف. وشهدت جبهة الأغبرة في المضاربة والعارة معارك ليلية، بالتزامن مع غارات جوية على مواقع حوثية في الوازعية والبازلة والظهورة.

وفي تعز، صعّدت الجماعة قصفها الصاروخي على مناطق سكنية في الشمايتين والتربة، مما أسفر عن أضرار مادية وإصابة مدنيين، فيما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ 414 عملية استهداف خلال 24 ساعة، بعد يوم من إعلانها 356 عملية قالت إنها أوقعت 476 قتيلاً وجريحاً حوثياً، لترفع حصيلتها المعلنة خلال 4 أيام إلى نحو 3 آلاف قتيل وجريح.

ويتزامن التصعيد الميداني مع إقرار الجيش اليمني عملياته للتعبئة العامة، ومناقشة مجلس الدفاع الوطني رفع جاهزية القوات وتوحيد الموارد والجهود الوطنية.


«العزم الصلب» تنتهي في بغداد... و«عُقدة» الفصائل دون حل

المؤسسات الحكومية والسياسية عدّت انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» انتصاراً (أ.ف.ب)
المؤسسات الحكومية والسياسية عدّت انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» انتصاراً (أ.ف.ب)
TT

«العزم الصلب» تنتهي في بغداد... و«عُقدة» الفصائل دون حل

المؤسسات الحكومية والسياسية عدّت انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» انتصاراً (أ.ف.ب)
المؤسسات الحكومية والسياسية عدّت انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» انتصاراً (أ.ف.ب)

أنهت القوات الأميركية، الأربعاء، مغادرة قواعدها المتبقية في العراق، وسط مخاوف من ترك ملف سلاح الفصائل الموالية لإيران «عقدة دون حل»، ومنح تنظيم «داعش» فرصة لإعادة تنظيم صفوفه. وكان لافتاً أن تحتفي إيران وحلفاؤها بانسحاب آخر القوات - الذي سيكون بشكل أساسي من قاعدة جوية في أربيل بإقليم كردستان - بوصفه «انتصاراً»، على الرغم من قلق عدد من العراقيين إزاء عدم جاهزية قوات الأمن العراقية.

وجرت الموافقة على الانسحاب عام 2024 في عهد الرئيس الأميركي السابق، جو بايدن، وتنفذه إدارة دونالد ترمب الحالية حتى في الوقت الذي تشن فيه حرباً على إيران. وغادرت القوات الأميركية في البداية آخر عام 2011، لكنها عادت بعد ذلك بأقل من ‌3 سنوات بعد ‌أن استولى تنظيم «داعش» على ثلث أراضي العراق.

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي متحدثاً خلال عرض في بغداد بمناسبة انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» يوم 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

نهاية «العزم الصلب»

وقالت وزارة الدفاع الأميركية إن الولايات المتحدة وشركاءها في «التحالف الدولي لمحاربة (داعش)» اختتموا رسمياً عملية «العزم الصلب»، مضيفة أنها انتقلت إلى مقرها في الأردن بينما ستواصل تقديم التدريب والدعم الاستخباري الموجه للشركاء العراقيين.

كما أعلنت «القيادة المركزية الأميركية»، في بيان، إكمال الانسحاب المنظم للقوات والمعدات الأميركية من قاعدة أربيل الجوية؛ مما يمثل نهاية مهمة عملية «العزم الصلب».

وأشارت إلى أن «هذه الخطوة جزء من انتقال مخطط له نحو علاقة دفاعية ثنائية بين الولايات المتحدة والعراق».

وقال رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، في بيان: «انتهاء مهمة التحالف الدولي لا يعني انتهاء معركتنا مع الإرهاب، بل هو انتقال العراق إلى مرحلة يتولى فيها المسؤولية الكاملة عن أمنه واستقراره».

وأضاف الزيدي، خلال احتفال حضرته «الشرق الأوسط» في بغداد، أن «مهام العمليات المشتركة انتقلت إلى مكتب القائد العام للقوات المسلحة ضمن صيغة مؤسسية لإدارة هذا الجهد تحت سلطة الدولة وقيادتها العليا».

وبشأن قصة السلاح المنفلت في العراق، قال الزيدي: «لا سلاح خارج مظلة القانون، ولا قوة خارج مؤسسات الدولة، وفق ما يقضي الدستور».

كما أقامت «هيئة الحشد الشعبي»، التي تضم مجموعات مسلحة موالية لإيران، احتفالاً بمناسبة «يوم السيادة»؛ وشهد كلمات خطابية وصفت الحدث بـ«الانتصار».

يرفع أحد عناصر الأمن العراقي علامة النصر خلال عرض في بغداد بمناسبة انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» يوم 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

الصدر يحل «اليوم الموعود»

في غضون ذلك، أعلن زعيم «التيار الصدري»، مقتدى الصدر، الأربعاء، حل لواء «اليوم الموعود» وتحويل فصيله المسلح مؤسسةً مدنية، داعياً إلى حصر السلاح بيد الدولة واعتزال القيادات السياسية العمل السياسي وفتح المجال أمام وجوه جديدة.

وقال الصدر، في تدوينة على منصة «إكس»، إنه يعلن «استقلال العراق وانتهاء حقبة التواجد الأميركي والتحالف الدولي بصورة نهائية»، مقدماً الشكر إلى «المقاومين السابقين الأولين من المجاهدين والأنصار».

وطالب الصدر الجيش الأميركي بتعويضات عن الأضرار التي قال إنها حدثت بسبب «احتلاله الأراضي العراقية»، داعياً إلى تقديم شكاوى قانونية بهذا الشأن.

وحث الصدر الجهات السياسية على إجراء التعديلات اللازمة، وإعطاء الأولوية للعمل السياسي فوراً، وفتح الباب أمام الوجوه الجديدة لإنهاء الفساد والعمل على الإصلاح، مشدداً على وجوب تعزيز القوات الأمنية بكامل صنوفها وتفعيلها، لا سيما حرس الحدود.

بينما عدّ فصيل يحمل اسم «أصحاب أهل الكهف»، يُعتقد أنه واجهة لأحد الفصائل الكبيرة الموالية لإيران، أن حصر السلاح «أوهام يحلم بها الضعفاء والأذلاء»، متوعداً بقطع أي يد تمتدّ إلى عناصره أو تمس سلاحه.

وحذر الفصيل في بيان بأنه «ابتداء من اليوم؛ فإن أي وجود أجنبي، برياً كان أم جوياً، سيشهد رداً عسكرياً» من قبل الفصيل.

كما شككت «كتائب حزب الله»، الأربعاء، في إتمام انسحاب القوات الأميركية من البلاد، مؤكدة في بيان أن ما وصفتها «أجهزتها الاستخبارية» رصدت استمرار تحليق الطيران «التجسسي والحربي في الأجواء العراقية»، إلى جانب «الحصول على برقيات توثق تحركات ميدانية لأفراد (الجيش الأميركي) تستمر حتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) المقبل».

أحد عناصر الأمن العراقي يؤدي التحية العسكرية خلال عرض في بغداد بمناسبة انسحاب «التحالف الدولي لمحاربة داعش» يوم 30 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

«عقدة دون حل»

ومع الانسحاب الأميركي، تعزز طهران نفوذها من خلال حلفائها في العراق منذ سقوط نظام الرئيس الراحل صدام حسين. ويشعر طيف سياسي وشعبي بالقلق من أن قوات الأمن التي دربتها ومولتها الولايات المتحدة لا تزال غير قادرة ‌على حماية البلد، بينما تبقى الفصائل المسلحة التي تعمل من كثب مع «الحرس الثوري» الإيراني «عقد بلا حل»، على حد وصف قيادي بارز في «تحالف إدارة الدولة». ونقلت «رويترز» عن جاسم البهادلي، وهو محلل يقدم المشورة لقوات الأمن: «الدرس المستفاد ‌من العقدين الماضيين هو أن الفراغات الأمنية يمكن أن تكون بالغة الخطورة».

لكن مقربين من الحكومة يميلون إلى التفاؤل بما ستؤول إليه الأوضاع بعد الانسحاب. وقال الخبير في الشؤون الاستراتيجية الدكتور حسين علاوي لـ«الشرق الأوسط» إن العلاقات العراقية - الأميركية دخلت مرحلة جديدة بعد 12 سنة من العمل المشترك لهزيمة تنظيم «داعش»، مشيراً إلى أن «التنسيق الأمني سيتحول تعاوناً اقتصادياً وتنموياً واستثمارياً، بدأت بوارده في الظهور مع لقاء رئيس الوزراء علي الزيدي بالرئيس دونالد ترمب الأسبوع الماضي».

مرحلة ما بعد الانسحاب

ورجح الباحث في الشأن الأميركي عبد الرحمن الجبوري، في حديث مع «الشرق الأوسط» أن «العلاقة بين واشنطن وبغداد لن تتغير كثيراً بسبب تعاظم نفوذ واشنطن السياسي والمالي في بغداد»، لكنه أشار إلى «تأثرها بواقع واستمرار الحرب الإيرانية - الأميركية ورغبة واشنطن إنهاء النفوذ الإيراني في العراق».

وفي حرب هذا العام على إيران، سقط في العراق 7 من أصل 18 جندياً أميركياً أعلن عن مقتلهم خلال الصراع؛ آخرهم جندي برتبة ‌سيرجنت لقي حتفه في أثناء تفجير محكم لطائرة مسيّرة بقاعدة قرب أربيل خلال يوليو (تموز) الماضي.

وتعدّ إيران، التي تقول إن هدفها النهائي هو إجبار القوات الأميركية على ⁠مغادرة الشرق الأوسط بأكمله، انسحاب ⁠الولايات المتحدة من العراق انتصاراً لما يسمى «محور المقاومة»؛ الذي يضم جماعات وفصائل مسلحة متحالفة معها في أنحاء المنطقة. ونقلت «رويترز» عن المحلل السياسي أحمد يونس أن «ما يثير القلق ليس بالضرورة التدخل الإيراني المباشر، وإنما احتمال أن تشعر الجماعات الوكيلة لإيران بمزيد من القوة في غياب الوجود العسكري الغربي. وقد تحاول توسيع دورها في رسم سياسات الدولة وترسيخ وجودها داخل المؤسسات الرئيسية».