تأثير مصطلح «الفلول» يتراجع في أوساط السياسة المصرية

ظهر مع صعود «الإسلام السياسي» عقب سقوط نظام مبارك

ارشيفية لمواطن مصري
ارشيفية لمواطن مصري
TT

تأثير مصطلح «الفلول» يتراجع في أوساط السياسة المصرية

ارشيفية لمواطن مصري
ارشيفية لمواطن مصري

تمد الطالبة الجامعية عبير يديها لترفع شجرة عيد الميلاد، وتقول وهي تهز خصلات شعرها على جبينها «أنا من الفلول». وضحك عشرات من أقاربها وأصدقائها وهم يخبطون بأيديهم على المناضد، لأن الوصف الذي بدا أن بريقه يتراجع، يعود لفترة حكم الإسلاميين التي انتهت منذ نحو ستة أشهر، وكانت كلمة «فلول» تهدف لاضطهاد نجوم فترة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك في السياسة والاقتصاد والثقافة والفن. ورفع والد عبير إصبعيه بعلامة النصر، وصاح وسط النادي الراقي «أنا مع السيسي».
ويتشكل في مصر تيار سياسي جديد يجمعه الالتفاف حول قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح السيسي. ويتكون هذا التيار من خليط ممن كانوا رجالا بارزين في عهد مبارك، وممن كانوا يعارضونه أيضا إضافة لقطاع لم يكن معنيا بالسياسة في الماضي. ويستثنى من ذلك مجموعة إسلاميين يصرون على عودة عقارب الساعة إلى الوراء؛ «أي رجوع الإخوان إلى الحكم».
وخرجت كلمة «فلول» لتطارد قيادات مبارك وأعضاء حزبه، الذين كان عددهم يقدر، وفقا لبيانات الحزب في ذلك الوقت، بنحو ثلاثة ملايين عضو، واتهامهم سياسيا بالمسؤولية عن التدهور الذي حل بالبلاد طيلة 30 عاما من الحكم.
وفي أحد النوادي الراقية في ضاحية مصر الجديدة شرق العاصمة المصرية لم يكن من السهل التحدث بصوت مرتفع، كما فعلت «عبير» عشية أعياد الميلاد، عن «الفلول» والحزب الذي تأسس في منزل الرئيس الراحل أنور السادات في أواخر عهده، قبل أن يتولى مبارك رئاسته باعتباره رئيس البلاد منذ عام 1981، حتى احتراق مقراته في مثل هذا الشهر من عام 2011.
ولم تكن عبير، ولا غالبية من كان معها في النادي، أعضاء في حزب مبارك أو أي حزب سياسي آخر. وتقول ساخرة: «أنا من حزب الكنبة»، في إشارة إلى شريحة كبيرة معروف عنها الانحياز للاستقرار، والذين لا يخرجون عادة للمشاركة السياسية. وتقبلت هذه الفتاة مثل ملايين المصريين الواقع الجديد بعد «ثورة 25 يناير 2011»، لكن هيمنة تيار الإسلام السياسي على التشريع في البرلمان ثم تولي حكم الدولة، أصاب «حزب الكنبة» بالصدمة، خاصة مع اختلاط الفتاوى الدينية بالأمور السياسية، كما تقول عبير.
وصاح والدها الذي يعمل في قطاع السياحة، مرة أخرى، داعيا من حوله، وهو يخبط بيده مجددا على المنضدة التي أمامه، للخروج في ذكرى ثورة يناير لمطالبة السيسي بترشيح نفسه لرئاسة الدولة. ويتبنى هذه الدعوة عدة تكتلات كبيرة تضم رجال أعمال وسياسيين وعسكريين متقاعدين، بغض النظر عن خلفيات هؤلاء، سواء كانوا من الفلول أو من حزب الكنبة أو من القيادات التي عملت سابقا في الجيش والشرطة والحزب الوطني نفسه.
ومنذ سقوط نظام مبارك وحل الحزب الوطني انزوى أعضاء الحزب في الضواحي والقرى، لكن العديد من أنصاره الكبار، من السياسيين والمثقفين والفنانين، خاضوا معارك شرسة للدفاع عن أنفسهم رافضين إطلاق كلمة «فلول» عليهم أو عزلهم سياسيا وثقافيا وفنيا، بينما كان تيار الإسلام السياسي، خاصة في 2012 و2013، يحاول إصدار تشريعات تلاحق كل من يشتبه في علاقته بنظام مبارك باعتباره من «الفلول». واتسم الهجوم ضد «الفلول» أحيانا بالتجريح الشخصي، كما حدث مع الفنانة إلهام شاهين التي خاضت معارك قضائية وانتصرت فيها ضد عدد من دعاة «الإسلام السياسي».
وتتذكر إلهام شاهين، وهي تتحدث لـ«الشرق الأوسط» أن اسمها ورد في قائمة أعدتها قيادات من الإسلاميين، مع سياسيين ورجال دين آخرين كـ«فلول» يجب أن يختفوا من الساحة في عهد ما بعد 2011. وتقول إن استخدام كلمة «فلول» كان استخداما خاطئا من الأساس، لأن الكلمة مشتقة من «فل» أي الذي يفل من الحرب ويهزم فيها، بينما «نحن لم نكن مهزومين.. أنا أصبحت نجمة ومعروفة في ظل نظام مبارك.. هذا طبيعي. من الطبيعي أن كل الناس كانوا يعملون في ظل حكم مبارك طيلة ثلاثين سنة، حتى المعارضة، ولا يمكن أن تنتقي مجموعة من الناس وتقول عنهم إن هؤلاء مذنبون».
وتضيف شاهين: «حين قالوا عني إنني من (الفلول) رددت عليهم وقلت إن اسمي ورد في قائمة تضم أشرف ناس في البلد، لأنه كان فيها اسم شيخ الأزهر واسم بابا الأقباط.. بالنسبة لي كان هذا أمرا جيدا. كما إن بعض الناس كانوا سعداء بلقب (فلول)، خاصة بعد أن بدأ يتضح أن من كان يقف وراء أحداث 25 يناير 2011 وما جرى من حرق للبلد وهجوم على السجون وأقسام الشرطة، هي جماعة الإخوان، بينما كان الشباب (المتظاهرون) يعتصمون في ميدان التحرير وقتها، من دون أن يدركوا حجم المؤامرة عليهم وعلى بلدهم في حينه».
وبفوز محمد مرسي برئاسة الدولة في يونيو (حزيران) 2012، جرب المصريون حكم «الإخوان»، وكانت النتيجة أن الملايين منهم، وكان أغلبيتهم من «حزب الكنبة»، خرجوا ساخطين على مرسي وجماعته بعد عام في الحكم.
ومنذ سقوط مرسي تتهم السلطات قيادات من تيار الإسلام السياسي، خاصة الإخوان، بـ«التخابر والإرهاب والتلاعب بالدولة»، بالتزامن مع تسريبات تبثها حاليا محطات تلفزيونية مستقلة لتسجيلات هاتفية تخص قادة من شباب ثورة يناير وهم يتحدثون عن تقاسم غنائم مالية وعن فضائح شخصية، أثناء الثورة على مبارك. وفي نادي مصر الجديدة تصطف المناضد ويشاهد الرواد، عبر شاشات عملاقة، ما يبث من هذه المكالمات. وتقول عبير مشدوهة: «هل هؤلاء هم من وثق فيهم الناس. حتى الفلول لم يتصرفوا هكذا».
وفي الوقت الحالي، إذا تصادف وسهرت في هذا النادي أو غيره من منتديات الطبقات الوسطى وما فوق الوسطى، يمكن أن ترى طريقة تفكير عبير ووالدها. طريقة التفكير هذه تتخطى سور النادي وتنعكس على العشرات من برامج التلفزيونات الخاصة والرسمية، التي يشاهدها الملايين مساء كل يوم. وملخص هذه الحالة، كما يقول الناشط أحمد عدلي، أحد أعضاء تحالف شباب ثورة يناير، هي: «نحن مع السيسي، سواء كنا فقراء أو أغنياء، من أجل مستقبل أفضل بغض النظر عن الماضي. ما معنى فلول اليوم؟ لا شيء. مجرد كلمة ما زال يرددها موالون لمرسي في محاولة يائسة لإخافة المصريين».
وتقول الناشطة الحقوقية، الدكتورة منال الطيبي، التي شاركت لفترة في إعداد دستور ما بعد مبارك في 2012، لـ«الشرق الأوسط»، إن كلمة «فلول كانت تقال أكثر على حزب الكنبة وكذلك على رجال مبارك». وتشير إلى أن ثورة 30 يونيو ضد حكم الإخوان «نزل فيها كثير من حزب الكنبة ومن الفلول، رغم أن بعض الإعدادات لهذه الثورة كانت موجهة». وتضيف أيضا أنه أصبح يوجد في الوقت الحالي، بسبب الكثير من المتغيرات، تقبل لمصطلح «الفلول»، وأن هناك الآن من يقول صراحة إنه «فلول».
وتزيد الطيبي قائلة إن غالبية المصريين «مع هذا الأمر». وترجع السبب إلى وسائل الإعلام، التي تقول إنها أصبحت تصور نظام مبارك كـ«نظام وطني، ومحاولة إظهار ثورة يناير كمؤامرة ضد الدولة».
ويقول البعض إن الثورة المناوئة للإخوان خرج فيها أكثر من 30 مليون مصري للشوارع والميادين، وإنها ما كانت لتنجح لولا مشاركة «الفلول وحزب الكنبة» فيها. وتوضح الطيبي قائلة: «في 30 يونيو كنا نواجه الإخوان، لكن المشكلة الأساسية كانت وجود الكثير من الفلول على الساحة، كما أن العديد من رجال أعمال مبارك رجعوا للمشهد أخيرا، خاصة ممن يملكون قنوات تلفزيونية فضائية».
وللدكتور جمال زهران، أستاذ العلوم السياسية، تفسير آخر لتراجع اهتمام المصريين بمن هو «فلول أو ليس فلول»، مشيرا لـ«الشرق الأوسط» إلى أن السبب يرجع إلى وقوع ثورتين وإسقاط حكمين لرئيسين في البلاد خلال وقت قياسي. ويضيف أن المصريين لن يسمحوا بعودة عقارب الساعة إلى الوراء سواء للإسلاميين أو الحزب الوطني.
ومثلما كان أنصار التيار الإسلامي يلاحقون أنصار مبارك بعد صعودهم للحكم، يواصل كثير من قيادات هذا التيار الهجوم على ثورة 30 يونيو، قائلين إنها ثورة «الفلول». ويرى الدكتور هشام كمال، أحد قيادات التحالف الموالي لـ«مرسي»، في رده على أسئلة «الشرق الأوسط» أن «من أفسدوا الحياة قبل 25 يناير أصبحوا بعد 30 يونيو يفتخرون بأنفسهم، وهم موجودون الآن بكثرة على القنوات التلفزيونية الخاصة والعامة». ويزيد أن «هؤلاء يتحدثون من وجهة نظر الفلول، ويخيل لهم أنهم عادوا ليسيطروا على البلد مرة أخرى».
ويعتقد أن جماعة الإخوان هي من نشرت «مصطلح فلول» ضد أعضاء حزب مبارك بعد 2011، كما يوضح الباحث في الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، كريم عبد الراضي. وعزا لـ«الشرق الأوسط» سبب تراجع مفعول الكلمة عن السابق، أن «الفلول أصبحوا أقوى في الوقت الحالي.. هم من يديرون الأمور بعد ثورة 30 يونيو، والجماهير تقف وراءهم، لأن الجميع يلتف حول السيسي ليكون رئيسا للدولة، ولهذا لم يعد أحد يسأل إن كنت فلولا أم لا». ويقول عبد الراضي، الذي شارك مع ائتلافات الشباب في «ثورة يناير» إنه «من خلال الاستخدام الواسع لوسائل الإعلام، خاصة برامج التوك شو بالتلفزيون (الدردشة)، توجد حالة من القبول الشعبي بوجود الفلول.. يوجد ظهير شعبي لهم».
ويترقب ملايين المصريين يوم 25 من هذا الشهر للخروج من أجل مطالبة السيسي بالترشح للرئاسة كما يقول لـ«الشرق الأوسط» كل من محمود نفادي المتحدث باسم «مصر بلدي» وعبد النبي عبد الستار المتحدث باسم حملة «كمل جميلك». ومن أمام النادي، ومع الساعات الأولى لفجر العام الجديد، كانت الأغاني المؤيدة للجيش تنطلق من السيارات، بينما هزت عبير خصلات شعرها، وقالت وهي تلحق بوالدها: «فلول أو غير فلول.. سنحتفل بذكرى يناير وندعو السيسي لرئاسة مصر».



العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».


هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
TT

هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)
الحوثيون يواصلون حشد المقاتلين وجمع التبرعات وإعلان الجهوزية القتالية (أ.ب)

بالتزامن مع التحركات العسكرية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، والضربات العسكرية المحتملة على إيران، تواصل الجماعة الحوثية في اليمن استعداداتها العسكرية وحشد المقاتلين واستحداث مواقع جديدة لأسلحتها، في وقت يُنظر لها فيه بأنها إحدى أهم الأذرع الإقليمية للرد الإيراني.

وعلى الرغم أن الجماعة المدعومة من إيران لم تصدر أي بيان رسمي يعلن موقفها من تعرض إيران لهجوم أميركي، فإن قادة فيها حذَّروا الولايات المتحدة من أي عمل عسكري، وتحمُّل المسؤولية الكاملة عن التصعيد وتداعياته، ولمحوا إلى أن تعاطيهم معه سيتم وفق ما تراه القيادة العليا بعد تقييم الموقف وتداعياته المحتملة.

وبقدر ما توحي هذه التلميحات، إلا أن ثمة تفسيرات لها بعدم الرغبة في لفت انتباه الإدارة الأميركية الحالية بقيادة دونالد ترمب إلى ضرورة التعامل مسبقاً مع الرد المقبل من قِبل الجماعة، خصوصاً وأن هذه الإدارة قد شنت حملة عسكرية سابقة ربيع العام الماضي على الجماعة وتسببت لها بالكثير من الخسائر.

ويرى إسلام المنسي، الباحث المصري في الشؤون الإيرانية، أن إيران قد لا تذهب إلى إحراق أوراقها كافة في حال لم يكن هناك داعٍ لذلك، خصوصاً مع التهديدات الأميركية بارتفاع سقف التصعيد في حال إقدام أي أذرع عسكرية إيرانية على التدخل والمشاركة في المواجهة.

مدمرة أميركية تصل إلى ميناء إيلات جنوب إسرائيل ضمن الحشد العسكري الأميركي في المنطقة (رويترز)

ولم تلجأ إيران لاستخدام أذرعها العسكرية خلال مواجهتها مع إسرائيل والضربة الأميركية المحدودة لها صيف العام الماضي؛ لكونها لم تشعر بخطر وجودي، وهو ما قد يتغير في المواجهة المرتقبة، ويمكن أن يدفع إلى تدخل الجماعة الحوثية، بما يشمل استهداف حلفاء ومصالح الولايات المتحدة وقواتها العسكرية، وفقاً لحديث المنسي لـ«الشرق الأوسط».

وإذا كانت إيران قد سبق لها وعرضت، في إطار تفاوضي، التخلي عن أذرعها العسكرية في المنطقة، بما في ذلك الحوثي، فإن ذلك يجعل من المؤكد أنها ستستخدمها في الرد، خصوصاً وأنها أنشأتها للدفاع عن أراضيها في جغرافيا بعيدة عنها، حسب المنسي.

وترجح الكثير من التقارير الاستخباراتية أن يكون «الحرس الثوري» الإيراني قد بحث مع الحوثيين تفعيل ساحات دعم بديلة خلال المواجهة الأميركية الإيرانية المنتظرة، واستخدام خلايا وأسلحة لم يجرِ استخدامها من قبل.

تأهب مكشوف

ومنذ أيام نقلت وسائل إعلام صينية عن قيادي عسكري حوثي، لم تسمّه، أن الجماعة رفعت فعلاً حالة التأهب، ونفذت عمليات تفتيش لمنصات إطلاق الصواريخ في مناطق عدة داخل اليمن، من بينها منطقة البحر الأحمر ذي الأهمية الاستراتيجية.

صورة نشرها الحوثيون لما زعموا أنه موقع تحطم طائرة أميركية مسيّرة في أبريل الماضي (غيتي)

في هذا السياق، يؤكد صلاح علي صلاح، الباحث السياسي اليمني، أن الجماعة الحوثية ستشارك في الدفاع عن إيران ضد أي هجمات أميركية، مستنداً إلى خطابها الإعلامي المرافق لحشود أنصارها في الساحات والميادين، والذي يؤيد بشكل واضح حق إيران في الدفاع عن نفسها.

ورغم المواربة التي يتخذها هذا الخطاب بشأن إيران؛ فإنه يعيد التذكير بحرب غزة، ويجدد التعهدات الحوثية بالعودة إلى التصعيد العسكرية للدفاع عن سكان القطاع المحاصر، كما يوضح صلاح لـ«الشرق الأوسط»، منوهاً إلى أن إيران لم تشارك الحوثيين كل تلك التقنيات العسكرية المتطورة والنوعية، إلا بسبب ثقتها العالية بهم وقدرتهم على استخدامها لصالحها.

وخلال الفترة الماضية، وبعد استهداف إسرائيل حكومة الجماعة غير المعترف بها وعدداً من قياداتها، برز عدد من القادة الحوثيين المتشددين في ولائهم لإيران، بينما يجري على الأرض استحداث مواقع عسكرية ونقل معدات وأسلحة إلى مناطق جديدة في المناطق الساحلية والقريبة منها، إضافة إلى إمكانية استخدام خلايا أمنية في خارج حدود اليمن.

ويرجح صلاح أنه، ومع تهديدات الضربة العسكرية على إيران كبيرة، فإن الرد الإيراني سيأخذ منحى متقدماً قد يصل إلى السعي لإغلاق المضائق؛ وهو ما يجعل مضيق باب المندب في دائرة الاستهداف الحوثي.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

ويبدي الكثير من المراقبين قلقاً من أن تكون الجماعة الحوثية نقلت خلال السنوات الماضية عدداً من مقاتليها وخلاياها الاستخباراتية إلى خارج اليمن لاستهداف مصالح أميركية وغربية في المنطقة.

خيارات مفتوحة

وفقدت الجماعة الحوثية عند إعلان وقف إطلاق النار في غزة أحد أهم مبررات حشد المقاتلين وجمع الأموال، وبدأت بمواجهة تصاعد الغضب الشعبي ضد ممارساتها والحالة الإنسانية المتدهورة بخطاب إعلامي يحاول إقناع المتلقين بأن المعركة لم تنتهِ، وأن هناك جولات قادمة منها.

وفي موازاة استمرار الجماعة بحشد أنصارها أسبوعياً في مظاهرات تشمل مختلف مناطق سيطرتها تحت شعارات مناصرة قطاع غزة، لجأت إلى تنفيذ هجمات في جبهات المواجهة مع الحكومة الشرعية في اليمن، خصوصاً في محافظة تعز، في حوادث يصفها بعض الخبراء العسكريين بمحاولات جس النبض، بينما يرى آخرون أنها تهدف لصرف الانتباه عن ممارسات أخرى.

في هذا السياق، يذكّر وليد الأبارة، رئيس مركز اليمن والخليج للدراسات، بأن الجماعة واجهت مرحلة حرجة بعد وقف الحرب في غزة، بعد أن فقدت أحد أبرز مبررات هجماتها على الملاحة في البحر الأحمر، وإزاء ذلك فقد تلجأ إلى استحداث مبررات جديدة، بمزاعم العقوبات المفروضة عليها للحفاظ على زخمها الإعلامي ودورها الإقليمي.

أنصار الحوثيين في وقفة لهم بمدينة حجة تحت شعار الاستعداد للمواجهة المقبلة (إعلام حوثي)

إلى جانب ذلك، فهناك خياران آخران، حسب توضيحات الأبارة لـ«الشرق الأوسط»، يتمثل الأول بإعادة توجيه نشاطها نحو الداخل؛ بهدف تعزيز ميزان القوى العسكري والاقتصادي لمصلحتها، أو لفرض شروطها في أي تسوية مقبلة، بينما يتمثل الآخر بالرضوخ للضغوط الدولية والإقليمية والانخراط في مسار تفاوضي، خصوصاً في حال تصاعد العقوبات أو تراجع قدرتها الاقتصادية والعسكرية.

وحسب تقدير موقف لمركز اليمن والخليج الذي يديره الأبارة، فإن المعطيات تشير إلى أن الاحتجاجات الواسعة في إيران باتت تضغط على قدرة النظام على إدارة نفوذه الإقليمي بالوتيرة السابقة، دون أن تصل إلى تفكيك شبكة وكلائه.

وهذا الواقع يدفع طهران إلى مقاربة أكثر حذراً، تحكمها أولويات الداخل وحسابات التكلفة والعائد، مع الحفاظ على الحد الأدنى من النفوذ الخارجي دون تصعيد واسع.

ويُرجَّح الأبارة في هذا الإطار استمرار العلاقة مع الحوثيين ضمن استمرارية منضبطة، بدعم انتقائي يضمن بقاء الجماعة فاعلة، إلا أن اتساع الاحتجاجات أو تعرض إيران لضربة عسكرية مباشرة قد يفتح سيناريو إعادة تموضع حوثية أعمق، تشمل تنازلات سياسية وأمنية أوسع مقابل ضمانات إقليمية.