تأثير مصطلح «الفلول» يتراجع في أوساط السياسة المصرية

ظهر مع صعود «الإسلام السياسي» عقب سقوط نظام مبارك

ارشيفية لمواطن مصري
ارشيفية لمواطن مصري
TT

تأثير مصطلح «الفلول» يتراجع في أوساط السياسة المصرية

ارشيفية لمواطن مصري
ارشيفية لمواطن مصري

تمد الطالبة الجامعية عبير يديها لترفع شجرة عيد الميلاد، وتقول وهي تهز خصلات شعرها على جبينها «أنا من الفلول». وضحك عشرات من أقاربها وأصدقائها وهم يخبطون بأيديهم على المناضد، لأن الوصف الذي بدا أن بريقه يتراجع، يعود لفترة حكم الإسلاميين التي انتهت منذ نحو ستة أشهر، وكانت كلمة «فلول» تهدف لاضطهاد نجوم فترة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك في السياسة والاقتصاد والثقافة والفن. ورفع والد عبير إصبعيه بعلامة النصر، وصاح وسط النادي الراقي «أنا مع السيسي».
ويتشكل في مصر تيار سياسي جديد يجمعه الالتفاف حول قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح السيسي. ويتكون هذا التيار من خليط ممن كانوا رجالا بارزين في عهد مبارك، وممن كانوا يعارضونه أيضا إضافة لقطاع لم يكن معنيا بالسياسة في الماضي. ويستثنى من ذلك مجموعة إسلاميين يصرون على عودة عقارب الساعة إلى الوراء؛ «أي رجوع الإخوان إلى الحكم».
وخرجت كلمة «فلول» لتطارد قيادات مبارك وأعضاء حزبه، الذين كان عددهم يقدر، وفقا لبيانات الحزب في ذلك الوقت، بنحو ثلاثة ملايين عضو، واتهامهم سياسيا بالمسؤولية عن التدهور الذي حل بالبلاد طيلة 30 عاما من الحكم.
وفي أحد النوادي الراقية في ضاحية مصر الجديدة شرق العاصمة المصرية لم يكن من السهل التحدث بصوت مرتفع، كما فعلت «عبير» عشية أعياد الميلاد، عن «الفلول» والحزب الذي تأسس في منزل الرئيس الراحل أنور السادات في أواخر عهده، قبل أن يتولى مبارك رئاسته باعتباره رئيس البلاد منذ عام 1981، حتى احتراق مقراته في مثل هذا الشهر من عام 2011.
ولم تكن عبير، ولا غالبية من كان معها في النادي، أعضاء في حزب مبارك أو أي حزب سياسي آخر. وتقول ساخرة: «أنا من حزب الكنبة»، في إشارة إلى شريحة كبيرة معروف عنها الانحياز للاستقرار، والذين لا يخرجون عادة للمشاركة السياسية. وتقبلت هذه الفتاة مثل ملايين المصريين الواقع الجديد بعد «ثورة 25 يناير 2011»، لكن هيمنة تيار الإسلام السياسي على التشريع في البرلمان ثم تولي حكم الدولة، أصاب «حزب الكنبة» بالصدمة، خاصة مع اختلاط الفتاوى الدينية بالأمور السياسية، كما تقول عبير.
وصاح والدها الذي يعمل في قطاع السياحة، مرة أخرى، داعيا من حوله، وهو يخبط بيده مجددا على المنضدة التي أمامه، للخروج في ذكرى ثورة يناير لمطالبة السيسي بترشيح نفسه لرئاسة الدولة. ويتبنى هذه الدعوة عدة تكتلات كبيرة تضم رجال أعمال وسياسيين وعسكريين متقاعدين، بغض النظر عن خلفيات هؤلاء، سواء كانوا من الفلول أو من حزب الكنبة أو من القيادات التي عملت سابقا في الجيش والشرطة والحزب الوطني نفسه.
ومنذ سقوط نظام مبارك وحل الحزب الوطني انزوى أعضاء الحزب في الضواحي والقرى، لكن العديد من أنصاره الكبار، من السياسيين والمثقفين والفنانين، خاضوا معارك شرسة للدفاع عن أنفسهم رافضين إطلاق كلمة «فلول» عليهم أو عزلهم سياسيا وثقافيا وفنيا، بينما كان تيار الإسلام السياسي، خاصة في 2012 و2013، يحاول إصدار تشريعات تلاحق كل من يشتبه في علاقته بنظام مبارك باعتباره من «الفلول». واتسم الهجوم ضد «الفلول» أحيانا بالتجريح الشخصي، كما حدث مع الفنانة إلهام شاهين التي خاضت معارك قضائية وانتصرت فيها ضد عدد من دعاة «الإسلام السياسي».
وتتذكر إلهام شاهين، وهي تتحدث لـ«الشرق الأوسط» أن اسمها ورد في قائمة أعدتها قيادات من الإسلاميين، مع سياسيين ورجال دين آخرين كـ«فلول» يجب أن يختفوا من الساحة في عهد ما بعد 2011. وتقول إن استخدام كلمة «فلول» كان استخداما خاطئا من الأساس، لأن الكلمة مشتقة من «فل» أي الذي يفل من الحرب ويهزم فيها، بينما «نحن لم نكن مهزومين.. أنا أصبحت نجمة ومعروفة في ظل نظام مبارك.. هذا طبيعي. من الطبيعي أن كل الناس كانوا يعملون في ظل حكم مبارك طيلة ثلاثين سنة، حتى المعارضة، ولا يمكن أن تنتقي مجموعة من الناس وتقول عنهم إن هؤلاء مذنبون».
وتضيف شاهين: «حين قالوا عني إنني من (الفلول) رددت عليهم وقلت إن اسمي ورد في قائمة تضم أشرف ناس في البلد، لأنه كان فيها اسم شيخ الأزهر واسم بابا الأقباط.. بالنسبة لي كان هذا أمرا جيدا. كما إن بعض الناس كانوا سعداء بلقب (فلول)، خاصة بعد أن بدأ يتضح أن من كان يقف وراء أحداث 25 يناير 2011 وما جرى من حرق للبلد وهجوم على السجون وأقسام الشرطة، هي جماعة الإخوان، بينما كان الشباب (المتظاهرون) يعتصمون في ميدان التحرير وقتها، من دون أن يدركوا حجم المؤامرة عليهم وعلى بلدهم في حينه».
وبفوز محمد مرسي برئاسة الدولة في يونيو (حزيران) 2012، جرب المصريون حكم «الإخوان»، وكانت النتيجة أن الملايين منهم، وكان أغلبيتهم من «حزب الكنبة»، خرجوا ساخطين على مرسي وجماعته بعد عام في الحكم.
ومنذ سقوط مرسي تتهم السلطات قيادات من تيار الإسلام السياسي، خاصة الإخوان، بـ«التخابر والإرهاب والتلاعب بالدولة»، بالتزامن مع تسريبات تبثها حاليا محطات تلفزيونية مستقلة لتسجيلات هاتفية تخص قادة من شباب ثورة يناير وهم يتحدثون عن تقاسم غنائم مالية وعن فضائح شخصية، أثناء الثورة على مبارك. وفي نادي مصر الجديدة تصطف المناضد ويشاهد الرواد، عبر شاشات عملاقة، ما يبث من هذه المكالمات. وتقول عبير مشدوهة: «هل هؤلاء هم من وثق فيهم الناس. حتى الفلول لم يتصرفوا هكذا».
وفي الوقت الحالي، إذا تصادف وسهرت في هذا النادي أو غيره من منتديات الطبقات الوسطى وما فوق الوسطى، يمكن أن ترى طريقة تفكير عبير ووالدها. طريقة التفكير هذه تتخطى سور النادي وتنعكس على العشرات من برامج التلفزيونات الخاصة والرسمية، التي يشاهدها الملايين مساء كل يوم. وملخص هذه الحالة، كما يقول الناشط أحمد عدلي، أحد أعضاء تحالف شباب ثورة يناير، هي: «نحن مع السيسي، سواء كنا فقراء أو أغنياء، من أجل مستقبل أفضل بغض النظر عن الماضي. ما معنى فلول اليوم؟ لا شيء. مجرد كلمة ما زال يرددها موالون لمرسي في محاولة يائسة لإخافة المصريين».
وتقول الناشطة الحقوقية، الدكتورة منال الطيبي، التي شاركت لفترة في إعداد دستور ما بعد مبارك في 2012، لـ«الشرق الأوسط»، إن كلمة «فلول كانت تقال أكثر على حزب الكنبة وكذلك على رجال مبارك». وتشير إلى أن ثورة 30 يونيو ضد حكم الإخوان «نزل فيها كثير من حزب الكنبة ومن الفلول، رغم أن بعض الإعدادات لهذه الثورة كانت موجهة». وتضيف أيضا أنه أصبح يوجد في الوقت الحالي، بسبب الكثير من المتغيرات، تقبل لمصطلح «الفلول»، وأن هناك الآن من يقول صراحة إنه «فلول».
وتزيد الطيبي قائلة إن غالبية المصريين «مع هذا الأمر». وترجع السبب إلى وسائل الإعلام، التي تقول إنها أصبحت تصور نظام مبارك كـ«نظام وطني، ومحاولة إظهار ثورة يناير كمؤامرة ضد الدولة».
ويقول البعض إن الثورة المناوئة للإخوان خرج فيها أكثر من 30 مليون مصري للشوارع والميادين، وإنها ما كانت لتنجح لولا مشاركة «الفلول وحزب الكنبة» فيها. وتوضح الطيبي قائلة: «في 30 يونيو كنا نواجه الإخوان، لكن المشكلة الأساسية كانت وجود الكثير من الفلول على الساحة، كما أن العديد من رجال أعمال مبارك رجعوا للمشهد أخيرا، خاصة ممن يملكون قنوات تلفزيونية فضائية».
وللدكتور جمال زهران، أستاذ العلوم السياسية، تفسير آخر لتراجع اهتمام المصريين بمن هو «فلول أو ليس فلول»، مشيرا لـ«الشرق الأوسط» إلى أن السبب يرجع إلى وقوع ثورتين وإسقاط حكمين لرئيسين في البلاد خلال وقت قياسي. ويضيف أن المصريين لن يسمحوا بعودة عقارب الساعة إلى الوراء سواء للإسلاميين أو الحزب الوطني.
ومثلما كان أنصار التيار الإسلامي يلاحقون أنصار مبارك بعد صعودهم للحكم، يواصل كثير من قيادات هذا التيار الهجوم على ثورة 30 يونيو، قائلين إنها ثورة «الفلول». ويرى الدكتور هشام كمال، أحد قيادات التحالف الموالي لـ«مرسي»، في رده على أسئلة «الشرق الأوسط» أن «من أفسدوا الحياة قبل 25 يناير أصبحوا بعد 30 يونيو يفتخرون بأنفسهم، وهم موجودون الآن بكثرة على القنوات التلفزيونية الخاصة والعامة». ويزيد أن «هؤلاء يتحدثون من وجهة نظر الفلول، ويخيل لهم أنهم عادوا ليسيطروا على البلد مرة أخرى».
ويعتقد أن جماعة الإخوان هي من نشرت «مصطلح فلول» ضد أعضاء حزب مبارك بعد 2011، كما يوضح الباحث في الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، كريم عبد الراضي. وعزا لـ«الشرق الأوسط» سبب تراجع مفعول الكلمة عن السابق، أن «الفلول أصبحوا أقوى في الوقت الحالي.. هم من يديرون الأمور بعد ثورة 30 يونيو، والجماهير تقف وراءهم، لأن الجميع يلتف حول السيسي ليكون رئيسا للدولة، ولهذا لم يعد أحد يسأل إن كنت فلولا أم لا». ويقول عبد الراضي، الذي شارك مع ائتلافات الشباب في «ثورة يناير» إنه «من خلال الاستخدام الواسع لوسائل الإعلام، خاصة برامج التوك شو بالتلفزيون (الدردشة)، توجد حالة من القبول الشعبي بوجود الفلول.. يوجد ظهير شعبي لهم».
ويترقب ملايين المصريين يوم 25 من هذا الشهر للخروج من أجل مطالبة السيسي بالترشح للرئاسة كما يقول لـ«الشرق الأوسط» كل من محمود نفادي المتحدث باسم «مصر بلدي» وعبد النبي عبد الستار المتحدث باسم حملة «كمل جميلك». ومن أمام النادي، ومع الساعات الأولى لفجر العام الجديد، كانت الأغاني المؤيدة للجيش تنطلق من السيارات، بينما هزت عبير خصلات شعرها، وقالت وهي تلحق بوالدها: «فلول أو غير فلول.. سنحتفل بذكرى يناير وندعو السيسي لرئاسة مصر».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.