بن حلي: الأزمة السورية خرجت من الإطار العربي إلى الخلافات الخارجية

نائب الأمين العام للجامعة العربيةقال لـ «الشرق الأوسط» إن مستقبل المنطقة يناقشه رجال الفكر والسياسة قبل قمة الكويت

السفير أحمد بن حلي
السفير أحمد بن حلي
TT

بن حلي: الأزمة السورية خرجت من الإطار العربي إلى الخلافات الخارجية

السفير أحمد بن حلي
السفير أحمد بن حلي

خطط عمل واجتماعات مكثفة ومتنوعة، ومناقشات لقضايا مهمة، على مستوى العمل العربي المشترك تكتظ بها أجندة الجامعة العربية في العام الجديد 2014. حيث ينشغل الأمين العام للجامعة العربية الدكتور نبيل العربي بنشاط مكثف ذلك أنه سيزور الكويت والسودان كما يشارك في اجتماعات القمة الأفريقية إضافة لعقد عدد من الاجتماعات الخاصة بالتحضير لزيارة ليبيا والإعداد لملفات القمة العربية المقررة في مارس (آذار) المقبل بدولة الكويت. هذا ما أكده نائب الأمين العام للجامعة العربية السفير أحمد بن حلي في حوار شامل وخاص مع «الشرق الأوسط» تحدث فيه عن تفاصيل الملف الفلسطيني والاجتماعات المرتقبة والحلول المتوقعة مع زيارة كيري للمنطقة وكذلك الملف السوري بمساريه السياسي والإنساني، إضافة للاهتمام بكل الأوضاع العربية الشاملة وخاصة ما يجري في العراق واليمن والصومال. كما أوضح تعامل الجامعة العربية مع المذكرة المصرية الخاصة باعتبار الإخوان جماعة إرهابية. وهنا نص الحوار.
* ما هو الإجراء الذي تتخذه الجامعة بشأن المذكرة المصرية الخاصة بقرار اعتبار جماعة الإخوان إرهابية؟
- أول إجراء اتخذته الأمانة العامة هو تعميم هذه المذكرة على الدول الأعضاء بمجرد وصولها إلى الأمانة العامة يوم 26 – 12 – 2013 وبالتالي أي خطوة لاحقة هذا يعود إلى مصر وخاصة أن التعامل مع هذه الاتفاقية يجري من قبل قناتين أساسيتين في الجامعة العربية وهما مجلس وزراء الداخلية والعدل العرب.
* كل توصيات الاجتماعات التي تعقد على مستوى القمة والمجالس الوزارية تؤكد على أهمية التعاون لمكافحة الإرهاب.. أليست هذه القرارات ملزمة، وهل تتوقع أن تتجاوب أو ترفض بعض الدول التعاون مع مصر؟
- الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب تنص على تعريف الإرهاب والأعمال الإرهابية، ووفقا لشرح وتوضيح هذه النصوص يتم التعامل مع هذا الموضوع. الاتفاقية لها جانبان أساسيان – القانوني – والأمني – وليس هناك جانب سياسي وبالتالي هي اتفاقية عربية لمكافحة الإرهاب بنصوصها والدول التي صادقت عليها، كما تشير الاتفاقية العربية إلى التزامها بعدد من الاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية طوكيو بشأن الجرائم - ولاهاي الخاصة بمكافحة الاستيلاء غير المشروع - ونيويورك الخاصة بمنع ومعاقبة الجرائم المرتكبة ضد الأشخاص المشمولين بالحماية الدولية وغيرها.
* هل سيعقد اجتماع لوزراء الخارجية كما تحدثت وسائل الإعلام لبحث الطلب المصري بإدراج الإخوان كجماعة إرهابية، أم أن الجهة المختصة بهذا الأمر هي مجلسا وزراء الداخلية والعدل العرب؟
- في هذه المرحلة مصر طلبت التعميم فقط وهذا ما تم – لكن – أي خطوة مقبلة هذا يعود لمصر – والتعميم كان لإطلاع الدول وكما ورد إلينا في الأمانة العامة نصه – قرار لمجلس الوزراء المصري اعتبار جماعة الإخوان جماعة إرهابية وتنظيما إرهابيا وكذلك اعتزام السلطات المصرية اتخاذ الإجراءات لتفعيل هذا القرار استنادا إلى الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، والاتفاقية العربية لغسل الأموال وتمويل الإرهاب وذلك بالتعاون مع الدول العربية الشقيقة.
* كيف ترى الجامعة الوضع في العراق الذي يسير نحو الصدام بين القوى السياسية وهل من مخرج لهذه الأزمة؟
- نتابع التطورات في العراق باهتمام بالغ، وما يقلقنا بعد استعادة العراق عافيته ودوره، أن بعض المؤشرات السلبية بدأت في المشهد السياسي، وكان هناك اتصال بين الأمين العام ووزير الخارجية العراقي للاطلاع على حقيقة ما يجري ووضعه في الصورة، ولهذا أغتنم الفرصة للقول إنه لا بد أن تدرك القوى السياسية في العراق خطورة اللعب بالورقة الطائفية لتحقيق مطالب سياسية لأن هذا المنحى يشكل خطرا على وحدة العراق واستقراره وعلى الدور العراقي الذي بدأ يتأكد ويتنامى ويبرز بعد ترؤسه للقمة العربية وعودته إلى مسرح الأحداث العربية والإقليمية، وأيضا بعد تسوية الملفات العالقة مع دولة الكويت الشقيقة. وأرى أن هذا السجال المتواصل بين القوى السياسية في العراق يهدد بإحداث انتكاسة للتجربة الديمقراطية في العراق. لذلك تدعو الجامعة العربية المسؤولين العراقيين والحكومة والأحزاب ورؤساء العشائر إلى وضع المصلحة الوطنية العراقية فوق كل اعتبار ومعالجة هذه الأزمة الحالية بالطرق السلمية والعمل على توفير المناخ المناسب لإنجاح الاستحقاقات الانتخابية التي ستجرى خلال شهر أبريل (نيسان) لترسيخ المسار الديمقراطي، وإعادة بناء مقومات الدولة العراقية الجديدة التي دفع العراقيون ثمنا غاليا لها.
* الوضع في ليبيا وهل تأجيل زيارة الأمين العام لأسباب سياسية أم أمنية أم ماذا؟
- كان مقررا أن يقوم بها مع نهاية شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ولكن بعد اللقاء مع وزير الخارجية الليبي محمد عبد العزيز تم الاتفاق على أن يسبق هذه الزيارة تحضير من خلال قيام الجامعة العربية لعقد مؤتمر للمنظمات العربية المتخصصة كل في مجاله بحضور المسؤولين الليبيين لإعداد الملف الخاص ببناء قدرات الدولة الليبية، سواء فيما يتعلق بإعادة تنظيم الإدارة وإعادة موضوع الأمن وجمع الأسلحة، ولهذا تم تأجيلها إلى أن يتفق على موعد جديد بعد إتمام هذا العمل، ونحن ما زلنا نرى أن المهمة الأساسية أمام الجامعة في ليبيا تتعلق بجانبين. الأول هو كيف نستطيع تنظيم حوار وطني شامل بين جميع الليبيين والقوى السياسية والقوى في مختلف الأقاليم الليبية بالتعاون مع الأمم المتحدة والتي تقوم بجهد كبير. والجانب الثاني هو بناء قدرات الدولة الليبية. وهنا أشيد بالعلاقة ما بين الجزائر وليبيا من خلال زيارة الوزير الأول الجزائري إلى ليبيا والاتفاق على عدد من الأمور، من بينها الناحية الأمنية، لأنني أرى أن دول الجوار الليبي عليها مسؤولية كبيرة لضبط الأمن، وأعتقد أن وجود اهتمام ومتابعة من قبل مصر والجزائر سوف يساعد كثيرا الإخوة الليبيين في الخروج بسلامة من المرحلة الانتقالية وتحقيق طموح الشعب الليبي من خلال وضع الدستور ونظام حكم الدولة الحديثة.
* كيف ترون الوضع في اليمن خاصة بعد التوصل إلى اتفاق الحوار الذي أشادت به الجامعة العربية؟
- اليمن أحد الملفات التي تتابعها الجامعة العربية وإن كان مجلس التعاون الخليجي هو الذي يقوم بجهد ميداني وكذلك الأمم المتحدة من خلال مبعوثها الخاص جمال بنعمر، لكن نرى أن الحوار الوطني الذي انطلق منذ مارس عام 2013 يمثل شريحة كبيرة بما فيها المرأة والشباب والعمل من خلال تسعة فرق لحل قضية الجنوب وصعدة وبناء الدولة والحقوق والحريات والحكم الرشيد وبناء الجيش الآمن والتنمية والعدالة، وباعتقادي إذا استطاع اليمن إنجاز هذه الملفات على الأرض هذا يعد بداية النجاح للحوار، والمرحلة الانتقالية التي وضعوا خارطة طريق لها لا بد أن يساهم الجميع في دعمها والتي تعتبر أولا وضع الدستور والاستفتاء عليه والتحضير لانتخابات رئاسية وبرلمانية والتي كان من المفروض أن تتم مع بداية العام.
* أين وصلت جهود الجامعة بالنسبة لسوريا؟
- نعمل من خلال مسارين، الأول هو الإعداد لمؤتمر جنيف2 والآن ما يهمنا هو استكمال الائتلاف الوطني – المعارضة لتشكيل الوفد والمسار. الثاني هو إنجاح هذا المسار بحيث إننا نعتقد أن الدول المعنية بالأزمة السورية عليها مسؤولية كبيرة في إنجاح هذا المسار، وما زلت أقول وأتساءل هل هناك إرادة حقيقية للمعنيين بالأزمة في الدفع بالحل، هذا السؤال مطروح، وأقول عندما قرر المسؤولون الروس والأميركيون تدمير الأسلحة السورية الكيماوية في سوريا استطاعوا الوصول إلى ذلك في فترة زمنية قياسية بعد تجييش الموقف والتهديد بالتدخل العسكري. لكن الإسراع بحل الأزمة السورية من جميع جوانبها وإنقاذ الشعب السوري من هذه المحنة ما زال محل مقايضات من قبل اللاعبين الرئيسيين سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي، وأقول بكل أسف بأن الأزمة السورية خرجت من الإطار العربي وفقدنا الفرصة التي كانت أمامنا منذ بداية الأمر، ولكن مع ذلك لا ينبغي أن نرفع أيدينا من هذه الأزمة، ولا بد أن نؤكد خلال المبعوث المشترك الذي يمثل الجامعة والأمم المتحدة على ضرورة توفير كافة المقومات والدفع بكل السبل والوسائل للإسراع في عقد جنيف2 في موعده وبالشكل والبرنامج المطروح والذي يعد أساس هذا المؤتمر وهو ما أكدت عليه وثيقة «جنيف1».
* تقصد أن الغرب انتهز فرصة الأزمة في سوريا وقام بتوظيفها لخدمة أهدافه الخاصة؟
- أقولها بكل أمانة بأن هناك أجندات دولية وإقليمية هي التي تعمل لمصالحها مع إغفال مصالح الشعب السوري، سواء النازحين في الداخل والخارج، ولذلك نسعى للعمل على المسار الثاني المهم التحضير لمؤتمر الكويت للدول المانحة، وهو يترجم الاهتمام بالمسار الإنساني وعمل المنظمات الإنسانية وخاصة الاوتشا وغيرها، وسيكون هناك وفد رفيع المستوى برئاسة الشيخة حصة آل ثاني مبعوث الأمين العام للشؤون الإنسانية والتي ستقوم بزيارة ميدانية خلال الأسبوع الأول من شهر يناير (كانون الثاني) لزيارة مخيمات النازحين السوريين في دول الجوار، الأردن والعراق ولبنان، وذلك لاستكمال التقرير الذي يقدمه الأمين العام إلى مؤتمر المانحين الثاني الخاص بسوريا والمقرر عقده في الكويت يوم 15 يناير، فضلا عن اجتماع لوزراء الشؤون الاجتماعية والصحية، وكله سيكون في تقرير الأمين العام للمساهمة والتخفيف عن المتضررين داخل وخارج سوريا.
* توصيل المساعدات للمناطق المتضررة في سوريا ألا يقتضي قرارا من مجلس الأمن لوقف إطلاق النار؟
- من دون شك سواء فيما يتعلق بإدخال المساعدات وتوفير المناخ المناسب لإنجاح مؤتمر جنيف أن تكون هناك هدنة ووقف لكل أعمال العنف في سوريا من منطلق مساعدة المتضررين وفتح الطريق لمنظمات الإغاثة للإسراع في تقديم الغذاء والدواء، وتوفير المناخ المناسب حتى يبدأ مؤتمر جنيف من دون توتر وأن التفاوض بهدف إيجاد تسوية وحل عادل لهذه المأساة التي تمثل ضمير كل عربي، وعندما أقرأ بالأمس أن هناك 16 فلسطينيا ماتوا من الجوع في أحد المخيمات بسوريا أتألم ولا أجد تعبيرا عما أشعر به كمواطن عربي.
* جدية الدول الراعية للتسوية والدول الدائمة في مجلس الأمن، لحل الأزمة السورية لماذا لا تدفع أن يصدر قرار فوري لوقف إطلاق النار؟
- الأمين العام طالب باتخاذ هذا الإجراء قبل الذهاب إلى جنيف، كما وجه عدة رسائل إلى الأمين العام للأمم المتحدة يطلب منه التحرك مع الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن لإيجاد هدنة ووقف لأعمال العنف في سوريا، لأنه لا يمكن الذهاب إلى مؤتمر بهذه الأهمية في ظل استمرار القتل وسقوط الضحايا، وفي نفس الوقت لا يمكن أن نرى هؤلاء المواطنين في حصار تام ولا ندري شيئا عن وضعهم الغذائي والصحي. ولذلك تقع المسؤولية الأساسية على الحكومة في هذا المجال. كما أرى أن المقاربة الأمنية بهذا الشكل الذي يحدث سوف تحطم سوريا وستكون وبالا وخيما على الدولة السورية ولن يستفيد منها لا النظام ولا المعارضة والخاسر هو سوريا والعالم العربي.
* كيف ترى إصرار النظام السوري على مشاركة إيران في مؤتمر جنيف علما بأنها غير مدعوة؟
- ليس المهم حضور إيران من عدمه لأن المدعوين حضورهم سيكون برتوكوليا – بمعنى جلسة افتتاحية لإلقاء كلمات ثم بعد ذلك ينسحب الكل ويذهب المفاوضون السوريون معارضة وحكومة إلى غرفة مغلقة بحضور الممثل المشترك الأخضر الإبراهيمي لإدارة الحوار، لكن المهم أن دولة مثل إيران التي تقحم نفسها في الأزمة أن تخرج من المشهد وأن تساهم في الحل، وما ينطبق على إيران يكون على غيرها.
* السودان والأزمة المحتدمة في الجنوب كيف تتعامل الجامعة مع هذه الأزمة؟
- الجامعة العربية تهتم بدولة جنوب السودان ولها ممثل يهتم بالتعاون ومتابعة مشاريع التنمية، ونحن نتابع بكل أسى ما جرى وكل ما يجري في دولة الجنوب ورئيس بعثة الجامعة في جوبا يقوم بهذا الدور وكذلك نتابع الدور الذي يقوم به الاتحاد الأفريقي ونأمل أن ينجح المسعى الأفريقي في احتواء هذه الأزمة، لأن ما يحدث في دولة جنوب السودان يؤثر على الأمن الأفريقي والعربي، ودولة جنوب السودان تعد من أقرب الدول حتى وإن كان ليس لها عضو بالجامعة العربية وما زال يشكل أحد خطوط التماس في العالم العربي.
* هل تتوقع انفراجة في الأزمة على هامش اجتماعات القمة الأفريقية التي تعقد الشهر الجاري؟
- الأمين العام للجامعة العربية مدعو لحضور هذه القمة وسوف يلقي كلمة للتأكيد على أهمية التعاون المشترك وحل الأزمات بالطرق السلمية، كما سيزور الأمين العام الخرطوم يوم 19 الشهر الجاري لافتتاح أعمال المجلس الاقتصادي والاستثماري في دورة استثنائية لدراسة مبادرة الرئيس عمر حسن البشير حول الأمن الغذائي العربي والتي تقدم بها خلال قمة العربية في دورتها الـ24، ومن دون شك فإن هذا الملف في غاية الأهمية، وستكون الزيارة فرصة للاطلاع على الأوضاع في السودان.
* هل سيزور دولة الجنوب؟
- حتى الآن لم يتحدد هذا الأمر أما المؤكد هو زيارة الخرطوم.
* ماذا عن تعامل الجامعة العربية مع الوضع العربي العام وهل هناك أفكار جديدة سوف تطرح في القمة العربية القادمة بالكويت؟
- الوضع العربي الآن في غاية التعقيد سواء فيما يتعلق بالدول العربية التي تمر بمراحل انتقالية وتأثيرات ذلك أو فيما يتعلق بالملفات على المستوى الإقليمي مثل الاتفاق مع إيران المعروف بدول 5+1 – في غياب دور عربي أو اطلاعها عليه، مع أنه يهم المنطقة العربية بشكل عام وكذلك الأزمة السورية التي فاقت كل الأزمات في كونها ذات أبعاد خطيرة جدا وبالتالي فإن قمة الكويت العربية ستكون غير عادية ولا بد أن تدرس كل هذه الأوضاع ويأخذون الموقف الذي تمليه عليهم المسؤولية التاريخية والقومية. والأمين العام الآن بصدد مشاورات لتنظيم فريق من المفكرين والسياسيين العرب قبل انعقاد القمة في جلسة عصف فكري مغلق لطرح كل هذه التحديات والقضايا وذلك لاستكمال التقرير الذي سيرفع للقادة العرب عن الوضع في المنطقة وإمكانية التعامل معه. نحن الآن كجامعة عربية ودول لا بد أن يكون هناك قرار ووقفة حقيقية لنرى أين نسير؟ وأين الخطأ؟ وما هو مستقبلنا؟ وما مصير المنطقة؟ هذه قضية في غاية الأهمية، ولهذا كما قلت نحن الآن بدأنا في التحضير للقمة من خلال عمل اللجان – والتي من بينها لجان تطوير الجامعة العربية وهي تعد الوثائق الخاصة سواء فيما يتعلق بتعديل الميثاق أو وضع المؤسسات والأجهزة التابعة لها وكذلك البعد الشعبي من خلال هذا الحراك السياسي إضافة إلى العمل الرسمي، وكل هذه الأمور الآن تنصب في إطار النقاش والتحضير لملفات القمة، والأمين العام سيكون مشاركا في المؤتمر الدولي الثاني الخاص بسوريا ومن دون شك أنه سوف يطرح مع أمير الكويت والمسؤولين كل الأفكار والمعطيات التي من الممكن على ضوئها يكون تحضير ملفات هذه القمة.
* تنقية الأجواء العربية ملف غاب عن العمل العربي المشترك في حين أن الربيع العربي أحدث شرخا مؤثرا في طبيعة العلاقات العربية – العربية.. هل تفكرون في عمل سياسي ينهي هذه الحالة قبل انعقاد القمة حتى لا يؤثر سلبا على قراراتها؟
- طرح الأمين العام يصب في هذا الاتجاه أيضا، لأنه عندما يشارك رجال الفكر والسياسة الذين لهم خبرة وتجربة سوف تطرح عدة أسئلة حول الوضع العام وكيفية معالجته وما هي الأساليب التي يمكن أن نتعامل معها مثل وحدة القرار والعلاقات الثنائية والأمن القومي العربي، ومساعدة الدول التي تأثرت بالمرحلة الانتقالية سواء سياسية أو اقتصادية، ونرى أن هذه المجموعة سوف تقدم مجموعة من الأفكار المستقلة والمحايدة التي لا تحمل أي أجندات خاصة وهذا يساعد على اتخاذ القرار السليم.
* في حال فشل المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية هل من خيارات أخرى أمامكم؟
- نحن الآن أمام مرحلة في غاية الأهمية بالنسبة للمفاوضات - الفلسطينية - الإسرائيلية – ووزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية جون كيري موجود بالمنطقة وهو على اتصال مع الأمين العام والوفد الوزاري العربي، وكذلك الاتصال دائم بين الأمين العام للجامعة العربية والرئيس الفلسطيني محمود عباس لوضعه في الصورة، وربما يكون هناك لقاء منتظر بين الوفد الوزاري العربي ووزير الخارجية الأميركي جون كيري، وكذلك مع الإخوة الفلسطينيين وسنصل إلى مرحلة أهمية التقييم وعدم الاستمرار في التفاوض إلى ما لا نهاية.
* متى سيكون تقييم عملية المفاوضات؟
- قبل القمة العربية المقررة في شهر مارس، لأن المفاوضات انطلقت في شهر يونيو (حزيران) الماضي وتقرر استمرارها لمدة تسعة أشهر، وبالتالي نعطي الفرصة لاستكمال المهلة، وبعدها إذا لم يتحقق شيء أعتقد أن الشعب الفلسطيني سيكون أمامه أشكال أخرى من المقاومة، ونرى أن أحد الخيارات هو العودة إلى الأمم المتحدة وطلب العضوية الكاملة والانضمام إلى 63 هيئة ووكالة وبرتوكول للأمم المتحدة من حق فلسطين. كما نرى أنه إذا سدت كل الأبواب أمام عملية التفاوض فسوف تشتعل الانتفاضة الفلسطينية. إذن ما زالت هناك خيارات أمام الشعب الفلسطيني والكل يدرك تماما من هو الذي يعيق المفاوضات، هو الطرف الإسرائيلي وبالتالي لا بد أن يقوم الراعي الأميركي بدور حقيقي في هذه المفاوضات.
* هل يلتقي جون كيري كل وزراء الخارجية العرب أم عددا من دول لجنة المبادرة وأين ومتى سيكون اللقاء؟
- سيكون الوفد الوزاري مكونا من ثماني دول هي: مصر - السعودية - قطر – فلسطين – المغرب – الإمارات – الأردن – الكويت وسيعقد الاجتماع في المنطقة خلال الأسابيع المقبلة.
* تردد وبقوة احتمال التوصل إلى اتفاق إطاري يعرضه كيري خلال لقائه الرئيس محمود عباس هل تتوقعه قريبا؟
- الاتفاق كيفما كان المهم أن الوفد الفلسطيني يحصل على كل حقوقه وهم بالفعل دخلوا في نقاش حول قضايا الوضع النهائي – الحدود – المستعمرات – القدس – المياه – هذا هو المهم – وأيضا أهمية الدخول في مصالحة لإنهاء الانقسام الفلسطيني الذي يؤثر سلبا على الوضع الفلسطيني، وسيأتي اليوم الذي نعلن فيه من الذي يعيق هذه المصالحة ونأمل أن تنشط مصر في هذا الملف لتحقيق المصالحة لأن مصر مكلفة من الجامعة العربية بإنهاء هذا الملف في أقرب فرصة.
* كيف ترى وضع الصومال عام 2014؟
- الصومال يدخل فترة جديدة من تاريخه بعد بداية الأمل لدى الصوماليين بأهمية الاستقرار. ومع ذلك أمامه ثلاثة تحديات رئيسية ولا بد أن تساهم الجامعة العربية ودولها ومعها الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة. الهدف الأول هو تحقيق الاستقرار السياسي باعتماد دستور اتحادي يعيد كيان دولة الصومال إلى وضعها الطبيعي من خلال نظام يشمل كل مناطق الصومال بما فيها جوبا لاند – وبورت لاند – وصوماليدا. والهدف الثاني هو نجاح الحكومة الاتحادية في القضاء على الانفلات الأمني وخاصة حركة الشباب التي تشكل تحديا أمنيا، وهنا يدخل كذلك موضوع إعادة تأهيل الجيش والشرطة الصومالية. والهدف الثالث هو دعم بناء السلام والدولة الصومالية في إطار إعادة بناء إدارة الدولة والمؤسسات القضائية والإنعاش الاقتصادي.



تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.


احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
TT

احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)

في خطوة يمكن أن ينظر إليها على أنها استكشاف مبكر لقدرة الحكومة اليمنية الجديدة على تحويل التعهدات الدولية إلى مسارات تنفيذية واضحة، انعقد اجتماع مجموعة شركاء اليمن بمشاركة واسعة من ممثلي الدول والمنظمات الأممية والدولية المانحة، في إطار حشد دولي تقوده السعودية لدعم خطة الحكومة برئاسة شائع الزنداني.

الاجتماع، الذي عُقد عبر الاتصال المرئي، جاء في سياق تحولات سياسية وأمنية شهدها اليمن منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وسط رهانات على إعادة ترتيب المشهدين السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية أكثر صلابة.

وأكد رئيس الوزراء وزير الخارجية، شائع الزنداني، في كلمته الافتتاحية، أن الحكومة الجديدة «تمضي في مرحلة مفصلية لإعادة ترتيب الوضع السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية واضحة».

وشدد على أن ذلك «يعزز قدرة الدولة على إدارة المرحلة المقبلة ويمنحها ثقلاً حقيقياً في أي مسارات مقبلة للتعامل مع ميليشيا الحوثي، سواء عبر التفاوض أو غيره من الخيارات التي تفرضها تطورات الميدان».

جانب من اجتماع مجموعة شركاء اليمن حيث يظهر الزنداني عبر الاتصال المرئي (إكس)

الزنداني رأى أن اجتماع مجموعة شركاء اليمن «يمثل محطة مهمة للانتقال إلى مرحلة أكثر تركيزاً على النتائج وأكثر انسجاماً مع الأولويات الوطنية»، بما يضمن، حسب تعبيره، «توظيف الموارد المتاحة بأعلى كفاءة لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية التي يستحقها الشعب اليمني».

وأشار إلى أن التحولات التي شهدها اليمن منذ ديسمبر الماضي، وما رافقها من قرارات وصفها بـ«الحاسمة» من قِبَل مجلس القيادة الرئاسي، أسهمت في «إعادة ضبط المسار الوطني، وإنهاء حالات الازدواج والتشظي في القرار السياسي والعسكري»، وتهيئة الأرضية لتشكيل حكومة «أكثر وحدة وتماسكاً وشمولاً في تمثيلها الجغرافي وإشراكها للمرأة والشباب».

برنامج متكامل

في الشق الاقتصادي، أعلن رئيس الوزراء اليمني أن حكومته شرعت في تنفيذ برنامج عمل متكامل يستند إلى خطة التعافي الاقتصادي وبرنامج الإصلاحات المالية ومكافحة الفساد، مؤكداً «الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء التعافي المستدام عبر استعادة التوازن المالي والنقدي، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل، والارتقاء بالخدمات الأساسية، لا سيما الكهرباء والمياه والصحة والتعليم».

حكومة الزنداني تنتظرها ملفات معقدة على صعيد الأمن والخدمات والاقتصاد (سبأ)

كما لفت إلى اعتماد وثيقة سياسة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والعمل على إنشاء وحدة متخصصة للشراكة وطرح مشاريع البنية التحتية وفق معايير دولية شفافة، بهدف تعزيز ثقة المستثمرين وتشجيع تدفق الاستثمارات، بالتوازي مع إعطاء أولوية لإصلاح نظام التقاعد وإعادة هيكلة المؤسسات العامة وضخ كفاءات شابة وفق أسس مهنية.

وجدد الزنداني التزام الحكومة الكامل بدعم جهود الأمم المتحدة والمبادرات الإقليمية والدولية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتخفف المعاناة الإنسانية وتؤسس لسلام عادل ومستدام، مع الاستمرار في تعزيز الأمن الإقليمي والدولي ومكافحة الإرهاب وترسيخ سيادة القانون.

تنسيق الأولويات

في الاجتماع الدولي المساند للحكومة اليمنية، شدد محمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن، والمشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، على أهمية استمرار العمل المشترك لتذليل العقبات أمام جهود السلام والتنمية في اليمن بقيادة الحكومة اليمنية.

وقال إن الاجتماع يمثل فرصة مهمة «للتعرف على أولويات الحكومة اليمنية والبنك المركزي اليمني»، بما يعزز التنسيق المشترك لضمان توجيه الدعم التنموي والمالي بكفاءة وفاعلية، ومساندة الجهات المانحة والمنظمات الدولية في مواءمة تدخلاتها وفق أولويات الحكومة.

وتعكس تصريحات آل جابر توجهاً سعودياً يركز على ربط الدعم المالي والفني بخطط تنفيذية واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، في سياق دعم استقرار سعر الصرف، والمساهمة في دفع الرواتب، وتوفير المشتقات النفطية لمحطات الكهرباء، إلى جانب المشاريع التنموية طويلة الأمد التي ينفذها البرنامج السعودي في قطاعات البنية التحتية والطاقة والمياه والصحة.

وفي السياق ذاته، استعرض محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أولويات البنك، مؤكداً الالتزام بمبدأ الشفافية ومحاربة التضخم، ومشيراً إلى أهمية التنسيق والدعم الدولي لمواجهة التحديات النقدية والمالية، في ظل ضغوط مستمرة على العملة الوطنية وتراجع الموارد العامة.

حضور أممي

بدوره، أكد المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أهمية ما تقدمه السعودية من مشاريع تنموية في هذه المرحلة، لافتاً إلى وجود «مؤشرات إيجابية حالياً في اليمن خصوصاً مع تحسن استقرار قطاع الطاقة».

وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في ظل ارتباط استقرار الكهرباء والخدمات الأساسية بتهيئة بيئة مواتية لأي مسار سياسي أو اقتصادي، فضلاً عن انعكاسها المباشر على الوضع الإنساني.

كما تطرق المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية، جوليان هارنيس، إلى التحديات الإنسانية المستمرة، مؤكداً الحاجة إلى دعم مستدام يواكب الإصلاحات الحكومية ويعزز قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة الملف الإنساني بكفاءة.

ويعكس الاجتماع، وفق مراقبين، سعياً لإعادة صياغة العلاقة بين الحكومة اليمنية وشركائها الدوليين على أساس شراكة قائمة على الأولويات الوطنية، وتنسيق التدخلات، والانتقال من الاستجابة الطارئة إلى مسار تعافٍ مؤسسي طويل الأمد، في ظل استمرار تعقيدات المشهد الميداني والسياسي.