الناطق باسم «طالبان» لـ«الشرق الأوسط»: سنعامل حكومة كابل على {الطريقة الأفغانية}

الملا ذبيح الله: نسيطر على معظم أراضي أفغانستان... ومقاتلونا في كل مكان

صورة خاصة من «طالبان» لعناصر من الحركة الأصولية أثناء تدريبات في خوست (الشرق الأوسط)
صورة خاصة من «طالبان» لعناصر من الحركة الأصولية أثناء تدريبات في خوست (الشرق الأوسط)
TT

الناطق باسم «طالبان» لـ«الشرق الأوسط»: سنعامل حكومة كابل على {الطريقة الأفغانية}

صورة خاصة من «طالبان» لعناصر من الحركة الأصولية أثناء تدريبات في خوست (الشرق الأوسط)
صورة خاصة من «طالبان» لعناصر من الحركة الأصولية أثناء تدريبات في خوست (الشرق الأوسط)


الملا ذبيح الله مجاهد، المتحدث الرسمي باسم «طالبان»، من القيادات العليا للحركة الأصولية والرجل الثاني في صفوفها، وأحد أبرز قيادات الحركة المنفتحة على الإعلام؛ فهو يتحدث البشتو (لغته الأم) والفارسية، كما أنه يفهم بعض اللغات الأخرى كالعربية، والإنجليزية، والأوردية. وهو أيضاً ناشط، لا يتوقف عن التواصل مع وسائل الإعلام في كل صغيرة وكبيرة عبر «واتساب» و«الاي ميل»، أجاب عن أسئلة «الشرق الأوسط» حول فرص السلام المقبلة في أفغانستان بعد توقع انسحاب القوات الأميركية بعد 17 عاماً من الحرب المتواصلة التي أكلت الأخضر واليابس، خلال أقل من أسبوع، وهذه ليست المرة الأولى التي يتحاور فيها ذبيح الله مع جريدة العرب الدولية؛ فقد حاورته «الشرق الأوسط»، من قبل عبر البريد الإلكتروني، بعد الانتخابات الرئاسية التي تعهدت فيها «طالبان» بعرقلتها بمزيد من العنف والدماء، ورغم حرية الحركة التي يتمتع بها القيادي الأصولي، فإنه يلتزم بأبجديات الحركة من جهة أولويات تطبيق الشريعة.
ومع دخول العام الجديد، تحول الصراع المتواصل منذ سنوات بين قوات الحكومة الأفغانية وحركة «طالبان» إلى أشبه بالحرب النفسية؛ وذلك في محاولة من الطرفين الدخول بقوة في عملية السلام، التي تشهد الجهود المبذولة بشأنها زخماً خلال الفترة الأخيرة. وتطرق إلى مساعي «طالبان» لإقامة علاقات طيبة مع دول الجوار. وجاء الحوار على النحو التالي:
> ما تعليقكم على دعوة الرئيس الأفغاني «طالبان» لبدء «محادثات جدية» مع كابل؟ وهل هناك من أمل بالجلوس على طاولة المفاوضات مع حكومة الرئيس أشرف غني مستقبلاً؟
- أكدنا مراراً أننا لا نعترف بإدارة كابل نظاماً رسمياً ممثلاً لإرادة الشعب الأفغاني، ولا نريد أن نتفاوض معها فيما لا يملك صلاحيتها؛ لذلك أجرينا المفاوضات مع الأميركيين بشأن إنهاء تواجد القوات الأجنبية.
كما أن العبرة هي بالانتماء الحقيقي إلى الإسلام وليس بالانتماء إلى مذهب أو عرق معين. فالانتماء الحقيقي للدين يترتب عليه عدم مظاهرة المحتلين لبلاد المسلمين لسفك دمائهم، وسرقة ثرواتهم، ونشر الرذيلة بين الناس، وفتح المجال لتنصير الفقراء بدعوى مساعدتهم. فالإسلام هو إقرار باللسان يصدقه العمل بالجوارح.
أما عن جلوس مندوبي «طالبان» مع المبعوث الأميركي زلماي خليل زاد فهو جلوس مع مندوب أميركي، أما أشرف غني فهو ظهير محلي؛ فهو ونظامه مشكلة فرعية أفغانية يأتي حلها بعد رحيل المشكلة الأصلية التي هي الاحتلال، وسنعمل على حلها بأيسر ما هو متاح من وسائل متعارف عليها بين الأفغان.
> شاهدنا صور جنود «طالبان» في عيد الأضحى في حالة انسجام وسعادة بالغة مع جنود الحكومة وأبناء الشعب... هل يمكن أن يتكرر ذلك بين مسؤولي «طالبان» والحكومة يوماً ما؟
- الجنود هم من أبناء الشعب الفقراء، دفعهم الجهل والفقر إلى الانخراط في الجيش سعياً وراء الرزق. وملأ المستعمر وعملاؤه أذهان هؤلاء بشتى الأكاذيب والدعايات المغلوطة حول «طالبان». وكانت هدنة العيد فرصة لهؤلاء الجنود للتعرف المباشر على إخوانهم المسلحين من «طالبان». وقد كانت تجربة مفيدة للغاية، حيث اكتسبنا تعاطف معظمهم، وتعاون الكثيرين منهم فيما بعد.
أما مسؤولو الحكومة الأفغانية فهم من المثقفين الذين تأثروا بالفكر الغربي، وقد انضموا إلى المستعمر ووضعوا أنفسهم في خدمته طمعاً في الأموال والمناصب العالية. وقد كان ذلك عن علم تام بحقائق الأمور؛ لذا ينتفي عنهم العذر بالجهل. لكن إذا رجعوا عن غيهم وتابوا فمن الطبيعي أن تتغير معاملتنا معهم. فتزول الخلافات تلقائياً، وتكون أحكام الشريعة هي التي نخضع لها جميعاً.
> ما تعليقكم على قول المبعوث الأميركي خليل زاد في مقابلة مع «نيويورك تايمز»: لدينا مسودة إطار عمل يجب إتمام العمل على تفاصيلها قبل أن تصبح اتفاقاً؟
- مفاوضاتنا جارية مع الأميركيين، الجانب الأميركي أبدى استعداده لإنهاء الاحتلال، ونحن من جانبنا طمأناهم بأن بلدنا لم يكن تهديداً أمنياً لأحد.
> هل هناك نقاط شائكة بين الطرفين تتعلق بوقف إطلاق النار وجدول زمني لانسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان؟
- لدينا مطلب أساسي، وهو رحيل قوات الاحتلال عن بلادنا. وكذلك الأسرى الذين سجنتهم القوات الأجنبية ظلماً وعدواناً، نريد إطلاق سراحهم. وأفغانستان ليست تهديداً لأحد ولا يسمح الأفغان لأحد أن يجعل بلادهم تهديداً للآخرين، من جانبنا لم يبق شيء لم يحل، لكن على الأميركيين أيضاً مسؤولية إنهاء الاحتلال، وعدم حماية «داعش» التي تضر بأمن بلدنا وأمن المنطقة.
> المراقبون في الغرب يسألون عن سبب زيادة زخم عمليات حركة «طالبان» وهجماتها على القوات الحكومية في الأشهر الأخيرة؟
- سبب زيادة زخم عمليات «طالبان» هو ممارسة المزيد من الضغط على الاحتلال حتى يرحل.
والقوات المحلية العميلة هي القوة الضاربة الأساسية في يد الاحتلال، وهي رأس الرمح في جميع عملياته العدوانية على المدنيين في القرى والمدن؛ ولهذا ينالها النصيب الأكبر من ضربات المقاتلين. ومع ذلك؛ فخسائر الاحتلال في الأرواح والمعدات تعتبر عالية قياساً إلى عدد قواته المنخفض، وتجنبه المواجهات الأرضية المفتوحة مع قواتنا.
وهناك أيضاً الميليشيات العميلة، ومجموعات «داعش»، وهناك جيش كامل من المرتزقة الأجانب يفوق تعداده ضعف تعداد القوات الأميركية نفسها. وجميعها تتعرض لهجمات المسلحين باستمرار.
> على الأرض تقريباً... كم مساحة الأراضي والولايات التي تسيطرون عليها من مجموع أراضي أفغانستان؟
- نحن نسيطر على معظم أراضي أفغانستان، ومقاتلونا في كل مكان بما في ذلك العاصمة وداخل مؤسسات الدولة وأجهزتها المختلفة. بالنسبة للأرقام، فإن العدو يذيع أرقاماً، ثم يتراجع عنها طبقاً لاحتياجات حربه النفسية ضد شعبنا ومصالح عملائه في الداخل وجنوده في الميدان. ونحن لن نخوض في صراع أرقام. بل نقرّ حقيقة واقعة تبرهن عليها عملياتنا العسكرية التي لا تستثني مكاناً على أرض أفغانستان.
> لماذا اخترتم قطر لعقد اللقاءات مع الجانب الأميركي وليس السعودية أو الإمارات؟
- عقدنا اجتماعاً في الإمارات. لكن مكتبنا السياسي موجود في قطر؛ وهذا ما يجعل أكثر اللقاءات تتم هناك.
> هل الأمر يستدعي مزيداً من التفاوض بشأن مسألة توقيت وقف إطلاق النار التي تبدو حجر عثرة في جولة المحادثات المقبلة في 25 فبراير (شباط)؟
- ما دام هناك جندي محتل واحد فوق أرض أفغانستان فقتالنا مستمر، أما بالنسبة لوقف إطلاق النار فإن المسألة ليست حول التوقيت، بل حول المبدأ. فإذا توقف إطلاق النار فإن العدو لن يخرج أبداً من أفغانستان، وسوف يصبح التفاوض عملية لا نهائية حتى تخمد جذوة القتال... ولأجل هذا نحن نصر علي انسحاب القوات الأجنبية قبل كل شيء.
> هل تشعرون بالتفاؤل لقرب انتهاء الحرب المستمرة منذ 17 عاما ًفي أفغانستان؟
- نعم، نحن نشعر بالتفاؤل والثقة في وعد الله لعباده. وذلك جزء من الإيمان وحسن الظن بالله. وفي بداية العدوان الأميركي على شعبنا قال الملا محمد عمر، رَحْمَة الله عليه: «إن أميركا وعدتنا بالهزيمة والله تعالى وعدنا بالنصر، فلنرَ من يكون أوفى بوعده».
> هل تقبلون بوساطة إيرانية مع الحكومة الأفغانية؟
- بعد خروج الاحتلال فإن المشكلات الداخلية، بما فيها مشكلتنا مع الحكومة الحالية لأفغانستان، ستكون شأناً داخلياً بحتاً، لا يحتاج إلى وساطة من أحد. فللشعب الأفغاني آليات تقليدية لحل مشكلاته الداخلية، وهي دائماً فعالة بشرط أن يتوقف التدخل الخارجي.
> ماذا سيكون موقفكم إذا ما قررت إيران نقل «ميليشيا فاطميون» إلى أفغانستان؟
- أولاً، لم نلمس شيئاً من هذا القبيل إلى الآن، ثانياً «الإمارة» لا تقبل بوجود تنظيمات داخلية مسلحة تكون خارج المنظومة الشرعية للدفاع، والتابعة لـ«طالبان». ولا تسمح بوجودها في أفغانستان.
> الأوساط المقربة من الحكومة الأفغانية تقول: إن إيران لا تمانع من حضوركم في مناطق غرب أفغانستان بهدف الحصول على مطلبها من مياه نهر هلمند... ما تعليقكم؟
- الحكومة لا تتوقف عن إطلاق الشائعات؛ فذلك هو الشيء الوحيد الذي يمكنها فعله. فجميع جيران أفغانستان يرحبون بوجود قوات «طالبان» على الحدود أو قريباً منها. فنحن نعمل فوق أراضينا ولا نهدد سلامة الجيران.
> الرئيس الإيراني السابق قال: إن طهران قدمت خدمات لوجيستية لقوات التحالف للقضاء على حكم «طالبان»، أنتم كيف ترون دور إيران طيلة السنوات الماضية؟
- كثير من الدول فتحت أراضيها وموانئها ومطاراتها لقوات الاحتلال يستخدمها في حربنا، بل هناك دول شاركت على الأرض إلى جانب قوات الاحتلال لقمع كفاح شعب أفغانستان وقتل إخوانهم من المسلمين الأفغان.
لكننا نتمنى أن نفتح صفحة جديدة مع الجميع، وأن تثبت الأفعال وليس الأقوال أن ذلك الماضي المظلم قد طويت صفحته، وأن صفحة جديدة مشرقة بدأت بين أفغانستان وجميع الجيران ودول العالم.
> طهران تقول إن الخارجية الإيرانية أجرت مفاوضات مع وفد «طالبان»، كيف كانت طبيعة تلك المفاوضات؟
- «الإمارة» هي واقع أفغاني يستحيل تجاهله، كما أن أحداً لا يمكنه اختيار جيرانه أو استبدالهم. ولجميع دول المنطقة مصالح واحدة يجب العمل على رعايتها وتنميتها... وتلك كانت طبيعة المفاوضات في طهران وفي غيرها.
> في إيران هناك من يعتقد أن الانسحاب الأميركي يمكن أن يزيد خطر الحرب على إيران من قبل أميركا التي تعمل على إعادة نشر قواتها في الخليج. كيف تنظرون إلى شبح الحرب بين إيران والولايات المتحدة؟
- وجود الاحتلال الأميركي في أفغانستان كما هو خطر لأفغانستان في الوقت نفسه خطر لجميع دول المنطقة. وبالتالي، فإن خروج الاحتلال يرفع ذلك الخطر ويجعل الوجهة الأفغانية آمنة بالنسبة للكل. ونعتقد أن نشوب حرب بين أميركا وإيران هو أمر مستبعد في المستقبل القريب أو حتى المتوسط. فالمجهود الأميركي الحقيقي هو لإسقاط النظام في إيران من الداخل بمساعدة ضغوط خارجية وليس بالحرب المباشرة التي لن يستطيع أحد السيطرة على مجراها إذا اندلعت.
> بنسبة كم في المائة أنتم واثقون من جدية العروض الأميركية في الانسحاب من أفغانستان؟
- نحن على ثقة بنسبة ألف في المائة من أن الله سبحانه وتعالى سينصرنا. فالله لا يخلف وعده أبداً، وهو وعدنا بالنصر. أما ثقتنا فيهم فهي معدومة. وكيف يكون لنا ثقة فيمن قتل مئات الألوف من أبناء شعبنا ودمّر قرانا وشرّد عائلاتنا، وأذاق الآلاف من أسرنا كأس الهوان.


مقالات ذات صلة

«إف بي آي» يحقق في إطلاق نار بجامعة في فرجينيا بوصفه «عملاً إرهابياً»

الولايات المتحدة​ الشرطة خارج جامعة أولد دومينيون في ولاية فرجينيا (أ.ب)

«إف بي آي» يحقق في إطلاق نار بجامعة في فرجينيا بوصفه «عملاً إرهابياً»

أعلن مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي أن إطلاق النار الذي وقع، الخميس، في جامعة أولد دومينيون يجري التحقيق فيه بوصفه «عملاً إرهابياً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا نواب خلال بحث مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان)

الجزائر تستعين بتجارب أفريقية ناجحة للخروج من «المنطقة الرمادية»

يوجد وفد جزائري من قطاع المالية، وخبراء في مجال التصدي للجرائم المالية، في السنغال حالياً للاستلهام من تجربة هذا البلد في مغادرة «المنطقة الرمادية»...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا قائد «لواء البراء بن مالك» المصباح طلحة (وسط) يقف على يمين مساعد القائد العام للجيش السوداني ياسر العطا (متداولة)

ترحيب بين قوى سودانية بتصنيف «الإخوان» جماعة إرهابية

لقي تصنيف الإدارة الأميركية جماعة «الإخوان» في السودان «كياناً إرهابياً عالمياً» ترحيباً بين قوى سياسية ومدنية في البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شؤون إقليمية مستوطنون مسلحون في بلدة حوارة في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

بن غفير يقرر تسليح 300 ألف يهودي في القدس

بن غفير يمنح 300 ألف يهودي في القدس حق الحصول على سلاح إضافة إلى آخرين، ما يعني تسليح كل اليهود في المدينة في خطوة أخرى نحو تشجيع إرهاب المستوطنين المنظم.

كفاح زبون (رام الله)
الولايات المتحدة​ قائد «كتائب البراء بن مالك» الإسلامية المصباح طلحة (وسط) يقف على يمين مساعد القائد العام للجيش السوداني ياسر العطا (متداولة)

واشنطن تصنف «الإخوان المسلمين» في السودان منظمة إرهابية

أدرجت الخارجية الأميركية جماعة «الإخوان المسلمين» بالسودان على قائمة المنظمات الإرهابية العالمية المصنفة بشكل خاص وتعتزم تصنيفها منظمة إرهابية أجنبية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.