الصحافة الكردية... تاريخ حافل من اجتهادات شخصية ومبادرات حزبية

بعضها أصدرته أنظمة حكمت أرض الأكراد لاستقطابهم

عدد أرشيفي لصحيفة «فهم الحقيقة» التي أصدرها الإنجليز عام 1918 لاستقطاب الأكراد
عدد أرشيفي لصحيفة «فهم الحقيقة» التي أصدرها الإنجليز عام 1918 لاستقطاب الأكراد
TT

الصحافة الكردية... تاريخ حافل من اجتهادات شخصية ومبادرات حزبية

عدد أرشيفي لصحيفة «فهم الحقيقة» التي أصدرها الإنجليز عام 1918 لاستقطاب الأكراد
عدد أرشيفي لصحيفة «فهم الحقيقة» التي أصدرها الإنجليز عام 1918 لاستقطاب الأكراد

تاريخ الصحافة الكردية حافل، ويمتد لأكثر من مائة وعشرين عاماً، بيد أن مسيرتها الطويلة التي دشنها مؤسس الصحافة الكردية مقداد مدحت بدرخان، بإصدار العدد الأول من صحيفة «كردستان» في القاهرة في 22 أبريل (نيسان) عام 1898، شهدت موجات كثيرة ومتقلبة من المد والجزر، ازدهرت فيها الصحافة الكردية بعض الأحيان، وغابت أو تلاشت تماماً في أحايين كثيرة، بفعل الظروف السياسية تارة، وتارة أخرى بفعل قيود وقساوة الأنظمة التي حكمت المنطقة، وتحديداً الدول التي يقطنها الكرد.
الصحف الكردية التي صدرت في مراحل مختلفة وعلى امتداد ذلك المشوار الشاق الطويل، يمكن تصنيفها ضمن ثلاث مجموعات: الأولى تمثل نتاجاً لاجتهادات شخصية لمثقفين أو أدباء أو سياسيين أكراد، والثانية - وهي الأكثر عدداً - تمثل جزءاً من أدبيات الأحزاب والمنظمات والتيارات السياسية الكردية، التي انبثقت في مراحل متفاوتة من تلك الحقبة، وفي بقاع متفرقة من كردستان المجزأة، والثالثة تمثل الصحف المملوكة للأنظمة التي حكمت أرض الأكراد، في سعيها لاستقطابهم لصالحها وترويضهم سياسياً.

صحف إنجليزية للأكراد
مصادر تاريخية كثيرة، تذكر أن الصحافة الكردية الحرة، مرت بحقبة مظلمة جداً من تاريخها، مع بداية الحرب العالمية الأولى، نتيجة لتحول المناطق الكردية إلى ساحات صراع عنيف بين دول الحلفاء والمحور، وتحديداً بين البريطانيين والعثمانيين، إذ اختفت الصحف الكردية حد التلاشي، بفعل أهوال الحرب التي تمكنت خلالها القوات البريطانية من بسط سيطرتها على أجزاء واسعة من العراق، بدءاً من البصرة في أقصى الجنوب، وصولاً إلى مدينة كركوك في الشمال، التي دخلتها القوات البريطانية في 7 من مايو (أيار) عام 1918، وفقاً للمؤرخ الكردي كمال مظهر، الذي يسلط الضوء على جانب واسع من أوضاع الصحافة الكردية حينئذٍ في العراق، ضمن كتابه المعنون «كردستان في سنوات الحرب العالمية الأولى»، مؤكداً أن الإنجليز بعد سيطرتهم على بلدة كفري جنوب شرقي كركوك، في 28 أبريل 1918، أبدوا اهتماماً واسعاً بالشأن الكردي، عبر إيفاد كثير من ضباطهم الأكفاء، سيما الذين عاشوا في كردستان قبل الحرب، لإقامة علاقات وثيقة مع الشخصيات والوجهاء وزعماء القبائل الكردية في كركوك والسليمانية، كما أوفدوا الجنرال نوئيل خصيصاً إلى السليمانية لمقابلة الشيخ محمود الحفيد، الذي كان يمسك بزمام الأمور في تلك المناطق.
من هنا دعت حاجة الإنجليز إلى إصدار صحيفة باللغة الكردية، لتكون وسيلة تضمن استقطاب الأكراد وقبائلهم إلى جانب الإنجليز؛ بل وتأليبهم ضد العثمانيين، من خلال بث الدعايات والإشاعات المناوئة للأتراك العثمانيين، كجزء من متطلبات الحرب النفسية ضدهم، فصدرت صحيفة «تيكه يشتني راستي» (فهم الحقيقة)، التي انطلقت من بغداد في 1 يناير (كانون الثاني) 1918، واستمرت حتى 27 يناير 1919، وقد حررت بالأحرف العربية والخط الفارسي وبمساحة 24 في 36 سنتيمتراً. وقد كتب تحت اسمها: «صحيفة سياسية واجتماعية تخدم وحدة وحرية الكرد»، وصدر منها 67 عدداً فقط، بواقع عددين في الأسبوع، ثم صارت أسبوعية الصدور، وقد أشرف عليها شخصياً القائد العسكري البريطاني الميجر سون، الذي كان ملماً بقواعد اللغة الكردية وأصول الصحافة، وأصدرها بالتعاون مع الصحافي شكري الفضلي.
توقفت الصحيفة عن الصدور بمجرد أن وضعت الحرب أوزارها. ونُشر في أعدادها كثير من الموضوعات الأدبية والسياسية والتاريخية، إضافة إلى قصائد لشعراء كرد.
ويؤكد المؤرخ مظهر أيضاً، أن البريطانيين أصدروا جريدة مماثلة، وللغرض ذاته، باللغة العربية، سموها صحيفة «العرب»، وطرزوا صدر صفحتها الأولى بعبارة تؤكد أن الصحيفة عربية الأصل والمبدأ، لذلك تصدر من «بغداد العروبة»، في محاولة لاستقطاب واجتذاب العراقيين.
ويضيف المؤرخ أن الإنجليز أولوا اهتماماً بالغاً بصحيفة «فهم الحقيقة» الكردية، ما جعلها تصدر بأسلوب صحافي رفيع وتصميم جذاب، افتقر إليهما كثير من الصحف الكردية التي صدرت بعدها بسنوات طويلة.
وبحسب مصادر تاريخية كثيرة، فإن «فهم الحقيقة» كانت ذات تأثير كبير، في تغيير وجهات نظر قطاع واسع من الأكراد لصالح الإنجليز، وسياساتهم في المنطقة، سيما وأنها ركزت في مقالاتها على المسائل التي تلامس الحس القومي للكرد، وسعيهم للانعتاق من الاحتلال، وتقربهم من تحقيق حلمهم الأزلي في امتلاك دولتهم المستقلة.

أقلام حزبية
بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وتوقيعها على اتفاق الاستسلام في 30 أكتوبر (تشرين الأول) 1918، بسط البريطانيون سيطرتهم على إسطنبول التي كانت تأوي نخباً سياسية وثقافية كردية كثيرة، من بينهم عشرات من الشخصيات السياسية، والعسكرية، والقانونية، والدينية، والاجتماعية، وخصوصاً من أبناء الأسر المعروفة، مثل الشمزينان، والبدرخان، والبابان.
وكان الرئيس الأميركي وودرو ويلسون، قد أعلن إبان الحرب عن مبادئه التي حظيت بموافقة الحلفاء، والتي ينص أحدها على ضمان حق تقرير المصير للشعوب غير التركية ضمن الدولة العثمانية. وفي ضوء ذلك كان الكرد في إسطنبول قد بنوا آمالاً عريضة على الحلفاء لجهة إقرار الحقوق القومية للشعب الكردي بعد انتهاء الحرب، فشرعوا في تأسيس منظمات وأحزاب وفعاليات سياسية، طامحين في تحقيق تلك الغاية. واقترنت أنشطتهم السياسية تلك بإصدار كثير من الصحف، في مقدمتها صحيفة «زين» (الحياة) التي صدر العدد الأول منها في أكتوبر عام 1918، أي بعد 17 يوماً فقط، من انتهاء الحرب، واستمرت عاماً واحداً، وصدر منها 25 عدداً، كان آخرها في 2 أكتوبر 1919. وكانت تنشر موضوعاتها باللغتين الكردية والتركية العثمانية، المكتوبة بالحروف العربية، وكان صاحب امتيازها ممدوح سليم.
تلتها صحيفة «كردستان» التي صدر العدد الأول منها في إسطنبول بتاريخ 31 يناير 1919، وباللغتين الكردية والتركية العثمانية أيضاً، كما نشرت بعض المقالات والقصائد بالعربية والفارسية، وكُتب في أعلى الصحيفة: «أسبوعية سياسية، اجتماعية، أدبية، علمية». وتعتبر هذه الصحيفة الرابعة التي تصدر باسم «كردستان»؛ إذ صدرت صحيفة بهذا الاسم للمرة الأولى في القاهرة، خلال الفترة من (1898 - 1902م)، كما أشرنا إلى ذلك آنفاً. ثم أصدرها للمرة الثانية في إسطنبول، ثريا بدرخان عام 1908، بعد نجاح الانقلاب العثماني. كما أصدرها هو نفسه للمرة الثالثة في 1917.
ومع تنامي دور مصطفى كمال أتاتورك، وبسط نفوذه على بقايا الدولة العثمانية، تلاشت رويداً رويداً الأنشطة الثقافية والسياسية الكردية في إسطنبول، حتى اختفت من الوجود تماماً.

ازدهار الورق في كردستان العراق
في كردستان العراق، التي سيطرت عليها القوات البريطانية أثناء الحرب وبعدها، اعتبر القائد البريطاني، الميجر سون، أول من جلب مطبعة للصحف إلى مدينة السليمانية، بعد توليه منصب الحاكم السياسي فيها. ومع مرور الوقت، نجحت النخب المثقفة الكردية في تحويل تلك المطبعة إلى نواة لأول مدرسة للصحافة الكردية في السليمانية، والتي كان لها الأثر الفاعل في إبقاء اللغة الكردية حية دون اندثار، بحسب ما يشير إلى ذلك السياسي والكاتب الكردي الراحل نوشيروان مصطفى، في كتابه «تاريخ الصحافة الكردية» المطبوع في تسعينات القرن الماضي، والذي يشير إلى أن الميجر سون أصدر في السليمانية صحيفة كردية باسم «بيشکهوتن»‌ (التقدم)، التي تبعتها صحف كردية أخرى، أصدرها مثقفو السليمانية، رغم أجواء الحرب والنزوح القاسية والمريرة، مثل صحيفة «بانكي کردستان» (نداء كردستان)، و«روزي کردستان» (شمس كردستان)، و«بانكي حهق» (نداء الحق)، و«أوميدي إیستیقلال» (أمل الاستقلال)، وهي صحف صدرت بمجملها في عشرينات القرن المنصرم، أي مع بدايات تشكيل الدولة العراقية عام 1920.
وكل تلك الصحف أصدرها نشطاء سياسيون أو مثقفون أو أدباء وشعراء أكراد، وبمصادر تمويل ذاتية، اعتمدت في الغالب على المردود المالي المتأتي من نشر الإعلانات التجارية، وشكاوى المواطنين، واشتراكات القراء. وكانت الغاية الأساسية منها - بحسب الأعداد المتوفرة منها في المكتب الوطنية بإقليم كردستان - هي الحفاظ على سلامة اللغة الكردية من التأثيرات الخارجية، وإذكاء المشاعر القومية، وصون جوهر القضية الكردية من صيرورة التقلبات السياسية والعسكرية في المنطقة. وكان بعضها يعارض بشدة مشروع إلحاق كردستان بالعراق، ويحث الجماهير على مناهضة ذلك المشروع، فيما البعض الآخر كان يجسد توجهات وسياسات قوى وأحزاب وتنظيمات كردية ظهرت في كردستان وقتذاك.
أما صحيفة «روناكي» (النور)، فهي أول نشرة صدرت في مدينة أربيل، في 24 أكتوبر 1935. وكانت صحيفة أسبوعية تتضمن موضوعات علمية، وأدبية، واجتماعية. وصدر منها 11 عدداً فقط، واستمرت عاماً فقط.
ومع بداية الأربعينات من القرن المنصرم، دخلت الصحافة الكردية مرحلة مختلفة تماماً، إذ اصطبغت بطابع حزبي بحت؛ إذ إن معظم الصحف التي صدرت في السر غالباً حتى مطلع السبعينات، مثلت لسان حال الأحزاب والتيارات الكردية التي برزت على الساحة السياسية، فيما بات يعرف بـ«كردستان العراق»، مثل: «الشرارة»، و«إلى أمام»، و«القاعدة»، و«وحدة النضال»، و«تحرر كردستان»، و«التحرر»، و«أنين الفلاح»، و«نضال كردستان»، وغيرها.
لا تزال الصحافة الكردية حتى يومنا، ورغم ذلك التاريخ الحافل والمشوار الطويل، صحافة تهيمن عليها التوجهات السياسية والحزبية، وتحاصرها من كل الجوانب، وتحد قدرتها على أداء رسالتها، ولا تزال الساحة الإعلامية في إقليم كردستان الذي يتمتع بحكم ذاتي أشبه بالاستقلال منذ عام 1991، تخلو - وفق آراء كثير من النقاد والصحافيين - من صحف أو وسائل إعلام حرة ومستقلة، أما أسباب ذلك فكثيرة، لا مجال لذكرها هنا بالتفصيل.



الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».


توجّهات آيديولوجية تغطّي على مقاربة الصحافة لاضطرابات فرنسا

جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)
جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)
TT

توجّهات آيديولوجية تغطّي على مقاربة الصحافة لاضطرابات فرنسا

جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)
جانب من التغطية التلفزيونية للأحداث (باريس 24)

ليست المرة الأولى التي تعرف فيها فرنسا حالةً من الغليان الذي يُترجَم في الشارع من خلال المظاهرات والمسيرات، ولكن أيضاً عبر الصدامات مع القوى الأمنية التي تواكبها، بشكل منهجي، حرائق السيارات واستهداف المؤسسات العامة والممتلكات الخاصة والقبض على مئات الأشخاص وتقديمهم للعدالة.

يترافق ذلك كله بحفلات التراشق السياسي بين اليمين واليسار وما يتوسطهما. وبما أن الصحافة، أكانت مكتوبة أم مسموعة ومرئية، ليست سوى صورة لحالة المجتمع وتجاذباته، فإن ما تنتجه يعكس بطبيعة الحال، من جهة، انقساماته العميقة، ومن جهة ثانية، مصالح وطموحات القوى السياسية التي تمول وتصدر الوسائل الإعلامية.

ولعل أبرز مثال على ذلك التغطية الصحافية للأحداث التي عاشتها فرنسا في الأسبوعين الأخيرين: الأولى، مع حراك طلاب المرحلتين الثانوية والجامعية الذي انطلق قبل نحو الشهر من ضاحيتين قريبتين من باريس. والثانية، مع ما صدر عنها بعد «السبت الأسود» و«الأحد الرمادي» اللذين تميَّزا بعنف استثنائي إن على صعيد الصدامات بين المجموعات المتطرفة والقوى الأمنية أو أعمال الشغب والسرقة والنهب والاعتداءات. وهذه ضربت المدن الفرنسية الثلاث الكبرى، باريس وليون ومرسيليا، ومدناً كثيرة غيرها مثل تولوز وبوردو وليموج ورين وليل.

ألسنة اللهب في الشوارع (أ.ف.ب)

مواقف الصحافة اليومية

لنأخذ كنقطة الانطلاق، لمقارنة توجهات الصحافة اليومية، ما صدر عنها يوم الاثنين الذي أعقب يومي «السبت الأسود» و«الأحد الرمادي» مع التركيز على الصحف «الوطنية» الأكثر انتشاراً، أي «لو موند»، و«ليبراسيون»، و«لوفيغارو»، و«لوبينيون»، إضافة إلى الصحيفة الأسبوعية «لو جورنال دو ديمانش» التي تصدر مرة واحدة في الأسبوع، أي يوم الأحد، كما يدل عليها اسمها.

عمّا يقوله اليمين، البداية مع صحيفة «لو فيغارو» التي تنطق باسم اليمين المحافظ. إذ تصدَّرت صفحتها الأولى صورة حريق مبنى بلدية مدينة ليموج، بوسط فرنسا، وفوقها عنوان يقول: «بعد الفوضى... العار والغضب».

وفي الصفحة نفسها افتتاحية بالغة الشدة، تشكِّل مضبَطة اتهامات للدولة واليسار وجان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد والمرشح للانتخابات الرئاسية.

ومما جاء فيها: «الدولة مُهانة داخل مباني بلدياتها ومحافظاتها ومراكز شرطتها. والفرنسيون مذعورون ومستاؤون من هذا الغضب العارم الذي يشوّه بلدهم بعنفه البشع. ورجال الشرطة بلغوا أقصى طاقتهم، شجعانٌ لكنهم عاجزون عن احتواء الوضع».

وتضيف: «التجار يائسون بعد أعمال النهب. والصحافيون يتعرَّضون للتهديد والاعتداء. ومباني إذاعة (أوروبا 1) وقناة (سي نيوز) وصحيفة (لو جورنال دو ديمانش) - وكلها تتبع لرجل الأعمال فانسان بولوريه المتمترس قرب اليمين المتطرف - تتعرَّض لهجوم مباشر».

وتكمل: «في ألسنة اللهب التي اجتاحت هذا اليوم الأسود، احترق نظام كامل من القيم. وتحت الرماد تكمن عقود من الجبن والامتثال الأعمى وانعدام البصيرة. واحتقار كل سلطة تمنح الفرد شعوراً بأنه قادر على فعل كل شيء. وضغائن تاريخية واجتماعية وثقافية تغذّي النزعات الثورية. وعدالة تتساهل مع المجرم، لكنها لا ترحم المواطنين الشرفاء. وامتياز غير مفهوم تتمتع به ميليشيات اليسار المتطرف، التي تحطّم وتحرق وتقتل من دون أن تُحاسَب، وهجرة خارجة عن السيطرة، يقف جزء منها في وجه البلد الذي يستضيفه. ومدرسة جرى تفريغها من العقل والمعرفة. وحركة سياسية، من ميلونشون إلى باغايوكو، تتعمّد تأجيج الحمى الروبسبييرية» - في إشارة إلى ماكسميليان روبسبيير، رجل أحكام المقاصل إبان الثورة الفرنسية.

اتهام يميني لميلونشون

وفي الصفحات الداخلية مادة تتهم ميلونشون بـ«الغموض» في إدانة العنف، لا بل تتهمه بالمسؤولية عنه. ويتضمَّن العدد مطالبات بمزيد من التَّشدُّد البوليسي، ومقترحات اليمين، ومنها حظر حزب ميلونشون، التي أطلقها رئيس حزب «الجمهوريون» اليميني المعتدل ورئيس مجلس الشيوخ جيرار لارشيه، المنتمي إلى الحزب نفسه، وكذلك مقترح غبريال أتال، رئيس الوزراء السابق الذي دعا إلى إنزال الجيش لحفظ الأمن.

وفي السياق الآيديولوجي عينه تندرج تغطية «لو جورنال دو ديمانش»، التي صدرت صفحتها الأولى بعنوان: «الفوضى: اليسار المتطرف يدير المشهد من وراء الكواليس... أعمال شغب ذات طابع تمرّدي ويوم أشبه بنهاية العالم». وفي الداخل، خصّصت الصحيفة مادةً مطوّلةً أصحبتها بصورة لميلونشون وقادة من حزبه اليساري في أثناء مشاركتهم في مظاهرة الأحد الماضي، ومن بينهم بالي باغايوكو، عمدة مدينة سان دوني (الواقعة ضمن باريس الكبرى)، الذي قال يوماً «إن العنف يمكن أن يكون مشروعاً».

ونقلت الصحيفة عن ميلونشون تحميله القوى الأمنية «مسؤولية الفوضى» بسبب استراتيجية حفظ الأمن التي تعمل بموجبها. وبشكل عام، يتهم قادة حزب «فرنسا الأبيّة» الحكومة باللعب بورقة كسب الوقت بانتظار تفكّك الحركة المطلبية، ورهانها أيضاً على تأثير الفرصة المدرسية التي تنتهي بداية الشهر المقبل على التلامذة والطلاب، وأحياناً أخرى على تساقط الأمطار الذي قد يردع الناس عن النزول إلى الشوارع للتظاهر.

ويأخذ الحزب المذكور على الحكومة أنها تهمل المطالب المرفوعة، وتمتنع عن تقديم «حلول سياسية» مفضِّلةً عليها سياسة الهراوة أو «الردود الأمنية».

ميلونشون وحزبه في مرمى الصحافة اليمينية... وإعلام اليسار والوسط يميل لتحميل السلطات المسؤولية

الرأي الآخر

على الجانب الآيديولوجي المقابل، تتغيَّر المقاربات، الأمر الذي يبدو بارزاً في تغطية صحيفة «ليبراسيون»، المُصنَّفة يسارية، للأحداث. ففي عددها الصادر بعد يومَي الحراك، تطرح الصحيفة تساؤلات حول «استراتيجية الحفاظ على الأمن» التي تصفها بـ«غير المناسبة»، وتندِّد بعمليات التحطيم والنهب «على نطاق واسع» في حين تعبِّر عن حزنها بسبب التغطية على «آلاف الأشخاص الذين تظاهروا بطريقة سلمية».

وفي مقال مُسهب، تشرح الصحيفة تعاطي القوى الأمنية مع الحراك، الذي تعدّه «لا يتوافق» مع الوضع، لا بل يمكن اعتباره «خطيراً»، وهذا في حين وصف سيباستيان روش، العالم السوسيولوجي، ما قامت به الشرطة بـ«تعامل هواة». وأعربت الصحيفة في افتتاحيتها عن «الأسى» إزاء ردود الطبقة السياسية على الأحداث، كونها «تفكّر أولاً بالانتخابات المقبلة وكيفية تجيير ما يحصل لصالحها»، وإزاء غياب الطروحات الجدية حول التحديات التي تواجه المجتمع الفرنسي أو التي يمكن أن تعبئ الشباب لتحقيقها.

جدية «لو موند» ووقارها

ما بين اليمين واليسار تتموضع صحيفة «لو موند» المستقلة مع ميل طفيف إلى الجهة اليسرى. واللافت في تغطية هذه الصحيفة الوقورة أنها تكرّس مواد عدة لتشريح تعاطي السلطات مع الحركة المطلبية، وتتساءل عن غياب «الأجوبة السياسية» عن المطالب المرفوعة بوجه الدولة وسلطاتها بينما يشارف عهد الرئيس إيمانويل ماكرون على نهايته؛ إذ إنه سيرحل عن قصر الإليزيه بعد أقل من 200 يوم.

ورغم تنديد الصحيفة، في أكثر من مادة وتحليل، بالعنف والاشتباكات وبالمشاغبين وبمَن «يقتنص فرص المظاهرات لزرع الفوضى واللجوء إلى النهب، إلى جانب أهداف اليسار الأكثر تطرفاً»، فإنها عدَّت في مادة تحليلية أن «العنف ثمرة نظام سياسي راديكالي وسلطة مُعدمة». ما سبق غيض من فيض وصورة مصغرة عن الانقسامات السياسية في مقاربة الأحداث الخطيرة التي تعيشها فرنسا. وهذا التجاذب يظهر بقوة على شاشات التلفزيون، وفي برامجها الحوارية حيث اللغة معلّبة والحجج المسوقة معروفة سلفاً بحيث يكفي التعرّف على هوية المتكلّم لتوقّع ما سيصدر عنه من غير عناء الاستماع إليه.