جوي بارتون: مسيرتي الفوضوية لاعباً ستساعدني مدرباً

المدير الفني لنادي فليتوود تاون يعتقد أن ماضيه المثير للجدل ودراسته للفلسفة يساعدانه في التواصل مع لاعبيه

بارتون واثق من النجاح مع فليتوود
بارتون واثق من النجاح مع فليتوود
TT

جوي بارتون: مسيرتي الفوضوية لاعباً ستساعدني مدرباً

بارتون واثق من النجاح مع فليتوود
بارتون واثق من النجاح مع فليتوود

يمكن القول بأن قضاء يوم مع جوي بارتون في نادي فليتوود تاون الذي يشهد أول تجربة له كمدير فني لا يشبه أي يوم آخر في كرة القدم الإنجليزية. وقد بدأ هذا اليوم بعد الإفطار في مركز التدريب الرائع للنادي الذي يلعب في دوري الدرجة الثانية بإنجلترا، والذي صُمم على غرار مركزي التدريب في ناديي بايرن ميونيخ الألماني وأياكس أمستردام الهولندي. ويقع مركز تدريب «بولفووت فارم» على بعد سبعة أميال من مدينة بلاكبول ويتميز بالهدوء الشديد.
قال بارتون وهو يقدمنا إلى توني بارلو، رئيس الأمن في مركز فليتوود: «أنت تتحدث مع قارئ جيد، وقد دخلنا في نقاشات مذهلة حول نظريات المؤامرة المتعلقة بالرئيس الأميركي الأسبق جون كنيدي». ويتحدث بارتون، وهو جندي سابق في سلاح المظلات ولم يتعلم القراءة والكتابة إلا عندما كان في الحادية والعشرين من عمره، بالتفصيل عن رحلته السابقة في عالم كرة القدم وعن تجربته كمدير فني لنادي فليتوود.
وقد مر نادي فليتوود أيضا برحلة مدهشة؛ حيث تأسس بشكله الحالي عام 1997 عندما بدأ اللعب في دوري الدرجة العاشرة بإنجلترا، لكنه نجح بفضل الدعم المالي الكبير والرؤية الثاقبة من جانب رئيس النادي، أندي بيلي، في الصعود من مستوى لآخر ست مرات خلال 10 أعوام لكي يصل الآن إلى دوري الدرجة الثانية. وتعاقد بيلي مع بارتون، البالغ من العمر 35 عاماً، ليتولى قيادة الفريق على أمل أن يساعد النادي في الصعود إلى دوري الدرجة الأولى.
وعندما سُئل بارتون عما إذا كان يشعر بالتوتر وهو يخوض هذه المهمة لأول مرة، قال وهو يبتسم: «يمكنك بالطبع أن تجري بعض التعديلات النفسية والتكتيكية في غرفة خلع الملابس، لكننا أنهينا العمل الرئيسي فيما يتعلق بالاستعداد للموسم. وفي النهاية، تشعر بأنه لم يعد لديك ما تقدمه عندما تنتهي من كل شيء».
وتبدو التجربة الأولى لبارتون في عالم التدريب رائعة للغاية، فبعد مشوار مثير للجدل ومليء بالمشكلات والفوضى كلاعب بدأ وكأن بارتون يتمتع بعلاقة رائعة مع لاعبيه، وهو ما ظهر جليا للغاية في مقطع فيديو للفريق بعد الفوز على نادي موركامب. ويحتل المركز العاشر بين 24 فريقا بعد انقضاء نصف الموسم تقريبا، وهو مركز جيد وفقا لحداثة الفريق مع منافسات الدرجة الثانية، لكن بارتون يرى أن الفريق ما زال بحاجة إلى التطور والتحسن.
وكانت السنوات الأولى لبارتون في عالم كرة القدم مليئة بالغضب والعنف، فقد سُجن لمدة ستة أشهر في عام 2008، وتوقف مشواره الكروي عندما أوقفه الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم لمدة 13 شهراً في عام 2017 بعد إدانته بالاشتراك في 1260 رهانا في مباريات كرة القدم.
وفي خضم هذه المشكلات، بدأ جانب آخر من شخصية بارتون في الظهور. ومن خلال مشاركاته النشطة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بدأ بارتون في رسم صورة لنفسه وكأنه رجل يحمل فكر عصر النهضة وعاشق للثقافة والموسيقى. وفي إحدى تغريداته الشهيرة، كتب يقول: «أجلس في المدينة؛ حيث أتناول السوشي وأقرأ لنيتشه». وظهر بارتون أيضاً في برنامج «وقت السؤال» أو «كويتشن تايم» والذي عرض على شاشة هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، كما درس الفلسفة في الجامعة ودخل في نقاشات حول السياسة والثقافة وكرة القدم.
يقول بارتون: «كان لدي ما يكفي من التباين والاختلاف في مسيرتي الكروية كلاعب، وبالتالي إذا جاء لاعب وهو يعاني من مشكلة ما فقد أكون على الأرجح أفضل من يساعده، لأنني مررت بهذه المشكلات من قبل. لقد واجهت الكثير من المشكلات، وستساعدني مسيرتي الفوضوية كلاعب في عملي كمدير فني».
ويتناول اللاعبون وفريق التدريب الغداء سويا، وقد جلست مع بارتون وزميله السابق في ناديي كوينز بارك رينجرز الإنجليزي وغلاسجو رينجرز الاسكوتلندي، كلينت هيل. وقال بارتون: «الشيء الأكثر أهمية بالنسبة لنا هو الروابط الإنسانية. وأثناء الغداء، يكون من المهم التحدث مع زملائك في الفريق. ولا يسمح للاعبين باستخدام الهواتف أثناء الغداء، وهذا شيء أرى أنه منطقي، لكنه ليس شائعا في جميع أندية كرة القدم».
يقول بارتون: «عندما كنت لاعبا كنت أؤمن بقدراتي أكثر من إيماني بقدرات أي شخص آخر. لقد تعلمت من جدتي أن أثق بنفسي وبقدراتي، ولذا فلدي ثقة كبيرة للغاية في نفسي وما أنا قادر على فعله، وهي الثقة التي تأتي أيضا من كوننا مستعدين بشكل جيد للغاية ولدي أناس رائعون من حولي».
وعندما قلت لبارتون وأنا أضحك بأنني أشعر بأنه يتعامل مع الأمور وكأنه يقود فريقا يلعب في دوري أبطال أوروبا، هز رأسه وقال: «فرانك دي بور أقيل من منصبه كمدير فني لكريستال بالاس بعد أربع مباريات الموسم الماضي. وجوزيه مورينيو نفسه تعرض للإقالة من منصبه، ومن الممكن أن أواجه نفس المصير، وبالتالي يجب أن أكون حذرا».
وفي مؤتمره الصحافي الأول كمدير فني لنادي فليتوود، قال بارتون إن 30 مليون شخص يتمنون فشله، لكنه علق على تلك التصريحات قائلا: «لقد كانت زلة لسان، وما أريد أن أقوله هو أنه ربما يكون هناك 30 مليون شخص لا يهتمون بما أفعله. هذه ليست مسألة حياة أو موت، لكنها مجرد قيادة ناد يلعب كرة القدم. أنا لا أقول إن فليتوود سوف يُذهل العالم، لأن نادي فليتوود كله عبارة عن 25 ألف شخص، وليس ناديا ثريا، لكنني أعتقد أننا قادرون على تحقيق النجاح».
وأضاف: «لقد رأينا ذلك يحدث بالفعل على نطاق أوسع بكثير؛ حيث تمكن المدير الفني الألماني يورغن كلوب من قيادة ليفربول لتحقيق نجاح كبير، وبصفتي مشجعا لغريمه التقليدي نادي إيفرتون فإن مشاهدة ليفربول بهذه القوة تعد أمرا صعبا للغاية. لكنه مدير فني رائع. إن الإحساس الجيد ينعكس على حياة الناس وعلى مكان العمل والحياة المنزلية. ولو حققنا 10 في المائة من هذا التأثير في نادي فليتوود فإننا نكون بذلك قد نجحنا في مهمتنا».
وخلال مقابلتنا الأخيرة مع بارتون عندما كان لاعبا، كان يخوض حربا مع ناديه السابق رينجرز الاسكوتلندي، بعد وقت قصير من الانضمام إليه ومنعه من خوض التدريبات. يقول بارتون عن ذلك: «في التجربتين اللتين خضتهما مع بيرنلي، سواء قبل أو بعد رينجرز، كنت قد أنشأت رصيدا كافيا من العلاقات الاجتماعية مع المجموعة للدرجة التي كانت تجعلهم يهتمون بأي شيء أقوله لأنهم كانوا يعرفون جيدا أنني أهتم بالفريق. لكن عندما ذهبت إلى رينجرز، كان الفريق قد لعب للتو مباراة أمام مذرويل في كأس اسكوتلندا، وعندما سُئلت عن رأيي في تلك المباراة قلت إننا في ورطة كبيرة وأنا أعرف طريق الخروج منها، لكنهم قالوا: من هذا الشخص الذي جاء ليقودنا بين يوم وليلة؟ يتعين عليك أن تكتسب ثقة الآخرين أولا قبل أن تقودهم».
وأضاف: «لقد جئت إلى فليتوود وأول شيء قمت به مع اللاعبين هو إظهار أنني أهتم بهم وبالفريق. لقد كان الهدف من كل ما قدمناه هو أن نجعلهم في وضع أفضل، وقد ساعدنا الجميع بشكل كبير، وهو ما سهل مهمتنا كثيرا».
وعن توقعاته لما يمكن أن يحققه النجم الإنجليزي ستيفن جيرارد في تجربته الجديدة مع نادي رينجرز، قال بارتون: «جيرارد سوف يقوم بعمل جيد، لأنه شخص جيد وكان لاعبا استثنائياً. ولو نجح في استغلال المقومات التي لديه جيدا فستكون هناك فرصة جيدة لأن يكون مديرا فنيا رائعا. أعرف لاعبي الفريق سكوت آرفيلد وجون فلاناغان، وأرى تعليقاتهما على موقع فيسبوك، وهي تعليقات إيجابية للغاية. كما أن جيرارد قد استعان بابن عمي توم كولشاو كمساعد له».
وأضاف: «نحن نتحدث كثيرا عن تعيين المديرين الفنيين الأجانب وأنه ليس لدينا عدد كبير من المديرين الفنيين البريطانيين، لكن لدينا الآن فرانك لامبارد الذي يسير بشكل جيد مع نادي ديربي كاونتي، وكيفين نولان الذي يقوم بعمل جيد مع نوتس كاونتي. وكنت أنا أصغر مدير فني حتى تم تعيين مايكل كولينز البالغ من العمر 32 عاما مديرا فنيا لنادي براتفورد. لقد تولى فرانك لامبارد تدريب ديربي كاونتي وستيفن جيرارد تدريب رينجرز، وهما ناديان كبيران للغاية. لكن لو سألتني ما إذا كان من الممكن أن أتبادل منصبي مع أي منهما، فلن أفعل ذلك بكل تأكيد، لأن فليتوود هو المكان المثالي بالنسبة لي الآن».
ويرى بارتون أن مانشستر يونايتد لم يكن المكان المثالي للمدير الفني البرتغالي جوزيه مورينيو قائلا: «أحترم كثيرا جوزيه مورينيو، الذي تكون تصريحاته دائما محسوبة بكل دقة، لكن كيف يمكن بأي حال من الأحوال مقارنته بالسير أليكس فيرغسون؟ وعلاوة على ذلك، يعمل جوسيب غوارديولا بشكل رائع في الجانب الآخر من المدينة مع مانشستر سيتي، كما أن كلوب يقود ليفربول لتحقيق نجاحات كبيرة الآن. أعتقد أن يونايتد خلال ًوجود مورينيو لم يكن يقدم أفضل أداء. وحتى عندما تولى مورينيو قيادة ريال مدريد، كان برشلونة هو أفضل فريق في العالم في ذلك الوقت. وحتى عندما تولى قيادة تشيلسي وبورتو لم يكن الناديان هما الأفضل في بلديهما، ونفس الأمر ينطبق أيضا على إنترميلان في إيطاليا. في مانشستر يونايتد، يتوقع الجميع أن يحقق الفريق الفوز دائما، لكن يجب مراجعة هذه التوقعات بالنظر إلى مستوى الفرق الأخرى».
وأضاف: «لكي تكون مديرا فنيا كبيرا، يتعين عليك أن تكون طبيباً نفسياً، كما هو الحال مع شانكلي وفيرغسون وجوك ستاين ومورينيو وغوارديولا. لقد رأيت المقطع الدعائي لهذا الفيلم الوثائقي عن مانشستر سيتي، ولاحظت كيف كانت الأمور في غرفة خلع الملابس تتجاوز الخطط التكتيكية. يدرك الطاقم الفني لنادي مانشستر سيتي أن الرياضة هي حرب نفسية، ولذا فإنه لا يهتم برد فعل الآخرين ويتعامل من منطلق: إذا كنت تريد أن تكرهني فاكرهني، فنحن نلعب بشكل أفضل عندما تكرهني».
ويمزح بارتون قائلا إنه درس الفلسفة بدلاً من علم النفس، لكنه يصر أيضاً على أن «علم النفس كان يمثل جزءاً كبيراً من مسيرتي كلاعب، لأنني لم أكن على مستوى الكثير من اللاعبين الآخرين، وبالتالي كان يتعين علي إيجاد طرق أخرى لتطوير مستواي».
ويقول: «يتمثل أحد أعظم الأشياء التي حدثت لي، على الرغم من أن حياتي الشخصية لم تكن على ما يرام عندما كنت صغيرا بسبب ارتكابي للكثير من الأخطاء الكبيرة، في أنني التقيت ببيتر كاي من جمعية (سبورتنغ تشانس) الخيرية عندما كان عمري 22 عاما. لقد كان الهدف من تلك التجربة هو معرفة كيف يتمكن المرء من السيطرة على غضبه، لكننا ناقشنا أيضا أمورا تتعلق بعلم النفس وقضينا ساعات نتحدث عن استراتيجيات الحرب، بدءا من تشرشل وصولا إلى جنكيز خان. وكنا نعرف أن الحياة تتجاوز مجرد مباراة لكرة القدم من 90 دقيقة. كما أن دراستي للفلسفة في وقت لاحق قد ساعدتني في عملي كمدير فني».
وغالباً ما كان بارتون هو من يجلب المتاعب لنفسه عندما كان لاعبا، لكن في مجال الإدارة يتعين عليه أن يتحلى بالذكاء ولا يتعامل مع الأمور بشكل استفزازي كما كان الأمر في السابق. وعندما تم الإعلان عنه كمدير فيني لنادي فليتوود في شهور يونيو (حزيران) الماضي، أشار بارتون إلى أنه سيقلل من استخدامه لوسائل التواصل الاجتماعي.
لكن بنهاية كأس العالم 2018 بروسيا، تعرض بارتون لانتقادات شديدة عندما أشار إلى أن المدير الفني للمنتخب الإنجليزي غاريث ساوثغيت كان بإمكانه أن يحقق نتائج أفضل. وقد نشر بارتون سلسلة من التغريدات على موقع «تويتر» أثنى فيها على ساوثغيت لقدرته على إعادة الثقة المفقودة بين المنتخب الإنجليزي وجمهوره، لكنه أشار بعض ذلك إلى أن المنتخب الإنجليزي قد خسر ثلاث مباريات وأن ساوثغيت كان بإمكانه تحسين الخطط الفنية التي يعتمد عليها الفريق وتحقيق نوع من التوازن.
وقال بارتون عن ذلك: «في بعض الأحيان يكون من المهم إعطاء رأي مخالف لأننا أصبحنا في الآونة الأخيرة نشبه قطيع الأغنام الذي يسير في نفس الطريق. لو كنت أنا المدير الفني للمنتخب الإنجليزي لقمت بالكثير من الأشياء بطريقة مختلفة، لكن من أنا حتى أقوم بالتعليق على هذا الأمر؟ سوف يقولون إنني مجرد مدير فني مبتدئ في دوري الدرجة الثانية، ولا ينتظرون حتى سماع ما أريد أن أقوله».
وأضاف: «لكنني لا أقول إن إنجلترا كانت جيدة أو سيئة، لأن البطولة نفسها كانت جيدة من كافة الوجوه بالنسبة للمنتخب الإنجليزي؛ حيث أصبحت الأمة بالكامل تتحدث عن منتخب بلادها وتحب ساوثغيت لأنه رجل محترم نجح في إعادة حب الجمهور لمنتخب بلاده. كما أن اللاعبين سعداء وقد وصولوا إلى الدور نصف النهائي لكأس العالم، لكننا وجدنا أنفسنا في نهاية المطاف مشغولين بتغيير أسماء محطات المترو لتحمل اسم ساوثغيت، بدلا من دراسة الأسباب التي تجعلنا أقوى في المرة القادمة».
ويحتاج بارتون بشكل أكثر إلحاحاً إلى التغلب على المشكلات الموجودة في شخصيته، وخاصة فيما يتعلق بإدمانه للمراهنات وما يعقبها من شعور بالاكتئاب، وهو الأمر الذي دعا الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم إلى إيقافه في أبريل (نيسان) عام 2017، يقول بارتون عن ذلك: «لقد واجهت حقيقة أن مسيرتي كلاعب لكرة القدم قد انتهت. وقد قضيت ثلاثة أو أربعة أيام وأنا غير قادر على مغادرة الفراش. لم أعان قط من الاكتئاب، لكني أعتقد أنها كانت بداية مبكرة للاكتئاب، وكنت محظوظاً لأن أصدقائي وعائلتي سارعوا إلى إخراجي من هذه الحالة».
يقول بارتون إن السبب في إدمانه للمراهنات بسيط، مضيفا: «لقد فعلت ذلك نتيجة الملل، لأن لدي عقلا فضوليا جدا يحتاج إلى أن يكون نشطا. الإدارة هي الوظيفة المثالية بالنسبة لي، لأنها تجعل عقلي في حالة تركيز دائم. لكن عندما يغيب عنا التركيز ويكون لدينا وقت فراغ كبير فإننا نواجه المشكلات. أشعر الآن بأن لدي دافعا كبيرا وأنا محظوظ للغاية لأننا أعمل الآن في هذا المنصب».
وسيكون الموسم الأول لبارتون كمدرب بمثابة امتحان لمعرفة ما إذا كان قد تعلم بالفعل الدروس التي حاول استيعابها وكيف سيتعامل مع الضغوط الشديدة وكونه المسؤول الأول عن الفريق. يقول بارتون عن ذلك: «هذا الشعور بالعجز، بصرف النظر عن إجراء بعض التغييرات التكتيكية والتبديلات داخل الملعب، يعد أمرا صعبا بالنسبة لشخص مثلي. يتعين عليك أن تسلم نفسك إلى سلطة أعلى، وفي حالتي تكون السلطة الأعلى هي الفريق».
وأضاف: «لقد تأثرت كثيرا بالرياضة الأميركية، وبالتالي سوف أفكر في كل المديرين الفنيين الأميركيين في كرة القدم - فينس لومباردي، وبيل بارسلز، وبيل بيلشيك، وتوم كوغلين، وبيل وولش. لقد سلم هؤلاء المدربون أنفسهم جميعا إلى الفرق التي أعدوها بشكل جيد».
وتابع: «بالطبع يمكن أن نخسر المباريات، وهو ما يعرضني لانتقادات لاذعة بكل تأكيد. لكني أعتقد أننا نحقق أيضا نتائج جيدة. سوف نبذل أقصى ما في وسعنا لتقديم أداء جيد وتحقيق نتيجة إيجابية».



صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.