المطران مارنيقوديموس لـ («الشرق الأوسط»): مسيحيو العراق يواجهون إبادة جماعية

رئيس الكنيسة السريانية الأرثوذكسية في الموصل وكردستان قال إن عناصر «داعش» هددونا «إذا عدتم ليس أمامكم سوى السيف»

المطران مارنيقوديموس
المطران مارنيقوديموس
TT

المطران مارنيقوديموس لـ («الشرق الأوسط»): مسيحيو العراق يواجهون إبادة جماعية

المطران مارنيقوديموس
المطران مارنيقوديموس

تحدث المطران مارنيقوديموس رئيس الكنيسة السريانية الأرثوذكسية في الموصل وكردستان، عن استهداف المسيحيين من قبل تنظيم «داعش» وعن حجم الكارثة الكبير الذي قد تحيق باتباع الديانة المسيحية وغيرهم إذا استمرت عملية تفريغ المدن من الأقليات الأخرى مثل الإيزيديين. وأكد أن المسيحيين، وهو شخصيا، لم يجدوا إلا النزوح خارج الموصل خوفا من القتل وتمسكا بدينهم، ولكنهم سلبوا من كل شيء يمتلكونه عند إجبارهم على ترك الموصل. وأكد المطران في حديث لـ«الشرق الأوسط» أهمية إقليم كردستان كمنطقة آمنة للمسيحيين وغيرهم وألقى باللوم على السياسيين العراقيين لأنهم نسوا الشعب، وركزوا على مصالحهم السياسية. وأكد المطران أهمية حماية المسيحيين لارتباطهم بأرض الأجداد وأنهم سكان البلد الأصليين وقدموا للعراق الكثير. ولا يتوقع المطران حل الأزمة قريبا لأنه لا توجد بوادر إيجابية لحل المعضلة التي يعانيها المسيحيون وغيرهم.
وفيما يلي نص الحوار:

> هل جرى إفراغ الموصل من كل المسيحيين نتيجة سيطرة تنظيم «داعش» عليها؟
- جرى تهجير كل المسيحيين بجميع طوائفهم وكنائسهم من الموصل، وهم قرابة ألف عائلة في 10 يونيو (حزيران)، وهي البقية الباقية من المسيحيين الذين تعرضوا للاضطهاد والتهجير القسري منذ عام 2003.
وأثناء القتال بين الجيش العراقي وقوات «داعش» جرت محاصرة المسيحيين داخل المطرانية واستمر ذلك أربعة أيام بينما كنا نحتمي بمبنى المطرانية من القصف المتبادل بين الطرفين.
وقد خرجت من الموصل قبل سقوطها في أيدي «داعش» بست ساعات. ورغم أن مقر «الإبرشية» بالموصل، اخترت الهجرة لكردستان كوني أيضا مسؤولا عن الكنيسة السريانية الأرثوذكسية في الإقليم.
> بعد الهجرة القسرية للمسيحيين من الموصل ونزوحهم إلى كردستان، كيف كان استقبالهم داخل كردستان؟
- توجه بعض المسيحيين النازحين والمهجرين قسرا من الموصل إلى الأديرة مثل دير مار متى ودير مار يوحنا الديلمي في قراقوش، ولجأ البعض الآخر إلى الكنائس، ولجأ البعض منهم إلى أقاربهم في قرى سهل نينوى وغيرها، والبعض الآخر استأجر منزلا. يوجد تعاون بين الشعب والكنيسة وحكومة الإقليم. ولكن، ينام المسيحيون على الأرض بالكنائس وهو وضع لا يمكن استمراره فترة طويلة. ينطبق الوضع أيضا على العائلات التي تسكن مع أقاربهم، وكذلك من لديه مال لا يمكن الاستمرار في دفع الإيجار على المدى الطويل من دون وجود مصدر للدخل.
> وماذا عن حكومة إقليم كردستان؛ هل تقوم بكل ما في وسعها لمساعدة هؤلاء النازحين؟
- تقوم حكومة إقليم كردستان بما عليها لتقديم المساعدات للمسيحيين وغيرهم الذين لجأوا إلى الإقليم من محافظات عراقية مختلفة، ولكن الحمل ثقيل عليها. وهناك ما يقرب من مليون ومائتي ألف نازح إلى إقليم كردستان من الموصل والأنبار ومحافظات مختلفة من العراق.
> ما أهم المشكلات والصعوبات التي تواجه المسيحيين النازحين؟
- استمرار الوضع الحالي يهدد بكارثة كبيرة على السكان المسيحيين وغيرهم من الذين نزحوا إلى كردستان. لا يمكن استمرار الوضع الحالي مدة طويلة، فسوف تبدأ المدارس والجامعات بعد انتهاء الصيف فأين يذهب الطلبة والتلاميذ للدراسة؟! والبعض لم يكمل فصوله الدراسية، وكيف تستطيع العائلات الإنفاق من دون وجود عمل يدر عليها الدخل ورواتبهم متوقفة؟ وكيف يمكن الاستمرار في افتراش أرضية الكنائس للنوم وفصل الشتاء مقبل؟ كل تلك الأوضاع تجعل الوضع كارثيا إذا لم يعالج بصورة عاجلة.
> كيف تصف ما تعرض له المسيحيون في الموصل؟
- سميت ما تعرض له المسيحيون بإبادة جماعية وتطهير عرقي حقيقي يذكر بما حدث في مذبحة الأرمن والسريان في تركيا، وذبحنا قبل مائة سنة مضت. نتعرض مرة أخرى بعد مائة سنة لعملية تهجير قسري وقتل. لقد أجبر المسيحيون على ترك ديارهم وقد حملت السيوف أمامنا واضطررنا للخروج من الموصل وقالوا لنا «لا رجعة لكم إلى الموصل. وإذا رجعتم فليس أمامكم إلا السيف». هذا قتل وإبادة جماعية. لم يكن لنا خيار آخر. كانت الخيارات إما تنكرنا لديننا أو دفع الجزية أو القتل أو ترك كل شيء وترك أرضنا وجذورنا وراءنا. وفضلنا الخيار الأخير لأننا ولدنا أحرارا ولا نقبل أن نكون عبيدا.
لا نقبل أن نكون ذميين ولا نكون أهل الذمة ولا يمكننا دفع الجزية ونحن صاغرون. نحن أبناء البلد الأصليون، ونحن من استقبل المسلمين.
لو لم تكن هناك مناطق آمنة مثل كردستان لكنا قد تعرضنا لمذبحة أخرى. هذا قتل، فحتى وإن لم نقتل جسديا فهو قتل نفسي لأننا تركنا ديارنا وديار آبائنا وأجدادنا.
> هل تشجع المسيحيين على الهجرة أم البقاء في العراق وتحمل المصاعب التي قد تصل إلى القتل؟
- هذا سؤال محرج جدا لنا، لأنه سيف ذو حدين. نحن أمام نارين: إذا شجعنا على الهجرة فنحن نشجع على اقتلاع المسيحي من جذوره وجذور آبائه ومن أرضه الحقيقية وتاريخه الذي يمتد إلى ألفي سنة هي مدة التاريخ المسيحي وتاريخه في هذه الأرض الذي يمتد إلى سبعة آلاف سنة؛ فهذا قتل. وإذا شجعناهم على البقاء فيجب توفير الحماية لهم، وإلا فسيكونون عرضة للقتل. نحن بين نارين: نار الهجرة وهو ذوبان مع الوقت وترك أرض الآباء والأجداد وقطع للجذور وهو موت وقتل، والنار الثانية وهي البقاء في هذا البلد غير المستقر ويدار بيد مافيات تمتص خيرات هذا البلد دون النظر إلى مستقبله.
> هل بالفعل تناقص عدد المسيحيين من مليون ونصف المليون عام 2003 إلى قرابة 350 ألفا في الوقت الراهن وهو أحد التقديرات؟
- هذا صحيح إلى حد كبير. يواجه المسيحيون خطر نقصان عددهم بمرور الوقت ومع تعرضهم لمصاعب تصل لحد القتل والهجرة القسرية.
> ماذا حدث للمسيحيين في قرقوش؟
- لقد جرى تهجير المسيحيين قسرا وهربوا من قرقوش وكل قرى سهل نينوى، وقد أفرغت تلك القرى بالكامل من سكانها المسيحيين وتتراوح أعدادهم بمائة وخمسين ألفا. ونزحوا جميعا إلى إقليم كردستان وهذا عبء كبير على حكومة الإقليم، ولكنها تقوم مشكورة بجهود كبيرة لمساعدة النازحين، ولكن العبء ثقيل. ولكن، ينام البعض على الأرصفة. أناشد المجتمع الدولي تقديم المساعدات الإنسانية من خيام وغيرها لهؤلاء النازحين.
> ما رأيك في نداء بابا الفاتيكان من أجل حماية السكان المسيحيين بالعراق؟
- قداسة البابا مشكور ويقوم بما يقدر عليه والنداء الذي قدمه مهم، وكذلك نداءات من قيادات دينية أخرى مثل البطريرك ماراغناطيوس أفرام كريم الثاني الرئيس الأعلى للكنيسة السريانية في العالم وبطريرك أنطاكية وسائر المشرق، الذي وجه نداء أيضا بهذا الخصوص، وكذلك بطاركة الشرق والكنائس لأجل مساعدة المسيحيين في العراق.
> هل فكرتم في عقد يوم عالمي للصلاة من أجل محنة المسيحيين بالعراق؟
- نحن نصلي كل يوم، ومتأكدون من أن الرب يستطيع إزالة هذه المحنة إذا أراد.
> هل جرى استهداف المسيحيين كمسيحيين أم أن تنظيم «داعش» يستهدف كل من يختلف معهم؟
- في البداية، جرى استهداف المسيحيين كمسيحيين وأنزلت الصلبان من الكنائس وخيرنا بين دفع الجزية أو الموت أو الهجرة قسرا.
قطعت الحصص التموينية والرواتب عن الموظفين المسيحيين وفصلوا عن أعمالهم، وهذا استهداف واضح للمسيحيين كمسيحيين من قبل تنظيم «داعش». وخطفوا راهبتين، وبعد مفاوضات أفرج عنهما. جرى إخراج المسيحيين وسلبهم كل شيء حتى أخذ حلق من أذن طفلة رضيعة عمرها ستة أشهر وإنزال امرأة عاجزة على كرسي متحرك للبحث عن النقود. وبعد ذلك، جرى استهداف أقليات أخرى مثل الإيزيديين وغيرهم، ولكن استهداف المسيحيين كان واضحا للعيان ولا يمكن إنكاره.
> هل ترحب بما قامت به الولايات المتحدة من تقديم المساعدات وبعض الضربات الجوية ضد مسلحي تنظيم «داعش» وتؤيد التدخل الخارجي لحل الأزمة الراهنة؟
- هذا سؤال للسياسيين، وأنا بصفتي رجل دين لا أعلق على هذا الموضوع.
> هل هناك بوادر لحل الأزمة والكارثة التي تحيق بالعراق والمسيحيين وأقليات أخرى؟
- لا توجد بوادر لحل الأزمة الحالية في العراق، لأن الخلافات بين السياسيين العراقيين كبيرة وهم ينسون آلامنا. للأسف الشديد، لا تهتم الحكومة العراقية بما يدور للمسيحيين وغيرهم، إنها تنسى الشعب وتهتم بأمور أخرى وهذا ما يصعب الموقف، وجعل من الصعوبة بمكان حل الأزمة في الأمد المنظور. إنها حكومة منتهية الولاية. ولا نعرف ما إذا كانت الحكومة الجديدة عندما تتشكل ستسير على خطى الحكومة المنتهية ولايتها أم لا. لا توجد أي علامات إيجابية لحل تلك المشكلة. نصلي لأجل حكومة كردستان ولأجل أن الرب يحمي المسيحيين وغيرهم في هذا الوقت الصعب. البقاء بكردستان والأمن فيها يعطياننا الأمل في البقاء. نصلي لأن يكون هناك حل قريب لئلا نتعرض لكارثة حقيقية. ولكن، في الحقيقة لا نرى بوادر أمل لأن الخلافات في بغداد كبيرة ولا يشعر هؤلاء الناس بمدى الكارثة التي تنتظرنا إذا طال أمد الوجود الإرهابي.



لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطّها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يُشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم برّاك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بالفضاء العام في تقديم نصائح إلى رئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا إليه ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتَين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلّص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي بوصفه مخرجاً محتملاً، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون صك أميركي مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالَين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي»، حينها، قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم برّاك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، ربما تكون واشنطن قد ربحت بها شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد بالقيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.