تنسيق روسي ـ إسرائيلي لـ«منع الاحتكاك» في سوريا

الملف السوري يشغل حيّزاً بارزاً في محادثات لافروف مع نظيره العراقي... وفد عسكري تركي إلى موسكو اليوم

مصافحة بين وزيري الخارجية الروسي والعراقي في ختام مؤتمرهما الصحافي في موسكو أمس (أ.ف.ب)
مصافحة بين وزيري الخارجية الروسي والعراقي في ختام مؤتمرهما الصحافي في موسكو أمس (أ.ف.ب)
TT

تنسيق روسي ـ إسرائيلي لـ«منع الاحتكاك» في سوريا

مصافحة بين وزيري الخارجية الروسي والعراقي في ختام مؤتمرهما الصحافي في موسكو أمس (أ.ف.ب)
مصافحة بين وزيري الخارجية الروسي والعراقي في ختام مؤتمرهما الصحافي في موسكو أمس (أ.ف.ب)

نشطت موسكو تحركاتها حول الملف السوري بشكل ملحوظ أمس، إذ تزامن الإعلان عن محادثات أجراها وفد دبلوماسي روسي رفيع مكلف بالملف السوري مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جرى خلالها «تثبيت» الاتفاقات السابقة على «تعزيز التنسيق لمنع الاحتكاك» في سوريا، مع الكشف عن توجه وفد عسكري تركي إلى موسكو اليوم، لمناقشة تطورات الموقف في إدلب. في حين أجرى وزير الخارجية سيرغي لافروف جلسة محادثات مع نظيره العراقي محمد علي الحكيم ركزت على سوريا.
وكشفت وسائل إعلام روسية وإسرائيلية، أمس، عن زيارة لم يتم الإعلان عنها مسبقاً، قام بها قبل يومين إلى إسرائيل وفد روسي ضم مبعوث الرئيس الروسي لشؤون سوريا ألكسندر لافرنتييف ونائب وزير الخارجية سيرغي فيرشينين. وأجرى الوفد جلسة محادثات مع نتنياهو ومع مسؤولين آخرين في إسرائيل.
وأفاد بيان صدر عن مكتب نتنياهو بأن اللقاء جرى بحضور مستشار الأمن القومي الإسرائيلي مائير بن شبات، ورئيس هيئة العمليات في القيادة العامة للجيش الإسرائيلي، اللواء أهرون حليوا. وتناول اللقاء «الملف الإيراني والأوضاع في سوريا وتوطيد آلية التنسيق بين الجيشين لمنع الاحتكاك بينهما». وشدد البيان على أن مبعوث الرئيس الروسي ونائب وزير الخارجية أكدا «مرة أخرى التزام روسيا بالحفاظ على الأمن القومي الإسرائيلي».
وتعد هذه أول زيارة لوفد روسي إلى تل أبيب منذ قيام الأخيرة بشن غارات عدت الأعنف منذ اندلاع الأزمة السورية ضد مواقع ومنشآت في سوريا تسيطر عليها قوات إيرانية، قبل أيام. وكان لافتاً أن الغارات دمرت منصات صاروخية روسية الصنع من طرازي «بوك» و«بانتسير» بعدما أطلقت مضادات دفاعية، ورجحت وسائل إعلام في حينها أن الضربات الإسرائيلية ستسفر عن توسيع التوتر مع إسرائيل، لكن موسكو تجنبت التعليق على المستوى الرسمي على الغارات.
وجاءت زيارة فيرشينين ولافرينتيف بعد أيام على ختام زيارة وفد عسكري روسي رفيع المستوى لإسرائيل، جرى خلالها التباحث بمجمل الأوضاع في سوريا وعلى رأسها التمركز العسكري الإيراني، إلى جانب تحسين منظومة الاتصالات الروسية - الإسرائيلية الرامية لمنع الاحتكاك بين الجيشين في الأجواء السورية.
وكانت العلاقات بين الطرفين توترت بعد اتهام موسكو لتل أبيب بالتسبب في إسقاط طائرة تجسس روسية أصابتها الدفاعات السورية بطريق الخطأ في سبتمبر (أيلول) الماضي. وسعى الطرفان منذ ذلك الحين إلى استئناف التنسيق الأمني والمعلوماتي في سوريا.
في غضون ذلك، أعلن أمس عن توجه وفد من وزارة الدفاع التركية إلى موسكو، لإجراء محادثات مع العسكريين الروس حول الوضع في إدلب. ولم توضح المصادر الروسية تفاصيل عن المحادثات التي تجري اليوم، لكن أوساطاً ربطت الزيارة باتفاق الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان أخيراً على مواصلة الاتصالات على المستوى العسكري لتسوية الوضع في إدلب، على خلفية اتساع رقعة سيطرة «جبهة النصرة» («هيئة تحرير الشام»). وكان ملاحظاً أن موسكو أعربت مراراً للجانب التركي، خلال الأسابيع الأخيرة، عن قلقها إزاء الوضع الأمني في محافظة إدلب، التي تم الاتفاق سابقاً على إنشاء منطقة منزوعة السلاح فيها.
وقال لافروف قبل يومين إن إدلب تحولت إلى بؤرة للإرهابيين بشكل مخالف للتفاهمات الروسية - التركية بشأن المنطقة. وشدد على الاتفاقات الروسية - التركية حول إدلب، قائلاً إنها «لا يجب أن تمنح الإرهابيين حرية التصرف الكاملة».
بينما برزت انتقادات أكثر حدة من جانب وزارة الدفاع التي اتهمت أنقرة بأنها «فشلت في تنفيذ التزاماتها وفق الاتفاقات بين الطرفين».
وقال الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، إن الجانب التركي «لم ينفذ بشكل كامل التزاماته بشأن إدلب»، مشيراً إلى أن الوضع في المنطقة لا يزال يثير قلق موسكو ودمشق.
إلى ذلك، أجرى لافروف أمس جولة محادثات مع نظيره العراقي شغل الملف السوري أحد المحاور الأساسية فيها. وقال الوزير الروسي في مؤتمر صحافي مشترك مع الحكيم إن «روسيا أبلغت العراق بضرورة تسريع عملية إطلاق عمل اللجنة الدستورية للتوصل إلى تسوية في سوريا». وزاد أن البحث تطرق إلى الوضع في إدلب وفي المناطق الحدودية بين سوريا والعراق، بالإضافة إلى الوضع شرق الفرات.
وكما كان متوقعاً فقد شغل ملف عودة سوريا إلى الجامعة العربية حيزاً في المناقشات. وكانت موسكو نشطت تحركاتها في الفترة الأخيرة لبحث هذا الملف مع الأطراف العربية بهدف حشد تأييد لاتخاذ قرار بعودة سوريا إلى شغل مقعدها في الجامعة قبل حلول موعد القمة العربية في مارس (آذار). وأعلن الحكيم أن بلاده تدعم عودة سوريا إلى الجامعة و«تبذل جهوداً من أجل ذلك». وزاد أنه «لا بد من حل الأزمة السورية، ونحاول إيجاد حل لعودتها للجامعة العربية، والحكومة العراقية تدعم هذا التوجه». وأكد على ضرورة الحفاظ على وحدة سوريا وسلامة أراضيها، موضحاً أن نقاشاته مع لافروف تطرقت إلى كل جوانب الملف السوري بشكل تفصيلي بما في ذلك الوضع في شرق الفرات والوضع في محافظة إدلب، وضرورة «تحرير المنطقة من التنظيمات الإرهابية».
وأشار الحكيم إلى أن العراق ينسق تحركاته العسكرية مع سوريا بشأن العمليات البرية والجوية التي تجري في المناطق الحدودية وداخل مناطق شرق الفرات، مشدداً على أن بلاده «لا تقوم بأي عمليات عسكرية في سوريا دون تنسيق مع الجانب السوري، وبالطبع، لدينا تعاون عسكري وأمني مع سوريا. نحن نقوم بعمليات جوية وبرية محدودة بالتنسيق مع الجانب السوري. ولا نخطط لوجود عسكري في شرق الفرات، ولكننا سنواصل بالتأكيد العمل على تدمير بقايا «داعش» الإرهابي سواء من الجو أو على الأرض. أريد أن أكرر مرة أخرى أننا لن نقوم بشكل مفاجئ لشركائنا السوريين بعمليات برية أو عمليات أخرى. وشدد على أن الجيش العراقي «ينفذ عمليات محدودة داخل الأراضي السورية، وقواته لن تستقر شرق الفرات».
ولفت إلى اتفاق مع لافروف على «ضرورة مواصلة الحوار حول سوريا، وضرورة إجراء حوار تشارك فيه دمشق لتعزيز التنسيق في مكافحة الجماعات الإرهابية وبقاياها في سوريا والعراق».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».