انتخاب دريان مفتيا جديدا خلفا لقباني يؤسس لمصالحة داخل الطائفة السنية في لبنان

سلام طالبه بتوطيد البعد الجامع لدار الفتوى.. والحريري ناشده حماية الاعتدال والوحدة الإسلامية

المفتي دريان مع سلفه الشيخ محمد رشيد قباني خلال حفل التسليم في بيروت أمس (رويترز)
المفتي دريان مع سلفه الشيخ محمد رشيد قباني خلال حفل التسليم في بيروت أمس (رويترز)
TT

انتخاب دريان مفتيا جديدا خلفا لقباني يؤسس لمصالحة داخل الطائفة السنية في لبنان

المفتي دريان مع سلفه الشيخ محمد رشيد قباني خلال حفل التسليم في بيروت أمس (رويترز)
المفتي دريان مع سلفه الشيخ محمد رشيد قباني خلال حفل التسليم في بيروت أمس (رويترز)

انتهت فصول أزمة دار الفتوى، المرجعية الرسمية العليا لدى الطائفة السنية في لبنان، أمس، مع انتخاب رئيس المحاكم الشرعية العليا الشيخ عبد اللطيف دريان، خلفا للمفتي الحالي الشيخ محمد رشيد قباني الذي تولى منصبه عام 1996 وتنتهي ولايته رسميا منتصف الشهر المقبل.
ويفتح انتخاب دريان (61 عاما)، بدعم من غالبية أعضاء مجلس الانتخاب الإسلامي، صفحة جديدة في دار الفتوى، على إيقاع التطورات المحلية والإقليمية المتسارعة، وذلك بعد عامين من خلافات عاصفة بين قباني والمناوئين له، نتيجة تباين وجهات النظر حول ملفات سياسية عدة، أبرزها أزمة سوريا، إضافة إلى اتهام المفتي قباني ونجله بقضايا فساد وتجاوزات مالية. ولم تثمر وساطات عدة في تطويق ذيول الانقسام الذي وصل إلى حد غير مسبوق، تحديدا بين قباني وتيار المستقبل، الأكثر تمثيلا لدى الطائفة السنية، ونتج عنه وجود «مجلسين شرعيين»، أحدهما مدد لنفسه نهاية عام 2012 من دون العودة إلى قباني، برضا رؤساء الحكومات السابقين والحالي، باستثناء رئيس الحكومة الأسبق سليم الحص، الأعضاء حكما في المجلس الشرعي، والثاني انتخب قبل عام بإيعاز من قباني الذي رد مجلس شورى الدولة مراجعته بشأن إبطال تمديد ولاية المجلس الشرعي المناوئ له.
وجاء انتخاب دريان، المقرب من تيار المستقبل، بعد يومين من عودة زعيم تيار المستقبل رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري إلى بيروت. ويأتي انتخابه نتيجة تفاهم سني، تحديدا بين المستقبل وقباني، وذلك بموجب «مبادرة مصرية وبمباركة عربية»، على حد تعبير قباني الذي قال مطلع الشهر الحالي إن الدعوة لانتخاب مفت جديد تأتي في «سياق الخطوات والإجراءات التي اتخذت ضمن الأجواء الختامية للحل، وبعد اطمئنانه إلى أن كل ما تم الاتفاق عليه سيكون مصانا لحفظ مكانة مقام الإفتاء الديني، ومكانة المسلمين ومرجعيتهم الدينية».
وفي سياق متصل، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية، عن مدير الأوقاف الإسلامية الشيخ هشام خليفة، قوله إن انتخاب دريان هو «ثمرة توافق بين قوى سنية فاعلة، لا سيما (تيار المستقبل) والمفتي الحالي الشيخ قباني، وذلك إثر مفاوضات قادتها مصر بمتابعة من المملكة العربية السعودية وسوريا».
وتشمل بنود التسوية التي أدت إلى انتخاب دريان، وفق خليفة «مصالحة قباني والمستقبل، ووقف السجالات بينهما»، إضافة إلى «بحث الملف المالي (في دار الفتوى) في قنواته القضائية»، وتأليف لجان «متخصصة» للبحث في تعديل قوانين دار الفتوى وصلاحيات المفتي.
وكان مجلس الانتخاب الإسلامي، الذي يضم أبرز الشخصيات السنية السياسية والروحية والشرعية، التأم أمس في مقر دار الفتوى ببيروت. وأعلن رئيس المجلس رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام فوز دريان، إثر نيله 74 صوتا من أصل 93 شخصا شاركوا في الاقتراع، بينهم رؤساء حكومات سابقون وزراء ونواب وعلماء وقضاة شرع، في حين نال منافس دريان، الشيخ أحمد الكردي، 9 أصوات، وصوت 8 آخرون بأوراق بيضاء، وألغيت ورقتان.
وأكد سلام في تصريح أن «طائفتنا طائفة الانفتاح والاعتدال للمحافظة على لبنان الديمقراطي، لبنان الحرية والسيادة، لبنان الاستقلال». وقال، خلال إطلاقه عملية الانتخاب «نمضي معا لانتخاب مفت للجمهورية بهدف توطيد دار الفتوى ببعدها المؤسسي الجامع بقيادة الطائفة دينيا، وسط ما يشهده الإسلام والمسلمون من حالات ووضعيات شاذة ومضرة، لا تمت إلى الإسلام والمسلمين بشكل».
وفي أول تصريح له، أمل المفتي الجديد أن يكون انتخابه «فاتحة خير على المسلمين»، مشيرا إلى أنه «أصاب دار الفتوى انقسام من حولها وانقسامات في قلب مؤسساتها وتراجع في خدماتها الوطنية وفي القيام بدورها الجامع ومهماتها الاجتماعية الكبرى». واعتبر أن ما جرى أمس «تعبير عن إرادة قوية من جانب كل المسلمين في لبنان في مواجهة المشكلات وتسديد المسار والتصميم على متابعة المهام والدور والإسهام المعهود من جانب هذه الدار العريقة في صون الشأنين الإسلامي والوطني».
وفي حين خاطب المسلمين بالقول «لكل مبادرة في المجال الديني والوطني مهمة ورسالة وبرنامج»، آملا أن يكون «على مستوى الأمانة التي عهدتم لي بها في رعاية الشأن الديني والوقفي والقضائي والخيري بحسب المراسيم والقوانين والأعراف المرعية، وبما تقتضيه النزاهة والشورى»، شدد دريان على أنه «لا مجال اليوم ولا بعد اليوم للانقسام بين المفتي والمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى». وأكد إصراره «على العودة إلى مسار الألفة والوحدة والعمل بقدر الوسع والطاقة مع المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى للاستعداد لما هو ضروري». وتابع «إنني مصمم على العمل مع المجلس الشرعي ومع المجلس الاستشاري ومع الإدارات الوقفية وإدارات المؤسسات الخيرية وإدارات صناديق الزكاة لتلافي ما وقع من أضرار في العمل والثقة».
ولاقى انتخاب دريان سلسلة مواقف مهنئة، جاء أبرزها على لسان زعيم تيار المستقبل، رئيس الحكومة الأسبق، سعد الحريري، الذي رأى أن دريان يتولى قيادة دار الفتوى «في مرحلة من أصعب المراحل في تاريخ لبنان»، وقال «الآمال معقودة عليكم يا صاحب السماحة في حماية الوحدة الإسلامية والتأكيد على الاعتدال والعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين، فالتحديات التي تواجه لبنان والأمة كثيرة».
وأشار الحريري في تصريحات أدلى بها أمس إلى أن «المسؤولية الملقاة على دار الفتوى وكل العلماء المسلمين في هذه المرحلة مسؤولية كبرى لا تحتمل التردد أو التخلف عن مواجهة التطرف وإنقاذ رسالة الإسلام والمسلمين من السقوط». وشدد على «اننا نتحمل المسؤولية ولن نرضى لقلة من المتطرفين أن تأخذ الإسلام إلى مواجهة مع باقي الشركاء في الوطن والأمة»، لافتا إلى أن «تلك الحفنة التي تقوم باقتلاع المسيحيين في العراق من أرضهم هي فئة ضالة معادية للإسلام وخارجة عن رسالة النبي، ومن هنا طلبنا من الدول العربية موقفا يحمي الحياة المشتركة في المنطقة وفي لبنان تحديدا، وسنحمي هذا العيش بكل ما نملك بإذن الله». ولاقى انتخاب دريان ارتياحا لدى أعضاء المجلس الإسلامي الشرعي، الذين أثنوا على الصورة الحضارية التي جسدتها العملية الانتخابية التي استكملت سياسيا بمائدة غداء جامعة أقامها الحريري في دارته وسط بيروت لكل أعضاء مجلس الانتخاب الإسلامي وبحضور المفتيين دريان وقباني، تكريسا للمصالحة السياسية. وقال عضو المجلس الشرعي المحامي محمد المراد، لـ«الشرق الأوسط»، أمس، إن «عملية انتخاب مفت جديد جرت بطريقة ديمقراطية وحضارية وبكثير من الاحترام والانتظام والتقيد بالقوانين، مع اكتمال الصورة سياسيا بعودة الرئيس الحريري إلى بيت الوسط».
وأشار إلى أن «هذه الصورة تعبر عن الوجه الحقيقي للطائفة السنية ودار الفتوى، وتؤكد على زوال الصورة القديمة»، مثنيا على الأسس والقواعد والعناوين المهمة، التي حددها دريان في أول كلمة له، على مستوى مؤسسات الدار والأوقاف والعمل الخيري والتربوي، وكذلك على المستويين الوطني والعربي»، مقدرا «تركيزه على تعزيز الاعتدال ونبذ التطرف». وقال إن خطابه «تأسيسي وسيتم البناء عليه بما يعيد للطائفة وحدتها وتماسكها لتتمكن من القيام بدورها الأساسي والتاريخي».
يذكر أن المفتي قباني سيستمر في منصبه حتى انتهاء ولايته في 15 سبتمبر (أيلول)، تاريخ بلوغه السن القانونية (73 عاما)، على أن تعقب ذلك خطوات إدارية وقانونية عدة، في مقدمتها حفل تنصيب المفتي الجديد وتسلمه مقاليد إدارة وقيادة دار الفتوى. وتجدر الإشارة إلى أنه تخللت عملية تغطية انتخابات دار الفتوى حالة تدافع بين عدد من الإعلاميين وأفراد سرية حرس رئاسة الحكومة، تطورت إلى تضارب وإصابة أحد الصحافيين برضوض. ولاقى الاعتداء على الصحافيين استنكارا من وزير الإعلام رمزي جريج ونقابة المحررين، في وقت أعلن فيه رئيس الحكومة تمام سلام طلبه من وزير الداخلية نهاد المشنوق «إجراء التحقيق اللازم لإعطاء كل ذي حق حقه».



لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.


الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

هددت الجماعة الحوثية بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنّيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، وبعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران في سياق الاصطفاف مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة طهران.

وفي ظلّ تصاعد خطاب القوى اليمنية الشرعية، التي تؤكد اقتراب معركة الحسم واستعادة الدولة من قبضة الجماعة، أعلنت إسرائيل أنها تتشاور مع واشنطن بشأن الرد على الهجمات الحوثية، رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالكثافة النارية التي تواجهها من إيران و«حزب الله».

وفي بيان متلفز، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، مساء الخميس، أن قوات جماعته نفذت «عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة»، مدعياً أن العملية جاءت «بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران و(حزب الله) في لبنان»، وأنها «حققت أهدافها بنجاح بفضل الله»، وفق قوله.

عناصر حوثية على متن عربة أمنية في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضافت الجماعة في بيانها أن «تدخلها العسكري في هذه المعركة المهمة والاستثنائية هو تدخل تدريجي»، مشيرة إلى أنها «لن تتوقف عند هذا الحد من التدخل، وستتعامل مع التطورات المقبلة وفق ما يحدده العدو من تصعيد أو تهدئة».

الهجوم الأخير يُعد الرابع منذ إعلان الحوثيين انخراطهم المباشر في المواجهة الإقليمية، في تطور يعكس تصاعد التنسيق بين أطراف المحور المدعوم من طهران، والذي يضم إلى جانب الحوثيين كلاً من «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

مشاغلة للدفاعات

كانت الجماعة الحوثية قد تبنّت، الأربعاء الماضي، هجوماً ثالثاً باتجاه إسرائيل، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن «دون تسجيل إصابات أو أضرار»، مؤكداً أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد.

ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الهجمات هو مجرد مشاغلة لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة تعدد مصادر التهديد من إيران ومن «حزب الله».

وفي أول ظهور له بعد إعلان الانخراط، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطبة مطولة، معلناً الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي والدعائي لإيران إلى «الانخراط العملياتي المباشر».

زعيم الحوثيين دعا أتباعه للتعبئة والحشد بالتوازي مع الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (أ.ب)

وأكد الحوثي أن هجمات جماعته تأتي ضمن «العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، في إشارة إلى المحور الذي تقوده إيران، زاعماً أن المواجهة الحالية «واجب يتجاوز الحدود الجغرافية»، في محاولة لإضفاء طابع عابر للحدود على الصراع.

كما دافع عن قرار المشاركة في الحرب إلى جانب إيران، معتبراً أن الحياد «ليس خياراً مطروحاً»، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل اليمن من تداعيات هذا التصعيد على الأوضاع الاقتصادية والأمنية الهشة.

وشدد الحوثي على أتباعه من أجل الاستمرار في المظاهرات الأسبوعية المؤيدة لإيران والانخراط في الحرب إلى جانبها، كما حضّهم على تكثيف التعبئة وحشد طلبة المدارس إلى المعسكرات الصيفية؛ حيث تستغلها الجماعة بشكل سنوي لمزيد من الاستقطاب والتجنيد.

اقتراب الحسم

على الجانب الآخر، جاءت أحدث تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، لتأكيد أن «معركة الخلاص من الانقلاب الحوثي باتت قريبة، وأن القوات الوطنية كافة ستخوضها بروح الفريق الواحد واليد الواحدة».

تصريحات صالح -نقلها الإعلام الرسمي- جاءت خلال زيارته قيادة وأفراد اللواء الثاني مغاوير، في الساحل الغربي اليمني؛ حيث أشاد بالدور البطولي للمقاتلين، مؤكداً أن هذه القوات «تُمثل صمام أمان الجمهورية اليمنية»، في رسالة تعكس ثقة متزايدة بقدرة القوات الحكومية على استعادة زمام المبادرة.

ولم يغفل صالح البُعد الإقليمي، إذ أشار إلى أن «الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن كشفت بوضوح أن مشروع طهران ليس إلا أداة هدم تستهدف الأمة العربية»، مؤكداً أن هذا المشروع «لم يكن يوماً موجهاً نحو إسرائيل التي اتخذتها إيران ذريعة فحسب».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (سبأ)

وفي ردٍّ مباشر على مزاعم الحوثيين، قال صالح إن الجماعة «تزعم مواجهة إسرائيل، وتسوّق اتهامات مفضوحة ضد القوى الوطنية... لإيجاد مبرر لقتل اليمنيين»، مذكّراً بأن الحرب ضدها بدأت منذ عام 2004، «أي قبل وقت طويل من التجاذبات الإقليمية».

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني تحيةً إلى مواطنيه في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من معركة الخلاص الوطني المقبلة»، في خطاب يجمع بين البُعدين العسكري والوطني، ويعكس حرصاً على توحيد الصف الداخلي.

وشدد صالح على رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف التدريب، استعداداً «للمهام الوطنية المقبلة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية»، في إشارة إلى مرحلة قد تكون مفصلية في مسار الصراع اليمني، خصوصاً إذا ما اختار الحوثيون العودة للحرب ورفض المسارات السلمية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.