«الأجندات الخاصة» تفاقم التوتر بين اللبنانيين والنازحين السوريين

سيول تغرق مخيماً للنازحين السوريين في لبنان (أ.ب)
سيول تغرق مخيماً للنازحين السوريين في لبنان (أ.ب)
TT

«الأجندات الخاصة» تفاقم التوتر بين اللبنانيين والنازحين السوريين

سيول تغرق مخيماً للنازحين السوريين في لبنان (أ.ب)
سيول تغرق مخيماً للنازحين السوريين في لبنان (أ.ب)

شغل مقطع فيديو تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي، مطلع الأسبوع الماضي، الرأي العام اللبناني، بإظهاره ملثمين يعتدون بالضرب على نازحين سوريين في بلدة عرسال في البقاع الشمالي، وتحطيم ممتلكاتهم، وذلك بعد إطلاق دعوات عبر الإنترنت للتظاهر ضدهم.
ويقيم في عرسال أكثر من 60 ألف سوري موزعين على 126 مخيماً، في ظل ظروف معيشية قاسية تفاقمت حدتها مع الشتاء والثلج والعواصف، وفي ظل أحداث دامية ربطت وجودهم بالإرهاب «الداعشي» المسؤول عن خطف جنود لبنانيين وإعدامهم، واتهام أهالي البلدة بالتطرف لحضنهم هؤلاء اللاجئين.
يقول أحد النازحين السوريين في عرسال، في اتصال مع «الشرق الأوسط»، إن «العواصف الطبيعية التي دمرت مخيماتنا تبقى أرحم من العواصف الأمنية والمخابراتية التي تلاحقنا. نشعر أننا لا نزال تحت رحمة النظام السوري. لم يعد أحدنا يشعر بالأمان. حيناً يتهموننا بالإرهاب، وحيناً نحن نضارب على اللبنانيين ونسرق لهم أرزاقهم. وكأنه لا يكفي ما حل بنا. لا نعرف مصيرنا ومصير أبنائنا. فالمخيمات السورية في عرسال تشهد اقتحامات مستمرة من قبل (حزب الله) والجيش الذي يسيطر عليه (الحزب)، لينفذ حملات اعتقالات تطال العشرات من الشباب. وقبل سنوات قُتل البعض منا تحت التعذيب. ولم يتحرك أحد لينصفنا».
يوافق أحد سكان عرسال من آل الحجيري على أن بلدته أصبحت مفتوحة على مشروعات مخابراتية معروفة - مجهولة، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، ويضيف: «كأن اللعنة نزلت على بلدتنا. نحن ندفع غالياً ضريبة الحرب في سوريا. زرعوا بيننا متطرفين وعملاء للنظام ولـ(حزب الله)، وشوّهوا صورتنا. لم نعد نميز بين اللاجئ العادي والمدسوس لتنفيذ مخططات تؤذي تداعياتها البلدة المنكوبة أصلاً».
وإذ يقر العرسالي بأن سوق البلدة أصبحت خاضعة لجهات «سورية - لبنانية» تتحكم فيها وتفرض «الخوات»، وتستقوي على كل من لا يخضع لقوى الأمر الواقع، يشدد على أن أهالي البلدة لا يريدون تشنجات بينهم وبين القرى المحيطة بهم من جهة، وبينهم وبين اللاجئين السوريين من جهة أخرى، متمنياً أن يعود السوريون إلى بلادهم. ويقول: «نرثي لحالهم، لكن ليس على حسابنا».

«حزب الله» يؤيد عودة قسرية
يقول المحامي والناشط نبيل الحلبي لـ«الشرق الأوسط»، «ما حصل في عرسال أدانه المجتمع العرسالي. فقد عمدت جهات إلى دفع شباب ملثمين ليوقعوا بين الأهالي واللاجئين السوريين. والهدف دفع هؤلاء إلى العودة القسرية ومغادرة عرسال ورميهم في حضن النظام السوري ليجندهم ويرغمهم على قتل المزيد من أبناء الشعب».
ويضع الحلبي ما حصل في عرسال في خانة تنفيذ مخططات النظام السوري و«حزب الله». ويضيف: «عملياً (حزب الله) يحتل المناطق التي تهجر منها سوريو عرسال، تحديداً القصير والقلمون. وهو يريد تكريس هذا الاحتلال»، ويورد مَثَل الوجود التركي الذي يتعايش مع السوريين في شمال سوريا. ويقول: «يرغب (حزب الله) في أن يفرض نموذج هذا التعايش على أهالي المناطق التي يحتلها وتحيط بحدود لبنان الشرقية. ويريد أن يفرض على هؤلاء الهاربين منه التطبيع معه في مناطقهم وحياتهم اليومية، أي تكريس احتلاله بحيث يفرض نفسه أمراً واقعاً عندما تتحول المطالبات الدولية برحيله ورحيل الإيرانيين من سوريا إلى التفعيل، لا يمكنه ذلك إذا بقي اللاجئون خارج سوريا، يريد أن ينهي ملفهم على طريقته».
ويؤكد الحلبي أن «العلاقة جيدة بين العرساليين واللاجئين السوريين، كما هي جيدة بين أهالي البقاع عامة وهؤلاء اللاجئين». واستشهد بتعرض مخيمات السوريين للغرق خلال العواصف التي أغرقت هذه المخيمات وجرفتها مطلع العام الحالي، ومسارعة اللبنانيين إلى مساعدتهم وإنقاذهم واستضافتهم في بيوتهم.
ويوضح الحلبي أن «قوى الأمن ألقت القبض على بعض الملثمين الذين حاولوا إخفاء هويتهم ودوافعهم، كما أن التحقيق جارٍ لكشف مواقع التحريض الإلكترونية الوهمية والتحريضية التي تعمل لبث التفرقة المذهبية والكراهية التي رافقت التحرك المشبوه في عرسال».
ولا يعتبر الحلبي، أن التشنج في مناطق اللجوء السوري سببه منافسة السوريين للبنانيين في العمل، ويقول: «لبنان لا يعترف بهؤلاء على أنهم لاجئون، فهو لم يوقع على الاتفاقية الخاصة باللجوء، بالتالي هو ممر لهؤلاء اللاجئين بانتظار أن تحل المفوضية العليا لشؤون اللاجئين والتابعة للأمم المتحدة قضيتهم، إما بالعودة الآمنة والطوعية، أو بتوطينهم في دول أخرى.

منافسة اللبنانيين
حالات التوتر بين النازحين السوريين والمجتمعات اللبنانية المضيفة لا تقتصر على عرسال، وتتراوح بين الشحن الطائفي أو الاقتصادي - الاجتماعي. ويقول علي، وهو سوري يعمل مزارعاً في محيط بلدة رياق البقاعية، لـ«الشرق الأوسط»: «أعمل في لبنان منذ 15 عاماً. لكن الظروف اختلفت عما كانت عليه قبل العام 2011. أسمع كثيراً من يطالبني بالعودة إلى سوريا. أصمت خوفاً من خسارتي عملي. كنت أقيم في تجمع للسوريين وأدفع بدل إيجار مقبولاً لكن الجيش رحلنا، ولا نعلم السبب. إيجارات البيوت ارتفعت بشكل جنوني وفرص العمل تتراجع، وكذلك رواتبنا. والمنافسة ليست لبنانية - سورية، بل هي سورية - سورية. من كان يدفع لنا عشرين دولاراً بدل يوم عمل من الصباح إلى المساء، يجد من يقبل بعشرة دولارات حالياً. إيجار بيتي المؤلف من غرفتين يبلغ 150 دولاراً. ومساعدة مفوضية الأمم المتحدة توقفت. والجمعيات لم تعد تسدد بدل النقل ليصل أولادنا إلى المدارس. إقامتي غير شرعية لأن تكاليفها مرتفعة وتقارب 800 دولار، إضافة إلى أن من يقبل بكفالتي يشترط حصوله على 200 دولار سلفاً. وأنا لا أملك المال».
ويقول الناشط فؤاد مكحل من البقاع الأوسط لـ«الشرق الأوسط»، «نال البقاع النصيب الأوفر من اللاجئين السوريين. ويعيش معظمهم في مخيمات تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الكريمة. وعلى الرغم من أن بعض الجمعيات الإنسانية والأمم المتحدة تمد اللاجئين بمساعدات مالية وعينية، غير أنها تبقى غير كافية لهم، ما دفع الكثير من هؤلاء إلى منافسة العمال اللبنانيين، وذلك بسبب الأجور الزهيدة التي يقبلون بها. وفتح البعض منهم محلات تجارية تنافس أصحاب المهن من اللبنانيين، ما دفع بعض سكان القرى إلى التململ منهم».
ويضيف مكحل: «غالبية العمال اللبنانيين يعانون من نقص في فرص العمل، وكون العامل اللبناني لا يحصل على أي خدمات من أي جمعيات. والأحداث التي شهدتها منطقة عرسال قبل فترة خير دليل على واقعنا من حالة النزوح. ومن الجدير ذكره أن كثرة الولادات عند السوريين خلقت هاجساً يقض مضاجع اللبنانيين».

غياب سياسة موحدة
مصطفى الذي يعمل ناطوراً لأحد الأبنية في جبل لبنان، ينتفض غاضباً لدى طرح مسألة الولادات، ويهدد بترك العمل، وإن كان لا ينفذ تهديده، وكأنه بذلك يحاول استلحاق بعض من كرامة يعتبر أنها تهدر عندما يتذمر الساكنون من أولاده. ويقول إن «اللبنانيين عنصريون ويستسهلون توبيخه وإهانته والتذمر من إنجابه ثلاثة أطفال. ويقسم أنه سيعود إلى منزله الأوسع من منازل من يخدمهم. لكن ليس إن كان هو وزوجته وأولاده سيموتون إذا عادوا».
ويقول الخبير في السياسات العامة واللاجئين الدكتور زياد الصائغ لـ«الشرق الأوسط»، «طالت أزمة اللجوء السوري إلى لبنان. ودخلت في عامها الثامن. لم يوفق لبنان بسبب الاشتباك السياسي في إقرار سياسة عامة موحدة لإدارة الأزمة. الدول المانحة لهيئات الأمم المتحدة التي تعنى باللاجئين، كما منظمات المجتمع المدني الدولية والمحلية تشعر بالتعب. التقديمات تراجعت، ولا يزال مؤتمر (سيدر) المعني بدعم إعادة إطلاق الدورة الاقتصادية في المجتمعات المضيفة، خصوصاً معطلاً».
ولا ينفي الصائغ أن «توتراً مطلوباً تنفذ أجندته بعض القوى السياسية لغايات ومصالح خاصة ضيقة. ويبدو أن هؤلاء لم يتعلموا من التجربة اللبنانية - الفلسطينية. وغياب سياسة عامة موحدة، وعدم تلاقي اللجنة الوزارية على إنجاز موقف موحد جعل مسار التعبيرات اللفظية المستخدمة كثيفة التشنج».
عن هذه الأجندة، يقول الصائغ: «أخاف أن يؤدي عدم ضبط مسار السياسة العامة لإدارة ملف اللجوء السوري وإدارة ملف العودة، إلى استخدام هاتين الإدارتين الغائبتين في مسار شعبوي ديماغوغي ارتجالي، ونكون دخلنا في نفق شحن ومواجهات لا أدري كيف يتم ضبطها».
في البحث عن الحلول، يقول الصائغ: «لا بد من أن تؤدي البلديات واتحاداتها دوراً أساسياً في ضبط وجود اللاجئين السوريين ضمن نطاقاتها الجغرافية، وتطبيق قانون العمل، ومن ثم دعوة الجهات المانحة لدعم المجتمعات المضيفة الموجوعة. قد يشكِّل الأمر حلاً على المدى القريب، لكن الحل الجذري يكمن بوقف الحرب المأساوية في سوريا، وتأمين عودة طوعية وكريمة وآمنة للاجئين بضمانات أممية وعربية. وبموازاة ذلك يجب فهم الذاكرة اللبنانية المجروحة والذاكرة السورية الموجوعة والعمل الهادئ لترميم هاتين الذاكرتين، وإلا سنكون أمام تعقيدات مدمرة».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.