مهمتان فضائيتان جريئتان للعودة بغبار الكويكبات إلى الأرض

عينات كونية تتيح للعلماء التعرف على بداية النظام الشمسي وأصل الحياة

مهمتان فضائيتان جريئتان للعودة بغبار الكويكبات إلى الأرض
TT

مهمتان فضائيتان جريئتان للعودة بغبار الكويكبات إلى الأرض

مهمتان فضائيتان جريئتان للعودة بغبار الكويكبات إلى الأرض

تسعى اليابان والولايات المتحدة إلى الحصول على عينات من كويكبات عريقة في القدم للتعرف على أصل نشوء الكون.
في اليابان رحّب العالم شوغو تاشيبانا بالكويكب «ريوغو» Ryugu، فقد أمضى عالم الكيمياء الكونية من جامعة طوكيو عشر سنوات يساعد في تصميم مهمة للهبوط على سطحه. وللهبوط بسلام، تحتاج سفينة «هيابوسا 2» إلى العثور على مساحات واسعة ومسطحة من الغبار الناعم على الكويكب. ولكن في السابع والعشرين من يونيو (حزيران) الماضي، وعندما بلغت المركبة أخيراً هدفها بعد رحلة امتدّت لثلاث سنوات ونصف، أصيب العالم تاشيبانا بالصدمة عندما علم أنّ «ريوغو» مغطّى بصخور ذات حجم هائل. ويقول تاشيبانا: «لا يمكننا العثور على مكان آمن مائة في المائة للهبوط. يبدو أن هذا الكويكب مكان خطير».

دراسة الكويكبات
في حال نجحت «هيابوسا» في التعامل مع هذه الصخور، وأي تحديات أخرى قد تطرأ، فإنها ستصبح السفينة الثانية التي تعود بأجزاء من كويكب إلى سطح الأرض، وقد تتمكّن هذه البعثة من الإجابة على أسئلة لم تستطع بعثات سابقة الإجابة عليها. وكانت بعثة «هيابوسا» الأولى قد زارت كويكباً مغطى بالصخور والرمال يعرف باسم «إيتوكاوا» Itokawa عام 2015. ولكن المشكلة في ذلك الكويكب كانت أن تركيبته الكيميائية غير مناسبة للإجابة على أسئلة كبيرة ومهمة حول نوع الحياة التي يناسبها كويكب «ريوغو» الغني بالكربون. وكانت «هيابوسا» قد عانت أيضاً من مشاكل عديدة تسببت في تأخير عودتها إلى الأرض لسنوات مع كمية أقلّ من ألفي ذرّة من تراب الكويكب.
ولكنّ تاشيبانا وزملاءه من وكالة استكشاف الفضاء اليابانية (جاكسا) يعوّلون على «هيابوسا 2» للعودة بعينات من سطح «ريوغو» إلى الأرض عام 2020. وفي حال نجحت خطّتهم الطموحة التي تقضي بتفجير فوهة بركان على الكويكب، ستعود المركبة ببعض العينات الترابية منها أيضاً.
في المقابل، وصلت بعثة مشابهة لـ«هيابوسا 2» تابعة لوكالة الفضاء الأميركية «ناسا» تحمل اسم «أوزيريس - ريكس»OSIRIS - Rex) ) إلى كويكب اسمه «بينو» Bennu في ديسمبر (كانون الأول) ومن المقرر أن تعود بعينات منه عام 2023.
تواجه المركبتان الفضائيتان تحديات منهكة، إذ يتوجب على كليهما البحث عن أجسام قليلة الجاذبية ومعرّضة للخروج عن مدارها بفعل أشعة الشمس. وفي حال نجحتا في أخذ عينات التراب المطلوبة، عليهما الحفاظ عليها كما هي خلال رحلة عودتهما إلى الأرض. وللحصول على أفضل النتائج من البعثتين، يعمل الفريقان الياباني والأميركي سوية متجاوزين الانقسامات الثقافية والبيروقراطية.

أجرام سماوية قديمة
ولكنّ البعثتين تستحقان عناء الشكوك والقلق المحيطة بهما. إذ إنّ كويكبي «ريوغو» و«بينو» يعتبران من أقدم الأجسام وأكثرها إثارة للاهتمام في النظام الشمسي، وقد يحملان إجابات على أهمّ الأسئلة الكونية: مم كان يتألف هذا الكون قبل تكوّن الكواكب؟ ما هي جذور الحياة؟ وما هو حجم المخاطر التي ترتّبها الكويكبات على الحياة على الأرض اليوم؟
يملك علماء الكواكب اليوم عشرات آلاف قطع الكويكبات لدراستها، في ظلّ هبوط النيازك بالمئات سنوياً على كوكبنا، بما تحمله للعلماء من مواد وفيرة لتحليلها ومعاينتها للحصول على أدلّة حول تاريخ النظام الشمسي.
أمضى دانتي لوريتا، المحقق الرئيسي في بعثة «أوزيريس - ريكس»، من جامعة أريزونا في تاكسون، القسم الأوّل من حياته المهنية وهو يحاول الاستفادة من النيازك لتبيان ما إذا كانت بداية الذرّات الحياتية الأساسية كالأحماض النووية والأحماض الأمينية والفوسفور، أي المكونات الأساسية للحمض النووي، تعود إلى الكويكبات الغنية بالكربون كـ«ريوغو» و«بينو».
ويُعتقد أنّ الكويكبات الغنية بالكربون لم تتغيّر بمعظمها منذ تكوّنها أي قبل 4.6 مليار سنة على الأقلّ، مما يجعلها كبسولات زمنية مثالية. وقد تساهم بضع حبّات من هذه الكويكبات في الكشف عن تكوين النظام الشمسي في بداياته.
وترجّح بعض دراسات الكويكبات التي أجريت عن مسافات بعيدة أنّ المكوّنات الحياتية الخام، وربّما حتى التفاعلات الكيميائية الضرورية لبداية الحياة، كانت موجودة على الكويكبات الغنية بالكربون قبل اكتمال نموّ الكواكب حتى.
يقول لوريتا في حديث نقلته مجلة «ساينس نيوز»: «نظنّ أنّ كويكباً كهذا قد أوصل هذه المواد الأساسية إلى سطح الأرض في بداية تكوّنها، وأمّن البذور أو اللبنات الأساسية لنشوء الحياة. وفي حال تمكّنا من إثبات ظهور بشائر الحياة قبل تكوّن كوكب الأرض، لا شكّ في أن فرضية وجود حياة أخرى في النظام الشمسي ستتعزز بشكل كبير».
لكنّ دراسة النيازك للتحقيق في هذه الفرضية غير مجدٍ لسببين: الأول هو أنّه يصعب تحديد مصدرها والثاني هو وصولها ملوّثة إلى الأرض، إذ إنّ الصخور الفضائية تبدأ بمراكمة مؤشرات الحياة الأرضية فور سقوطها على كوكبنا. لهذا السبب، يمكن لأي مركّب عضوي مهم موجود على النيزك أن يكون مصدره الأرض، وليس وليداً على الكوكب، الأمر الذي لا يمكن التثبّت من حقيقته. ويقول لوريتا: «نحن بحاجة إلى عينات من كويكبات غنية بالكربون للإجابة عن هذه الأسئلة التي أطرحها».

استخلاص العينات
إن الوصول إلى أصل بداية النظام الشمسي، وربّما أصل بداية الحياة، يجعل من إحضار عينات نظيفة ومختارة بعناية من الكويكبات إلى المختبرات الأرضية أمراً ضرورياً. ولكنّ السفينة الفضائية لا يمكنها الحفر بالمجرفة، وبالطبع، لا يمكنها التقاط صخرة بواسطة مخلب كما يحصل في الألعاب الإلكترونية.
الكويكبات صغيرة جداً، إذ يمتد «ريوغو» إلى 800 متر من القطب إلى القطب، بينما يبلغ امتداد «بينو» نحو 510 أمتار، وجاذبيتهما ضعيفة إلى درجة أنّ الوصول إليهما ومحاولة التقاط شيء منهما قد يسحب السفينة خارج مسار الكويكب.
لذا بدل الحفر والالتقاط، ستتصل المركبة بالكويكب بواسطة أنابيب تشبه أنابيب الشفط، سواء للهبوط على سطحه لفترة قصيرة أو للتجوّل في أجوائه. هذه المحاولة الصعبة تمّت تجربتها مرّة واحدة قبلاً، وكانت أشبه بكارثة.
وقد كان من المفترض بمركبة «هيابوسا» الأولى أن تستخدم عجلاتها الثلاث الطائرة لتأمين توازنها أثناء تجوّلها بالقرب من سطح «إيتوكاوا»، ونشر مجموعة من الأنابيب لملامسة السطح وإطلاق رصاصة صغيرة في قلب الأنبوب لتحريك ذرّات التراب، ودفعها نحو رأس الأنبوب لتدخل في علبة معقّمة مخصصة للتخزين خلال رحلة العودة إلى الأرض.
ولكنّ الأمور اتجهت نحو الأسوأ... فقبل وصول «هيابوسا» إلى الكويكب، حصل أكبر توهّج شمسي تمّ تسجيله حتى اليوم، وأتلف ألواح المركبة الشمسية وواحداً من محركاتها، مما أبطّا حركتها وأخّر زيارتها للكويكب ثلاثة أشهر.
بعد الهبوط على «إيتوكاوا»، فشلت اثنتان من عجلات المركبة في الفتح، مما صعّب على المركبة تحقيق توازنها. كما فوّتت عربة جوالة أطلقتها «هيابوسا» وظيفتها الهبوط على سطح الكويكب وقياس تركيبته، نقطة هبوطها وطافت في الفضاء. أمّا الرصاصة التي تستهدف تحريك التراب، فلم تشتعل، لذا لم يتضح في البداية ما إذا كانت السفينة استطاعت الحصول على أي عينات. كما تعطّلت محركات السفينة الأربعة واحداً بعد الآخر في رحلة العودة، مما أجبر «هيابوسا» على سلوك طريق طويلة نحو الأرض. ويقول ماكوتو يوشيكاوا، مدير البعثتين «هيابوسا 1 و2» من «جاكسا» إنّ الأولى انطوت على مشاكل كبيرة.
ولكنّ مع كلّ الأحداث السيئة التي واجهتها «هيابوسا»، كانت نهايتها سعيدة. فعلى عكس كلّ التوقعات، عادت المركبة إلى الأرض عام 2010 وهي تحمل 1534 ذرّة تراب من «إيتوكاوا».

تصاميم أفضل
> «هيابوسا 2». تعلّم مخططو البعثة الجديدة من الهفوات التي حصلت في الأولى. وتملك «هيابوسا 2» اليوم أربع عجلات طائرة، ومحركات ذات فعالية عالية، ونظام تواصل أكبر لإرسال بيانات أكثر ستساعد العلماء في وضع خطط أفضل لجمع العينات. أمّا أنبوب الجمع، فهو اليوم مصمم بأسنان في رأسه لرفع الحصى إلى داخله حتى ولو لم تشتعل الرصاصة. وفي سبتمبر (أيلول) ، أنزلت «هيابوسا 2» ثلاث سفن هبوط صغيرة على سطح «ريوغو» لجمع البيانات حول تركيبة الكويكب ودرجة حرارته وخصائصه المغنطيسية.
> «أوزيريس - ريكس». وبتدابير وقائية مشابهة، ستعمد سفينة «أوزيريس - ريكس» إلى جمع عينة من «بينو»، وستهبط على سطح الكويكب لمدّة قصيرة. يقول لوريتا: «ستكون العملية عبارة عن خمس ثوانٍ من الاحتكاك: الحصول على العينة والخروج من هناك».
تحمل آلية «الهبوط السريع ثمّ الإقلاع لاستحواذ العينات»TAGSAM) ) التي ستعتمدها مركبة «أوزيريس - ريكس» طائر على محرك نتروجين نفاث يوضع في نهاية ذراع آلية. وعندما تلمس هذه الذراع سطح «بينو»، ستطلق دفعة من غاز النيتروجين لإحداث تموجات على سطح الكويكب كفيلة بنفخ الدقائق إلى داخل أنبوب جمع العينات، الذي يأتي مغطى بالفولاذ الصلب لالتقاط التراب الموجود على السطح عند الاحتكاك.
تعفي استراتيجية الوصول البعيد المركبة من جلبة التعلّق بالكويكب، ولكنّها أيضاً تنطوي على مشكلتها الخاصة، إذ لا أحد يعلم كيف سيتفاعل التراب الناعم عندما يُنفخ في جاذبية منخفضة. يفتح هذا الأمر الباب أمام أسئلة جديدة تقلق المهندسين. ويسأل لوريتا: «ما الذي سيحصل حقاً عندما يحتك سطح الكويكب بمنطقة مجهولة الخصائص الفيزيائية؟» مضيفاً: «أظنّ أنّ السطح سيكون أشبه بسائل. إنّه مشهد غريب حقاً».


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.


«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد
TT

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

يُعدّ مبنى الحياة والعقل الجديد بجامعة أكسفورد Life and Mind Building (LaMB)، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مثالاً بارزاً على التصميم المبتكر الذي يدمج بين الهندسة المعمارية والاستدامة وعلم الأعصاب.

مبنى بتصميم رمزي

يضمّ هذا المختبر، الذي تبلغ مساحته 269000 قدم مربعة (24991 متراً مربعاً)، وهو الأكبر في الحرم الجامعي، قسمي علم النفس التجريبي وعلم الأحياء، ليُشكّل مركزاً للبحوث المتطورة في علوم الدماغ وعلم الحيوان وعلوم النبات. إلا أن تصميم المبنى يتضمن تفصيلاً خفياً مثيراً للاهتمام: فواجهته، المصنوعة من الخرسانة ذات السطح المتموج، تقدم في الواقع رموزاً لمسح دماغي لإحدى الباحثات من أكسفورد.

لا يقتصر هذا العنصر التصميمي على الجانب الجمالي فحسب، بل يخدم غرضاً رمزياً أعمق. فقد استُمدّ نسيج واجهة المبنى الخارجية من مسح دماغ «سيج بوتشر»، الطالبة في قسم علم النفس التجريبي، وهو المسح الذي أُجري في أثناء تخيّلها لمستقبل مبنى الحياة والعقل. وقد سُجّل نشاط دماغها في لحظة وجيزة، مدتها ثانيتان، ما أسفر عن نمط موجي جيبي فريد نُحت لاحقاً على ألواح حجرية. وتُرمز التموجات في خرسانة المبنى إلى الأفكار الإيجابية، وتُنشئ صلةً مباشرةً بين وظيفة المبنى ومجال علم الأعصاب.

أكّد المهندسون المعماريون في شركة «إن بي بي جيه»، المسؤولة عن تصميم المبنى، على أهمية الاستدامة، فاختاروا مواد متينة كالخرسانة والحجر والمعادن، قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن، وهو أمر بالغ الأهمية لجامعة عمرها قرابة ألف عام.

وكان الهدف هو إنشاء مبنى يُكمّل حرم جامعة أكسفورد التاريخي، مع تقديم تصميم عصري وجذاب بصرياً. ويعكس تضمين واجهة المبنى لصورة مسح الدماغ، إلى جانب المواد المتينة المستخدمة، هذا الالتزام بالخلود.

مختبرات مستدامة

وإلى جانب جاذبيته الجمالية، يُرسي المبنى معياراً جديداً لتصميم المختبرات المستدامة. فالمختبرات عادةً ما تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، مع متطلبات عالية للتحكم في المناخ للحفاظ على ظروف التجارب. ونظراً لأن المختبرات تستهلك ما يصل إلى عشرة أضعاف الطاقة التي يستهلكها مكتب عادي، فقد صُمم المبنى مع مراعاة هذا التحدي.

يتميز المبنى بنظام تغليف محكم الإغلاق يجمع بين ألواح خرسانية وعزل حراري ونوافذ ثلاثية الزجاج وتفاصيل دقيقة لتقليل فقدان الطاقة إلى أدنى حد. كما يساهم استخدام أنظمة تهوية متطورة وألواح شمسية وردهة مركزية لزيادة الإضاءة الطبيعية في خفض استهلاك الطاقة. ونتيجةً لهذه الابتكارات، ينبعث من المبنى نحو 40 في المائة أقل من انبعاثات الكربون مقارنةً بمبنى مختبر تقليدي من الحجم نفسه.

وبشكل عام، يُعدّ مبنى «لايف آند مايند» إنجازاً بارزاً في مجال العمارة المستدامة، إذ يرتقي بمستوى ما يمكن أن تحققه مرافق البحث الجامعية من حيث المسؤولية البيئية والقيمة الجمالية. ولا يقتصر دور «لايف آند مايند» على تلبية احتياجات الباحثين فحسب، بل يرسي أيضاً معياراً رفيعاً لمباني العلوم المستقبلية، سواء في أكسفورد أو على مستوى العالم، في ظل تزايد تركيز الجامعات على الاستدامة في مبانيها الجديدة.