مهمتان فضائيتان جريئتان للعودة بغبار الكويكبات إلى الأرض

عينات كونية تتيح للعلماء التعرف على بداية النظام الشمسي وأصل الحياة

مهمتان فضائيتان جريئتان للعودة بغبار الكويكبات إلى الأرض
TT

مهمتان فضائيتان جريئتان للعودة بغبار الكويكبات إلى الأرض

مهمتان فضائيتان جريئتان للعودة بغبار الكويكبات إلى الأرض

تسعى اليابان والولايات المتحدة إلى الحصول على عينات من كويكبات عريقة في القدم للتعرف على أصل نشوء الكون.
في اليابان رحّب العالم شوغو تاشيبانا بالكويكب «ريوغو» Ryugu، فقد أمضى عالم الكيمياء الكونية من جامعة طوكيو عشر سنوات يساعد في تصميم مهمة للهبوط على سطحه. وللهبوط بسلام، تحتاج سفينة «هيابوسا 2» إلى العثور على مساحات واسعة ومسطحة من الغبار الناعم على الكويكب. ولكن في السابع والعشرين من يونيو (حزيران) الماضي، وعندما بلغت المركبة أخيراً هدفها بعد رحلة امتدّت لثلاث سنوات ونصف، أصيب العالم تاشيبانا بالصدمة عندما علم أنّ «ريوغو» مغطّى بصخور ذات حجم هائل. ويقول تاشيبانا: «لا يمكننا العثور على مكان آمن مائة في المائة للهبوط. يبدو أن هذا الكويكب مكان خطير».

دراسة الكويكبات
في حال نجحت «هيابوسا» في التعامل مع هذه الصخور، وأي تحديات أخرى قد تطرأ، فإنها ستصبح السفينة الثانية التي تعود بأجزاء من كويكب إلى سطح الأرض، وقد تتمكّن هذه البعثة من الإجابة على أسئلة لم تستطع بعثات سابقة الإجابة عليها. وكانت بعثة «هيابوسا» الأولى قد زارت كويكباً مغطى بالصخور والرمال يعرف باسم «إيتوكاوا» Itokawa عام 2015. ولكن المشكلة في ذلك الكويكب كانت أن تركيبته الكيميائية غير مناسبة للإجابة على أسئلة كبيرة ومهمة حول نوع الحياة التي يناسبها كويكب «ريوغو» الغني بالكربون. وكانت «هيابوسا» قد عانت أيضاً من مشاكل عديدة تسببت في تأخير عودتها إلى الأرض لسنوات مع كمية أقلّ من ألفي ذرّة من تراب الكويكب.
ولكنّ تاشيبانا وزملاءه من وكالة استكشاف الفضاء اليابانية (جاكسا) يعوّلون على «هيابوسا 2» للعودة بعينات من سطح «ريوغو» إلى الأرض عام 2020. وفي حال نجحت خطّتهم الطموحة التي تقضي بتفجير فوهة بركان على الكويكب، ستعود المركبة ببعض العينات الترابية منها أيضاً.
في المقابل، وصلت بعثة مشابهة لـ«هيابوسا 2» تابعة لوكالة الفضاء الأميركية «ناسا» تحمل اسم «أوزيريس - ريكس»OSIRIS - Rex) ) إلى كويكب اسمه «بينو» Bennu في ديسمبر (كانون الأول) ومن المقرر أن تعود بعينات منه عام 2023.
تواجه المركبتان الفضائيتان تحديات منهكة، إذ يتوجب على كليهما البحث عن أجسام قليلة الجاذبية ومعرّضة للخروج عن مدارها بفعل أشعة الشمس. وفي حال نجحتا في أخذ عينات التراب المطلوبة، عليهما الحفاظ عليها كما هي خلال رحلة عودتهما إلى الأرض. وللحصول على أفضل النتائج من البعثتين، يعمل الفريقان الياباني والأميركي سوية متجاوزين الانقسامات الثقافية والبيروقراطية.

أجرام سماوية قديمة
ولكنّ البعثتين تستحقان عناء الشكوك والقلق المحيطة بهما. إذ إنّ كويكبي «ريوغو» و«بينو» يعتبران من أقدم الأجسام وأكثرها إثارة للاهتمام في النظام الشمسي، وقد يحملان إجابات على أهمّ الأسئلة الكونية: مم كان يتألف هذا الكون قبل تكوّن الكواكب؟ ما هي جذور الحياة؟ وما هو حجم المخاطر التي ترتّبها الكويكبات على الحياة على الأرض اليوم؟
يملك علماء الكواكب اليوم عشرات آلاف قطع الكويكبات لدراستها، في ظلّ هبوط النيازك بالمئات سنوياً على كوكبنا، بما تحمله للعلماء من مواد وفيرة لتحليلها ومعاينتها للحصول على أدلّة حول تاريخ النظام الشمسي.
أمضى دانتي لوريتا، المحقق الرئيسي في بعثة «أوزيريس - ريكس»، من جامعة أريزونا في تاكسون، القسم الأوّل من حياته المهنية وهو يحاول الاستفادة من النيازك لتبيان ما إذا كانت بداية الذرّات الحياتية الأساسية كالأحماض النووية والأحماض الأمينية والفوسفور، أي المكونات الأساسية للحمض النووي، تعود إلى الكويكبات الغنية بالكربون كـ«ريوغو» و«بينو».
ويُعتقد أنّ الكويكبات الغنية بالكربون لم تتغيّر بمعظمها منذ تكوّنها أي قبل 4.6 مليار سنة على الأقلّ، مما يجعلها كبسولات زمنية مثالية. وقد تساهم بضع حبّات من هذه الكويكبات في الكشف عن تكوين النظام الشمسي في بداياته.
وترجّح بعض دراسات الكويكبات التي أجريت عن مسافات بعيدة أنّ المكوّنات الحياتية الخام، وربّما حتى التفاعلات الكيميائية الضرورية لبداية الحياة، كانت موجودة على الكويكبات الغنية بالكربون قبل اكتمال نموّ الكواكب حتى.
يقول لوريتا في حديث نقلته مجلة «ساينس نيوز»: «نظنّ أنّ كويكباً كهذا قد أوصل هذه المواد الأساسية إلى سطح الأرض في بداية تكوّنها، وأمّن البذور أو اللبنات الأساسية لنشوء الحياة. وفي حال تمكّنا من إثبات ظهور بشائر الحياة قبل تكوّن كوكب الأرض، لا شكّ في أن فرضية وجود حياة أخرى في النظام الشمسي ستتعزز بشكل كبير».
لكنّ دراسة النيازك للتحقيق في هذه الفرضية غير مجدٍ لسببين: الأول هو أنّه يصعب تحديد مصدرها والثاني هو وصولها ملوّثة إلى الأرض، إذ إنّ الصخور الفضائية تبدأ بمراكمة مؤشرات الحياة الأرضية فور سقوطها على كوكبنا. لهذا السبب، يمكن لأي مركّب عضوي مهم موجود على النيزك أن يكون مصدره الأرض، وليس وليداً على الكوكب، الأمر الذي لا يمكن التثبّت من حقيقته. ويقول لوريتا: «نحن بحاجة إلى عينات من كويكبات غنية بالكربون للإجابة عن هذه الأسئلة التي أطرحها».

استخلاص العينات
إن الوصول إلى أصل بداية النظام الشمسي، وربّما أصل بداية الحياة، يجعل من إحضار عينات نظيفة ومختارة بعناية من الكويكبات إلى المختبرات الأرضية أمراً ضرورياً. ولكنّ السفينة الفضائية لا يمكنها الحفر بالمجرفة، وبالطبع، لا يمكنها التقاط صخرة بواسطة مخلب كما يحصل في الألعاب الإلكترونية.
الكويكبات صغيرة جداً، إذ يمتد «ريوغو» إلى 800 متر من القطب إلى القطب، بينما يبلغ امتداد «بينو» نحو 510 أمتار، وجاذبيتهما ضعيفة إلى درجة أنّ الوصول إليهما ومحاولة التقاط شيء منهما قد يسحب السفينة خارج مسار الكويكب.
لذا بدل الحفر والالتقاط، ستتصل المركبة بالكويكب بواسطة أنابيب تشبه أنابيب الشفط، سواء للهبوط على سطحه لفترة قصيرة أو للتجوّل في أجوائه. هذه المحاولة الصعبة تمّت تجربتها مرّة واحدة قبلاً، وكانت أشبه بكارثة.
وقد كان من المفترض بمركبة «هيابوسا» الأولى أن تستخدم عجلاتها الثلاث الطائرة لتأمين توازنها أثناء تجوّلها بالقرب من سطح «إيتوكاوا»، ونشر مجموعة من الأنابيب لملامسة السطح وإطلاق رصاصة صغيرة في قلب الأنبوب لتحريك ذرّات التراب، ودفعها نحو رأس الأنبوب لتدخل في علبة معقّمة مخصصة للتخزين خلال رحلة العودة إلى الأرض.
ولكنّ الأمور اتجهت نحو الأسوأ... فقبل وصول «هيابوسا» إلى الكويكب، حصل أكبر توهّج شمسي تمّ تسجيله حتى اليوم، وأتلف ألواح المركبة الشمسية وواحداً من محركاتها، مما أبطّا حركتها وأخّر زيارتها للكويكب ثلاثة أشهر.
بعد الهبوط على «إيتوكاوا»، فشلت اثنتان من عجلات المركبة في الفتح، مما صعّب على المركبة تحقيق توازنها. كما فوّتت عربة جوالة أطلقتها «هيابوسا» وظيفتها الهبوط على سطح الكويكب وقياس تركيبته، نقطة هبوطها وطافت في الفضاء. أمّا الرصاصة التي تستهدف تحريك التراب، فلم تشتعل، لذا لم يتضح في البداية ما إذا كانت السفينة استطاعت الحصول على أي عينات. كما تعطّلت محركات السفينة الأربعة واحداً بعد الآخر في رحلة العودة، مما أجبر «هيابوسا» على سلوك طريق طويلة نحو الأرض. ويقول ماكوتو يوشيكاوا، مدير البعثتين «هيابوسا 1 و2» من «جاكسا» إنّ الأولى انطوت على مشاكل كبيرة.
ولكنّ مع كلّ الأحداث السيئة التي واجهتها «هيابوسا»، كانت نهايتها سعيدة. فعلى عكس كلّ التوقعات، عادت المركبة إلى الأرض عام 2010 وهي تحمل 1534 ذرّة تراب من «إيتوكاوا».

تصاميم أفضل
> «هيابوسا 2». تعلّم مخططو البعثة الجديدة من الهفوات التي حصلت في الأولى. وتملك «هيابوسا 2» اليوم أربع عجلات طائرة، ومحركات ذات فعالية عالية، ونظام تواصل أكبر لإرسال بيانات أكثر ستساعد العلماء في وضع خطط أفضل لجمع العينات. أمّا أنبوب الجمع، فهو اليوم مصمم بأسنان في رأسه لرفع الحصى إلى داخله حتى ولو لم تشتعل الرصاصة. وفي سبتمبر (أيلول) ، أنزلت «هيابوسا 2» ثلاث سفن هبوط صغيرة على سطح «ريوغو» لجمع البيانات حول تركيبة الكويكب ودرجة حرارته وخصائصه المغنطيسية.
> «أوزيريس - ريكس». وبتدابير وقائية مشابهة، ستعمد سفينة «أوزيريس - ريكس» إلى جمع عينة من «بينو»، وستهبط على سطح الكويكب لمدّة قصيرة. يقول لوريتا: «ستكون العملية عبارة عن خمس ثوانٍ من الاحتكاك: الحصول على العينة والخروج من هناك».
تحمل آلية «الهبوط السريع ثمّ الإقلاع لاستحواذ العينات»TAGSAM) ) التي ستعتمدها مركبة «أوزيريس - ريكس» طائر على محرك نتروجين نفاث يوضع في نهاية ذراع آلية. وعندما تلمس هذه الذراع سطح «بينو»، ستطلق دفعة من غاز النيتروجين لإحداث تموجات على سطح الكويكب كفيلة بنفخ الدقائق إلى داخل أنبوب جمع العينات، الذي يأتي مغطى بالفولاذ الصلب لالتقاط التراب الموجود على السطح عند الاحتكاك.
تعفي استراتيجية الوصول البعيد المركبة من جلبة التعلّق بالكويكب، ولكنّها أيضاً تنطوي على مشكلتها الخاصة، إذ لا أحد يعلم كيف سيتفاعل التراب الناعم عندما يُنفخ في جاذبية منخفضة. يفتح هذا الأمر الباب أمام أسئلة جديدة تقلق المهندسين. ويسأل لوريتا: «ما الذي سيحصل حقاً عندما يحتك سطح الكويكب بمنطقة مجهولة الخصائص الفيزيائية؟» مضيفاً: «أظنّ أنّ السطح سيكون أشبه بسائل. إنّه مشهد غريب حقاً».


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟
TT

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

عندما يحين وقت إجراء محادثة صعبة مع مريض يحتضر، حول تركيب أنبوب تغذية في جسمه، يتدرب الدكتور جوناثان تشين، طبيب الباطنية في جامعة ستانفورد، أولاً مع برنامج دردشة آلي. فهو يطلب من البرنامج أن يلعب دور الطبيب بينما يتقمص هو دور المريض، ثم يعكس الأدوار.

براعة الذكاء الاصطناعي الفائقة

يشعر الدكتور تشين بعدم الارتياح حيال ذلك، فبرنامج الدردشة الآلي بارعٌ في إيجاد طرق للتواصل مع المرضى. كما يعلم الأطباء أيضاً براعته في التشخيص وقراءة الصور والفحوص – بل إنه أفضل من كثير من الأطباء – وكذلك في الإجابة عن أسئلة المرضى عبر البوابات الإلكترونية وكتابة طلبات الاستئناف لشركات التأمين عند رفض دواء أو إجراء طبي.

ما هي وظيفة الطبيب؟

إذن، ما هي وظيفة الطبيب؟ يجيب تشين بأن برامج الذكاء الاصطناعي باتت تُشكل «تهديداً وجودياً» للأطباء؛ فهي «تُهدد هويتهم ورسالتهم».

ويتفق الدكتور هارلان كرومولز، طبيب القلب في جامعة ييل ومستشار برنامج OpenEvidence، وهو برنامج ذكاء اصطناعي للأطباء، مع هذا الرأي.

ويضيف كرومولز، وهو أيضاً أحد مؤسسي شركتين ناشئتين تستخدمان الذكاء الاصطناعي لتحليل الصور الطبية والبيانات الرقمية: «إن قدرة الذكاء الاصطناعي على التفكير والتشخيص تتجاوز بالفعل قدرات الأطباء».

الذكاء الاصطناعي بدأ يُغير ممارسات بعض الأطباء

وقد عمل الكثير من الأطباء الذين فكروا ملياً في دور الذكاء الاصطناعي في الطب، مع شركات متخصصة في هذا المجال. وتشين واحد من هؤلاء الأطباء، ويقول إنه والكثير من زملائه يضطرون إلى التساؤل: «متى سيحين الوقت أمامهم للتخلي عن التدخل وترك الأمور للحاسوب؟».

ويقول الباحثون إن برنامجاً مطوراً منظراً مثل «دكتور تشات بوت» Dr. Chatbot ليس جاهزاً تماماً لاستقبال المرضى الآن. لكن الذكاء الاصطناعي بدأ يُغير ممارسات بعض الأطباء ونوعية المرضى الذين يعالجونهم.

أولوية الرعاية... بيد الطبيب

يقول الدكتور روبرت كاليف، طبيب القلب بجامعة ديوك والمفوض السابق لإدارة الغذاء والدواء الأميركية، إن الذكاء الاصطناعي يتولى ما وصفه بـ«بعض الأعمال الروتينية» التي يقوم بها الأطباء حالياً، مثل تدوين ملاحظات حول زيارات المرضى. ولكن حتى مع وجود كم هائل من المعرفة الطبية في خوادمه، فقد لا يكون ذلك كافياً للسماح للروبوتات بتولي رعاية المرضى. وكان كاليف عمل لدى شركة «ألفابت» لمدة ست سنوات، ويقدم استشاراته لشركة ناشئة تستخدم الذكاء الاصطناعي لوصف الأدوية. ويضيف كاليف: «هناك كم هائل من المعلومات، إلا أن كيفية إجراء التفكير النقدي فيها أمر معقد».

رصد الحالة المرضية بدقة

من جهته، يقدم الدكتور لي شوام، طبيب الأعصاب والعميد المساعد للاستراتيجية الرقمية والتحول في كلية الطب بجامعة ييل، مثالاً على ذلك.

يقول المريض: «استيقظتُ أمس وأنا أشعر بدوار. كانت ذراعي مخدرة، وواجهتُ صعوبة في الكلام». ماذا يعني «الدوار» تحديداً؟ قد يعني أن المريض يشعر بدوار خفيف وعلى وشك الإغماء. أو قد يعني أن الغرفة تدور من حوله.

قد يكون المقصود بـ«الذراع الميتة» هو التنميل لا الضعف. قد يصف شخص مصاب بشلل جزئي في ذراعه شعوره بالتنميل. لكن المريض قد يشعر بوخزة إبرة إذا وخزه الطبيب شوام.

هل أصيب المريض بجلطة دماغية؟ هل هذه حالة طبية طارئة؟ يقول شوام إن لديه سنوات من التدريب تُساعده على تحديد المرضى، ومن لا داعي للقلق بشأنه، ومن يجب إدخاله إلى المستشفى... لقد تعلم قراءة العلامات الدقيقة واستخلاص المعلومات التي يصعب التعبير عنها بوضوح والتي نادراً ما تُدوّن.

ويضيف شوام أنه «يستطيع استخدام المنطق في ظل معلومات محدودة أو غير كاملة لاختيار التشخيصات الأكثر ترجيحاً لمزيد من التقييم، مع الموازنة بين الدقة والواقعية».

المصابون بأمراض خطيرة يحتاجون إلى تواصل إنساني

إن هذا العمل ليس من اختصاص برامج الدردشة الآلية. لذا؛ كما يقول شوام: «إنها بارعة في مطابقة الأنماط والتنبؤ... لكن لا يمكنها فعل ذلك إلا بناءً على البيانات المُعطاة لها عن المريض. ليس لديها أي وسيلة لاستخلاص تلك المعلومات بنفسها». ويضيف أن المصابين بأمراض خطيرة يحتاجون إلى تواصل إنساني. ويتابع: «في النهاية، فإنك تريد أن تنظر في عيني المريض»، وأن تشرح له ما إذا كان أمامه عشر سنوات ليعيشها أم ستة أشهر فقط.

الأدوات الذكية تخفف عمل الأطباء الاختصاصيين

لكن شوام لا يستبعد قدرات برامج الدردشة الآلية، التي يُقرّ بأنها قادرة على توسيع نطاق وصول الأطباء وتغيير بنية نظامنا الصحي. ويقول إن الذكاء الاصطناعي يتفوق بالفعل على الأطباء في بعض الحالات، مثل قراءة تخطيط كهربائية القلب. فهو قادر على تشخيص أمراض القلب من خلال رصد أنماط لا يستطيع أطباء القلب رؤيتها، والتي تتطلب عادةً إجراء تخطيط صدى القلب المكلف. وهذا يعني أن أطباء الأسرة يمكنهم الآن القيام ببعض مهام أطباء القلب.

كما يُسهم الذكاء الاصطناعي في تخفيف عبء العمل على بعض الاختصاصيين الطبيين، بحيث لا يضطر المرضى الذين يحتاجون إلى خبرتهم إلى الانتظار أسابيع أو شهوراً للحصول على موعد.

برامج لرصد أعراض الارتجاع المريئي

هذا ما يحدث بالفعل في عيادة الدكتور جون إريك باندولفينو، اختصاصي الارتجاع المرييي المعدي (GERD) في كلية فاينبرغ للطب بجامعة نورث وسترن.

كان معظم المرضى الذين يعانون أعراض ارتجاع المريء ينتظرون أسابيع للحصول على موعد معه. وأوضح أن «نسبة كبيرة من الحالات» كانت أقل خطورة ولا تتطلب رعايته.

*رصد الحالات المرضية. ابتكر باندولفينو حلاً يعتمد على الذكاء الاصطناعي أطلق عليه اسم GERDBot. يقوم النظام بفرز المرضى، وتوجيه من لا يحتاجون فعلاً إلى زيارة الطبيب إلى مقدمي رعاية صحية آخرين. والهدف هو تسريع علاج من يعانون أعراضاً أكثر خطورة.

يبدأ المرضى بالإجابة عن أسئلة النظام الآلي. ومن تظهر عليهم أعراض تشير إلى مشكلة خطيرة، يخضعون للفحص فوراً. أما الباقون، فيتلقون اتصالاً خلال أسبوع من ممرضة ممارسة أو مساعد طبيب، يُطمئنهم ويصف لهم الأدوية اللازمة، إن لزم الأمر.

ويستقبل باندولفينو، الذي رخص نموذج ذكاء اصطناعي آخر من ابتكاره لشركة الأجهزة الطبية «ميدترونيك»، الآن عدداً أقل من المرضى، لكنهم هم من يحتاجون إلى خبرته. ويقول: «معظم الناس يُقدّرون حقيقة أن علاجهم قد ابتدأ بالفعل، وحصولهم على المعلومات فوراً، وإذا لم يستجب علاجهم أو ظهرت عليهم علامات تحذيرية، فانهم يُحالون إلى الطبيب».

ويُقرّ بأن قلة قليلة تشعر بأنها تُحال إلى رعاية أقل جودة. لكن الطريقة القديمة - التي كانت تتطلب انتظاراً يصل إلى ستة أشهر للحصول على موعد - كانت أسوأ بكثير لمن يرغبون في المساعدة والطمأنينة.

* رصد الأعراض الحادة. وكانت الخطوة التالية تخفيف العبء عن المرضى الذين يعانون أعراض ارتجاع المريء الحادة. وقد طوّر باندولفينو خوارزمية ذكاء اصطناعي أطلق عليها اسم «إيزو-إنستين» Eso-Instein (Eso اختصاراً لكلمة «مريء»)، التي ستساعد اختصاصي الجهاز الهضمي الأقل تخصصاً على تحديد التشخيص الأرجح بناءً على أعراض المريض، ونتائج التنظير الداخلي، والفحوص الفيزيولوجية. ثم تُخبر الخوارزمية الطبيب بكيفية علاج المريض وتوقعات سير المرض.

ويقول باندولفينو: «في نهاية المطاف، عندما تتفوق الخوارزمية على الإنسان، سأضطر إلى البحث عن عمل آخر». ويضيف: «سيجعل الذكاء الاصطناعي أمثالي أقل أهمية تدريجياً».

كما أن خوارزمية الذكاء الاصطناعي التي ابتكرها باندولفينو قد تُتيح للاختصاصيين إحالة الكثير من مرضاهم إلى أطباء الرعاية الأولية، يُؤمل أيضاً أن تُسهم هذه الاستراتيجية نفسها في زيادة توافر أطباء الرعاية الأولية من خلال إسناد بعض مهامهم إلى ممرضين متخصصين. إذ إن هناك نقصاً حاداً في أعداد أطباء الرعاية الأولية، لا في المناطق الريفية فحسب، بل حتى في المدن الكبرى التي تضم كثيراً من المستشفيات وكليات الطب الكبيرة.

ارتقاء دور الممرضين... بفضل الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يساعد المرضى، كما قال الدكتور آدم رودمان، طبيب باطني في مركز بيث إسرائيل ديكونيس الطبي، بفرز المرضى وتمكين الممرضين الممارسين من القيام بجزء أكبر من عمل طبيب الرعاية الأولية؛ ما يتيح للطبيب معاينة المزيد من المرضى ذوي الاحتياجات المعقدة. وعندما يتعلق الأمر بالاختيار بين طبيب لا يستقبل مرضى جدداً أو طبيب يحيل المرضى إلى ممرض ممارس أو مساعد طبيب، فمن المرجح أن يتقبل المرضى هؤلاء المتخصصين الطبيين الآخرين.

مع ذلك، يُقرّ رودمان وباحثون آخرون بوجود مخاطر تتمثل في إمكانية أن تُعيد برامج الدردشة الآلية إنتاج التحيزات الموجودة بالفعل في المؤسسات الطبية. فعلى سبيل المثال، وجدت إحدى الدراسات أنها قد تُولي اهتماماً أقل لامرأة أو لشخص يرتكب أخطاءً إملائية أو نحوية.

مخاوف الخبراء من قصور النظام الطبي

تدفع هذه المخاوف بعض الخبراء إلى التحذير من عدّ الذكاء الاصطناعي حلاً سحرياً للنظام الطبي. يقول الدكتور ليو أنتوني سيلي، مدير الأبحاث السريرية في مختبر علم وظائف الأعضاء الحاسوبي بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «إن القلق الحقيقي ليس في الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في استخدامه لتحسين نظام معيب بشدة بدلاً من إعادة تصوره». ويضيف سيلي: «قد لا يُدرك مرضى اليوم مدى قصور النظام الحالي في تلبية احتياجاتهم».

وتشاركه زميلته، مرضية قاسمي من مجموعة التعلم الآلي الصحي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في مخاوف مماثلة؛ إذ قالت إن الذكاء الاصطناعي يمتلك «إمكانات هائلة»، لكن يبدو أنه يُستخدم حالياً في الغالب لزيادة أرباح الأنظمة الطبية من خلال «رفع ثمن الفواتير، واستبدال كوادر الرعاية الصحية الأولية للمرضى المحتاجين، أو الترويج للأدوية:».

وقال رودمان، إن على الأنظمة الطبية ومرضاها أن يكونوا على دراية بهذه المشكلات. وأضاف: «لكن هذا ليس سبباً للتخلي عن هذه التقنية». وهو يأمل أن يتمكن الباحثون، بفضل الذكاء الاصطناعي، من توثيق التحيزات والحد منها. أما مع البشر، الذين لديهم التحيزات نفسها، «فمن الصعب جداً التخفيف منها»، كما قال رودمان.

وأضاف رودمان أن الذكاء الاصطناعي، على الأقل في بعض المهام، سيكون أفضل من الأطباء. سيكون أكثر دقة في الالتزام بإرشادات الفحص وتقديم المشورة للمرضى بشأن عادات نومهم وغذائهم، على سبيل المثال.

آخر ما نريده: «طبيب غبي يعتمد على الذكاء الاصطناعي بالكامل»

ويعلق يقول الدكتور جيفري أ. ليندر، اختصاصي الطب الباطني في جامعة نورث وسترن. على ذلك بأن «هذه هي الجوانب الروتينية في مهنة الطب».

ويضيف: «هناك الكثير من المهام التي نقوم بها في الرعاية الصحية الأولية والتي تبدو وكأنها مجرد إجراءات شكلية». ولكنه أعرب عن قلقه من أن يعتمد بعض الأطباء بشكل مفرط على الذكاء الاصطناعي، ويقول: «آخر ما نريده هو طبيب غبي يعتمد على الذكاء الاصطناعي بشكل كامل»، حيث «أُعطّل عقلي وأترك الذكاء الاصطناعي يملي عليّ ما يجب فعله طوال الوقت».

لكن المشكلة تكمن في أنه بينما قد لا يكون الذكاء الاصطناعي مثالياً، فإن النظام الطبي الحالي ليس كذلك أيضاً. ويتضح جلياً أن دور الطبيب سيشهد تحولاً جذرياً.

الدور المهم للأطباء

لكن لا يزال للأطباء أدوار مهمة يؤدونها. ويقول ليندر: «الطب الباطني تخصصٌ يعتمد على التعامل المباشر مع المرضى. إنك تتعرف على مرضاك بمرور الوقت، وتعرف قيمهم، وتعرف عائلاتهم».

ويوافق الدكتور جوشوا شتاينبرغ، طبيب الرعاية الأولية في جامعة ولاية نيويورك الطبية في بينغهامتون، نيويورك، على ذلك. ويقول: «حتى لو قرأ الذكاء الاصطناعي جميع المراجع الطبية، سأظل أنا الخبير في حالة مرضاي». ويضيف: «أعتقد أن دورنا كأطباء قد يبدو مختلفاً بعض الشيء، لكنني سأظل جالساً على كرسي متحرك صغير، أتحدث مع المريض».

* خدمة «نيويورك تايمز»


عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية
TT

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة ستانفورد، أن التفاعلات بين جينات عدة، وليس الطفرات الجينية الفردية فقط، تلعب دوراً حاسماً في تطور بعض أمراض القلب الوراثية وتحديد شدتها. وتشير هذه النتائج إلى أن الفهم التقليدي لأمراض القلب القائم على البحث عن خلل في جين واحد، قد يكون مبسطاً أكثر مما ينبغي.

تفاعلات جينية معقَّدة

وقاد هذا البحث البروفسور إيوان آشلي، أستاذ علم الوراثة وعلوم البيانات الطبية الحيوية في كلية الطب بجامعة ستانفورد؛ حيث يركز مختبره على دراسة الكيفية التي تؤثر بها التفاعلات الجينية المعقدة في صحة الإنسان. ونُشرت الدراسة على موقع «Stanford Medicine» في 23 يناير (كانون الثاني) 2026، وقد تفتح آفاقاً جديدة في تشخيص أمراض القلب الوراثية وعلاجها.

ولطالما وُصفت أمراض القلب بأنها حالات تُورَّث داخل العائلات نتيجة خلل جيني ينتقل من الآباء إلى الأبناء. ولسنوات طويلة ركّز العلماء على الطفرات الجينية الفردية بوصفها السبب الرئيسي وراء هذه الأمراض. إلا أن هذا النهج لم يفسر سبب اختلاف شدة المرض بين أشخاص يحملون الطفرة نفسها، أو لماذا يُصاب بعضهم بالمرض بينما لا يُصاب آخرون.

ما وراء الجين الواحد

تلعب الجينات دوراً أساسياً في تحديد صفات جسدية بسيطة، مثل لون العينين أو شكل الوجه، وغالباً ما ترتبط هذه الصفات بجين واحد. ولكن الأمراض المعقدة -وعلى رأسها أمراض القلب- لا تخضع لهذه القاعدة البسيطة. فجميع البشر تقريباً يحملون تغيرات صغيرة في الحمض النووي (DNA) يُطلق على بعضها أحياناً «أخطاء مطبعية» جينية. ومعظم هذه التغيرات غير ضار؛ لكن بعضها قد يسهم في حدوث المرض.

هنا يظهر مفهوم وراثي يُعرف باسم التآثر الجيني (Epistasis) وهو يحدث عندما يتفاعل جينان أو أكثر معاً، لتغيير النتيجة النهائية لصفة جسدية أو مرضية. في هذه الحالة يعتمد تأثير جين واحد على وجود أو غياب جين آخر، ما يؤدي إلى نتائج لا يمكن التنبؤ بها عند دراسة كل جين على حدة.

ويؤكد آشلي أن الجينات لا تعمل بشكل منفصل؛ بل ضمن شبكات معقدة. وفهم هذه الشبكات يساعد العلماء على تفسير سبب ظهور المرض لدى بعض الأشخاص دون غيرهم.

التركيز على تضخم عضلة القلب

وركز فريق البحث على حالة تُعرف باسم «تضخم عضلة القلب»، وهي اضطراب يصبح فيه جدار القلب سميكاً بشكل غير طبيعي، ما يحد من قدرته على ضخ الدم بكفاءة. وقد تؤدي هذه الحالة إلى عجز القلب أو اضطرابات خطيرة في نبضات القلب، وقد تكون قاتلة في بعض الأحيان.

ولسنوات، اعتُقد أن تضخم عضلة القلب ناتج أساساً عن طفرات فردية في جينات مسؤولة عن بنية عضلة القلب. ولكن فريق آشلي افترض أن التفاعلات بين عدة جينات قد تلعب دوراً أكبر مما كان يُعتقد.

تحليل كميات هائلة من البيانات

ولاختبار هذه الفرضية، طوَّر الباحثون أدوات حاسوبية متقدمة، قادرة على كشف التآثرات الجينية الخفية داخل مجموعات ضخمة من البيانات الوراثية. واعتمدت الدراسة على ما يقرب من 10 سنوات من جمع البيانات، شملت تحليلات جينية لأكثر من 300 قلب بشري، إضافة إلى نحو 30 ألف صورة قلب، مأخوذة من قاعدة بنك البيانات الحيوية في المملكة المتحدة (UK Biobank) إحدى أكبر قواعد البيانات الطبية الحيوية في العالم.

وباستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلُّم الآلة، فحص الفريق نحو 15 مليون تغير جيني مرتبط ببنية القلب، ثم قلَّص هذا العدد إلى نحو 1400 طفرة يُحتمل أن تتفاعل بعضها مع بعض. بعد ذلك صُمم نموذج حاسوبي لترتيب هذه التفاعلات، وفقاً لتأثيرها المتوقع، في شكل وحجم ووزن عضلة القلب.

ثلاثة جينات محورية

وقد أسفرت التحليلات عن بروز 3 جينات رئيسية: TTN وIGF1R وCCDC141. ويُعد جين TTN من الجينات المعروفة المرتبطة بأمراض عضلة القلب، بينما يلعب جين IGF1R دوراً مهماً في نمو القلب وتنظيم عمليات الأيض. أما جين CCDC141 فلا يزال غير مدروس على نطاق واسع، ولم يكن مرتبطاً سابقاً بشكل مباشر بأمراض القلب.

وأظهرت النتائج أن الطفرات في واحد من هذه الجينات بمفرده يكون تأثيرها محدوداً نسبياً؛ لكن عند اجتماع طفرات في جينين معاً يصبح التأثير أكثر وضوحاً وخطورة، ما يؤكد الدور المحوري للتآثر الجيني في تطور المرض.

تجارب مختبرية تؤكد النتائج

وللتحقق من هذه النتائج أجرى الباحثون تجارب على خلايا عضلة القلب البشرية المزروعة في المختبر. واستخدموا تقنيات تعتمد على الحمض النووي الريبي لتعطيل أزواج محددة من الجينات، ثم راقبوا استجابة الخلايا. وأظهرت النتائج أن تعطيل جينين متفاعلين معاً أدى إلى تقليل تضخم الخلايا القلبية بشكل ملحوظ، وهو أحد المؤشرات الرئيسية لمرض تضخم عضلة القلب.

أهمية النتائج وآفاق المستقبل

تحمل هذه النتائج أهمية كبيرة لمستقبل علاج أمراض القلب. فمعظم العلاجات الجينية الحالية تستهدف جيناً واحداً فقط؛ لكن إذا كان المرض ناتجاً عن تفاعل شبكة كاملة من الجينات، فإن هذا النهج قد لا يكون كافياً. وأوضحت الباحثة تشيانرو وانغ، المؤلفة الرئيسية للدراسة من قسم طب القلب والأوعية الدموية بجامعة ستانفورد، أن فهم هذه التفاعلات قد يساعد في تطوير علاجات أكثر دقة وفعالية.

ورغم أن الدراسة ركَّزت على أمراض القلب، فإن نتائجها قد تمتد لتشمل أمراضاً معقدة أخرى، مثل السرطان والسكري واضطرابات الجهاز العصبي. ومع استمرار العلماء في فك رموز هذه الشبكات الجينية المعقدة، يبدو مستقبل الطب الدقيق أكثر قدرة على تقديم علاجات شاملة تستند إلى فهم أعمق لجينات الإنسان وتفاعلاتها.


بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
TT

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية. وهذه أول ظاهرة تحت السطح تُكتشف على الكوكب المجاور للأرض.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال الباحثون إن بيانات الرادار تتوافق مع سمة جيولوجية تسمى أنبوب الحمم البركانية الموجود في بعض المواقع البركانية ‌على الأرض. وتوجد أنابيب ‌الحمم البركانية أيضاً على ‌القمر ⁠ويُعتقد أنها موجودة ‌على المريخ.

وتغطي سطح الزهرة سحب سامة كثيفة تجعل من الصعب سبر أغواره، لكن الرادار يمكنه اختراق السحب.

وافترض العلماء وجود أنابيب الحمم البركانية على كوكب الزهرة بالنظر إلى تاريخه البركاني.

وقال لورينتسو بروتسوني عالم الرادار والكواكب في جامعة ترينتو بإيطاليا والمعد الرئيسي للدراسة ⁠المنشورة اليوم في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية: «يمثل الانتقال من ‌النظرية إلى الملاحظة المباشرة خطوة كبيرة إلى الأمام، ويفتح الباب أمام اتجاهات جديدة للبحث، ويوفر معلومات مهمة للمهام المستقبلية التي تهدف إلى استكشاف الكوكب».

وحلل الباحثون البيانات التي تسنى الحصول عليها بواسطة رادار الفتحة التركيبية، وهو جهاز استشعار عن بعد تابع للمركبة ماجلان، بين عامي 1990 و1992 في مواقع تحمل علامات انهيارات سطحية موضعية تشير إلى وجود ⁠أنابيب حمم بركانية تحتها. واستخدموا منهج تحليل بيانات مطورة حديثاً تهدف إلى تحديد التجاويف تحت السطح مثل أنابيب الحمم البركانية.

ولم يحظ كوكب الزهرة باهتمام علمي كبير مقارنة بالمريخ، لكنّ هناك بعثتين مهمتين على وشك الانطلاق، وهما «إنفجن» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية و«فيريتا» التابعة لناسا.

وستحمل كلتا المركبتين الفضائيتين أنظمة رادار متطورة قادرة على التقاط صور عالية الدقة. وستحمل «إنفجن» راداراً مدارياً قادراً على اختراق السطح ‌وعلى استكشاف باطن كوكب الزهرة إلى عمق عدة مئات من الأمتار.