إيميليانو سالا... المهاجم الرائع الذي أثرى حياة الجميع

انتقال اللاعب إلى الدوري الإنجليزي القوي كان خطوة طبيعية في ظل سجله التهديفي الباهر

سالا (يسار)... تألقه في الدوري الفرنسي لفت إليه الكثير من الأنظار (أ.ف.ب)
سالا (يسار)... تألقه في الدوري الفرنسي لفت إليه الكثير من الأنظار (أ.ف.ب)
TT

إيميليانو سالا... المهاجم الرائع الذي أثرى حياة الجميع

سالا (يسار)... تألقه في الدوري الفرنسي لفت إليه الكثير من الأنظار (أ.ف.ب)
سالا (يسار)... تألقه في الدوري الفرنسي لفت إليه الكثير من الأنظار (أ.ف.ب)

بعيدا عن نادي باريس سان جيرمان، يمكن القول بأن الدوري الفرنسي الممتاز يشهد عددا قليلا من الأهداف. لكن المهاجم الأرجنتيني إيميليانو سالا سجل أهدافا منذ انضمامه إلى نادي نانت أكثر من معظم لاعبي المسابقة. وقدم المهاجم الشاب أداء رائعا في النصف الأول من الموسم الجاري، وهو الأمر الذي جعله محط أنظار العديد من الأندية خارج فرنسا. وبعدما سافر سالا إلى ويلز مرتين من أجل إنهاء الأمور المتعلقة بانتقاله إلى كارديف سيتي، عاد مرة أخرى إلى نانت مساء الاثنين الماضي لكي يقول وداعا لزملائه في الفريق.
ونشر سالا على حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي صورة لنفسه محاطا بلاعبي نانت في ملعب تدريب الفريق وكتب جملة «الوداع الأخير»، قبل أن يستقل الطائرة من أجل العودة إلى ويلز والمشاركة في الدوري الإنجليزي الممتاز. وكان من المفترض أن يصل سالا إلى كارديف في الساعة التاسعة مساء، لكنه لم يصل بعدما اختفت الطائرة التي كان يستقلها.
ولد سالا في مقاطعة سانتا في بالأرجنتين، لكنه عاش في فرنسا منذ سنوات المراهقة. وبعدما لعب لمدة خمس سنوات في نادي برويكتو كريسير الأرجنتيني، الذي يرتبط بشراكة مع نادي بوردو الفرنسي، انتقل المهاجم الشاب في نهاية المطاف إلى نادي بوردو في عام 2010. وسجل سالا 18 هدفا في موسم 2012-2013 عندما لعب لنادي أوليانز، الذي يلعب في دوري الدرجة الثالثة، على سبيل الإعارة، وهو الأمر الذي جذب أنظار مسؤولي نادي نيور، الذي يلعب في دوري الدرجة الثانية، والذين تعاقدوا معه على سبيل الإعارة أيضا. وبعدما سجل 18 هدفا مع النادي الجديد مرة أخرى، انضم سالا إلى بوردو في موسم 2014-2015.
كون سالا أسرة ثانية له في بوردو، إن جاز التعبير، حيث كان يقيم مع المدير الفني للناشئين بالنادي تحت 16 عاما، مارسيلو فادا، وهو أرجنتيني الجنسية أيضا، ونجله فالنتين، خلال الفترة التي لعبها في بوردو. ونشر فالنتين، الذي أصبح وكأنه شقيق لسالا، تغريدة على حسابه الخاص على موقع «تويتر» صباح الثلاثاء الماضي قال فيها: «هيا يا أخي، عد من فضلك».
وبدأ سالا موسم 2014-2015 مع نادي بوردو، لكن بعدما أحرز هدفا واحدا في 11 مباراة له في الدوري الفرنسي الممتاز، غادر النادي مرة أخرى على سبيل الإعارة، لكن هذه المرة إلى نادي كان، الذي قدم معه أداء أفضل. وسجل سالا خمسة أهداف في النصف الثاني من ذلك الموسم، بما في ذلك هدف في المباراة التي انتهت بالتعادل بهدفين لمثلهما أمام باريس سان جيرمان. ولفت هذا الأداء أنظار مسؤولي نادي نانت الذين قرروا التعاقد معه مقابل مليون يورو في ذلك الصيف.
لم يرتق أداء سالا لما هو متوقع خلال أول موسم له مع نانت، لكنه أنهى الموسم بتسجيل ستة أهداف ليكون بذلك هداف الفريق في ذلك الموسم بالدوري الفرنسي الممتاز. وسرعان ما تطور أداء سالا وأصبح هو المهاجم الأساسي للفريق تحت قيادة أكثر من مدير فني. وتميز سالا بالقوة البدنية الهائلة وقدرته على استخلاص الكرات الهوائية، كما نجح في تسجيل 12 هدفا في كل موسم من الموسمين الماضيين.
وخلال الموسم الجاري، تطور أداء سالا بشكل لافت للأنظار، بعدما سجل 12 هدفا في نصف عدد المباريات التي خاضها الموسم الماضي لتسجيل نفس العدد من الأهداف. وأصبح سالا أحد اللاعبين المحافظين على ثبات مستواهم مع نانت رغم تذبذب أداء الفريق بشكل واضح. ورغم أن سالا لم يتمكن من حجز مكانه بشكل دائم في التشكيلة الأساسية للفريق تحت قيادة مدرب سيلتا فيغو الحالي ميغيل كاردوزو، فإنه كان يسجل في كل مرة يشارك فيها، سواء كأساسي أو كاحتياطي. وفي مرحلة ما خلال الموسم الماضي، كان النجم الفرنسي كيليان مبابي هو الوحيد الذي يتفوق على سالا في الدوريات الخمسة الكبرى فيما يتعلق بمعدل الأهداف المسجلة بالنسبة لعدد الدقائق التي يلعبها اللاعب.
وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تولى البوسني وحيد خليلوزيتش قيادة الفريق خلفا لكاردوزو، وفقد سالا مكانه في تشكيلة الفريق. لكنه بعد ذلك نجح في إحراز ثلاثة أهداف في مرمى تولوز ثم سجل هدفا في فوز فريقه على مارسيليا بثلاثة أهداف مقابل هدفين، وأصبح هو المهاجم الأساسي للفريق وأثبت أنه لاعب من طراز فريد.
وبفضل تسجيله لـ42 هدفا خلال ثلاثة مواسم ونصف، جذب سالا أنظار العديد من الأندية بالخارج، وتمكن كارديف سيتي من التوصل لاتفاق مع نادي نانت للحصول على خدمات اللاعب. وكان سالا يشعر بالسعادة في فرنسا ولم يكن يفكر في بداية الأمر سوى في الانتقال إلى ناد يساعده على اللعب في البطولات الأوروبية. ورفض عرضا للانتقال إلى أحد الأندية الصينية الذي كان سيمنحه راتبا يصل لثلاثة أضعاف الراتب الذي كان سيحصل عليه مع كارديف سيتي، لأنه كان قد وعد النادي الويلزي بالانتقال إليه.
وربما كان انتقال سالا للدوري الإنجليزي الممتاز بمثابة نقطة تحول كبرى في مسيرة اللاعب الكروية. وقد نشر اللاعب بالفعل صورة له على موقع «تويتر» وهو يبتسم ويرتدي قميص كارديف سيتي. وقال والده للتلفزيون الأرجنتيني: «بالنسبة له، وبالنسبة لنا جميعا، كان انتقاله إلى كارديف سيتي خطوة هامة. إنه فتى لا يتوقف عن القتال، ويتحلى بالتواضع الشديد، ولا أستطيع أن أصدق ما حدث. إنني أشعر باليأس، ولا أعرف ما سيحدث، وأتمنى أن تكون هناك أخبار جيدة. ولا تعلم عائلتي أي شيء عما حدث».
ورغم أن سالا كان يسبب الكثير من المتاعب والمشكلات لمدافعي الفرق المنافسة داخل المستطيل الأخضر، فإنه خارج الملعب كان يحظى بكل حب وتقدير واحترام من زملائه في الفريق ومن أصدقائه. وقال رئيس نادي نانت، فالديمار كيتا، يوم الثلاثاء الماضي: «لقد كان شخصا مهذبا ولطيفا ومحبوبا من الجميع». أمام باتريس غاراند، الذي تولى تدريبه في نادي كان، فقال: «أنا أتابع الأخبار منذ الصباح، وأنتظر ما سيحدث. إنني لا أصدق ما حدث، فهذا شيء مستحيل. لقد جعلني هذا اللاعب أشعر بالسعادة الغامرة داخل وخارج الملعب خلال الأشهر الستة الماضية».
وقال بامو إن سالا كان ينشر البهجة في كل مكان في نانت، وأضاف: «لقد كان الأكثر مزاحا في غرفة خلع الملابس وفي الحياة اليومية، وكان يلقي الكثير من النكات». ربما يكون من الصعب أن نعرف ما إذا كان سالا سيقدم أداء قويا في الدوري الإنجليزي الممتاز أم لا، لكن حماسه الكبير وتفاؤله الدائم داخل الملعب وخارجه، بالإضافة إلى خجله الكبير من وسائل الإعلام، قد أعطى انطباعا رائعا لدى كل من لعب إلى جانبه أو تولى تدريبه.
وقد ظهر الحب الذي يكنه الجميع للاعب من خلال الرسائل التي نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي والتصريحات والمقابلات التلفزيونية يوم الثلاثاء الماضي، سواء من قبل زملائه في الفريق أو مسؤولي الأندية التي لعب لها أو الجمهور أو المسؤولين في فرنسا وخارجها. لقد عمل سالا بكل قوة من أجل تحقيق أهدافه، وبدأت مسيرته الكروية في التطور بشكل لافت خلال الفترة الأخيرة، وسيظل نجمه يتلألأ بغض النظر عن أي شيء قد يحدث.


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.