نصائح دولية للبنان بتسريع ولادة حكومته

لافروف دخل على خط الاتصالات ودبلوماسيون غربيون شددوا على تأليفها

TT

نصائح دولية للبنان بتسريع ولادة حكومته

كشفت مصادر دبلوماسية أوروبية في بيروت أن المجتمع الدولي يواكب باهتمام عودة رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري إلى تكثيف مشاوراته واتصالاته لإخراج عملية ولادتها من المأزق الذي كان وراء تشكيلها.
وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» بأن سفراء عربا وغربيين يتحركون بالتلازم مع تحرك الحريري في اتجاه الأطراف المعنية بتشكيلها، ويسدون لهم النصائح تلو الأخرى بأن هناك أكثر من ضرورة لإعادة الانتظام إلى المؤسسات الدستورية وأولها السلطة التنفيذية وأن على اللبنانيين أن يساعدوا أنفسهم لتأمين ظروف طبيعية لتأليف الحكومة على أن تكون متوازنة، للنهوض اقتصاديا واجتماعياً ببلدهم.
وأكدت المصادر أن روسيا تواصل اتصالاتها مع الأطراف الدولية والإقليمية التي تتمتع بنفوذ في لبنان وقادرة في نفس الوقت على الطلب من حلفائها تسهيل مهمة الرئيس المكلف سعد الحريري. ولفتت المصادر إلى الدور الذي يقوم به وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف من خلال الاتصالات التي يجريها تحديداً مع طهران داعياً إياها للعب دور ضاغط لضمان تأليف الحكومة اللبنانية، إضافة إلى اتصال أجراه أخيراً بوزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل مستوضحاً منه كما تقول المصادر الدبلوماسية الأسباب التي ما زالت تعيق ولادة الحكومة.
وقالت إن لافروف قرر الدخول على خط الاتصالات التي يتولاها الممثل الخاص للرئيس الروسي فلاديمير بوتين نائب وزير الخارجية لـ«الشرق الأوسط» وأفريقيا ميخائيل بوغدانوف والتي شملت كبار المسؤولين في النظام في سوريا وأطرافا لبنانيين تربطهم به علاقات وطيدة.
ورأت المصادر ذاتها أن موسكو تؤيد تسريع تشكيل الحكومة برئاسة الحريري وهذا ما تبلغه الممثل الشخصي لرئيس الحكومة في روسيا جورج شعبان. وقالت إن القيادة الروسية مهتمة باستقرار لبنان وببسط سيادته على كامل أراضيه وهذا ما أبلغته صراحة إلى عدد من كبار المسؤولين السوريين.
وأكدت أن موسكو نصحت دمشق بأن هناك ضرورة لتحقيق التوازن في العلاقات اللبنانية - السورية وأن هذا يستدعي منها عدم التعامل مع لبنان بنفس الأسلوب الذي كانت تعتمده في السابق وأدى إلى اهتزاز هذه العلاقة بسبب وجود شعور لدى أطراف لبنانية بأنها تتدخل في كل شاردة وواردة وفي تفاصيل هي في غنى عنها.
وفي هذا السياق تراقب باريس حالياً ما ستؤول إليه الاتصالات التي يقوم بها الحريري لإعادة وضع لبنان على الخريطة الدولية التي تؤهله الإفادة من الدعم الدولي الذي يحظى به، خصوصا أنها رعت مؤتمر «سيدر» الذي لا بد من تفعيل ما أوصى به من إصلاحات لمساعدته على النهوض الاقتصادي.
وتتوافق باريس وواشنطن على ضرورة تشكيل حكومة متوازنة تحظى بتأييد المجتمع الدولي ولا تدفعه إلى القلق في حال تبيّن له أن أطرافا لبنانيين يتمتعون بـ«فائض القوة» في داخل الحكومة العتيدة لجهة طغيانهم على الآخرين.
وبكلام آخر، فإن باريس وواشنطن لن تمنحا ثقتهما لحكومة لبنانية يُشتمّ منها أن «حزب الله» وحلفاءه يحاولون السيطرة على قرارها السياسي وهذا ما يرفضه الرئيس الحريري الذي لم يذعن في السابق ولا اليوم لحملات التهويل والابتزاز التي يراد منها المجيء بحكومة تشكو من الاختلال في تركيبتها.
وكان وكيل وزارة الخارجية الأميركية ديفيد هيل أحاط خلال زيارته الأخيرة لبيروت كبار المسؤولين اللبنانيين وعلى رأسهم أركان الدولة بأن عدم تشكيل حكومة متوازنة ستواجه مشكلة في كسب تأييد المجتمع الدولي. إضافة إلى تأكيده أن وجود الحريري على رأس الحكومة بات أكثر من ضرورة لأنه من القلائل الذين يحظون بثقة المجتمع الدولي.
وعليه فإن الحريري الذي يجري مشاورات مفتوحة مع رئيسي الجمهورية ميشال عون والبرلمان نبيه بري، إضافة إلى القيادات الرئيسية في البلد، يصر على إبقاء المداولات في خصوص تأليف الحكومة بعيدة عن الأضواء رغبة منه في أن «يقطع الطريق على إقحام المشاورات في مزايدات شعبوية أكانت من هنا أم هناك» كما تقول مصادر قريبة منه.
لكن المؤكد، بحسب قول قطب سياسي يواكب هذه المشاورات، أن حصول أي طرف على «الثلث الضامن» بات من الماضي، وأن القاعدة الأساسية للإسراع في ولادتها تقوم على 3 عشرات وأن يتمثّل اللقاء التشاوري أي النواب السنة المعارضين للحريري من حصة رئيس الجمهورية.
ويبقى السؤال، هل ترى الحكومة العتيدة النور قبل انعقاد مؤتمر وارسو بدعوة من الولايات المتحدة والذي يُفترض أن يشكّل من وجهة نظر واشنطن أكبر اصطفاف عربي وإقليمي ودولي مناهض للأنشطة الإيرانية في المنطقة التي تعمل على الاستقرار فيها؟
في الإجابة، تؤكد المصادر الدبلوماسية أن موسكو التي قررت مقاطعة المؤتمر تعمل على خفض التوتر في المنطقة وتنصح طهران بضرورة إنجاح جهود الحريري لتأليف الحكومة لأن مجرد قيامها بهذا الدور قد يدفع أطرافا أوروبية إلى التخفيف من التوصيات التي ستصدر عنه، وبالتالي لن يكون هناك من اختبار للنيّات الإيرانية إلا في لبنان باعتبار أنه يواجه استحقاقاً مصيرياً يتعلق بولادة حكومته، على أن تتولى الأخيرة تحييده عن الصراعات في المنطقة.



«انشقاقات» عسكرية تضرب «أرض الصومال» وتهدد نفوذه

منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)
منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)
TT

«انشقاقات» عسكرية تضرب «أرض الصومال» وتهدد نفوذه

منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)
منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)

وسط مساعٍ حثيثة لنزع اعتراف دولي، مبني على اعتراف إسرائيلي «مستهجن إقليمياً»، يواجه إقليم «أرض الصومال» الانفصالي «انشقاقات» عسكرية متصاعدة باتت تهدد استقرار قواته، لصالح الجيش الفيدرالي الصومالي.

وقال العقيد علي أحمد إسماعيل، المعروف بـ«أشكاتو»، والمنشق مؤخراً، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن قوات الإقليم الانفصالي «لم يعد لديها أي تمثيل عسكري محلي من أبناء مناطق سول وسناغ وتوغدير»، المتنازع عليها مع ولاية «الشمال الشرقي».

العقيد أشكاتو مع جنوده (مقطع من فيديو يتحدث فيه إلى قواته)

وتشكلت «ولاية شمال شرقي الصومال»، قبل نحو عام فقط، وتطالب ببعض المناطق الشرقية من «أرض الصومال».

ووفق أشكاتو، فإن «الوحدة العسكرية التي كان يقودها كانت آخر قوة من أبناء تلك المناطق داخل قوات الإقليم قبل انتقالها إلى صفوف الجيش الفيدرالي الصومالي».

وأوضح أشكاتو أن «الانشقاق لم يكن مجرد انتقال محدود لعدد من الجنود، بل جاء نتيجة اختيارهم الوقوف إلى جانب سكان مناطقهم وعائلاتهم»، مضيفاً: «كنا آخر فصيل متبقياً لدى أرض الصومال من محافظات المنطقة الشمالية الشرقية... واخترنا أن نوحد صفوفنا مع عائلاتنا وأهلنا في منطقتنا، وننضم إلى الشمال الشرقي».

من رأى ليس كمن سمع!

وفي ردّه على تقارير قلّلت من حجم القوات المنشقة، قال إن «أهمية الخطوة لا تقاس بعدد الأفراد المنشقين». وأضاف قائلاً: «ليس الخبر كالمعاينة، ومن رأى ليس كمن سمع!».

وكشف النقاب عن أن أفراد وحدته أنهوا إجراءات التسجيل والدمج ضمن قوات الجيش الصومالي، قائلاً إنهم «سُجلوا في تعداد الجيش، ومررنا جميعاً للتنظيم، وانضممنا إلى الجيش الفيدرالي كوحدة نظامية»، لافتاً إلى أن «الجزء المتبقي سيجري تسجيله لاحقاً».

وأضاف: «لم يتبقَ في أرض الصومال أي تمثيل عسكري أو وجود عسكري لمناطقنا، كنت آخر وحدة موجودة معهم، واخترت الشمال الشرقي».

وميّز بين وجود قوات «أرض الصومال» في مناطقها التقليدية وبين قدرتها على تمثيل أو السيطرة على المناطق التي ينتمي إليها.

امتداد المجتمعات المحلية

وتعود جذور التوتر في محافظات سول وسناغ وأجزاء من توغدير (منطقة عَين)، حيث يدعى «إقليم أرض الصومال» سيطرته على هذه المناطق، ضمن حدود محمية الصومال البريطانية السابقة التي أعلنت استقلالها عام 1991. أما ولاية شمال شرقي الصومال، التي تطورت محلياً واعترفت بها الحكومة الفيدرالية العام الماضي، فتراها امتداداً لمجتمعاتها المحلية، خاصة عشيرة الدولباهانتي.

وبعد قتال عنيف عام 2023، انسحبت قوات الإقليم من لاسعانود ومناطق واسعة من سول، وبقيت خطوط التماس متوترة في سناغ ومحيط بوهودلي، حيث شهدت المنطقة منذ ذلك الحين انشقاقات متبادلة على المستويين السياسي والعسكري.

ونفى أشكاتو أي علاقة مباشرة بين قرار انشقاقه والتطبيع مع إسرائيل، موضحاً: «ليست هناك علاقة مباشرة بين قراري والتطبيع مع إسرائيل». وأضاف: «لكن لن يكون هناك تطبيع في شمال شرقي الصومال مع أي جهة لا نريدها».

إسرائيل... وزيارة واشنطن

وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلنت إسرائيل اعترافها باستقلال الإقليم، لتصبح بذلك أول دولة عضو في الأمم المتحدة تقدم على هذه الخطوة، حيث تم تبادل السفراء وفتح سفارة لأرض الصومال في القدس، وزيارة رسمية لرئيس الإقليم إلى إسرائيل في يونيو (حزيران) الماضي.

ورغم أن الاعتراف الإسرائيلي شكّل اختراقاً دبلوماسياً مهماً للإقليم، فإنه لم يسفر حتى الآن عن موجة اعترافات دولية.

وبحسب تقارير محلية، فإنه من المزمع أن يتوجه رئيس أرض الصومال، عبد الرحمن محمد عبد الله (عرو)، إلى العاصمة الأميركية واشنطن الشهر المقبل، ضمن وفد كبير يهدف إلى تعزيز فرص الاعتراف الأميركي بالإقليم.

وحاول العقيد أشكاتو تقديم انشقاقه باعتباره قراراً سياسياً واجتماعياً مرتبطاً بالانتماء إلى سكان المنطقة، قائلاً إن «أبناء مناطق سول وسناغ اختاروا بناء كيانهم السياسي الخاص»، داعياً أي شخصيات أو أفراد ما زالوا يتلقون رواتب من هياكل تابعة لأرض الصومال إلى الانضمام إلى ولاية شمال شرقي الصومال.

وبينما رحّبت ولاية شمال شرقي الصومال بالخطوة، لم يصدر عن سلطات أرض الصومال أي موقف رسمي حتى الآن. وبحسب رواية أشكاتو، فإن «الانشقاق قد يمثل أكثر من مجرد خسارة عسكرية محدودة، وقد يكون مؤشراً على مشكلة أعمق تواجه أرض الصومال في الشرق، ومدى قدرتها على الاحتفاظ بنفوذها في مناطق متنازع عليها من دون قاعدة محلية عسكرية وسياسية تستطيع الاعتماد عليها».


للأسبوع الرابع... الجيش اليمني يتصدّى لموجة التصعيد الحوثي

صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)
صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)
TT

للأسبوع الرابع... الجيش اليمني يتصدّى لموجة التصعيد الحوثي

صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)
صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)

دخلت أحدث موجة من التصعيد الحوثي العسكري أسبوعها الرابع، مع اتساع نطاق العمليات على امتداد خطوط التماس، بالتزامن مع استهداف مناطق سكنية ومواقع للنازحين، في وقت كثفت فيه القوات الحكومية ردها على هجمات الجماعة المدعومة من إيران، ونفذت، وفق ما أعلنت، أكثر من 400 عملية خلال موجة التصعيد الحالية، شملت استخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية واستهداف مواقع وتحركات وتعزيزات حوثية، إلى جانب إحباط محاولات التسلل.

وشهدت التطورات الميدانية خلال الساعات الـ24 الأخيرة نمطاً أقل نشاطاً؛ إذ اقتصر الأمر على تبادل القصف وعمليات الرصد والاستهداف على أكثر من جبهة؛ من مأرب والجوف شرقاً، إلى الحديدة وباب المندب والساحل الغربي، وسط مؤشرات على استمرار الجماعة في تهديدها العسكري ورفع مستوى المخاطر على المدنيين والممرات البحرية.

وفي شمال غربي وجنوب مأرب، استهدفت مدفعية القوات المسلحة اليمنية مواقع وثكنات تابعة للحوثيين، في إطار الرد على تحركات الجماعة وتصعيدها على خطوط التماس. وفي جبهة البرح بالساحل الغربي، أعلنت القوات الحكومية إحباط محاولة تسلل نفذتها عناصر حوثية، في وقت تواصل فيه الجماعة تحريك عناصرها ووسائلها القتالية في المناطق القريبة من خطوط المواجهة.

مدفعية تابعة للقوات الحكومية اليمنية في الساحل الغربي تقصف مواقع للحوثيين (إعلام عسكري)

وفي شرق الجوف اليمنية، استهدفت الجماعة بصاروخ باليستي محيط مناطق تضم مخيمات للنازحين والبدو الرحل؛ مما يضيف تهديداً جديداً على السكان المدنيين الذين يعيشون أصلاً في ظروف هشة. وفق ما نقله الإعلام العسكري.

وبالتوازي مع العمليات البرية، كثفت القوات الحكومية عمليات الرصد والاستطلاع والاستهداف، ونشرت مشاهد قالت إنها توثق ملاحقة قيادات حوثيين وتحركاتهم، إلى جانب استهداف تعزيزات ومواقع وتحصينات تابعة للجماعة في عدد من الجبهات.

تعقب القيادات

أظهرت المشاهد التي بثتها القوات المسلحة اليمنية عمليات تعقب بواسطة طائرات مسيّرة لقيادات حوثيين، قالت إنها تمكنت من استهدافهم، إضافة إلى عمليات استهداف لعربات عسكرية وتحركات وتعزيزات، في نمط يعكس توسع الاعتماد على الطائرات المسيّرة في مراقبة ساحة المعركة وتحديد الأهداف، على نحو بات أوسع حضوراً في هذه الموجة من التصعيد.

كما بث الإعلام العسكري اليمني مشاهد لعمليات استهداف تحصينات ومواقع وآليات عسكرية تابعة للحوثيين، في إطار ما تصفه القوات الحكومية بأنه رد متواصل على التصعيد الذي بدأ قبل نحو 20 يوماً، ولم يعد مقتصراً على جبهة واحدة.

جانب من استعراض القوات المسلحة اليمنية طيرانها المسيّر (إكس)

وتقول القوات الحكومية إن حصيلة عملياتها خلال هذه الفترة تجاوزت 400 عملية في عموم مناطق التماس، مستخدمة الطائرات المسيّرة والمدفعية ووسائل الاستطلاع، بالتوازي مع التصدي لمحاولات التسلل والهجمات الحوثية على مواقعها.

ويبرز الساحل الغربي اليمني بوصفه أحد أكبر مسارح التصعيد تأثراً، خصوصاً مع استمرار القصف الحوثي على المناطق السكنية وتحركات الجماعة البحرية في محيط باب المندب.

في الأثناء، أعلنت قوات المقاومة الوطنية الحكومية العثور على لغم بحري تابع للحوثيين في باب المندب، بالتزامن مع تدمير زورق مفخخ، في تطور يسلط الضوء مجدداً على المخاطر التي تمثلها الأنشطة الحوثية في أحد أهم الممرات البحرية الدولية.

وعلى اليابسة، قالت مصادر محلية إن مدنيين اثنين أصيبا بشظايا قذائف «هاون» أطلقتها الجماعة على منطقة الحيمة الساحلية في مديرية التحيتا جنوب الحديدة، في أحدث مثال على امتداد القصف إلى المناطق المأهولة بالسكان.

أثر أوسع

في ظل هذه التطورات الميدانية كان الأثر الأوسع للتصعيد يظهر في موجات النزوح المتواصلة من القرى الواقعة قرب خطوط التماس، خصوصاً في الساحل الغربي.

ففي منطقة دُباس شمال مديرية حيس (جنوب الحديدة)، أجبرت الهجمات الحوثية أكثر من 100 أسرة على مغادرة منازلها، بعد تصاعد القصف المدفعي والصاروخي واستهداف المناطق السكنية، بالتزامن مع زراعة الألغام والعبوات في محيط القرى.

يمني داخل مستشفى يحمل طفلة مصابة في هجوم حوثي (أ.ف.ب)

وقال مسؤول الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في حيس، إبراهيم ناصر مشهور، إن التصعيد الحوثي المتواصل شمال المديرية تسبب في نزوح 104 أسر منذ مطلع يوليو (تموز) الماضي، داعياً الحكومة والمنظمات المحلية والدولية إلى الإسراع في توفير المأوى والغذاء والدواء، خصوصاً للأطفال.

واضطرت الأسر النازحة، وفق المصادر المحلية، إلى الاحتماء في مناطق جبلية وعرة وتحت الصخور الكبيرة، بعد أن فقدت منازلها ومصادر رزقها؛ في حين تسبب القصف في نفوق عدد من المواشي التي تعتمد عليها الأسر في معيشتها.

ولا تقف تداعيات التصعيد عند حدود دُباس، إذ تحدث مسؤولون محليون عن وصول عشرات الأسر يومياً إلى حيس من مناطق في مديريتي الجراحي وجبل راس، بعد تعرضها لضغوط أمنية وعسكرية دفعتها إلى مغادرة منازلها.

وقال نائب مدير «مكتب حقوق الإنسان» في محافظة الحديدة، غالب القديمي، إن الحوثيين يمارسون تهجيراً قسرياً بحق سكان قرى جنوب الجراحي وجبل راس، ويجبرون السكان تحت تهديد السلاح على مغادرة منازلهم، التي يحولونها لاحقاً، وفق إفادته، مواقعَ وثكناتٍ عسكرية.


المقطري لـ«الشرق الأوسط»: نوثق اعتداءات الحوثيين... ولا حصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة في أي تسوية

اليمن بحاجة إلى مراجعة تشريعية شاملة لمعالجة آثار الحرب والانقلاب والانقسام وفق المقطري (سبأ)
اليمن بحاجة إلى مراجعة تشريعية شاملة لمعالجة آثار الحرب والانقلاب والانقسام وفق المقطري (سبأ)
TT

المقطري لـ«الشرق الأوسط»: نوثق اعتداءات الحوثيين... ولا حصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة في أي تسوية

اليمن بحاجة إلى مراجعة تشريعية شاملة لمعالجة آثار الحرب والانقلاب والانقسام وفق المقطري (سبأ)
اليمن بحاجة إلى مراجعة تشريعية شاملة لمعالجة آثار الحرب والانقلاب والانقسام وفق المقطري (سبأ)

أكدت وزيرة الشؤون القانونية اليمنية، القاضية إشراق المقطري، أن أي تسوية سياسية مقبلة لن تمنح حصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة، مشددة على أن المسؤولية القانونية لن تقتصر على المنفذين المباشرين، بل ستمتد إلى القيادات التي خططت وأصدرت الأوامر، وموّلت وسهّلت التنفيذ.

وقالت إشراق المقطري، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن الجهات الوطنية المختصة تعمل على توثيق انتهاكات الجماعة الحوثية المدعومة من إيران، وجمع الأدلة المتعلقة بجرائمها ضد المدن والموانئ والمنشآت الاقتصادية والبنية التحتية في البلاد.

أكد القاضية إشراق المقطري أن أي تسوية سياسية مقبلة لن تمنح حصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة (سبأ)

وأوضحت أن اليمن يحتاج إلى مراجعة تشريعية شاملة لمعالجة آثار الحرب والانقلاب والانقسام، ومواكبة التحولات الاقتصادية والتقنية والاجتماعية، مشيرة إلى أن خريطة الإصلاح التشريعي ترتكز على 3 مسارات: تحديث التشريعات السيادية والمؤسسية، وتطوير البيئة الاقتصادية والاستثمارية، ومواكبة التحول الرقمي وحماية الحقوق.

تشوهات الانقلاب

وقالت إشراق المقطري إن انقلاب الميليشيات الحوثية الإرهابية وحربها على الدولة أحدثا تشوهات عميقة في البنية الدستورية والمؤسسية؛ تمثلت في تعطيل مؤسسات الدولة، وتقويض استقلال القضاء، وفرض أجهزة موازية، ونهب الموارد العامة، وإصدار قرارات خارج إطار الدستور والقانون، إلى جانب انتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة.

وأضافت أن إعادة الاعتبار لسيادة القانون تبدأ بإنهاء الانقلاب، واستعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وتوحيد القضاء وأجهزة إنفاذ القانون، وتمكين الحكومة الشرعية من ممارسة اختصاصاتها على كامل التراب الوطني.

وتابعت: «لا يمكن قيام دولة قانون في ظل ميليشيات طائفية مسلحة تفرض إرادتها بالقوة، وتتعامل مع مؤسسات الدولة ومواردها بوصفها أدوات لخدمة مشروعها».

كشفت الوزيرة أن الانقلاب الحوثي أحدث تشوهات عميقة في البنية الدستورية والمؤسسية (سبأ)

المسؤولية تطول القيادات

وعدّت الوزيرة الهجمات التي تنفذها الميليشيات الحوثية ضد المدن والموانئ والمنشآت الاقتصادية والبنية التحتية جرائم يعاقب عليها القانون اليمني، وانتهاكات جسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني، لا سيما عندما تستهدف المدنيين والأعيان المدنية، أو تُنفذ بصورة عشوائية أو غير مناسبة.

وشددت على أن المسؤولية «لا تقتصر على المنفذين المباشرين، بل تمتد إلى القيادات التي خططت وأصدرت الأوامر وموّلت وسهّلت التنفيذ».

وأكدت أن أي تسوية سياسية مستقبلية لن تمنح حصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة، كما لن تمحو حقوق الضحايا أو تحول دون ملاحقة المسؤولين عنها ومساءلتهم.

توثيق جرائم الحوثيين

وعن توثيق الانتهاكات، أفادت إشراق المقطري بأن الجهات الوطنية المختصة تجمع الأدلة المتعلقة بالجرائم التي ارتكبتها الميليشيات الحوثية، موضحة أن اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، بوصفها جهة وطنية مستقلة ومختصة ومعتمدة لدى مجلس حقوق الإنسان، تضطلع بدور أساسي في التحقيق والتوثيق وفق المعايير القانونية الدولية.

وأضافت أن وزارة الشؤون القانونية تعمل، في حدود اختصاصها وبالتنسيق مع الجهات المعنية، على تعزيز الأساس القانوني لهذه الجهود، بما يحفظ حق الدولة والضحايا في المساءلة، ويتيح الاستفادة مستقبلاً من الملفات الموثقة أمام القضاء الوطني والهيئات والآليات الدولية المختصة.

اليمن بحاجة إلى مراجعة تشريعية شاملة لمعالجة آثار الحرب والانقلاب والانقسام وفق المقطري (سبأ)

إجراءات فاقدة المشروعية

ورفضت إشراق المقطري وصف الوضع القائم قانوناً بوجود «سلطتين»، موضحة أن السلطة الشرعية هي السلطة الدستورية التي تُمثل الدولة اليمنية، وتحظى بالاعتراف الوطني والدولي، في حين أن الميليشيات الحوثية جماعة انقلابية متمردة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، ولا تكتسب من ذلك أي شرعية دستورية أو قانونية.

وبناءً على ذلك، قالت إن الميليشيات لا تملك صلاحية التشريع أو تعديل النظام القانوني للدولة، وإن الإجراءات التي أصدرتها في المسائل السيادية، أو التي مسّت مؤسسات الدولة والحقوق والحريات والأموال العامة، فاقدة السند الدستوري والمشروعية.

وأشارت إشراق المقطري إلى أنه عند استعادة مؤسسات الدولة في صنعاء ستخضع جميع تلك الإجراءات لمراجعة قانونية منظمة، مع مراعاة حماية حقوق المواطنين حسني النية، واستقرار معاملاتهم المدنية والإدارية اليومية، من دون إضفاء أي شرعية على الانقلاب أو آثاره.

مراجعة تشريعية شاملة

ووفق الوزيرة، فإن اليمن بحاجة إلى مراجعة تشريعية شاملة لمعالجة آثار الحرب والانقلاب والانقسام، ومواكبة التحولات الاقتصادية والتقنية والاجتماعية التي لم تعد بعض القوانين النافذة قادرة على استيعابها.

وأوضحت أن وزارة الشؤون القانونية بدأت بالفعل ممارسة صلاحياتها في هذا الجانب، من خلال مراجعة القوانين التي تحتاج إلى تحديث أو تعديل، وإعداد قائمة بالتشريعات ذات الأولوية.

وذكرت أن لجاناً فنية تشريعية في الوزارة تعمل حالياً على هذه القوانين، وفقاً للأولويات الوطنية واحتياجات مؤسسات الدولة والمجتمع.

وزيرة الشؤون القانونية بمعية رئيس الوزراء في مناسبة أخيرة بالعاصمة المؤقتة عدن (سبأ)

3 مسارات للإصلاح

وبشأن خريطة الإصلاح التشريعي، قالت إشراق المقطري إنها ترتكز على 3 مسارات، تشمل تحديث التشريعات السيادية والمؤسسية، وتطوير البيئة الاقتصادية والاستثمارية، ومواكبة التحول الرقمي وحماية الحقوق.

وأوضحت أن الأولويات تشمل تنظيم حماية البيانات والمعلومات الشخصية، ومكافحة الجرائم الإلكترونية، وصياغة التشريعات المنظمة لقطاع النفط، وزراعة الأعضاء البشرية، وصندوق دعم مرضى السرطان، والشراكة بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب مراجعة قوانين الصحافة والإعلام والاستثمار.

وأضافت: «نعتمد في ذلك على تحديد الحاجة التشريعية الفعلية، ومدى قدرة القانون على حماية المصلحة العامة، ومواكبة احتياجات الدولة والاقتصاد والمجتمع».

حماية المال العام

ووصفت الوزيرة القانون بأنه الأساس الذي يمنح الإصلاحات الاقتصادية مشروعيتها واستدامتها، مؤكدة أنه لا يمكن حماية المال العام أو مكافحة الفساد من دون رقابة فاعلة ومساءلة حقيقية.

ولفتت إلى أن الدولة تمتلك جانباً مهماً من الأطر القانونية المنظمة للرقابة والمناقصات والمحاسبة، لكن الإشكالية الأساسية تكمن في ضعف التنفيذ، وتداخل الاختصاصات، وبطء إجراءات المساءلة.

وأفادت بأنه ضمن توجه الحكومة برئاسة الدكتور شائع الزنداني، تمارس وزارة الشؤون القانونية حالياً مهامها الأصيلة في المراجعة القانونية للعقود الجديدة التي تعتزم مؤسسات الدولة إبرامها، للتحقق من سلامتها، وحماية حقوق الدولة والمال العام، ومنع ترتيب التزامات مالية أو قانونية غير واضحة أو مخالفة للتشريعات النافذة.

قالت وزيرة الشؤون القانونية إن ملف العدالة الانتقالية سيكون في مقدمة التحديات المقبلة (سبأ)

العدالة لا تعني الإفلات من العقاب

وشددت إشراق المقطري على أن اليمن بحاجة ملحّة إلى مشروع وطني شامل للعدالة الانتقالية، يضع الضحايا وحقوقهم في صميم أي عملية سياسية، ويشمل كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر ورد الاعتبار والإصلاح المؤسسي وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

وأكدت أن المصالحة لا تعني طمس الجرائم أو المساواة بين الدولة وميليشيات انقلابية حملت السلاح ضدها، كما لا يجوز أن تتحول التسوية السياسية إلى غطاء لمنح الحصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة، على حد تعبيرها.

وقالت: «السلام المستدام لا يقوم على النسيان أو الإفلات من المساءلة، وإنما على الإنصاف وحفظ حقوق الضحايا وبناء دولة تحمي مواطنيها بالقانون».

ملفات ما بعد الحرب

وتوقعت الوزيرة أن تتمثل أصعب الملفات في معالجة آثار القرارات التي أصدرتها الميليشيات الحوثية في مناطق سيطرتها، ونزع السلاح وحصره في مؤسسات الدولة، واستعادة الأموال والأصول العامة، وتسوية أوضاع الموظفين والعسكريين، ومعالجة قضايا الملكية والمصادرات والنازحين والمفقودين والمحتجزين.

واختتمت بتأكيد أن ملف العدالة الانتقالية سيكون في مقدمة هذه التحديات؛ لأن نجاح أي تسوية سيُقاس بقدرتها على استعادة الدولة ومؤسساتها، وحماية الحقوق، ومنع الإفلات من المساءلة، وليس مجرد وقف العمليات العسكرية.