القراءة بين الإثراء المعرفي وقلق التأثر

ماذا علينا أن نقرأ في ظل قصر الحياة والغزارة اللامتناهية للكتب؟

محمود درويش - هارولد بلوم - هنري ميللر - ألبرتو مانغويل - بورخيس
محمود درويش - هارولد بلوم - هنري ميللر - ألبرتو مانغويل - بورخيس
TT

القراءة بين الإثراء المعرفي وقلق التأثر

محمود درويش - هارولد بلوم - هنري ميللر - ألبرتو مانغويل - بورخيس
محمود درويش - هارولد بلوم - هنري ميللر - ألبرتو مانغويل - بورخيس

لطالما كانت القراءة عبر التاريخ موضوعاً شائقاً وأثيراً تتناوله بالبحث والتحليل عشرات الأقلام، ويلهج بذكر فضائله ومزاياه الكثير من المفكرين والكتّاب، وتُحلّه الكتب السماوية في مكان الصدارة من سورها وفصولها وأسفارها. فالعهد القديم يستهل أسفاره المتلاحقة بعبارة «في البدء كان الكلمة»، في إشارة بالغة الدلالة إلى أن الكون برمته ما هو إلا كلمة الله التي تسبق التكوين وتضعه في خانة التحقق. وإذا كان الخالق قد علّم آدم الأسماء فليس لكي ينطقها فحسب، بل لكي يكتنه من خلالها آيات الوجود وأسراره ومعانيه. وليس أدل على تعظيم شأن القراءة في الإسلام من كون الوحي الإلهي قد استهل مخاطبته للرسول الأكرم بكلمة «اقرأْ» التي هي مفتاح فهم العالم وتبيُّن السبيل الحقيقي إلى تغييره وجعله مكاناً أفضل للعيش. كما يحيلنا الفعل الثلاثي «قرأ» في «لسان العرب» إلى معنى آخر يتعلق باللحمة والالتئام، حيث إن قراءة الشيء تعني جمْعه وضمّ بعضه إلى بعض. وقد سمي كتاب الله بهذا الاسم لأنه يجمع السور ويضمها في نسق أو سياق. وهو ما تؤكده الآية الكريمة «إن علينا جمْعه وقرآنه». لكن من اللافت أيضاً أن يتصل معنى القراءة بالولادة والإنجاب وبصناعة الحياة نفسها. فالقول عن امرأة حامل بأنها «ما قرأت جنيناً قط» يعني أن رحمها لم ينضمّ على ولد سوي إلا وأجهضه قبل أن يكتمل. هكذا يصبح للقراءة معنى الالتئام واكتمال الكينونة، ولغيابها معنى النقصان والتشوه وإجهاض الحياة. وثمة في لغة العرب ومعاجمهم، من جهة ثانية، ما ينأى بالقراءة عن الاطلاع والتصفح العابرين ليعطي القارئ معنى الناسك والقراءة معنى التنسك. وإذا كان لهذا الأمر من دلالة فهي أن القراءة في عمقها ليست مجرد تسلية أو تزجية للوقت، بقدر ما هي اختلاء بالآخر من خلال نصه ونتاجه الإبداعي. إنها تمثّلٌ وتفحّصٌ واستبطان ورياضة ذهنية وروحية وتمرينٌ ممتع وشاق على نشدان الحقيقة الأدبية والفنية. ولأن النص الإبداعي هو نص ملتبس وحمّال أوجه فهو يشي دائماً بنقصانه وينفتح على عشرات التفاسير والتأويلات، بما يتيح لقارئه أن يعيد اكتشافه من منظور مختلف وأن يصبح بالتالي شريكاً فاعلاً في كتابته.
يصعب تبعاً لذلك أن نتصور شاعراً أو روائياً أو فناناً كبيراً لا يولي القراءة جلّ اهتمامه ولا يمحضها ما تتطلبه من عناية ودأب بالغين. فالموهبة مهما ارتفع منسوبها تظل عرضة للتآكل والنفاد ما لم يسندها قدْر وافر من المعرفة والاطلاع اللذين يمدان الكاتب بما يلزمه من لوازم الحيوية والتجدد وتلافي الدوران على الذات. لكن السؤال الذي لا يكف المرء عن طرحه على نفسه هو: ماذا علي أن أقرأ في ظل قصر الحياة والغزارة اللامتناهية للكتب؟ فإذا كانت القراءة أمراً بالغ الأهمية بالنسبة للكثيرين، حتى في ظل المنافسة غير المسبوقة لمحركات البحث وتكنولوجيا المعرفة الحديثة، فإنها تأخذ بالنسبة للمشتغلين بالكتابة والفن شكل الضرورة القصوى والممر الإلزامي الذي لا بد منه للولوج إلى عوالم الإبداع الغامضة والمعقدة. وإذا كان المشتغلون بالكتابة يجمعون على دور القراءة الهام في تطوير لغتهم وتجاربهم، فإنهم يبدون من جهة أخرى منقسمين حول أولويات قراءاتهم ومصادرهم المعرفية. فحيث بعض التشكيليين لا يقرأون شيئا يذكر خارج مجال التشكيل، يجهد البعض الآخر في إثراء المصادر المعرفية التي تسهم في إثراء لوحاته وأعماله البصرية عبر قراءة الشعر أو تتبع الأعمال السينمائية. وحيث بعض الشعراء لا يجدون أنفسهم معنيين بقراءة الرواية، التي يرون في لغتها الكثير من الحشو والمباشرة والترهل، يلح آخرون على قراءة الروايات بوصفها منجماً هائلاً للإلهام والتخيل وإثراء اللغة. وقد يكون محمود درويش، مثالاً لا حصراً، هو أحد أكثر الشعراء ابتعاداً عن القراءة التخصصية واهتماماً بالقراءات المتنوعة أو الشاملة. فهو يصرح في أحد حواراته الصحافية بأنه يقرأ كل شيء، بدءاً من التاريخ والفلسفة والفكر السياسي والرواية والفلك وعلوم الطبيعة، وصولاً إلى المعاجم والقواميس التي يعترف بأنه يجد متعة بالغة في تصفحها وتعقب اشتقاقاتها ووظائف مفرداتها.
على أن أكثر ما يلفت في هذا السياق هو تحول القراءة عند البعض، بما هي فكرة وإدمان وتجربة، إلى هاجس إبداعي ومحلاً للكتابة والتأليف. ولعل الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل هو التجسيد الأمثل لتحول الشغف بالقراءة إلى موضوع للتأمل والتمحيص والتأليف الأدبي عبر أعمال لافتة من مثل «فن القراءة» و«تاريخ القراءة» و«ذاكرة القراءة». ويعود هذا الاهتمام البالغ بالقراءة إلى كون صاحب «المكتبة في الليل» قد عمل قارئاً لبورخيس منذ كان في السادسة عشرة من عمره، بحيث أن ما اتخذه مهنة للعيش في مطالع حياته تحول عنده لاحقاً إلى مشروع حياة وإلى محل للافتتان والشغف الخالص. وفي كتابه «ذاكرة القراءة» يتحدث مانغويل عن اعتقاده بأن في كل كتاب نقرأه نوعاً من التواصل مع الآخرين الذين نحتاج إلى وجودهم للخروج من عزلاتنا المغلقة وبلورة هويتنا في العالم. وحيث كل كتابة تصون شيئا ما فإن «القراءة مطالبة باسترداد الحق في هذا الخلود الإنساني» الذي بدأه الكتّاب الموتى، أو من يطلق عليهم هوميروس تسمية «الأغلبية الصامتة»، وصولاً إلى يومنا هذا. أما الناقد الأميركي الشهير هارولد بلوم فيذهب في كتابه «فن قراءة الشعر» إلى القول بأن الهدف من القراءة هو إثراء الوعي المعرفي من جهة، والوقوف على الجمال الملغز للنصوص التي تمنحنا متعة اكتشافها من جهة أخرى. ويرى بلوم أنه لا يمكننا قراءة أي قصيدة دون تحديد علاقة الشاعر بأسلافه وكيف تتم عملية التأثر والتأثير بين شعراء العصور المختلفة. وهو ما يتصادى مع مقولة بورخيس التي ترى في كل كتابة جديدة نوعاً من العمل الاستعادي لما سبقت كتابته، وصولاً إلى القول بأن كل واحد من الكتاب يخلق عبر الكتابة، وعن وعي أو غير وعي، أسلافه الخاصين به. أما هنري ميلر فيقف بالمقابل على الضفة المضادة للقراءة الاعتباطية أو العشوائية، معتبراً أنها لا تتجاوز الخمسين تلك الكتب الملهمة التي تساعدنا على تجاوز أنفسنا وتحريرها من البلادة أو الانعزال. ويعترف ميلر في كتابه الشيق «الكتب في حياتي» بأن معظم النتاج الأدبي في العالم مؤلف من أفكار مستهلكة وبائسة، حيث يظل من دون جواب ذلك السؤال المعلق حول تقليص الفائض من «العلف الرخيص» الذي يُقدّم لغالبية القراء المغفلين. وإذ يخلص الكاتب إلى الاستنتاج بأن الأميين ليسوا بالقطع الأقل ذكاء بيننا، يقرر جازماً بأن ما يجدر بالمرء أن يفعله هو التوجه إلى المنبع الحقيقي للمعرفة، الذي لا يجسده الكتَاب أو المعلم، بل الحياة ذاتها.
قد لا يكون علينا، أخيراً، أن نضع الحياة والقراءة في خانتين متضادتين، أو أن نختار إحداهما على حساب الأخرى بشكل قاطع لا يقبل اللبس. فإذا كانت المشكلة في أساسها ناجمة عن قصر الحياة وعدم اتساعها لكل هذا الكم اللامتناهي من الكتب، فإن ثمة مجالاً لرسم الحدود بين ما ينبغي أن نكتسبه عبر القراءة والتحصيل النظري والمعرفي، وما ينبغي أن نختبره عبر التجربة المحسوسة والانغماس في العيش. فالحياة ليست معادِلة للواقع المرئي فحسب، بل هي تجد قيمتها المضافة فوق أرض التخيل والدهشة وتقصي المجهول. والحياة لا تُتذوق بالحواس وحدها، بل بنشوة الروح وفرح الحدوس الذي تساعده الكلمات على التفتح والانبثاق. لكلٍ منا بالطبع أن يبحث عن الطريقة الأنجع لتلقف المعرفة، وأن ينتقي ما يوافق طباعه ومزاجه من الكتب والمؤلفات والوسائط المعرفية المستجدة، ولكن علينا ألا ننسى في غمرة انهماكاتنا المادية أن الكتب هي «عيادة الروح»، كما كتب المصريون القدماء على مدخل إحدى مكتباتهم الكبرى، وأن أفضل ما مُنحناه، نحن المتأخرين في القدوم إلى العالم، هو الاستمتاع بما قدمه لنا أسلافنا السابقون من ثمار عقولهم المستنيرة ومحاصيل مكابداتهم الشاقة مع اللغة والحياة.
أما خوف الكتّاب والشعراء من التأثر بمن يرون فيهم مُثُلهم ونماذجهم العليا، فلا يمكن أن يُتلافى بالعزوف عن القراءة والاحتكام إلى الفطرة، بل بمنازلة من نتأثر بهم فوق حلبة المغايرة والاختلاف والسجال الندي. كما أن الكاتب الحقيقي لا بد أن يتخلص من شبْهة ما يقرأه ويحوله إلى مادة أخرى مغايرة، كما تذيب الشجرة ما تتلقفه من التربة والسماد وتحوله إلى ثمار شهية. ولعل الناقد الفرنسي جان ليسكور قد استطاع بحذق بالغ أن يعبر عن العلاقة الإشكالية بين القراءة والكتابة بقوله: «يجب أن ترافق المعرفة قدرة موازية على نسيانها. ونسيان المعرفة ليس نوعاً من الجهل، بل هو تجاوز صعب لها. وهو الثمن الذي لا بد من دفعه لجعل الكتابة بداية خالصة، والذي يجعل من خلْقها تمريناً على الحرية».



دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
TT

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)

افتتح الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، «معرض دمشق الدولي للكتاب 2026»، في قصر المؤتمرات بالعاصمة، واستقبل وزيرَ الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، الذي تشارك فيه بلاده ضيفةَ شرف.

وتمثّل هذه الدورة من المعرض، محطة إشعاع ثقافي مهمة، تعيد الاعتبار للكتاب بوصفه حاملاً للمعنى ومساحة للحوار.

وخلال زيارته الرسمية، التقى وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، وقدَّم له التهنئة بمناسبة إقامة المعرض.

ودشّن الوزير السعودي جناح بلاده في المعرض، بحضور نظيريه السوري والقطري الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني. وتستمر فعاليات المعرض حتى 16 فبراير (شباط) الحالي، في حضور ثقافي عربي يعكس دور السعودية الريادي في المشهد الثقافي العربي والدولي.


«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
TT

«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)

يغوص الفنان التشكيلي جوزيف أفرام في الذات، كاشفاً مشاعر وأحاسيس تكتنفها لعبة الحياة. ومن هذا المنطلق، يُتيح معرضه «القوى الدافعة» في غاليري «آرت ديستريكت» للزائر أن يُسقط قراءته الخاصة على الأعمال. وبين لعبة الحياة ولعبة الدول، يستكشف تركيبات السياسات الدولية المؤثرة في العالم، ويزيح الأقنعة التي تُخفى خلفها حالات الإحباط.

صاحب الغاليري ماهر عطّار يصف أفرام بأنه من المواهب اللبنانية اللافتة، وفنان ذو رؤية مختلفة وأفكار عميقة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه يخرج في أعماله عن المألوف، ويأخذ الزائر إلى مساحات فنية مفتوحة على احتمالات لا حدود لها.

يرسم أفرام الثبات والإحباط، كما الصمود والثورة، في لوحات تقوم على التناقض، مستخدماً الأبيض والأسود كلغتين بصريتين أساسيتين. ويرتكز في أعماله على «الأكريليك» والحبر الصيني، المتوَّجين بتقنية الـ«جيسو»، لتتراكم الطبقات وتُسلّط الضوء على موضوعاته. بهذا تتحوّل اللوحات إلى ما يشبه لآلئ لامعة، صاغها الفنان بالفرشاة والمجحاف والإسفنج.

من «القوى الدافعة» لجوزيف أفرام في غاليري «أرت ديستريكت» (الشرق الأوسط)

يشير أفرام إلى أن أعماله تبدأ برسوم تحضيرية تتطوّر لاحقاً إلى لوحات كبيرة. ويقول: «أعتمد هذا الأسلوب انطلاقاً من دراستي الجامعية في الهندسة الداخلية. لكن عندما أقف أمام المساحة البيضاء، حتى أغوص في عالم آخر يجرّني إلى تفاصيل لم أُحضِّر لها مسبقاً».

عناوين اللوحات المعروضة تحمل دلالات نفسية وإنسانية واضحة، وتعكس حالات نمرُّ بها في الحياة. في لوحة «المتأمِّل» تحلِّق في رحلة علاج داخلي، وفي «خيبة أمل في اللعبة» تدرك أن الحياة لا تستحق هذا القدر من التعقيد. أما في «الثوري» و«لا بأس بأن تكون معصوب العينين» فيدفعان المتلقي إلى التوقّف وإعادة النظر.

ويؤكد أفرام أن أكثر ما يشغله في أثناء تنفيذه أي لوحة هو وضوح الرسالة. ويقول: «أضيف تفاصيل صغيرة لتكشف عن نفسها بنفسها. أشكّل لوحتي من مجموعة رسومات يسكنها التجدد. أتناول أعماق الإنسان بصور تُكمل بعضها بعضاً؛ فتأتي أحياناً واضحة، وأحياناً أخرى مخفيَّة تحت وطأة لعبة الحياة التي تتطلّب منّا غضّ النظر».

في لوحة «الثوري»، يحرِّر أفرام مشاعر مدفونة تراكمت مع الزمن. وفي «المقاومة» يظهر وحيد القرن في مواجهة العواصف، رمزاً للثبات والقوة. ويعلّق: «اخترت هذا الحيوان لما يجسِّده من قدرة على التحمُّل والمواجهة».

لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» (الشرق الأوسط)

أما «الرجل الجنين» فيستحضر الحاجة إلى الأمان؛ يقول: «مرحلة وجود الجنين في رحم أمّه قد تكون الوحيدة التي تعيدنا إلى الأمان المطلق». وفي اللوحة الثنائية «الفائض بالروح» يقف كل قسم منها في مواجهة الآخر، مستحضراً مرحلة الغوص في الذات.

بعض الأعمال يدخل إليها اللونان البرتقالي والأزرق إلى جانب الأبيض والأسود. ويوضح: «في الحياة لا نكشف دائماً عن مشاعرنا الحقيقية، كما تترك السياسات آثارها السلبية علينا. استخدمت البرتقالي لتقديم الإحباط ضمن مساحة مضيئة، والأزرق للدلالة على حقائق زائفة تحتاج إلى مواجهة هادئة».

ويلاحظ أفرام أن المتلقي اليوم يميل إلى مشاهدة العمل الفني بوصفه مساحة تحليل، لا مجرد صورة عابرة. ويقول: «مع تسارع العصر وحضور الذكاء الاصطناعي، تزداد حاجتنا إلى التأمل للحفاظ على تواصلنا مع ذواتنا، لذلك اعتمدت لغة جسد مرنة تمنح الشكل بُعداً إنسانياً».

في لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» يقدِّم رسالة مباشرة: «أحياناً يكون غضّ الطرف ضرورة». ويختم: «المهم أن نبدأ من جديد وألا نستسلم للعتمة، بل نبحث عن الضوء الذي يسمح بالاستمرار».


مصريون في قوائم انتظار لربط مدخراتهم بـ«سبائك الذهب»

تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
TT

مصريون في قوائم انتظار لربط مدخراتهم بـ«سبائك الذهب»

تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)
تتاح السبائك ذات الأوزان الكبيرة (شركة بي تي سي)

فشلت عزة حمدي، وهي موظفة في الأربعين من عمرها تعيش في محافظة بني سويف (120 كم جنوب القاهرة)، في شراء سبيكة ذهبية صغيرة، بعدما سحبت جزءاً من مدخراتها المالية لشراء سبيكتين يزن كل منهما غراماً واحداً، مستفيدة من التراجع الجزئي في سعر الذهب. واضطرت في النهاية إلى دفع أموالها والانتظار نحو أسبوعين لتتسلم السبائك الخاصة بها.

طافت عزة محلات الصاغة في مدينتها، لكنها بعد جولة شملت أكثر من 10 محلات لم تجد ما تريد، وعادت إلى منزلها بعدما أخبرها عاملون بعدم وجود سبائك أو جنيهات ذهبية، وأن المتاح يقتصر على أوزان كبيرة من السبائك الذهبية فقط، يتراوح وزنها بين 20 غراماً و100 غرام، وهو ما يفوق قدرتها المالية.

تقول عزة لـ«الشرق الأوسط» إن بعض زميلاتها اشترين الذهب الشهر الماضي بعد انتهاء شهادات بنكية ذات عائد مرتفع، وحققن أرباحاً عند إعادة البيع عقب الارتفاع الكبير في الأسعار. وتشير إلى أنها قررت شراء سبائك صغيرة بجزء من مدخراتها، لكنها لم تتمكن من العثور عليها، ما اضطرها إلى الموافقة على دفع المبلغ والانتظار مدة تصل إلى أسبوعين، وفق ما أبلغها الصائغ، لتتسلم ما طلبته، بغضّ النظر عن ارتفاع سعر الذهب أو انخفاضه.

اختفت السبائك الذهبية ذات الأوزان الصغيرة من الأسواق (شركة بي تي سي)

بلغت مشتريات المصريين من الذهب 45.1 طن في عام 2025، متراجعة بنحو 10 في المائة مقارنة بعام 2024، مع تسجيل زيادة في الربع الأخير من 2025 بنسبة 4 في المائة عن الفترة نفسها من العام السابق. وهي الفترة التي شهدت قفزة قوية في مشتريات السبائك والعملات الذهبية بنسبة 27 في المائة، وفق تقرير صادر عن مؤسسة «جولد بيليون» الشهر الماضي.

وعلى عكس المشغولات الذهبية التي انخفضت مشترياتها بنسبة 18 في المائة في 2025 مقارنة بعام 2024، سجلت مشتريات السبائك والعملات الذهبية خلال الفترة نفسها تراجعاً بنحو 2 في المائة فقط.

يقول مجدي موريس، أحد العاملين في محلات الذهب، لـ«الشرق الأوسط» إن «السبائك اختفت بسبب زيادة الطلب عليها بشكل كبير في الأسابيع الماضية، مع دخول الشهر الثالث على التوالي من تركيز المواطنين على شرائها؛ نظراً لإمكانية إعادة بيعها دون خصم أي نسبة، على عكس المشغولات التي تتراوح نسبة الخصم عند إعادة بيعها بين 1 و3 في المائة، حسب المحل وحالة المشغولات نفسها».

وأضاف أن «السبائك الصغيرة هي الأكثر إقبالاً عليها، وأصبح من الصعب الحصول عليها مع تأخر الشركات في التوريد، مما دفع بعض التجار إلى الاتفاق على تنفيذ عمليات بيع بأسعار اليوم، على أن يجري التسليم في وقت لاحق»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر قد يؤدي إلى مشكلات عند تغيّر السعر في ظل حالة الاضطراب صعوداً وهبوطاً بشكل يومي، وقد حدثت بسببه خلافات بين بعض التجار والزبائن».

ولفت موريس إلى أنهم، على مدى 3 أيام تقريباً، لم يستقبلوا شخصاً واحداً يرغب في إعادة بيع سبيكة يملكها، مقابل مئات الاستفسارات اليومية عن الشراء، في حين لم تسلِّمهم الشركة التي يتعاملون معها أي سبائك جديدة منذ 5 أيام تقريباً. وأشار إلى وجود فارق سعري بين البيع والشراء للسبائك يصل إلى 300 جنيه (الدولار يعادل 46.9 جنيه في البنوك)، في إطار سعي التجار إلى تجنب الخسارة بسبب تذبذب الأسعار.

وسجلت أسعار الذهب تذبذباً عالمياً في الأسابيع الماضية، مع تسجيل أرقام قياسية لسعر «أونصة الذهب» التي اقتربت من حاجز 5600 دولار، قبل أن تتراجع بأكثر من ألف دولار. كما تشهد الأسواق العالمية تبايناً في السعر اليومي يصل أحياناً إلى 300 دولار، ما يجعل التسعير في محلات الذهب المصرية يتغير مرات عدّة خلال اليوم الواحد.

تعاني السوق المصرية من نقص في توافر السبائك (شركة بي تي سي)

أرجع رئيس «شعبة الذهب بالاتحاد العام للغرف التجارية» هاني ميلاد، نقص المعروض من السبائك في الأسواق إلى الزيادة الكبيرة في الطلب على الشراء، بما يتجاوز القدرات الإنتاجية والطاقة التشغيلية للمصانع. وأوضح أن هذا النقص ظهر بوضوح خلال الأيام الأخيرة، لا سيما في السبائك صغيرة الحجم والجنيهات الذهبية؛ نظراً لكونها الأكثر جذباً للمشترين.

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الذهب يُعد في الأساس أداة استثمارية طويلة الأجل، لكن موجة الصعود الأخيرة في الأسعار دفعت بعض المتعاملين إلى الشراء بغرض المضاربة قصيرة الأجل، مع تركيز واضح على السبائك والجنيهات الذهبية باعتبارها الأقل من حيث تكلفة «المصنعية»، مع إمكانية استرداد جزء منها عند إعادة البيع.

ونفى ميلاد وجود توجّه لإيقاف أو تعليق التعاملات في محلات الذهب بسبب التذبذب في الأسعار العالمية، مؤكداً أن عمليات البيع والشراء تسير بصورة اعتيادية في معظم الأوقات، رغم التقلبات السعرية.