هيل لم يوجه دعوة إلى لبنان لحضور قمة وارسو «تقديراً لخصوصيته»

واشنطن تعتبر وجود الحريري على رأس الحكومة ضرورة للإدارة الأميركية والمجتمع الدولي

ديفيد هيل خلال زيارته لبيروت (إ.ب.أ)
ديفيد هيل خلال زيارته لبيروت (إ.ب.أ)
TT

هيل لم يوجه دعوة إلى لبنان لحضور قمة وارسو «تقديراً لخصوصيته»

ديفيد هيل خلال زيارته لبيروت (إ.ب.أ)
ديفيد هيل خلال زيارته لبيروت (إ.ب.أ)

أتاحت المحادثات التي أجراها وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية السفير ديفيد هيل، مع أركان الدولة اللبنانية وعدد من الشخصيات السياسية الفاعلة في الشأن العام، الفرصة لاستقراء العناوين السياسية الرئيسة للتوجّه الأميركي حيال الأزمة التي يتخبّط فيها لبنان وارتباطها المباشر مع التأزم الذي تمر فيه المنطقة، تحديداً في دول الجوار، خصوصاً أن زيارته لبيروت جاءت تعويضاً عن عدم شمولها بالجولة التي قام بها وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو على عدد من الدول العربية.
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر لبنانية رسمية رفيعة مواكبة عن كثب للعناوين التي تناولت محادثات هيل في بيروت، أن الأخير لم يتطرّق في معظم لقاءاته بأركان الدولة إلى موقف لبنان من الدعوة الأميركية لعقد مؤتمر دولي وغربي في وارسو عاصمة بولندا في فبراير (شباط) المقبل بغية تأمين أكبر حشد دولي وعربي وإقليمي لمواجهة الأنشطة الإيرانية لزعزعة الاستقرار في المنطقة.
وكشفت المصادر نفسها أن هيل تطرّق إلى مؤتمر وارسو في معظم لقاءاته غير الرسمية، ولم يتناولها في محادثاته مع أركان الدولة، وهذا ما أكدته أوساط سياسية مقرّبة من رؤساء الجمهورية ميشال عون والمجلس النيابي نبيه بري وحكومة تصريف الأعمال سعد الحريري.
واعتبرت هذه الأوساط هذه أن هيل يدرك جيداً دقة الوضع الداخلي في لبنان، وعدم قدرته على أن يتحمل ما سيصدر عن مؤتمر وارسو، وهذا ما دفعه إلى عدم استحضاره كبند أساسي في محادثاته في بيروت.
وكشفت المصادر المواكبة أيضاً أن هيل تناول ما آلت إليه الاتصالات لتشكيل الحكومة الجديدة في لبنان، والأسباب التي حالت دون ولادتها، وقالت إنه شدد على ضرورة قيام حكومة متوازنة تحظى بدعم المجتمع الدولي، ولا تقحم لبنان في صدام معه. ولفتت إلى أن هيل لم يتحدث عن وجود فيتو أميركي على إسناد وزارة الصحة العامة إلى وزير ينتمي إلى «حزب الله» في حال أدت المشاورات إلى تشكيل الحكومة لاحقاً، لكنه أشار إلى أن واشنطن ومعها الدول الأوروبية لن تكون مرتاحة لمثل هذه الخطوة على خلفية أن هناك عقوبات مفروضة على «حزب الله»، وأن وزارة الصحة ستكون مضطرة للتعاون مع المؤسسات الدولية المعنية بالشأن الصحي، وبالتالي قد تتردد بالتعاون مع وزارة يشغلها وزير من «حزب الله»، وإن كان القرار يعود للبنان.
وأكدت المصادر المواكبة أن هيل تحدث عن نبرة عالية في معرض تأكيد دعم بلاده للبنان لمساعدته على النهوض بوضعه الاقتصادي، ليكون في وسعه التغلب على أزماته في هذا الخصوص. وقالت إنه مع تفعيل الحكومة الحالية في حال أن توفير البديلة سيصطدم بعقبات من شأنها أن تدخل لبنان في أزمة تأليف مديدة.
ورأت المصادر أن حرص هيل على تفعيل حكومة تصريف الأعمال، ومن خلال البيان المكتوب الذي تلاه بعد اجتماعه بالرئيس الحريري، ينم عن موقف أميركي داعم للأخير الذي تتعامل معه واشنطن على أن وجوده على رأس حكومة جديدة أكثر من ضرورة، ليس للإدارة الأميركية فحسب، وإنما للمجتمع الدولي بأسره.
ورداً على سؤال، قالت المصادر المواكبة إن هيل توقف مطولاً أمام الوضع في الجنوب في ضوء التطورات الأخيرة، وأبرزها مواصلة إسرائيل تشييد الجدار العازل، ولاحظت أنه لم يحمل تهديداً للبنان بمقدار ما أنه ركّز على ضرورة التعاون بين الجيش اللبناني والقوات الدولية «يونيفيل» في جنوب الليطاني لتطبيق القرار الدولي رقم 1701.
لكن الجانب اللبناني أثار مع هيل - كما تقول المصادر - أن إسرائيل تجاوزت الخط الأزرق مع استمرار إقامتها الجدار العازل، خصوصاً في 13 نقطة يتحفظ عليها لبنان باعتبارها تقع في المنطقة المتنازع عليها، وأن هذه القضية ما زالت مطروحة من الجانب اللبناني في محادثات الناقورة التي ترعاها القوات الدولية، ويشارك فيها لبنان إلى جانب إسرائيل.
ورد هيل - بحسب المصادر - بقوله إن «حزب الله» يواصل خرقه للقرار 1701، وسأل كيف يحق لميليشيا أن تشق أنفاقاً من داخل الأراضي اللبنانية إلى إسرائيل؟ وهنا قيل لهيل إن إسرائيل تواصل خرقها للبنان جواً وبحراً وبراً، وإن لبنان ضد الخروقات من أي جهة أتت. كما تطرّق هيل إلى مبادرة بعض الدول العربية إلى إعادة فتح سفاراتها في سوريا، ورأى أنه من الأفضل للدول العربية التي كانت أغلقت سفاراتها في دمشق أن تتريث، لأنه لا مصلحة لها قبل إنضاج الظروف التي تؤدي للوصول إلى حل سياسي.
وتناول هيل مسألة الرغبة الأميركية في الانسحاب من سوريا، ونقلت عنه المصادر المواكبة أن قرار سحب نحو 2300 جندي وضابط أميركي يوجدون حالياً في مناطق معينة داخل الأراضي السورية قد اتخذ منذ فترة، وأن انسحاب هذه القوات لا يعني أن واشنطن قررت أن تدير ظهرها لما يجري فيها.
وأضاف هيل - حسب المصادر ذاتها - أن الانسحاب سيبدأ تدريجياً، وأن واشنطن حريصة على دعم حلفائها «وبالتالي لا أرى من مبرر لأي توتر من قبل حلفائنا لأنه ممنوع على الجيش السوري الدخول أو التمركز في المناطق التي سنخليها، لأن مجرد دخوله يعني من وجهة نظرنا أنه يتجاوز الخطوط الحمر المرسومة له، وهذا ما سيعرضه إلى الرد من قبلنا بالتعاون مع حلفائنا».
واعتبر هيل أن المنطقة المعروفة بشمال سوريا، التي توجد فيها القوات الأميركية ستكون خاضعة لحلفائها، وهي تعمل حالياً بالتفاهم معهم لترتيب الوضع فيها، وقال إن واشنطن تعزّز حالياً وجودها العسكري داخل العراق، وإن قواتها تمكنت من دحر المجموعات الإرهابية، على رأسها تلك التابعة لـ«داعش»، وبمجرد أن تتوفر لديها معلومات أمنية واستخباراتية عن أن تلك المجموعات ستقوم بتحريك خلاياها النائمة ستبادر القوات الأميركية إلى ضربها فوراً.
وكرّر هيل - كما تقول المصادر - أن هناك صعوبة أمام الجيش السوري للدخول إلى المناطق الواقعة في شرق سوريا، بذريعة أنه يفتقد إلى الإمكانات اللوجستية والبشرية التي تسمح له بالتمدُّد إلى هذه المناطق، وأنه «في حال قرر اللجوء إلى استخدام أسلحة ثقيلة سيضطرنا إلى الرد، وهذه المسألة هي من النقاط التي تُبحث حالياً بين واشنطن وموسكو، لأن النظام في سوريا في حاجة ماسة إلى الأخيرة لتوسيع رقعة انتشاره».
لذلك شدّد هيل في محادثاته مع معظم القيادات اللبنانية التي التقاها في زيارته لبيروت على تفعيل وتشديد العقوبات المفروضة على إيران و«حزب الله»، لكنه في المقابل يقدّر حساسية الوضع الداخلي في لبنان، ولا يطلب منه القيام بما لا يستطيع، وبالتالي فإن المواجهة الأميركية - الإيرانية يُنتظر أن تشهد تصعيداً من قبل واشنطن ضد طهران، وأن ساحته ستشمل دول الجوار المحيطة بلبنان، باعتبار أن مجرد التوصّل إلى تجفيف أنشطة النفوذ الإيراني في المنطقة سيضعف «محور الممانعة» على الساحة اللبنانية، حتى في ظل غياب بيروت عن لقاء وارسو، الذي لم توجه دعوة للبنان للمشاركة فيه، منعاً لإحراجه وتقديراً لخصوصيته.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.