إدانات دولية لمقتل محتجين في الخرطوم... و«الصحة» السودانية تعتذر

غوتيريش «يتابع بقلق»... والاتحاد الأوروبي يحث الخرطوم على ضبط النفس ... وإضراب للأطباء

جانب من المظاهرات المناهضة للحكومة في مدينة أم درمان أول من أمس (رويترز) ...وفي الإطار أنطونيو غوتيريش (إ.ب.أ)
جانب من المظاهرات المناهضة للحكومة في مدينة أم درمان أول من أمس (رويترز) ...وفي الإطار أنطونيو غوتيريش (إ.ب.أ)
TT

إدانات دولية لمقتل محتجين في الخرطوم... و«الصحة» السودانية تعتذر

جانب من المظاهرات المناهضة للحكومة في مدينة أم درمان أول من أمس (رويترز) ...وفي الإطار أنطونيو غوتيريش (إ.ب.أ)
جانب من المظاهرات المناهضة للحكومة في مدينة أم درمان أول من أمس (رويترز) ...وفي الإطار أنطونيو غوتيريش (إ.ب.أ)

أقرت الشرطة السودانية، بمقتل ثلاثة متظاهرين، على الأقل في احتجاجات مدينة أم درمان أول من أمس، التي واجهتها بترسانة مسلحة، مستخدمة الرصاص الحي، أصيب جراه اثنا عشر شخصا آخرون، وهو ما دفع مراقبين إلى وصف تلك الأحداث بـ«الأربعاء الدامي».
وأعلن الأطباء إضراباً شاملاً عن العمل، احتجاجاً على اقتحام الأجهزة الأمنية لمستشفاهم، وإطلاق الرصاص، والغاز المسيل للدموع داخله، مما دفع وزارة الصحة للاعتذار. وأكد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أمس، أنه «يتابع بقلق» أعمال العنف التي أدت إلى سقوط قتلى بين المتظاهرين في السودان، داعياً إلى «ضبط النفس» وإجراء «تحقيق واف» فيما جرى، بينما ازدادت المخاوف من تأثير الأحداث على المساعدات الإنسانية التي ترسلها المنظمات الدولية لملايين المحتاجين في كل أنحاء البلاد.
ورداً على سؤال «الشرق الأوسط» في شأن المظاهرات التي تشهدها مناطق ومدن عدة في السودان وإطلاق الذخيرة الحيّة ضد المحتجين، أجاب الناطق باسم الأمم المتحدة فرحان حق أن الأمين العام أنطونيو غوتيريش «يتابع بقلق التطورات في جمهورية السودان، بما في ذلك ما يفاد عن العنف والقتلى»، داعياً إلى «الهدوء وضبط النفس» ومطالباً السلطات بـ«إجراء تحقيق واف في خصوص القتلى والعنف». وعبر عن «تعازيه إلى جميع أولئك الذين فقدوا أحباء لهم في أعمال العنف». وشدد على «ضرورة صون حرية التعبير والتجمع السلمي» في البلاد.
وفي شأن المساعدات التي توزع على المحتاجين في بعض الولايات، أفاد مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية بأنه «حتى تاريخه، لم تحصل مظاهرات كبرى، تعيق العمليات الإنسانية الكبرى، مثل دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق». غير أنه أشار إلى أن تردي الوضع الاقتصادي الذي أشعل هذه الاحتجاجات، والارتفاعات الحادة في أسعار المواد الغذائية، أثرت على قدرة الناس على شراء ما يكفي من الأغذية... فضلا عن وجود نحو 5.5 مليون شخص يحتاجون أصلاً إلى المساعدة الإنسانية. وأكد أن الوضع الاقتصادي أدى أيضاً إلى نقص متقطع في الوقود والنقود، مما أثر على قدرة المنظمات على إيصال المساعدات إلى المجتمعات الضعيفة.
من جانبه، حث الاتحاد الأوروبي الحكومة السودانية على منح المواطنين حق التظاهر، معرباً عن قلقه من وقوع ضحايا في وسطهم، مؤكداً أنه يتابع عن قرب الاحتجاجات التي تشهدها العاصمة وعدداً من مدن الولايات المختلفة، وتوقيف قيادات سياسية ونشطاء، مشدداً على ضرورة ضبط النفس.
وقال الاتحاد الأوروبي في بيان أمس، إن الاحتجاجات الشعبية المستمرة بسبب الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في السودان تثير القلق خاصة الأعداد المتزايدة في أوساط الضحايا. وأضاف: «من المهم إظهار ضبط النفس والعمل ضمن القانون»، داعياً الحكومة إلى احترام حق المواطنين في التعبير عن مخاوفهم والاستجابة لشكاويهم، وقال البيان: «يجب على جميع الأجهزة إنفاذ القانون بما يتفق مع التزامات السودان الدستورية والدولية». وأكد بيان الاتحاد الأوروبي أنه سيثير هذه القضايا في إطار الحكومة السودانية ومع الخبير المستقل المعني بحقوق الإنسان.
وكانت دول الترويكا «المملكة المتحدة والولايات المتحدة والنرويج» إضافة إلى كندا، قد أعربت عن شعورها بالقلق العميق إزاء تعامل الحكومة السودانية مع الاحتجاجات التي تشهدها العاصمة الخرطوم وعدد من المدن الأخرى واحتجاز عدد من السياسيين والناشطين والمتظاهرين، وحثت الحكومة على إطلاق سراح المعتقلين فوراً وإجراء تحقيق كامل وشفاف ومستقل في أقرب وقت بشأن مقتل كثير من المتظاهرين.
واعترفت الشرطة من جهتها، بمقتل ثلاثة متظاهرين، ونقلت وكالة الأنباء الرسمية «سونا» عن الناطق الرسمي هاشم عبد الرحيم، تلقي ثلاثة بلاغات بحالات وفاة وعدد من الإصابات في «أحداث شغب» بأم درمان ويجري التحقيق حولها تحت إشراف النيابة العامة، دون أن تحدد طريقة وسبب قتلهم.
وقال مصدر طبي، طلب حجب اسمه، إن نحو 5 أشخاص أصيبوا بالرصاص مباشرة في أحداث أم درمان إلى جانب القتلى، إضافة إلى 7 أصيبوا بالرصاص في احتجاجات أخرى، ما يزال بعضهم طريح المستشفيات.
وأوضح أن هناك ثلاثة مصابين بالرصاص في مستشفى «فضيل» أجريت لهم جراحات وأوضاعهم حرجة، إضافة إلى مصابَين إصابتهما خفيفة، تم تقديم العلاج لهم وخرجوا من المستشفيات، وفي مستشفى أم درمان أجريت عمليتان جراحيتان لاثنين، أحدهما الناشط هشام الشوالي، وثلاثة مصابين بطلق ناري في مستشفى الأربعين أجريت لهم جراحات وأوضاعهم مستقرة.
ويرجح المعارضون أن يكون الرصاص الذي قتل وجرح المتظاهرين السلميين، أطلق استجابة لتوجيهات مبطنة أطلقها النائب الأول السابق للرئيس علي عثمان محمد طه، بزعمه أن هناك قوات خاصة بالنظام تعرف كودياً باسم «الأمن الشعبي»، وتدافع عنه حتى الموت، حين قال في مقابلة تلفزيونية، إن «الإنقاذ نظام تحميه كتائب ومجموعات يعرفونها، حتى ولو أدى الأمر للتضحية بأرواحهم».
الحكومة السودانية اعترفت على استحياء بمقتل 19 شخصاً في الاحتجاجات، مرجعة القتل إلى عمليات «تخريب وعنف»، وبقتلى أم درمان الثلاثة يكون عدد القتلى الرسمي 22، لكن قتلى أم درمان لم يقتلوا في أحداث عنف أو تخريب، بل جاء العنف «غير المبرر» من القوات النظامية نفسها، في الوقت الذي تقول فيه المعارضة إن القتلى تجاوز عددهم الأربعين قتيلاً حتى الآن.
وبحسب الشهود، واجه المتظاهرون الرصاص بصدورهم العارية، وقتل جراه كل من صالح عبد الوهاب، ومحمد الفاتح، والحذيفة محمد، بحسب لجنة أطباء السودان المركزية، التي تابعت القول إن أجهزة الأمن لم تكتف بإطلاق الرصاص على المتظاهرين، بل اعتدت على المستشفيات، وأطلقت داخلها الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع. وبحسب بيانها، فإن سلطات الأمن «لم تراع حرمة المكان وقدسيته، وحرمة الأطفال والمرضى، والأطباء والعاملين بالمستشفيات، والتجاوز اللامحدود باعتقال طبيب امتياز واقتياده من مكان عمله».
وبسبب الاعتداء على المرضى في المستشفيات، قرر الأطباء الدخول في إضراب مفتوح، مشترطين للعودة إلى ممارسة عملهم أن يلاحق المعتدين، وإطلاق سراح زميلهم، وإيكال حراسة المستشفيات لرجال الجيش، واعتذارا مكتوبا من وزارة الداخلية وجهاز الأمن مع التعهد بعدم تكرار ذلك.
بيد أن وزارة الصحة بولاية الخرطوم، أدانت على لسان وزيرها مأمون حميدة، اقتحام قوات الأمن مستشفى أم درمان لمطاردة محتجين، ووصفت دخول القوات الأمنية للمستشفى بأنه «غير مقبول»، وأعلنت فتح «تحقيق حول ملابسات الأمر مع الجهات المعنية»، وأكدت نشر عناصر شرطة لحراسة المستشفيات وتأمين الأطباء والكوادر الصحية والمرضى.
من جهته، لم يبد الصحافي والمحلل السياسي فيصل محمد صالح، دهشته للعنف المفرط الذي استخدمته القوات الأمنية ضد العزل، وقال: «هذا ليس سلوكاً جديداً للنظام، فهو جزء من طبيعته وتركيبته، فمنذ تسلمه للسلطة في انقلاب يونيو (حزيران) 1989، لم يكن يتورع عن استخدام العنف المفرط ضد خصومه السياسيين».
وأضاف صالح أن الانقلاب يستهين عادة بأرواح الناس، ففي بداية عهد النظام قتل مجموعة من الضباط بدم بارد، وأخفى مواطنين في ظروف غامضة، وقتل بعضهم تحت التعذيب في «بيوت الأشباح»، ولقي آلاف المدنيين في حرب دارفور مصرعهم، في علميات حرق للقرى الآمنة، وقصف العزل بالطيران.
ويشير صالح إلى أن النظام قتل في انتفاضة سبتمبر (أيلول) 2013 عدداً كبيراً من المحتجين، قدرته منظمات حقوقية بأكثر من مائتي قتيل، واعترف هو بمقتل 80. ويتوقع أن يتزايد العدد كثيراً أثناء استمرار الاحتجاجات، ويقول: «لم يبلغ عدد القتلى في المظاهرات الأخيرة قتلى سبتمبر، لكن يمكن أن يصل إليه ويزيد عليه».
ويوضح صالح أن الأجهزة الأمنية غير مقيدة ولا يحدها دليل لاستخدام العنف وتحديد نوع الفعل اللازم، ويتابع: «التقديرات متروكة للأجهزة الأمنية، فقد أُلغي النظام الذي كان متبعاً، ويعطي سلطة تقدير استخدام العنف لقاض مرافق للشرطة، لكن النظام ترك تلك التقديرات لأجهزته الأمنية دون مراقبة أو حساب».
ويقطع صالح بأن ما حدث في المظاهرات الأخيرة من قتل ودم «سياسة منهجية» للنظام تجوز له استخدام أقصى حالات العنف في مواجهة المعارضين بما في ذلك القتل، حسب تقديرات الأجهزة الأمنية.
من ناحية أخرى، ينتظر أن تتواصل الاحتجاجات في البلاد، وتتزايد وتيرتها، وأعلن تجمع المهنيين السودانيين، عن ترتيب خطوات لاحتجاجات منظمة قادمة، وقال في بيان صادر أمس: «تجري المشاورات من دون كلل ولا راحة، للترتيب لخطوات قادمة، تشبه أحلامنا وتطلعاتنا، فصبراً... إن موعدنا الحرية والتغيير».



تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.


غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.