مواجهة بالسياسة والفكر للفتن الطائفية في مصر

لجنة أمنية... ومشروع عقوبات... وزيارات للكنيسة

مواجهة بالسياسة والفكر للفتن الطائفية في مصر
TT

مواجهة بالسياسة والفكر للفتن الطائفية في مصر

مواجهة بالسياسة والفكر للفتن الطائفية في مصر

جهود مكثفة تبذلها السلطات المصرية لمحاصرة الفتنة الطائفية، التي أصبحت عامل تهديد خطير للأمن والاستقرار في البلد، الذي ينشد تحقيق نقلة كبيرة في مجال الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي. فبعد سنتين من واقعة ذبح صاحب «محمصة» قبطي، اسمه يوسف لمعي، في مدينة الإسكندرية الساحلية، لبيعه خموراً، نفّذ حكم الإعدام بالجاني الشهير بـ«عسلية» في 30 ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وبذا انتهت واحدة من القضايا الطائفية التي شغلت الرأي العام منذ يناير (كانون الثاني) عام 2017. عندما ارتكب «عسلية» جريمته، وسجلتها كاميرات المحل.
إلا أن هذا العقاب لم يمنع وقوع أحداث طائفية أخرى شهدت قتلاً على الهوية، كان آخرها في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، عندما هاجم مسلحون حافلة تقل عدداً من الأقباط أثناء عودتهم من دير الأنبا صموئيل غرب مدينة العدوة، بمحافظة المنيا (على بعد 200 كيلومتر جنوب القاهرة)، ما أسفر عن مقتل 7 منهم وجرح 14. ولقد تبنى تنظيم داعش الإرهابي المتطرف مسؤولية الهجوم.

أصدر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال الأسبوع الماضي، قراراً جمهورياً بتشكيل لجنة مركزية تحمل اسم «اللجنة العليا لمواجهة الأحداث الطائفية»، يرأسها مستشار الرئيس لشؤون الأمن ومكافحة الإرهاب، وتضم في عضويتها ممثلين عن هيئة عمليات القوات المسلحة، والمخابرات الحربية، والمخابرات العامة، والرقابة الإدارية، والأمن الوطني. ويحق للجنة أن تدعو من تشاء من الوزراء أو ممثليهم، وممثلي الجهات المعنية لحضور اجتماعاتها عند نظر مواضيع ذات صلة.
مهام اللجنة وضع الاستراتيجية العامة لمنع ومواجهة الأحداث الطائفية ومتابعة تنفيذها، وآليات التعامل مع الأحداث الطائفية حال وقوعها، وإعداد تقرير دوري بنتائج أعمالها وتوصياتها وآليات للعرض على الرئيس. وقال مراقبون إن «القرار يشكل اعترافاً رسمياً بوجود مشكلة طائفية، للمرة الأولى، وذلك بعدما اعتادت الجهات الرسمية في الدولة، ووسائل الإعلام منذ أحداث الخانكة عام 1972. التأكيد على الوحدة الوطنية بين المسلمين والأقباط، واعتبار أي مشاكل أو أحداث ذات بعد طائفي مشاكل فردية، أو مؤامرات خارجية... كما ينقل قرار اللجنة مواجهة الأحداث الطائفية من الجانب الفكري والديني، إلى الجانب السياسي والأمني والمعلوماتي».

مواجهة أمنية
حظي قرار تشكيل اللجنة العليا لمواجهة الأحداث الطائفية، بترحيب رسمي على المستوى الحكومي والبرلماني، وأيضاً على المستوى الديني. وقال الدكتور شوقي علاّم، مفتي مصر، إن «اللجنة تعد خطوة مهمة في طريق تحقيق المواطنة الكاملة للمصريين، ودعم جهود تعزيز العيش المشترك بين أبناء الوطن الواحد»، مؤكداً «استعداد دار الإفتاء للتعاون مع اللجنة، ودعمها».
أيضاً رحّبت الطائفة الإنجيلية في بيان صحافي باللجنة، معتبرة إياها «نقلة نوعية على طريق المواطنة». ووصف كمال زاخر، منسّق التيار العلماني بالكنيسة الأرثوذكسية، قرار تشكيل اللجنة بأنه «خطوة إيجابية لمواجهة الأحداث الطائفية والإرهاب»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «اللجنة تضم بجوار جهاز عمليات القوات المسلحة، أجهزة المعلومات، ممثلة في المخابرات العامة والحربية، وممثلا للرقابة الإدارية. وهذا يعني أن هناك اتجاها لمتابعة جذور المشكلة في الجهاز الإداري للدولة، فطبيعة عمل الرقابة الإدارية تختص بملاحقة المنحرفين في الجهاز الإداري، مما يعطي انطباعاً بأن لدى القيادة السياسية معلومات حول وجود دور لبعض القيادات التنفيذية أو الإدارية في استفحال ظاهرة الإرهاب».
وأردف زاخر أن «قرار تشكيل اللجنة يتماس مع القرار الجمهوري بتشكيل المجلس الأعلى لمواجهة الإرهاب، حيث يوجد جميع أعضائه في اللجنة، مع استبعاد الجهات الدينية من تشكيل الأخيرة، ما يعني نقل الأمر من دائرة التعاطي الفكري والثقافي، إلى العمل في مواجهة حقيقية على الأرض».
جدير بالذكر، أن الرئيس السيسي كان قد أصدر في يوليو (تموز) 2017 قراراً بإنشاء «المجلس القومي لمواجهة الإرهاب والتطرف» برئاسته وعضوية كل من رئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس الوزراء، وشيخ الأزهر، وبابا الإسكندرية، ووزراء الدفاع، والأوقاف، والشباب والرياضة، والتضامن الاجتماعي، والخارجية، والداخلية، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والعدل، والتربية والتعليم، والتعليم العالي، ورئيس جهاز المخابرات العامة، ورئيس هيئة الرقابة الإدارية، وعدد من الشخصيات العامة.
وخلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال اللواء كمال عامر، رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب (البرلمان) إن «شعار مصر الآن هو يد تبني ويد تحمل السلاح»، مشيراً إلى أن «مصر تواجه أعمالا إرهابية تستهدف النيل من استقرارها. وفي فترة الأعياد التي تعيشها مصر حالياً، تزداد المؤامرات التي تسعى إلى التفريق بين شقي الأمة، وتهدف إلى تشويه الحقائق، والتأثير على البلاد اقتصاديا وسياسيا، من هنا كان لا بد من العمل عبر استراتيجية شاملة لمواجهة الإرهاب أمنياً وعسكرياً وفكرياً وثقافياً ودينياً أيضا». ثم تابع «نظراً لزيادة محاولة القوى الكارهة المساس بأمن مصر، تم تشكيل لجنة ميدانية يقودها مستشار الرئيس الأمني، ومهمتها وضع دراسة مسبقة لاحتمالات الإرهاب، والاستعداد له وإحباطه في مهده، وهذا يتم من خلال قوات الداخلية والجيش»، لافتاً إلى بيان الجيش المصري رقم 30 الذي «أكد أن الضربات المسبقة أحدثت خسائر كبيرة في صفوف الإرهابيين، وأجهضت 95 في المائة من قوتهم». واستطرد أن «اللجنة ستعمل أيضاً على مواجهة الحدث وقت حدوثه، وإزالة آثاره بالتنسيق مع الوزارات المعنية».
من جهتها، أكدت الكاتبة الصحافية فريدة الشوباشي، أهمية اللجنة، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «تشكيلها يأتي في وقت تتزايد فيه المؤامرات على مصر... واللجنة ستضع يدها على أوجاعنا، وتقدم علاجاً حاسما لمشاكلنا»، منتقدة ما اعتبرته «تقصيراً من جانب وسائل الإعلام المحلية في الاحتفاء بهذا القرار».

... ومواجهة بالفكر
لكن المواجهة الأمنية التي تفرضها اللجنة لا تعني وقف إجراءات المواجهة الفكرية، بل شهد الأسبوع الماضي زيارات متبادلة من قيادات الأزهر إلى الكنائس المصرية للتهنئة بعيد الميلاد. إذ زار الدكتور أحمد الطيّب، شيخ الأزهر، على رأس وفد أزهري رفيع المستوى يتقدمهم الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف ومفتي البلاد، مقر الكاتدرائية بالعباسية في القاهرة لتهنئة البابا تواضروس، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية.
وهنأ شيخ الأزهر الأقباط، مؤكداً أن «مشاعر التراحم والود، والزيارات المتبادلة بين المسلمين والمسيحيين، نابعة من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف الذي يفرض على المسلم أن يتواصل مع أخيه في الوطن». وأضاف «أن الأزهر يعلم أبناءه أن الأديان السماوية تنبع من مصدر إلهي واحد، وأن جميع الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأن الدين الإسلامي الخاتم ليس منفصلاً عن باقي الأديان، وإنما حلقة في سلسلة الدين الإلهي، مبيناً أن هذه المفاهيم هي التي حمت المجتمعات في المشرق العربي من الصراعات الدينية بين مكوناتها المختلفة».
ورد البابا تواضروس الثاني خلال لقائه وفد الأزهر، مشدداً على أن «مشاعر الحب والود المتبادلة هي نعمة من الله على الشعب المصري، وتأتي الأعياد والمناسبات الإسلامية والمسيحية كفرصة لإظهار هذه النعمة». ثم أوضح أن «تعاليم المسيح كلها تدعو للمحبة للآخرين... وهذه المحبة تنشر الفرح والسعادة في المجتمع، وهو ما يعني أن يسود السلام النفسي والمجتمعي... ولذلك فإن زيارات شيخ الأزهر للكاتدرائية في مختلف المناسبات تسهم في نشر الفرح والسلام والسعادة في المجتمع المصري».
وقبل بضعة أيام، في السياق نفسه، حضر الدكتور أشرف صبحي، وزير الشباب والرياضة المصري، احتفالات الطائفة الإنجيلية (البروتستانتية) بعيد الميلاد المجيد في الكنيسة الإنجيلية بقصر الدوبارة.
عودة إلى كمال زاخر، فإنه أكد أن «الحل الأمني غير كاف لعلاج المشكلة، ولو طرحنا البعد الثقافي والاجتماعي، فالمسألة تحتاج إلى أخذ وعطاء ومدارس حتى نصل لنتيجة، تتمكن من تغيير وجدان تم تكوينه عبر عقود من الزمن بشكل متطرف، وهو أمر يحتاج إلى وقت طويل». ثم أضاف «علينا أن نسير في كلا الاتجاهين بالتوازي: مواجهات أمنية سريعة معتمدة على جهاز معلوماتي، وفي الوقت نفسه العمل على البعد الثقافي، والقرار يتيح للجنة الاستعانة بمن تشاء من الوزارات والهيئات المعنية. ومن المؤكد أنه سيكون هناك دور للإعلام والتعليم والثقافة... فعلى المستوى التكتيكي تأتي المواجهة في المقدمة، وعلى المستوى الاستراتيجي تأتي المواجهة الفكرية، وآن الأوان لنعترف بوجود أزمة الإعلام، والتعليم، والثقافة، فمنفذي الهجمات الإرهابية من خريجي الجامعات، مما يعني أن هناك خللا في التكوين».

«بيت العائلة المصرية»
وما يستحق الذكر أن بعض المراقبين يرى في الخطوات السياسية الأخيرة تقليصاً لدور «بيت العائلة المصرية»، الذي أسس عام 2011 ويتكون من قيادات إسلامية ومسيحية، وكان طوال السنوات الماضية قد تدخل لحل الإشكالات الطائفية عبر جلسات عرفية كانت تنتهي بالصلح دون معاقبة الجناة، ما يتسبب في تكرار الإشكالات مرات أخرى. وفي هذا الشأن، قال زاخر إن «هناك خللاً في تشكيل «بيت العائلة» منذ نشأته عام 2011. حيث كانت الظروف ملتبسة ليخرج «بيت العائلة» عن الخط المرسوم له ويتدخل لحل المشاكل الطائفية والإرهابية عرفياً، قفزاً على القانون، وهو ما ثبت فشله في علاج المشكلة».
أما الشوباشي فرأت أنه من الأفضل حل هذه الإشكالات بالقانون، وقالت «نريد دولة قانون، لا دولة فتاوى دينية... خاصة، أن هذه الفتاوى تحدث لبساً عند المواطن العادي الذي قد لا يدرك الفرق بين الفتوى الصادرة عن مؤسسة الأزهر، أو عن شخص متشدّد» - على حد قولها.
إلا أن النائب شكري الجندي، وكيل اللجنة الدينية بمجلس النواب المصري، يؤمن بأن «تشكيل اللجنة العليا لمواجهة الأحداث الطائفية بهذا الشكل لا بد أنه جاء بعد الدراسة لتحقق الغرض المنشود منها، والمقصود من هذا الملف، وهو ملف أمني، الحفاظ على أمن مصر، وأمن الشرق الأوسط والأمة العربية بالكامل».
وللعلم، وفقاً لتقديرات رسمية تتراوح نسبة المسيحيين في مصر بين 10 و15 في المائة من عدد السكان. ويشدد البابا تواضروس دائماً على أن «أي محاولة للعبث بالرباط القوي الذي يجمعنا بالمسلمين سوف تنتهي بالفشل»، وأن «مشاعر الحب والود المتبادلة هي نعمة من الله على الشعب المصري، وتأتي الأعياد والمناسبات الإسلامية والمسيحية كفرصة لإظهار هذه النعمة».
مقالات وصحف
في سياق متصل، تناول عدد من المقالات ومساحات الرأي في الصحف قضية الفتنة الطائفية وقرار اللجنة، وأبرزت زيارات القيادات الدينية المتبادلة. وقال الكاتب الصحافي عبد اللطيف المناوي، رئيس تحرير صحيفة «المصري اليوم» اليومية الخاصة، في مقاله تحت عنوان «المعلومات... ومواجهة الطائفية»، إن «فتوى تحريم تهنئة الأقباط بعيدهم فتوى متكرّرة لدرجة الملل»، مؤكداً «أن المشكلة لن تحل وحدها؛ بل بالشفافية والمعلومات».
وخصصت صحيفة «صوت الأزهر»، التي تصدرها مؤسسة الأزهر، عددها الأخير للمشاركة في احتفالات الأقباط بعيد الميلاد. وأشارت في واحد من عناوينها الرئيسية على الصفحة الأولى إلى دور الأزهر في تجديد الخطاب الديني، وفتوى شيخ الأزهر التي تؤكد أن «تحريم تهنئة الأقباط بأعيادهم ليس من الإسلام». وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال الكاتب الصحافي أحمد الصاوي، رئيس التحرير، بأن «الصحيفة شاركت الأقباط أعيادهم في العام الماضي أيضاً، تأكيداً لمنهج الأزهر في التعامل مع الآخر، والتقدير الإسلامي المجمع عليه الموجود في نصوص القرآن والسنة لشخصية المسيح وأمه العذراء». وأردف قائلاً «أن من ينتقد مناهج الأزهر ويتهمها بأنها تحرض ضد المسيحيين، عليه قراءة المناهج قبل انتقادها، والاطلاع على خطب وكلمات شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، التي تؤكد أن مصطلح أهل الذمة لم يعد صالحاً للاستخدام، وأن المواطنة أصل في الإسلام، وأن الجميع متساوون في الحقوق والواجبات بغض النظر عن دينهم، وهو ما تؤكده «وثيقة التعايش» التي أصدرها الأزهر في مارس (آذار) عام 2017».
وتابع الصاوي أن «العدد الأخير من الصحيفة الذي صدر الأربعاء الماضي تطرّق إلى تصريحات شيخ الأزهر الدكتور الطيب التي أكدت عدم وجود نصوص دينية تحرّم بناء الكنائس، مستعرضاً نماذج من مناهج الأزهر تحث على التعاون بين المسلمين والأقباط، من خلال مواد المواطنة والثقافة الإسلامية».

تحريم تهنئة الأقباط
في المقابل، قبل أيام، جدّد الشيخ ياسر برهامي فتواه بحرمانية تهنئة الأقباط بـ«عيد ميلاد المسيح». واعتبر برهامي أن «التهنئة بعيد الكريسماس أو غيره من أعيادهم الدينية حرام بالاتفاق»، ويذكر أن فتوى برهامي «سيناريو» متجدد كل عام يحرم فيه التهنئة، ويدخل على الخط أيضاً العديد من المشايخ غير الرسميين.
هذه الفتوى دفعت أحد المحامين المصريين لأن يتقدم ببلاغ للسلطات القضائية ضد برهامي، اتهمه فيه بإثارة الفتنة الطائفية، والتحريض ضد أقباط مصر من خلال فتواه الصادرة عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك». ورأى البلاغ أن «فتوى برهامي تثير الفتنة الطائفية بين جناحي الوطن الواحد، وهو ما يؤدي إلى إثارة القلاقل وزعزعة الاستقرار الداخلي للبلاد والإضرار بمصالحها العليا وأمنها القومي، في ظل المؤامرات الداخلية والخارجية التي تستهدف الدولة المصرية ومواطنيها». ومن ثم، في محاولة لصد سيل الفتاوى التي تُطلق من دعاة غير رسميين تحرّم تهنئة الأقباط بأعيادهم، يسعى مجلس النواب لإقرار مشروع قانون يُعاقب كل من يُصدر مثل هذه الفتاوى بالحبس مدة لا تزيد عن 6 أشهر وغرامة لا تزيد عن 10 آلاف جنيه.
من جهة ثانية، انتهت اللجنة الدينية بمجلس النواب المصري، الأربعاء الماضي، من مناقشة مشروع قانون «تنظيم الفتوى» لوضع حد للفتاوى التحريضية. وقال وكيل اللجنة النائب شكري الجندي إن «القانون لن يمنح ترخيص الفتوى إلا لمن يستحق، ومن خلال هيئة «كبار العلماء» و«مجمع البحوث الإسلامية» وإدارة الفتوى بوزارة الأوقاف ودار الإفتاء، وهذا ليس إقصاء لأحد؛ لكنه من باب التنظيم». وتابع أن «القانون يعاقب كل من يفتي دون ترخيص أو يصدر فتاوى شاذة ومضللة».
وأضاف الجندي أن «اللجنة انتهت أيضاً من مشروع قانون حق الظهور الإعلامي لرجال الدين وغيرهم من المتحدثين في الأمور الدينية، وقانون تنظيم العمل بدار الإفتاء. وسيتم قريبا مناقشة المشاريع الثلاثة في الجلسة العامة لمجلس النواب»، مؤكداً أن «هذه القوانين تصب في صلاح الوطن والمواطن والدين، والإسلام بريء من أي تطرف أو إرهاب، فهو الدين الخاتم والجامع لما فيه خير البشرية».
هذا، وأكد مراقبون أن «ما حدث في مصر على مدار الأسبوع الماضي، لم يكن مرتبطاً بحادث طائفي معين، ما يشير إلى تغير نظرة مصر الرسمية وغير الرسمية للمشكلة، واتجاهها نحو حل المشكلة من جذورها دون انتظار لأحداث جديدة». وقال كمال زاخر بأن عام 2018 كان «عام المواجهة الشاملة ضد الإرهاب من خلال العملية الشاملة «سيناء 2018»، وأعتقد أن هذه العملية اتسع نطاقها الجغرافي لتشمل مصر كلها عام 2019. عبر مواجهة كافة أشكال الإرهاب والطائفية في كل الأماكن الملتهبة في سيناء والمنيا وغيرهما».

أبرز الأحداث الطائفية في مصر خلال السنوات الأخيرة

> 1972 إحراق كنيسة يجري تشييدها في الخانكة بمحافظة القليوبية المتاخمة للقاهرة.
> 1981 أحداث «الزاوية الحمراء» بشرق القاهرة، التي شهدت سقوط قتلى عقب اشتباكات مسلحة احتجاجا على بناء كنيسة.
> 1999 أحداث قرية الكشح في محافظة سوهاج، بصعيد مصر، التي تسببت في سقوط قتلى في اشتباكات نتيجة خلافات تجارية.
> 2010 شهد عدداً من الأحداث الطائفية من بينها، الاعتداء على مطرانية نجع حمادي في محافظة قنا بصعيد مصر، واشتباكات مرسى مطروح في الشمال الغربي، وأحداث كنيسة العمرانية بالجيزة.
> 2011 حادث تفجير كنيسة القديسين بمحافظة الإسكندرية، وشهد العام نفسه اشتباكات قرية أطفيح، وأحداث إمبابة، لينتهي العام بـ«أحداث ماسبيرو» في القاهرة.
> 2016 تفجير الكنيسة البطرسية في حي العباسية بالقاهرة، ومقتل 29 شخصاً، وتبني تنظيم داعش التفجير.
> 2017 الاعتداء على الأقباط في العريش بشبه جزيرة سيناء، وفرار الأسر المسيحية من المدينة. وفي العام نفسه وقع الهجوم على كنيسة مار جرجس في طنطا بمحافظة الغربية، والكاتدرائية المرقسية في الإسكندرية. وفي مايو (أيار) من العام نفسه قتل 29 شخصا في هجوم على حافلة أقباط كانت في طريقها لدير الأنبا صموئيل في المنيا بصعيد مصر.
> 2018 شهدت محافظة المنيا مجموعة من الأحداث الطائفية بدأت في قرية منبال، ثم قرية دمشاو هاشم على مدار العام، واختتمت بالاعتداء على حافلة دير الأنبا صموئيل.


مقالات ذات صلة

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

حصاد الأسبوع آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي.

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة…

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة،

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة،

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع  تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته

إيلي يوسف ( واشنطن)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».