مواجهة بالسياسة والفكر للفتن الطائفية في مصر

لجنة أمنية... ومشروع عقوبات... وزيارات للكنيسة

مواجهة بالسياسة والفكر للفتن الطائفية في مصر
TT

مواجهة بالسياسة والفكر للفتن الطائفية في مصر

مواجهة بالسياسة والفكر للفتن الطائفية في مصر

جهود مكثفة تبذلها السلطات المصرية لمحاصرة الفتنة الطائفية، التي أصبحت عامل تهديد خطير للأمن والاستقرار في البلد، الذي ينشد تحقيق نقلة كبيرة في مجال الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي. فبعد سنتين من واقعة ذبح صاحب «محمصة» قبطي، اسمه يوسف لمعي، في مدينة الإسكندرية الساحلية، لبيعه خموراً، نفّذ حكم الإعدام بالجاني الشهير بـ«عسلية» في 30 ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وبذا انتهت واحدة من القضايا الطائفية التي شغلت الرأي العام منذ يناير (كانون الثاني) عام 2017. عندما ارتكب «عسلية» جريمته، وسجلتها كاميرات المحل.
إلا أن هذا العقاب لم يمنع وقوع أحداث طائفية أخرى شهدت قتلاً على الهوية، كان آخرها في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، عندما هاجم مسلحون حافلة تقل عدداً من الأقباط أثناء عودتهم من دير الأنبا صموئيل غرب مدينة العدوة، بمحافظة المنيا (على بعد 200 كيلومتر جنوب القاهرة)، ما أسفر عن مقتل 7 منهم وجرح 14. ولقد تبنى تنظيم داعش الإرهابي المتطرف مسؤولية الهجوم.

أصدر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال الأسبوع الماضي، قراراً جمهورياً بتشكيل لجنة مركزية تحمل اسم «اللجنة العليا لمواجهة الأحداث الطائفية»، يرأسها مستشار الرئيس لشؤون الأمن ومكافحة الإرهاب، وتضم في عضويتها ممثلين عن هيئة عمليات القوات المسلحة، والمخابرات الحربية، والمخابرات العامة، والرقابة الإدارية، والأمن الوطني. ويحق للجنة أن تدعو من تشاء من الوزراء أو ممثليهم، وممثلي الجهات المعنية لحضور اجتماعاتها عند نظر مواضيع ذات صلة.
مهام اللجنة وضع الاستراتيجية العامة لمنع ومواجهة الأحداث الطائفية ومتابعة تنفيذها، وآليات التعامل مع الأحداث الطائفية حال وقوعها، وإعداد تقرير دوري بنتائج أعمالها وتوصياتها وآليات للعرض على الرئيس. وقال مراقبون إن «القرار يشكل اعترافاً رسمياً بوجود مشكلة طائفية، للمرة الأولى، وذلك بعدما اعتادت الجهات الرسمية في الدولة، ووسائل الإعلام منذ أحداث الخانكة عام 1972. التأكيد على الوحدة الوطنية بين المسلمين والأقباط، واعتبار أي مشاكل أو أحداث ذات بعد طائفي مشاكل فردية، أو مؤامرات خارجية... كما ينقل قرار اللجنة مواجهة الأحداث الطائفية من الجانب الفكري والديني، إلى الجانب السياسي والأمني والمعلوماتي».

مواجهة أمنية
حظي قرار تشكيل اللجنة العليا لمواجهة الأحداث الطائفية، بترحيب رسمي على المستوى الحكومي والبرلماني، وأيضاً على المستوى الديني. وقال الدكتور شوقي علاّم، مفتي مصر، إن «اللجنة تعد خطوة مهمة في طريق تحقيق المواطنة الكاملة للمصريين، ودعم جهود تعزيز العيش المشترك بين أبناء الوطن الواحد»، مؤكداً «استعداد دار الإفتاء للتعاون مع اللجنة، ودعمها».
أيضاً رحّبت الطائفة الإنجيلية في بيان صحافي باللجنة، معتبرة إياها «نقلة نوعية على طريق المواطنة». ووصف كمال زاخر، منسّق التيار العلماني بالكنيسة الأرثوذكسية، قرار تشكيل اللجنة بأنه «خطوة إيجابية لمواجهة الأحداث الطائفية والإرهاب»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «اللجنة تضم بجوار جهاز عمليات القوات المسلحة، أجهزة المعلومات، ممثلة في المخابرات العامة والحربية، وممثلا للرقابة الإدارية. وهذا يعني أن هناك اتجاها لمتابعة جذور المشكلة في الجهاز الإداري للدولة، فطبيعة عمل الرقابة الإدارية تختص بملاحقة المنحرفين في الجهاز الإداري، مما يعطي انطباعاً بأن لدى القيادة السياسية معلومات حول وجود دور لبعض القيادات التنفيذية أو الإدارية في استفحال ظاهرة الإرهاب».
وأردف زاخر أن «قرار تشكيل اللجنة يتماس مع القرار الجمهوري بتشكيل المجلس الأعلى لمواجهة الإرهاب، حيث يوجد جميع أعضائه في اللجنة، مع استبعاد الجهات الدينية من تشكيل الأخيرة، ما يعني نقل الأمر من دائرة التعاطي الفكري والثقافي، إلى العمل في مواجهة حقيقية على الأرض».
جدير بالذكر، أن الرئيس السيسي كان قد أصدر في يوليو (تموز) 2017 قراراً بإنشاء «المجلس القومي لمواجهة الإرهاب والتطرف» برئاسته وعضوية كل من رئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس الوزراء، وشيخ الأزهر، وبابا الإسكندرية، ووزراء الدفاع، والأوقاف، والشباب والرياضة، والتضامن الاجتماعي، والخارجية، والداخلية، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والعدل، والتربية والتعليم، والتعليم العالي، ورئيس جهاز المخابرات العامة، ورئيس هيئة الرقابة الإدارية، وعدد من الشخصيات العامة.
وخلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال اللواء كمال عامر، رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب (البرلمان) إن «شعار مصر الآن هو يد تبني ويد تحمل السلاح»، مشيراً إلى أن «مصر تواجه أعمالا إرهابية تستهدف النيل من استقرارها. وفي فترة الأعياد التي تعيشها مصر حالياً، تزداد المؤامرات التي تسعى إلى التفريق بين شقي الأمة، وتهدف إلى تشويه الحقائق، والتأثير على البلاد اقتصاديا وسياسيا، من هنا كان لا بد من العمل عبر استراتيجية شاملة لمواجهة الإرهاب أمنياً وعسكرياً وفكرياً وثقافياً ودينياً أيضا». ثم تابع «نظراً لزيادة محاولة القوى الكارهة المساس بأمن مصر، تم تشكيل لجنة ميدانية يقودها مستشار الرئيس الأمني، ومهمتها وضع دراسة مسبقة لاحتمالات الإرهاب، والاستعداد له وإحباطه في مهده، وهذا يتم من خلال قوات الداخلية والجيش»، لافتاً إلى بيان الجيش المصري رقم 30 الذي «أكد أن الضربات المسبقة أحدثت خسائر كبيرة في صفوف الإرهابيين، وأجهضت 95 في المائة من قوتهم». واستطرد أن «اللجنة ستعمل أيضاً على مواجهة الحدث وقت حدوثه، وإزالة آثاره بالتنسيق مع الوزارات المعنية».
من جهتها، أكدت الكاتبة الصحافية فريدة الشوباشي، أهمية اللجنة، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «تشكيلها يأتي في وقت تتزايد فيه المؤامرات على مصر... واللجنة ستضع يدها على أوجاعنا، وتقدم علاجاً حاسما لمشاكلنا»، منتقدة ما اعتبرته «تقصيراً من جانب وسائل الإعلام المحلية في الاحتفاء بهذا القرار».

... ومواجهة بالفكر
لكن المواجهة الأمنية التي تفرضها اللجنة لا تعني وقف إجراءات المواجهة الفكرية، بل شهد الأسبوع الماضي زيارات متبادلة من قيادات الأزهر إلى الكنائس المصرية للتهنئة بعيد الميلاد. إذ زار الدكتور أحمد الطيّب، شيخ الأزهر، على رأس وفد أزهري رفيع المستوى يتقدمهم الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف ومفتي البلاد، مقر الكاتدرائية بالعباسية في القاهرة لتهنئة البابا تواضروس، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية.
وهنأ شيخ الأزهر الأقباط، مؤكداً أن «مشاعر التراحم والود، والزيارات المتبادلة بين المسلمين والمسيحيين، نابعة من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف الذي يفرض على المسلم أن يتواصل مع أخيه في الوطن». وأضاف «أن الأزهر يعلم أبناءه أن الأديان السماوية تنبع من مصدر إلهي واحد، وأن جميع الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأن الدين الإسلامي الخاتم ليس منفصلاً عن باقي الأديان، وإنما حلقة في سلسلة الدين الإلهي، مبيناً أن هذه المفاهيم هي التي حمت المجتمعات في المشرق العربي من الصراعات الدينية بين مكوناتها المختلفة».
ورد البابا تواضروس الثاني خلال لقائه وفد الأزهر، مشدداً على أن «مشاعر الحب والود المتبادلة هي نعمة من الله على الشعب المصري، وتأتي الأعياد والمناسبات الإسلامية والمسيحية كفرصة لإظهار هذه النعمة». ثم أوضح أن «تعاليم المسيح كلها تدعو للمحبة للآخرين... وهذه المحبة تنشر الفرح والسعادة في المجتمع، وهو ما يعني أن يسود السلام النفسي والمجتمعي... ولذلك فإن زيارات شيخ الأزهر للكاتدرائية في مختلف المناسبات تسهم في نشر الفرح والسلام والسعادة في المجتمع المصري».
وقبل بضعة أيام، في السياق نفسه، حضر الدكتور أشرف صبحي، وزير الشباب والرياضة المصري، احتفالات الطائفة الإنجيلية (البروتستانتية) بعيد الميلاد المجيد في الكنيسة الإنجيلية بقصر الدوبارة.
عودة إلى كمال زاخر، فإنه أكد أن «الحل الأمني غير كاف لعلاج المشكلة، ولو طرحنا البعد الثقافي والاجتماعي، فالمسألة تحتاج إلى أخذ وعطاء ومدارس حتى نصل لنتيجة، تتمكن من تغيير وجدان تم تكوينه عبر عقود من الزمن بشكل متطرف، وهو أمر يحتاج إلى وقت طويل». ثم أضاف «علينا أن نسير في كلا الاتجاهين بالتوازي: مواجهات أمنية سريعة معتمدة على جهاز معلوماتي، وفي الوقت نفسه العمل على البعد الثقافي، والقرار يتيح للجنة الاستعانة بمن تشاء من الوزارات والهيئات المعنية. ومن المؤكد أنه سيكون هناك دور للإعلام والتعليم والثقافة... فعلى المستوى التكتيكي تأتي المواجهة في المقدمة، وعلى المستوى الاستراتيجي تأتي المواجهة الفكرية، وآن الأوان لنعترف بوجود أزمة الإعلام، والتعليم، والثقافة، فمنفذي الهجمات الإرهابية من خريجي الجامعات، مما يعني أن هناك خللا في التكوين».

«بيت العائلة المصرية»
وما يستحق الذكر أن بعض المراقبين يرى في الخطوات السياسية الأخيرة تقليصاً لدور «بيت العائلة المصرية»، الذي أسس عام 2011 ويتكون من قيادات إسلامية ومسيحية، وكان طوال السنوات الماضية قد تدخل لحل الإشكالات الطائفية عبر جلسات عرفية كانت تنتهي بالصلح دون معاقبة الجناة، ما يتسبب في تكرار الإشكالات مرات أخرى. وفي هذا الشأن، قال زاخر إن «هناك خللاً في تشكيل «بيت العائلة» منذ نشأته عام 2011. حيث كانت الظروف ملتبسة ليخرج «بيت العائلة» عن الخط المرسوم له ويتدخل لحل المشاكل الطائفية والإرهابية عرفياً، قفزاً على القانون، وهو ما ثبت فشله في علاج المشكلة».
أما الشوباشي فرأت أنه من الأفضل حل هذه الإشكالات بالقانون، وقالت «نريد دولة قانون، لا دولة فتاوى دينية... خاصة، أن هذه الفتاوى تحدث لبساً عند المواطن العادي الذي قد لا يدرك الفرق بين الفتوى الصادرة عن مؤسسة الأزهر، أو عن شخص متشدّد» - على حد قولها.
إلا أن النائب شكري الجندي، وكيل اللجنة الدينية بمجلس النواب المصري، يؤمن بأن «تشكيل اللجنة العليا لمواجهة الأحداث الطائفية بهذا الشكل لا بد أنه جاء بعد الدراسة لتحقق الغرض المنشود منها، والمقصود من هذا الملف، وهو ملف أمني، الحفاظ على أمن مصر، وأمن الشرق الأوسط والأمة العربية بالكامل».
وللعلم، وفقاً لتقديرات رسمية تتراوح نسبة المسيحيين في مصر بين 10 و15 في المائة من عدد السكان. ويشدد البابا تواضروس دائماً على أن «أي محاولة للعبث بالرباط القوي الذي يجمعنا بالمسلمين سوف تنتهي بالفشل»، وأن «مشاعر الحب والود المتبادلة هي نعمة من الله على الشعب المصري، وتأتي الأعياد والمناسبات الإسلامية والمسيحية كفرصة لإظهار هذه النعمة».
مقالات وصحف
في سياق متصل، تناول عدد من المقالات ومساحات الرأي في الصحف قضية الفتنة الطائفية وقرار اللجنة، وأبرزت زيارات القيادات الدينية المتبادلة. وقال الكاتب الصحافي عبد اللطيف المناوي، رئيس تحرير صحيفة «المصري اليوم» اليومية الخاصة، في مقاله تحت عنوان «المعلومات... ومواجهة الطائفية»، إن «فتوى تحريم تهنئة الأقباط بعيدهم فتوى متكرّرة لدرجة الملل»، مؤكداً «أن المشكلة لن تحل وحدها؛ بل بالشفافية والمعلومات».
وخصصت صحيفة «صوت الأزهر»، التي تصدرها مؤسسة الأزهر، عددها الأخير للمشاركة في احتفالات الأقباط بعيد الميلاد. وأشارت في واحد من عناوينها الرئيسية على الصفحة الأولى إلى دور الأزهر في تجديد الخطاب الديني، وفتوى شيخ الأزهر التي تؤكد أن «تحريم تهنئة الأقباط بأعيادهم ليس من الإسلام». وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال الكاتب الصحافي أحمد الصاوي، رئيس التحرير، بأن «الصحيفة شاركت الأقباط أعيادهم في العام الماضي أيضاً، تأكيداً لمنهج الأزهر في التعامل مع الآخر، والتقدير الإسلامي المجمع عليه الموجود في نصوص القرآن والسنة لشخصية المسيح وأمه العذراء». وأردف قائلاً «أن من ينتقد مناهج الأزهر ويتهمها بأنها تحرض ضد المسيحيين، عليه قراءة المناهج قبل انتقادها، والاطلاع على خطب وكلمات شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، التي تؤكد أن مصطلح أهل الذمة لم يعد صالحاً للاستخدام، وأن المواطنة أصل في الإسلام، وأن الجميع متساوون في الحقوق والواجبات بغض النظر عن دينهم، وهو ما تؤكده «وثيقة التعايش» التي أصدرها الأزهر في مارس (آذار) عام 2017».
وتابع الصاوي أن «العدد الأخير من الصحيفة الذي صدر الأربعاء الماضي تطرّق إلى تصريحات شيخ الأزهر الدكتور الطيب التي أكدت عدم وجود نصوص دينية تحرّم بناء الكنائس، مستعرضاً نماذج من مناهج الأزهر تحث على التعاون بين المسلمين والأقباط، من خلال مواد المواطنة والثقافة الإسلامية».

تحريم تهنئة الأقباط
في المقابل، قبل أيام، جدّد الشيخ ياسر برهامي فتواه بحرمانية تهنئة الأقباط بـ«عيد ميلاد المسيح». واعتبر برهامي أن «التهنئة بعيد الكريسماس أو غيره من أعيادهم الدينية حرام بالاتفاق»، ويذكر أن فتوى برهامي «سيناريو» متجدد كل عام يحرم فيه التهنئة، ويدخل على الخط أيضاً العديد من المشايخ غير الرسميين.
هذه الفتوى دفعت أحد المحامين المصريين لأن يتقدم ببلاغ للسلطات القضائية ضد برهامي، اتهمه فيه بإثارة الفتنة الطائفية، والتحريض ضد أقباط مصر من خلال فتواه الصادرة عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك». ورأى البلاغ أن «فتوى برهامي تثير الفتنة الطائفية بين جناحي الوطن الواحد، وهو ما يؤدي إلى إثارة القلاقل وزعزعة الاستقرار الداخلي للبلاد والإضرار بمصالحها العليا وأمنها القومي، في ظل المؤامرات الداخلية والخارجية التي تستهدف الدولة المصرية ومواطنيها». ومن ثم، في محاولة لصد سيل الفتاوى التي تُطلق من دعاة غير رسميين تحرّم تهنئة الأقباط بأعيادهم، يسعى مجلس النواب لإقرار مشروع قانون يُعاقب كل من يُصدر مثل هذه الفتاوى بالحبس مدة لا تزيد عن 6 أشهر وغرامة لا تزيد عن 10 آلاف جنيه.
من جهة ثانية، انتهت اللجنة الدينية بمجلس النواب المصري، الأربعاء الماضي، من مناقشة مشروع قانون «تنظيم الفتوى» لوضع حد للفتاوى التحريضية. وقال وكيل اللجنة النائب شكري الجندي إن «القانون لن يمنح ترخيص الفتوى إلا لمن يستحق، ومن خلال هيئة «كبار العلماء» و«مجمع البحوث الإسلامية» وإدارة الفتوى بوزارة الأوقاف ودار الإفتاء، وهذا ليس إقصاء لأحد؛ لكنه من باب التنظيم». وتابع أن «القانون يعاقب كل من يفتي دون ترخيص أو يصدر فتاوى شاذة ومضللة».
وأضاف الجندي أن «اللجنة انتهت أيضاً من مشروع قانون حق الظهور الإعلامي لرجال الدين وغيرهم من المتحدثين في الأمور الدينية، وقانون تنظيم العمل بدار الإفتاء. وسيتم قريبا مناقشة المشاريع الثلاثة في الجلسة العامة لمجلس النواب»، مؤكداً أن «هذه القوانين تصب في صلاح الوطن والمواطن والدين، والإسلام بريء من أي تطرف أو إرهاب، فهو الدين الخاتم والجامع لما فيه خير البشرية».
هذا، وأكد مراقبون أن «ما حدث في مصر على مدار الأسبوع الماضي، لم يكن مرتبطاً بحادث طائفي معين، ما يشير إلى تغير نظرة مصر الرسمية وغير الرسمية للمشكلة، واتجاهها نحو حل المشكلة من جذورها دون انتظار لأحداث جديدة». وقال كمال زاخر بأن عام 2018 كان «عام المواجهة الشاملة ضد الإرهاب من خلال العملية الشاملة «سيناء 2018»، وأعتقد أن هذه العملية اتسع نطاقها الجغرافي لتشمل مصر كلها عام 2019. عبر مواجهة كافة أشكال الإرهاب والطائفية في كل الأماكن الملتهبة في سيناء والمنيا وغيرهما».

أبرز الأحداث الطائفية في مصر خلال السنوات الأخيرة

> 1972 إحراق كنيسة يجري تشييدها في الخانكة بمحافظة القليوبية المتاخمة للقاهرة.
> 1981 أحداث «الزاوية الحمراء» بشرق القاهرة، التي شهدت سقوط قتلى عقب اشتباكات مسلحة احتجاجا على بناء كنيسة.
> 1999 أحداث قرية الكشح في محافظة سوهاج، بصعيد مصر، التي تسببت في سقوط قتلى في اشتباكات نتيجة خلافات تجارية.
> 2010 شهد عدداً من الأحداث الطائفية من بينها، الاعتداء على مطرانية نجع حمادي في محافظة قنا بصعيد مصر، واشتباكات مرسى مطروح في الشمال الغربي، وأحداث كنيسة العمرانية بالجيزة.
> 2011 حادث تفجير كنيسة القديسين بمحافظة الإسكندرية، وشهد العام نفسه اشتباكات قرية أطفيح، وأحداث إمبابة، لينتهي العام بـ«أحداث ماسبيرو» في القاهرة.
> 2016 تفجير الكنيسة البطرسية في حي العباسية بالقاهرة، ومقتل 29 شخصاً، وتبني تنظيم داعش التفجير.
> 2017 الاعتداء على الأقباط في العريش بشبه جزيرة سيناء، وفرار الأسر المسيحية من المدينة. وفي العام نفسه وقع الهجوم على كنيسة مار جرجس في طنطا بمحافظة الغربية، والكاتدرائية المرقسية في الإسكندرية. وفي مايو (أيار) من العام نفسه قتل 29 شخصا في هجوم على حافلة أقباط كانت في طريقها لدير الأنبا صموئيل في المنيا بصعيد مصر.
> 2018 شهدت محافظة المنيا مجموعة من الأحداث الطائفية بدأت في قرية منبال، ثم قرية دمشاو هاشم على مدار العام، واختتمت بالاعتداء على حافلة دير الأنبا صموئيل.


مقالات ذات صلة

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

حصاد الأسبوع مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً»

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس»

حمزة مصطفى (بغداد)
حصاد الأسبوع لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي،

«الشرق الأوسط» (بغداد)
حصاد الأسبوع ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)

إسرائيل تحوّل جنوب لبنان إلى «أرض محروقة»

في جنوب لبنان، لا يبدو الدمار مجرّد نتيجة جانبية لحربٍ مفتوحة، بل هو أقرب إلى مسارٍ متكامل يعيد رسم الجغرافيا والواقع الديموغرافي معاً. قرى تُمحى تدريجياً من

بولا أسطيح (بيروت)
حصاد الأسبوع تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس

تود بلانش... محامي ترمب يرث وزارة العدل الأميركية

لم يكن صعود تود بلانش إلى رأس وزارة العدل الأميركية، ولو بالوكالة حتى الآن، انتقالاً إدارياً عادياً في واشنطن. فالرجل الذي بدأ حياته المهنية داخل الوزارة نفسها،

إيلي يوسف ( واشنطن)

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
TT

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً» بينما يراه كثيرون «إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي نفسه... فالقصة لا تتعلق بتفصيل قانوني معزول بل موازنة دقيقة بين المنافسة والضبط وبين حماية الحقوق وتسريع الاقتصاد وبين الوحدة التشريعية التي تريدها بروكسل والتباينات السياسية داخل الدول الأعضاء... في العمق تكشف هذه المراجعات عن سؤال أوروبي كبير هو: هل لا يزال الاتحاد قادراً على الجمع بين المعايير الصارمة والمرونة الاقتصادية في زمن يتغير بسرعة؟ أم أن الضغط العالمي من واشنطن إلى بكين يدفعه الآن إلى إعادة ترتيب أولوياته على نحو أكثر برغماتية وإن كان ذلك على حساب الصورة المثالية التي طالما عرفته بها الديمقراطيات الغربية؟

لا يمكن فهم ما تشهده بروكسل من انقلاب تشريعي دون العودة إلى سبتمبر (أيلول) 2024، حين سلّم ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيسةَ المفوضية الحالية أورسولا فون دير لاين تقريره الضخم عن «مستقبل تنافسية أوروبا».

جاء التقرير الواقع في 400 صفحة بمثابة صرخة إنذار وجودية: أوروبا تتخلّف عن الركب، والفجوة مع الولايات المتحدة والصين تتّسع بصمت، والنموذج التنظيمي الذي طالما اعتُبر مصدر قوّة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عبء يُعيق الابتكار. وكشف دراغي فيه أن أوروبا تخسر ما يعادل 300 مليار يورو سنوياً من مدّخرات أسرها المُوظَّفة في الخارج، وأن أسعار الكهرباء تتجاوز نظيراتها الأميركية بنسبة تراوح بين 150 و300 في المائة. وخلص إلى أن «الاتحاد» يحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية تناهز 800 مليار يورو سنوياً للحفاظ على مكانته، واصفاً الوضع بأنه «تحدٍّ وجودي» قد يُفضي الإخفاق في مواجهته إلى «الأفول التدريجي» للقارة.

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (آ ب)

وأمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حذّر دراغي من أن أوروبا «فشلت في تحويل الابتكار إلى منتجات تجارية قابلة للنمو»، وأن شركاتها الرائدة تجد نفسها مضطرة إلى الانتقال نحو السوق الأميركية كي تنمو، لأن السوق الأوروبية المُجزّأة، وتعقيدات الامتثال، لا تمنحانها الحجم الكافي للمنافسة العالمية. وتبعاً لهذا التقرير استجابت المفوضية في يناير (كانون الثاني) 2025 بإعلان «بوصلة التنافسية»، وهي مخطط استراتيجي لخمس سنوات يضع تخفيف الأعباء التنظيمية في صدارة الأولويات، مع التمسك بالأهداف المناخية الكبرى، ومنها «الحياد الكربوني» بحلول 2050.

عوامل الضغط المتراكمة من الداخل والخارج

في الواقع، لا يمكن عزل هذه المراجعات عن مُناخ سياسي داخلي وخارجي بالغ الاضطراب. ففي الداخل، أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 2024 عن صعود ملموس للتيارات اليمينية والقومية المتطرفة التي طالما انتقدت ما وصفته بـ«التضخم التشريعي» الصادر عن بروكسل، ولا سيما «الصفقة الخضراء الأوروبية». وشكّلت موجة احتجاجات المزارعين التي اجتاحت عواصم أوروبية عدة في مطلع 2025 رافداً شعبياً مباشراً لهذا التحوّل، إذ رفع المحتجون الصوت ضد تضخّم القواعد والاشتراطات التي يرون أنها تُثقل كاهلهم.

أما على الصعيد الخارجي، فقد وضعت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وإعلانه رزمة رسوم جمركية واسعة طالت الصادرات الأوروبية، المفوضيةَ أمام معادلة بالغة الدقة: إذ كيف تحافظ أوروبا على تنافسيتها في مواجهة شريك يرفع الجدران الجمركية من ناحية، ومنافس صيني من ناحية أخرى يضخ دعماً حكومياً هائلاً في صناعاته، في حين تلتزم هي بمنظومة تنظيمية صارمة تُثقل كاهل شركاتها؟

تقرير دراغي يُلخّص هذه المفارقة في جملة واحدة: «أوروبا قادت سباق القواعد، بينما خسرت سباق السوق».

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (رويترز)

أصوات المسؤولين بين الاعتراف والوعد

لقد أطلقت رئيسة المفوضية فون دير لاين منذ اليوم الأول لولايتها الثانية خطاباً تجديدياً صريحاً، ففي «منتدى دافوس» خلال يناير 2025 أعلنت الانطلاق نحو «تبسيط جذري لقواعد التمويل المستدام، والعناية الواجبة». وفي لقائها مع الصحافة الألمانية لاحقاً أقرّت بأن «كثرة القواعد وإلزامات إعداد التقارير تُقيّد مسيرة النشاطات الاقتصادية، والتجارية، ولا سيما تلك التي تخصّ الشركات الصغيرة»، مستندةً إلى بيانات صندوق النقد الدولي التي تُشير إلى أن العوائق الداخلية في السوق لأوروبية الموحّدة تعادل في أثرها رسوماً جمركية بنسبة 45 في المائة.

وأيضاً حدّدت هدفاً كمياً واضحاً هو خفض الأعباء الإدارية بما لا يقل عن 25 في المائة على جميع الشركات، و35 في المائة على المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة، بما يُوفّر 37.5 مليار يورو سنوياً، وطالبت البرلمانَ الأوروبي والدولَ الأعضاء بإقرار الحزم التبسيطية من دون إبطاء.

هذه الدعوة وجدت صدىً في العواصم الكبرى، إذ دعمت ألمانيا وفرنسا مسار التبسيط صراحةً، ووصفت برلين الحزمة الأولى بأنها «خطوة لازمة للتوفيق بين التحوّل المستدام والقدرة التنافسية». وانضمت بولندا، التي ترأست مجلس «الاتحاد» في مطلع 2025، إلى هذا التوجه، واصفةً إياه بـ«المبادرة الضرورية لتعزيز تنافسية الاتحاد».

كذلك كان رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا قد أضفى على هذا التوجّه طابعاً سياسياً رفيعاً، حين أكد في رسالة وجّهها إلى قادة «الاتحاد» قُبيل القمة غير الرسمية في فبراير (شباط) 2026 أن «التبسيط ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لجعل أوروبا تُنجز ما وعدت به مواطنيها»، مضيفاً أن المواطن الأوروبي «بات يقيس صدقية مؤسساته لا بعدد اللوائح التي تُصدرها، بل بالنتائج الملموسة التي تُوفرها على أرض الواقع».

وفي السياق ذاته، دعا كوستا -وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية- القادة الأوروبيين إلى «تسريع المفاوضات حول الحزم التبسيطية المعلّقة»، محذّراً من أن التأخر سيُضعف صدقية «الاتحاد» أمام شركائه التجاريين قبل أن يُضعفها أمام ناخبيه.

ومن العاصمة الفرنسية باريس، رفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صوته في هذا الملف بلهجة تجمع بين الطموح الأوروبي والحرص على السيادة الاستراتيجية. إذ قال في خطاب أمام منتدىً اقتصادي في برلين إن «أوروبا لا تستطيع أن تكون القارة الوحيدة التي تطبّق قواعدها على نفسها بصرامة، بينما يُنافسها الآخرون في ظل قواعد مختلفة تماماً»، مطالباً بأن يرافق التبسيط التشريعي سياسةٌ صناعية أوروبية متماسكة تحمي القطاعات الاستراتيجية من المنافسة غير المتكافئة.

استقلالية التشريع

ومن جهة ثانية، دعا ماكرون صراحةً إلى تطوير ما وصفه بـ«استقلالية التشريع»، بمعنى أن تمتلك أوروبا القدرة على تكييف قواعدها بسرعة، استجابةً للمتغيرات الجيوسياسية، ومن دون الانتظار سنوات في مسارات تشريعية مضنية.

أما المستشار الألماني (السابق) أولاف شولتس، فقد تبنّى موقفاً أكثر مباشرةً حين صرّح إبان مناقشات «مجلس الاتحاد» بأن «الاقتصاد الأوروبي لا يحتاج إلى مزيد من القواعد، بل إلى مزيد من الحرية للابتكار، والنمو»، مستنداً إلى معاناة الصناعة الألمانية في مواجهة منافسة صينية مدعومة حكومياً، بينما تتصاعد أعباء الامتثال في الداخل. وفي السياق ذاته، حرص شولتس على الإشارة إلى أن التبسيط لا يعني التخلي عن أهداف الحياد المناخي، لكنه يعني تحرير الطاقة الإنتاجية للشركات كي تنجز هذا التحول.

في المقابل، حمل الصوت الإيطالي مقاربة مغايرة، إذ اعترضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في قمة القادة غير الرسمية ذاتها، على ما رأت فيه تسرّعاً في إقرار بعض الحزم من دون تقييم كافٍ لأثرها على الصناعات التقليدية، ولا سيما قطاع السيارات الذي يُمثّل ركيزة اقتصادية أساسية في عدد من دول الجنوب الأوروبي.

وأردفت ميلوني أن «التبسيط مطلوب، لكن ينبغي ألا يكون ذريعةً للتخلي عن قطاعات بأكملها في مواجهة منافسة آسيوية يدعمها المال العام»، مطالبةً بأن تتضمّن كل حزمة تبسيطية تقييماً صريحاً لانعكاساتها على التوظيف، والنسيج الصناعي في الدول الأعضاء، وكشف هذا الخلاف عن توتر حقيقي داخل الاتحاد بين من يرى التبسيط أداةَ تحرير اقتصادي، ومن يخشى أن يتحول إلى إعادة توزيع للأعباء على حساب الدول الأقل قدرةً على إدارة المرحلة الانتقالية.

ماذا تحت المراجعة؟

منذ فبراير 2025، أصدرت المفوضية الأوروبية عشر حزم تشريعية تبسيطية تحت مسمّى «أومنيبوس»، تُعدَّل بموجبها قوانين متعدّدة في آنٍ واحد عبر توفيرات إدارية مقدَّرة بـ15 مليار يورو سنوياً. وتنصبّ أبرز هذه المراجعات على أربعة محاور:

- في مجال الاستدامة المؤسسية، خُفِّض عدد الشركات الملزمة بالإفصاح البيئي، والاجتماعي من 50 ألفاً إلى نحو خمسة آلاف فقط، أي إعفاء 80 في المائة من الشركات مما يُوفّر 4.4 مليار يورو سنوياً، مع تأجيل موعد الإبلاغ بسنتين لشريحة واسعة أخرى.

- على صعيد سلاسل التوريد، ضُيِّق نطاق «العناية الواجبة» ليقتصر على الشركاء التجاريين المباشرين، بدلاً من امتداده عبر سلسلة التوريد بأكملها.

- أما الملف الأكثر إثارةً للجدل، فهو قانون الذكاء الاصطناعي، إذ اقترحت المفوضية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تأجيل اشتراطات الأنظمة عالية المخاطر -ومنها تلك المستخدمة في التوظيف، والرعاية الصحية، والقضاء- من 2026 إلى 2028 على أبعد تقدير.

ولقد صوّت البرلمان الأوروبي بغالبية الأصوات لصالح هذا التمديد، بيد أن المفاوضات الثلاثية بين البرلمان والمجلس والمفوضية لا تزال تراوح مكانها حول مسألة جوهرية هي: هل تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي المُدمجة في منتجات مثل الأجهزة الطبية والسيارات لقانون الذكاء الاصطناعي؟ أم تكتفي بالتشريعات القطاعية القائمة؟

وتُضاف إلى ما تقدم ذكره حزم بيئية ودفاعية وزراعية تستهدف مجتمعةً خفض أعباء الامتثال في قطاعات بالغة الأهمية.

ما يكمن وراء الخطاب التبسيطي

إذا كانت الحجج الرسمية تستند إلى ضرورة تعزيز «تنافسية» الشركات، فإن الدوافع الأعمق أكثر تعقيداً. إذ ثمة خشية حقيقية من تسرّب الشركات الأوروبية الناشئة نحو الولايات المتحدة، حيث البيئة التمويلية أيسر، والاشتراطات التنظيمية أخفّ، في حين لا تلتزم الإدارة الأميركية بمعايير مناخية مماثلة، ولا الصين بمستوى مماثل من الرقابة.

ويُضاف إلى ذلك ثقل الضغط الانتخابي الذي كشفت عنه الانتخابات الأوروبية، وضغط جماعات الأعمال الكبرى التي يُشير تحليل منظمة «كوربورت يوروب أوبسرفاتوري» إلى أنها استأثرت بـ69 في المائة من اجتماعات المفوضية عام 2025، مقابل 16 في المائة فحسب لمنظمات المجتمع المدني. وهذا ما دفع أكثر من 360 منظمة مدنية إلى إصدار بيان مشترك، محذّرةً من أن «الأومنيبوس» يُعيد تأطير الشفافية والمساءلة البيئية بوصفهما عبئاً بيروقراطياً بدلاً من اعتبارهما ركيزةً للحوكمة. وذهب باحثون إلى أن الجزء الأكبر من التوفيرات المُعلنة لا يأتي من تبسيط الإجراءات، بل من تقليص النطاق، وإعفاء الشركات من الالتزام أساساً، وثمة فارق جوهري بين التبسيط الحقيقي والتراجع المُقنَّع.

بين السيادة الأوروبية... والبرغماتية

هذه المراجعات تُظهر، حقاً، أن أوروبا لم تعُد تتصرف كما لو أنها تملك رفاهية التشريع المثالي. فهي اليوم تُدير مرحلة برغماتية هدفها حماية وحدة السوق، وتخفيف الضغط على الصناعة، ومنع الانقسام بين دولها الأعضاء، غير أن البرغماتية ليست بلا ثمن. ذلك أن الاتحاد بنى نفوذه الدولي على كونه «حارس معايير» عالمياً في البيئة، وحماية البيانات، وحقوق العمال، والذكاء الاصطناعي. وهذه السمعة رأسمال دبلوماسي واقتصادي حقيقي يتآكل في كل مرة تتراجع فيها أوروبا عن مبدأ راسخ.

في المقابل، يرى المدافعون عن التبسيط أن أي «قاعدة لا تُطبَّق ليست قاعدة»، بل إنها وهم، وأن المعيار الذي تعجز الشركات والجهات الرقابية عن الامتثال له في مواعيده يُفضي إلى فوضى قانونية لا إلى حماية فعلية. ولقد عبّرت فون دير لاين عن هذه المعادلة الصعبة حين دعت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى «التبسيط وإزالة القواعد الزائدة» جاعلةً حزم «الأومنيبوس» النموذجَ المرجعي، في حين يرى المنتقدون أن الخط الفاصل بين إزالة البيروقراطية الزائدة وتفكيك الحماية الجوهرية أرقّ مما توحي به الخطب.

مرحلة جديدة تكتب بروكسل معادلتها الصعبة

في أي حال، المراجعات الجارية في المفوضية الأوروبية ليست مجرد تحديثات تقنية، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون، والاقتصاد، والسيادة في لحظة تاريخية فارقة... لحظة تتراجع فيها العولمة الليبرالية، وتتصاعد فيها الحماية الاقتصادية، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذين التكنولوجي والتجاري على مستوى العالم.

وعليه، فالنتيجة الأرجح هي دخول أوروبا مرحلة جديدة أقل مثالية، وأكثر حساباً، وربما أكثر تناقضاً بين ما تريده بوصفها قارةً معيارية تُصدّر قيمها إلى العالم، وما تسمح به باعتبارها قوةً اقتصادية تسعى إلى البقاء بتنافسية في عالم يزداد صلابة.

وبين هذين القطبين المتوترَين، تنسج بروكسل يومياً معادلتها الصعبة، لأن شكل القاعدة القانونية في المركز يُحدّد في نهاية المطاف شكل الحياة اليومية في باريس، وروما، وبرلين، ومدريد، وأثينا. وحينئذٍ تتحوّل السياسة من نصٍّ تفاوضي فوقي إلى تجربة ملموسة في الأسواق، والمصانع.


علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»
TT

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس» لم يكن علي الزيدي قد بلغ سن «الرشد السياسي» آنذاك. إلا أن ذلك الشاب تحوّل فيما بعد إلى واحد من كبار أغنياء رجال المال والأعمال في «عراق ما بعد عام 2003»، مع أن سجلّ ولادته يشير إلى أنه ولد في إحدى قرى محافظة ذي قار بجنوب العراق يوم 1/5/1985. منظر تلك الدبابة الأميركية «استفز» قائد «القيادة الوسطى الأميركية» - آنذاك - الجنرال تومي فرانكس، الذي كان يراقب المشهد من قاعدة العُديد في قطر، بعدما شاهد جندياً أميركياً يلف سارية العلم العراقي بالعلم الأميركي. وهذا تصرّف رفضه فرانكس فوراً، فأمر بإنزال العلم الأميركي وتعويضه بالعلم العراقي الذي لا يزال حتى الآن مُختلفاً عليه مع أنه لا يزال يحمل عبارة «الله أكبر» التي كتبت بخط يد صدام حسين.

كان منظر اقتلاع التمثال مدهشاً سواءً للموالين لصدام حسين، الذين شاهدوا سقوط نظامه السريع بينما لا يزال البديل مجهولاً، أو لمعارضيه.

يومذاك كان المعارضون ينقسمون إلى «معارضات» حسب الدول التي أقاموا فيها بين الشرق والغرب. أيضاً لم يكن لبعضهم أي وزن سياسي بعد ما عرف مرة بـ«السقوط» ومرة بـ«التحرير» وثالثة بـ«الاحتلال»، وهو الوصف الذي اتفق عليه لأول مرة مع اختلاف المنطلقات والأهداف مؤيدو صدام ومعارضوه.

طالب الصفوف الثانوية

بين المؤيدين والمعارضين، لم يكن الشاب علي الزيدي في عام 2003 قد أكمل الدراسة الثانوية بعد. وكذلك ما كان قد تشكل طموحه السياسي في ظل فوضى «المحاصصة»، التي سرعان ما دمغت النظام السياسي المتشكل بعد عام 2003، وذلك عن طريق طبقة سياسية لم تكن من الناحية العملية بمثابة «آباء مؤسسين» لهذا النظام. وهذا، مع أنه يجري تداول هذا المصطلح على مستوى التوارث السياسي للسلطة بين الأجيال.

وحقاً، لم تكن ثمة فرصة للأجيال الجديدة في تولي السلطة في العراق، بعدما احتكرتها طبقة الجيل الأول من السياسيين العراقيين. وكان هؤلاء قد انتظموا أول الأمر فيما عُرف بـ«مجلس الحكم»، الذي تألف من 25 قيادياً سياسياً، طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية والدينية والمذهبية بقيادة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

لذلك اتجه علي الزيدي ومعه عدد كبير من «مجايليه» الشبان بعد إكمال دراساتهم الأولية والجامعية إلى عالم المال والأعمال.

الدولة «مدينة» له!

ونجح الزيدي في عالم المال والاقتصاد والتجارة أيّما نجاح؛ إذ غدا، بمساعدة عائلته، من كبار الأثرياء في البلاد، وهذا إلى الحد الذي وجد معه أن الدولة التي يحتلّ المنصب التنفيذي الأول فيها - أي منصب «رئيس مجلس الوزراء» - مدينة له شخصياً بنحو ملياري دولار أميركي.

مع ذلك، حرص الزيدي على إكمال تحصيله الدراسي، فحصل على درجة الماجستير في تخصّص المالية والمصرفية، في أعقاب إنهائه المرحلة الجامعية الأولى بحصوله على درجتي بكالوريوس في المجال ذاته، إلى جانب الإجازة في القانون. ومنذ ذلك الحين عرف علي الزيدي بخبرته المهنية التي شملت تدرّجه في عدد من المناصب الإدارية والقيادية، منها تولّيه رئاسة مجالس إدارة كلٍّ من «الشركة الوطنية القابضة»، و«جامعة الشعب»، و«معهد عشتار الطبي»، إضافة إلى «مصرف الجنوب».

الزيدي... الشاب الذي اقتحم الحلبة

لقد وقف نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبناء «الجيل الأول» من السياسيين العراقيين في حقبة ما بعد 2003، وهو ينظر إلى علي الزيدي، الذي لم يكن عام 2003 - وهي حقبة ما بعد سقوط صدام حسين ونظامه - قد بلغ سن الرشد السياسي بعد.

بيد أنه اليوم، وبحضور المالكي ومن معه من قيادات الصف الأول، يقف مكلّفاً بتشكيل حكومة عراقية هي التاسعة بعد التغيير عام 2003، بموجب مرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية نزار آميدي.

في هذا السياق، الجميع يعرف أن إسقاط صدام حسين ما كان ليحصل لولا الولايات المتحدة الأميركية، التي - مع هذا - لم يستمر «شهر عسلها» مع القوى السياسية التي سلمتها واشنطن السلطة على طبق من فضة بعد مقتل أكثر من 5000 آلاف جندي أميركي وإنفاق عدة تريليونات من الدولارات. ذلك أن هذه القوى سرعان ما قلبت ظهر المِجَنّ لواشنطن، وبدأت عملية تداول «سلمي» وغريب للسلطة... تُدار عبر انتخابات يقتصر الاعتراف بنتائجها على تقاسم الوزارات، بينما يجري توزيع باقي المناصب طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية.

وللعلم، طوال العقدين الماضيين من الزمن، بدت الكفة الإيرانية التي تؤيد الطبقة السياسية الشيعية التقليدية هي الأكثر أرجحية مقابل «هزيمة» للأميركيين!

بطبيعة الحال، هذه المعادلة لم ترض الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، الذي رفض ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لنوري المالكي، الذي سبق له أن ترأس الحكومة العراقية لدورتين، بينما لم ينجح في نيل الثالثة بسبب «فيتو» المرجعية آنذاك، ثم واجه هذه المرة «فيتو» ترمب.

دور «فيتو» ترمب في ترئيس الزيدي

ترمب، فرض «الفيتو» أخيراً؛ لأنه أعرب دائماً عن ضيقه من الخسائر الأميركية التي ترتّبت على إسقاط صدام، وأيضاً غضبه من إحجام القيادات السياسية العراقية - لا سيما الشيعية منها - عن تقديم الشكر لواشنطن على ما يعدّه ترمب «عملاً كبيراً» قامت به القوات المسلحة، وكذلك المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، لصالحها.

وبالتالي، فإنه بعد «الفيتو» على تولي المالكي رئاسة الحكومة، عجزت القوى السياسية الشيعية عن الإتيان ببديل من داخلها، الأمر الذي مهّد الطريق أمام ما بات يسمى في العراق بـ«الإزاحة الجيلية»، الذي تقدَّمه هذه المرة رجل المال والأعمال علي الزيدي، الذي بات يحظى بقبول أميركي واسع النطاق، بينما تحاول إيران مُرغمة على الترحيب به.

وفي الحقيقة، الزيدي ليس فقط من خارج توليفة «الجيل الأول»، الذي يضم إلى جانب المالكي أشخاصاً كإياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، وحيدر العبادي، وعادل عبد المهدي. بل، هو أيضاً ليس حتى من «الجيل» الذي تلاهم، ومنه مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني. إلا أنه يصطف مع الجيل الأول الذي تعامل مع مُرسي النظام السياسي الحالي؛ أي الحاكم الأميركي بول بريمر.

أكبر من إزاحة جيلية

مهما يكن من أمر، اقتحم علي الزيدي الحلبة متسلّحاً برؤية اقتصادية ومالية هي أهم ما يحتاج إليه العراق الآن، ولا سيما في أعقاب فشل ما يمكن تسميته تجاوزاً «جيل التأسيس» في بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية والتنموية.

إذ إن العراق لم يتمكن بعد من الخروج من «عنق زجاجة» المماحكات السياسية التي أثقلته بالمديونية، وبملايين الموظفين الذين يعتمدون على مبيعات النفط فقط. مع ذلك، فإن الزيدي، الذي اقتحم الحلبة بصورة مفاجئة، لا يبدو «طارئاً» على الجسم السياسي، وبالأخص بعد كل المباركات الداخلية والإقليمية والدولية التي حصل عليها.

ولا يبدو هذا التبادل للسلطة قسرياً من الظاهر، بل كل شيء جرى أمام كاميرات التلفزيون وسط تبادل للابتسامات والنظرات، وربما الحسرات المُضمرة، التي لم تكشف عنها «فلاشات» التصوير التي تطايرت أضواؤها في تلك اللحظة عند أول انتقال سلمي للسلطة، وهي التي لم يتداولها منذ عقدين ونيف من الزمن سوى مؤسسي الآيديولوجيات الحزبية... ببُعديها السياسي القومي والديني.

كسر القواعد والسياقات

بلا شك، هناك من يرى أن ما حصل تحوّل كبير كسر كل القواعد والسياقات، بل أيضاً القوالب التي بدت صامدة وصلدة ومحمية، طوال 23 سنة من عمر هذا النظام السياسي.

وطبقاً للنتائج والمعطيات، فإن ما حصل لانتقال السلطة، وبهذه الطريقة من صراع بين كبار آيديولوجيّي ومؤدلجي هذه السلطة بزعاماتها التاريخية والجغرافية والطبقية والمناطقية، بدا مفاجئاً. لكنه جاء أيضاً سلساً إلى جيل الأبناء، وإن كان هذه المرة من خارج «النموذج» السياسي.

ليس هذا فقط. بل هناك ما هو لافت أكثر؛ فمن المعروف أن واشنطن هي التي جاءت بـ«الجيل الأول» - أو «جيل الآباء» - من الطبقة السياسية التي أخفقت في تأسيس نظام خارج «المحاصصة» وتوزيع المغانم. ولكن الرئيس ترمب، الذي لديه ملاحظات على طريقة «تحرير» العراق أيام كانت مفردة «التحرير» تحتل كل القواميس، أو «احتلال» العراق التي باتت هي المفردة الأكثر تداولاً فيما بعد، يرى أن التغيير الحالي من «جيل الآباء إلى جيل الأبناء إنما تحقق بمساعدته أيضاً».

ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أكبر من مجرد «إزاحة جيلية»، بل يثبت أن واشنطن... هي اللاعب الأساسي في تقرير من يحكم العراق. أنها، كما جاءت بـ«الجيل الأول» ها هي نفسها تأتي بـ«جيل الأبناء»، وهذه المرة خروجاً من خارج دهاليز السياسة... إلى قلب مصالح المال والأعمال.


الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
TT

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي، هذا الأسبوع، تأكيدات راسخة من البرلمان العراقي حيال ترؤس الحكومة العراقية التاسعة بعد عام 2003.

هذا، وفي حين أقرّت الولايات المتحدة، ومعها حليفتها بريطانيا، بعد مرور أقل من شهر على غزو العراق واحتلاله يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، بأنهما «قوتا احتلال» وفق القانون الدولي، تغير الحال؛ إذ بعد ذلك، فرغت إيران من ترتيب أوراقها في العراق، وأحكمت سيطرتها على جميع مفاصل السلطة عن طريق قوى المعارضة - الشيعية، بالذات - التي تسلّمت السلطة. وسرعان ما بات يطلق على الوجود الأميركي في العراق مسمى «احتلال» يتطلب المقاومة لإخراجه.

في ضوء ذلك، تشكلت «قوى السلاح»، التي لا تزال ترفع شعار المقاومة رغم تغير الحكومات وخروج القوات الأميركية من العراق عام 2011، ثم عودتها إلى عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية بعد احتلال تنظيم «داعش» ثلث الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من استمرار الجدل والخلاف بين واشنطن وطهران في شأن العراق، وانقسام القوى السياسية العراقية بين مؤيد بالكامل لإيران، وهي «قوى السلاح» وعدد كبير من القوى الشيعية، فإن الكرد والسنّة ما زالوا في مرحلة انعدام الوزن نتيجة عجزهم عن الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران مرة، وبغداد مرة ثالثة، حتى اليوم.

ولكن الواضح أنه بدأت ملامح علاقة جديدة تترسم في الأفق على صعيد العلاقة بين واشنطن وطهران بعد حربي «الـ12 يوماً» عام 2025 والحرب الراهنة مع الوقف الهشّ لإطلاق النار. فللمرة الأولى تلوح في الأفق ملامح «حالة جديدة» تتشكل داخل العراق... جوهرها تراجع النفوذ الإيراني لصالح واشنطن في عهد دونالد ترمب.

ترمب (آ ب)

ويتمثل هذا من ناحية في رجحان كفة الحرب الراهنة لصالح واشنطن على أذرع طهران في المنطقة - ومنها «قوى السلاح» في العراق - التي بدأت تتلقى ضربات عنيفة، ومن ناحية ثانية في عجز القوى الشيعية القريبة من طهران من تشكيل حكومة عراقية على هواها أو هوى العاصمة الإيرانية... وبخاصة بعد «الفيتو» الذي فرضه الرئيس الأميركي على نوري المالكي لتشكيل الحكومة.

بالتالي، في حين بدا وصول شاب في الأربعينات من عمره، أي الزيدي، إلى منصب رئيس الوزراء - أهم منصب تنفيذي في العراق، وهو الذي احتكرته منذ عام 2003 وإلى اليوم القيادات الشيعية - أمراً مفاجئاً، فإن الأمور لا تزال قليلة الوضوح. فالزيدي، وفق مراقبين، في حالة من انعدام الوزن تتمثل بكون تكليفه «فرصة» له للنجاح بسبب خلفيته الاقتصادية، وبكون التكليف «تحدّياً» تؤكّده الرسائل الموجّهة إليه من الرئيس ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

طهران، كما يبدو، اختارت خوض «معركة دبلوماسية» مع واشنطن عبر بغداد برسائل «شديدة الانفجار»، بعدما كشفت الرئاسة الإيرانية عن مضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها بزشكيان مع الزيدي بعد نحو أسبوعين على ترشيحه. وبينما سارع ترمب إلى تهنئة الزيدي بعد أيام قليلة على تكليفه، فإن بزشكيان لم يكتف بتهنئة الزيدي، بل كتب في تدوينة على منصة «إكس» عبارة «نحن المسلمين قد خضعنا سابقاً؛ خضعنا للقدير المتعال، ولا أحد غيره يستطيع أن يُخضعنا». وأضاف في حديث هاتفي مع الزيدي، «شددتُ على ضرورة نصح المسؤولين الأميركيين بسحب التهديد العسكري من منطقتنا؛ لأنه لا يمكن إخضاع أتباع المذهب الشيعي».