تجمع «المهنيين» في السودان يخطط لأسبوع عاصف... ولجنة حكومية تتحدث عن حلول

«الأمة القومي» ينضم إلى المطالبين بتنحي الرئيس... والسلطات تحذر من تأليب الجيش للانقلاب

احتجاجت غاضبة في مدينة الأُبيض بكردفان خلال الايام الماضية (أ.ب)
احتجاجت غاضبة في مدينة الأُبيض بكردفان خلال الايام الماضية (أ.ب)
TT

تجمع «المهنيين» في السودان يخطط لأسبوع عاصف... ولجنة حكومية تتحدث عن حلول

احتجاجت غاضبة في مدينة الأُبيض بكردفان خلال الايام الماضية (أ.ب)
احتجاجت غاضبة في مدينة الأُبيض بكردفان خلال الايام الماضية (أ.ب)

في وقت يسود فيه الهدوء الحذر، العاصمة السودانية، الخرطوم، والمدن الأخرى الغاضبة، يخطط «تجمع المهنيين السودانيين»، الذي تولى زمام المبادرة في تنظيم الاحتجاجات التلقائية، التي اندلعت في البلاد، لأسبوع عاصف، ينتظر أن يعلن مكانها وزمانها لاحقا. وحذرت السلطات السودانية، أمس الأحزاب التي طالبت بتنحي الرئيس عمر البشير، من أن خطوتها تأليب للجيش للقيام بانقلاب، في حين تحدثت اللجنة الاقتصادية الحكومية عن حلول في الأفق للأزمات التي تسببت في قيام الاحتجاجات.
وأمضت الخرطوم يوماً ثانياً في هدوء. وعدا مظاهرة صغيرة شارك فيها العشرات بالقرب من ميدان «القندول»، اعتقل خلالها ثلاثة نشطاء، لم تشهد العاصمة أي احتجاجات. وخارج العاصمة، لم تشهد بقية مدن البلاد احتجاجات لافتة، ما عدا منطقة الحلاوين بولاية الجزيرة وسط البلاد، التي شهدت بحسب الشهود مظاهرة حاشدة نددت بالغلاء وطالبت بإسقاط النظام، فرقتها السلطات الأمنية.
وقال «تجمع المهنيين السودانيين»، إنه يخطط لمظاهرات كبيرة وعاصفة، ابتداء من الأسبوع المقبل، تعم معظم أنحاء البلاد. وبحسب مصدر بالتجمع فإن بيانا لاحقا سيتم فيه تحديد مكان وزمان تلك المظاهرات. ونظم التجمع، وهو تنظيم مواز لنقابات المنشأة الموالية للحكومة، مظاهرة حاشدة الأسبوع الماضي، وأتبعها بثانية الاثنين، عدتا من أكبر الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها البلاد، طوال فترة حكم الرئيس عمر البشير.
في هذا السياق أيضا، انضم حزب الأمة القومي، بزعامة الصادق المهدي، إلى الأحزاب المطالبة بتنحي الرئيس البشير، وتأسيس مجلس رئاسي انتقالي، قائلا في بيان إن طريق الانتفاضة الشعبية، شهد تطوراً نوعياً وقفزة نوعية، بتوقيع «إعلان الحرية والتغيير»، بما يفتح مسارات التحول نحو الديمقراطية.
ووصف الحزب انسحاب قوى سياسية مشاركة في النظام بموجب «حوار الوثبة»، وانضمامها إلى صف الشعب بأنها «خطوة موفقة في الاتجاه الصحيح»، وذلك إشارة إلى قرار مجموعة أحزاب «كتلة التغيير» التي أعلنت انسحابها من الحكومة أول من أمس.
إلى ذلك، قال السكرتير السياسي للحزب الشيوعي محمد مختار الخطيب في مؤتمر صحافي عقده بالخرطوم أمس، إن حزبه يعمل على تعبئة الجماهير في المدن والأرياف، والانخراط في المظاهرات. وأعلن الخطيب تأييد حزبه ودعمه لإعلان «الحرية والتغيير» الصادر من تجمع المهنيين السودانيين ووقعته قوى المعارضة.
من جهة ثانية، ردت «أحزاب الحوار الوطني»، المشاركة في الحكومة، على قرار 22 حزبا مواليا للرئيس التحول للمعارضة والمطالبة برحيل النظام. وقالت إن تلك الخطوة من شأنها أن تفتح باباً «يؤدي إلى تشتيت وتفكيك وحدة الوطن». ورفضت ما سمته «المظاهرات التخريبية»، وأكدت أن «التظاهر السلمي» هو المطلوب لأنه محمي بالدستور والقانون. ونقلت وكالة الأنباء الرسمية «سونا» أن مجموعة الأحزاب المؤيدة للحزب الحاكم المعروفة باسم «أحزاب الحوار الوطني»، كونت لجنة لمعالجة الأزمة الاقتصادية، وأعلنت تمسكها بمخرجات بالحوار الوطني ومخرجاته. وبحسب وكالة الأنباء السودانية الرسمية «سونا»، أقر رئيس اللجنة بحر إدريس أبو قردة، في مؤتمر صحافي في الخرطوم أمس، بأن هناك أزمة اقتصادية تواجه البلاد، وأن الدولة تبذل «جهداً لمعالجة هذه الأزمة».
وقال أبو قردة إن الدولة حددت حلولاً واضحة للأزمة، وتجري مساع جدية لإرجاع الثقة في المصارف، وأضاف: «بعض الحلول في مراحلها النهائية»، مؤكداً أن «الأزمة التي تواجه البلاد مقدور عليها».
ومنذ التاسع عشر من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، شهدت مدن سودانية مظاهرات واحتجاجات تعد الأكبر في تاريخ المقاومة الشعبية لنظام الرئيس عمر البشير، أحرقت خلالها مباني وعقارات أغلبها تخص «حزب المؤتمر الوطني» الحاكم.
من زاويته، اتهم مسؤول رفيع بحزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان مجموعة الـ22 حزبا، التي انسحبت من الحوار الوطني، بتأليب الجيش للانقلاب على الوضع الراهن. وقال رئيس القطاع السياسي للحزب عبد الرحمن الخضر، أمس، إن خروج المجموعة يعد نسفا للحوار الوطني، وخروجا عن الوثيقة الوطنية بـ«طريقة لا أخلاقية»، ويعد إلغاء للمؤسسات القائمة. ورفض الخضر ما جاء في مذكرة الـ22 استعداء للجيش على الحوار ودعوة له للانقلاب على الوضع القائم. وحذر مما سماه «استغلال الاحتجاجات الشعبية لتنفيذ أجندة أخرى بعيدة عن الأسباب الرئيسية».
وهدد الخضر بأن مجموعة الحوار الوطني قادرة على الرد بالفعل السياسي وبالكيفية التي تضمن لها التعبير عن وجهة نظرها، حاول انتقال المنسحبين لدائرة الفعل السياسي.
وكان «تجمع المهنيين السودانيين» قد أصدر، أول من أمس، بيانا أطلق عليه اسم «إعلان الحرية والتغيير»، نص على التنحي الفوري للرئيس عمر البشير ونظامه من حكم البلاد دون قيد أو شرط، وتعهد فيه باستخدام أساليب النصال السلمي كافة لتخليص البلاد من نظام الإنقاذ الشمولي. ووقعت أحزاب وتحالفات المعارضة السودانية «نداء السودان، والإجماع الوطني، وتجمع المهنيين، والتجمع الاتحادي المعارض» على وثيقة «إعلان الحرية والتغيير»، واعتبرتها منهاجاً للتغيير في البلاد. واندلعت الاحتجاجات بادئ الأمر، لتندد بالغلاء وندرة السلع الرئيسية، بيد أنها تطورت لتطالب بإسقاط نظام الحكم، وبلغت ذروتها في الخرطوم بموكب نظمه «تجمع المهنيين السودانيين»، لتسليم رسالة للقصر الرئاسي تطالب الرئيس وحكومته بالتنحي الفوري. وواجهت السلطة الأمنية الاحتجاجات بعنف مفرط، واستخدمت إلى جانب الغاز المسيل للدموع والهراوات، الرصاص الحي، ما أدى لمقتل العشرات وجرح المئات، اعترفت الحكومة بمقتل 19. فيما قدرت الحزب الشيوعي القتلى بأكثر من أربعين قتيلاً.
من جهة ثانية، يقول مستخدمون للإنترنت إن السلطات السودانية تحجب مواقع شهيرة للتواصل الاجتماعي، استخدمت في تنظيم الاحتجاجات، التي بدأت بسبب الأزمة الاقتصادية، ونشر أخبارها على مستوى البلاد.
وأصبحت الإنترنت معتركا معلوماتيا رئيسيا في بلد تسيطر فيه الدولة بإحكام على وسائل الإعلام التقليدية. وتقول وسائل الإعلام المحلية إن نحو 13 مليونا، من بين سكان السودان البالغ عددهم نحو 40 مليون نسمة، يستخدمون الإنترنت وإن أكثر من 28 مليونا يملكون هواتف محمولة.
ولم تكرر السلطات قطع خدمة الإنترنت مثلما فعلت أثناء احتجاجات عنيفة في عام 2013، لكن الفريق صلاح عبد الله قوش، مدير جهاز الأمن الوطني والمخابرات، قال في مؤتمر صحافي نادر يوم 21 ديسمبر (كانون الأول): «كان هناك نقاش داخل الحكومة بشأن حجب مواقع التواصل الاجتماعي وفي النهاية اتخذ القرار بحجب هذه المواقع». وقال مستخدمو الشركات الثلاث التي تقدم خدمة الإنترنت في البلاد - وهي «زين» و«إم.تي.إن» و«سوداني» - إن الدخول على مواقع «فيسبوك» و«تويتر» و«واتساب» لم يعد ممكنا إلا باستخدام شبكة افتراضية خاصة هي «في.بي.إن».
وتوسع النشطاء في استخدام تلك الشبكات الخاصة، رغم مشكلاتها ورغم أن بعض السودانيين لا يعلمون بوجودها، في تنظيم وتوثيق الاحتجاجات.
وانتشر هاشتاج (وسم) «مدن_السودان_تنتفض» وغيره على نطاق واسع داخل السودان وخارجه. وقال مجتبى موسى أحد مستخدمي «تويتر» السودانيين الذي يتابع حسابه أكثر من 50 ألف شخص وكان نشطا في توثيق الاحتجاجات، إن لمواقع التواصل الاجتماعي تأثيرا حقيقيا وكبيرا وإنها تساعد في تشكيل الرأي العام ونقل ما يحدث في السودان للخارج.
وقالت منظمة نتبلوكس، وهي منظمة غير حكومية تدافع عن الحقوق الرقمية، إن البيانات التي جمعتها، ومنها ما حصلت عليه من آلاف السودانيين المتطوعين، تقدم دليلا على وجود «نظام رقابة واسع النطاق على الإنترنت». وقال بدر الخرافي الرئيس التنفيذي لمجموعة زين لـ«رويترز»: «حجب بعض المواقع قد يكون لأسباب فنية خارج نطاق اختصاص الشركة». ولم يتسن الاتصال بهيئة الاتصالات وتقنية المعلومات التي تراقب قطاع الاتصالات في السودان أو بشركة (إم.تي.إن) أو بشركة سوداني للحصول على تعليق. ورفضت «تويتر» و«فيسبوك»، اللتان تملكان تطبيق «واتساب»، التعليق.
وقالت ماي ترونج من منظمة فريدم هاوس الحقوقية، ومقرها الولايات المتحدة: «للسودان تاريخ طويل من الرقابة المنهجية على وسائل الإعلام المطبوعة والمذاعة، لكن وسائل الإعلام الإلكترونية لم تُمس نسبيا رغم نموها السريع... في السنوات الأخيرة». وأضافت: «بدأت السلطات لتوها في السير على نهج حكومات قمعية أخرى».



تعثر الإعمار يُبقي «شبح التهجير» قائماً بعد عام من «اتفاق غزة»

في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

تعثر الإعمار يُبقي «شبح التهجير» قائماً بعد عام من «اتفاق غزة»

في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

بعد عام من توقيع «اتفاق السلام في قطاع غزة»، لا يزال «إعمار غزة» متعثراً في ظل تعنت إسرائيلي مستمر ألقى بظلاله على بنود الاتفاق الذي يعاني جموداً منذ اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، ما يُبقي «شبح تهجير الفلسطينيين» قائماً.

وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن «إسرائيل تحقق أهدافها في غزة، تحت ستار خطة السلام المجمدة»، وأشاروا إلى أن «تل أبيب تسيطر على نحو 75 في المائة من القطاع، ودمرت مناطق أخرى ما بعد الحرب، ما يجعل فرص الحياة صعبة في القطاع».

وفي التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، أعلن «الوسطاء» عن وقف إطلاق النار بين حركة «حماس» وإسرائيل، بعد مفاوضات جمعتهم في مدينة شرم الشيخ المصرية قبل أن يتم التوقيع على الاتفاق النهائي في الثالث عشر من الشهر نفسه، بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ووقع على «وثيقة السلام»، قادة دول الوساطة «مصر وأميركا وقطر وتركيا»، وتضمنت وقف إطلاق للنار في غزة، عبر عدة مراحل، تبدأ بوقف العدائيات، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية، وتبادل المحتجزين والأسرى، على أن يلي ذلك مرحلة ثانية تتضمن جهود التعافي المبكر، وإعادة الإعمار، وتسليم إدارة قطاع غزة للجنة مدنية «تكنوقراط».

ورغم إعلان الوسطاء في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، عن تشكيل «لجنة تكنوقراط»، برئاسة علي عبد الحميد شعث لإدارة القطاع، لكن لم يتم تمكينها حتى الآن من ممارسة دورها، وسط انتهاكات مستمرة ورفض إسرائيلي لخريطة الطريق التي وافقت عليها الفصائل الفلسطينية في شهر يونيو (حزيران) الماضي، تمهيداً لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية.

وبموازاة ذلك، لم تتخل إسرائيل عن مخطط «تهجير الفلسطينيين» من غزة، حيث أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، أن «حكومته تمتلك خططاً جاهزة لتهجير الفلسطينيين من غزة»، وقال إنها «تنتظر أن تحدد الولايات المتحدة المكان الذي يمكن نقلهم إليه».

وتحذر مصر والدول العربية من مساعي إسرائيل لتهجير الفلسطينيين، منذ بداية الحرب على غزة، في السابع من أكتوبر 2023.

وشدد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، على «رفض بلاده الكامل لأي مخططات تستهدف تهجير الشعب الفلسطيني»، وأكد خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الكوري لي چيه ميونغ، الخميس، «رفض بلاده التصعيد الإسرائيلي الخطير، للأوضاع في الضفة الغربية والقدس الشرقية».

ويرى عضو «المجلس المصري الشؤون الخارجية»، السفير رخا أحمد حسن، أن «إسرائيل تحقق أهدافها تحت ستار خطة السلام»، مضيفاً: «هناك حالة جمود في تنفيذ مراحل خطة ترمب في غزة، ورغم ذلك تواصل تل أبيب ممارساتها ضد الفلسطينيين بالقطاع».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الجانب الإسرائيلي يحتل غالبية أراضي القطاع، كما يواصل تدمير البنية التحتية، ويضع العراقيل أمام دخول المساعدات الإنسانية»، مشيراً إلى أن «هذه الممارسات تجعل الحياة مستحيلة في القطاع»، ويدفع في نفس الوقت إلى «تنفيذ مخطط التهجير».

وأشار إلى أن «إسرائيل لا تريد الوصول لمرحلة إعادة الإعمار في غزة، وتريد تجميد الوضع حتى تنفذ مخططها الكامل»، موضحاً أن «هناك صعوبة في تشكيل قوة السلام الدولية التي ستتولى تنفيذ مراحل خطة ترمب، بما في ذلك انسحاب إسرائيل من المناطق التي تسيطر عليها في القطاع».

وتعد «قوات استقرار غزة» أحد أبرز البنود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي جرى التوقيع عليه في قمة السلام بشرم الشيخ المصرية، غير أنها لم تر النور، رغم تشكيل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام العالمي»، الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

ولا تزال هناك خروقات لوقف إطلاق من الجانب الإسرائيلي، وفق رئيس «الهيئة الدولية لدعم فلسطين»، صلاح عبد العاطي، وقال إن «حرب الإبادة لم تتوقف رغم مرور عام على اتفاق السلام، وهناك مئات الضحايا يومياً، بجانب منازل يتم تدميرها»، مشيراً إلى أن «هذه الممارسات تُصعّب أي محاولات لعملية الإعمار».

ويرى عبد العاطي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجانب الإسرائيلي لم يلتزم باستحقاقات خطة السلام، بما في ذلك دخول المساعدات لسكان القطاع، حيث يسمح بقدر بسيط يصل إلى 37 في المائة من نسبة المساعدات التي أقرتها خطة السلام».

ونوه إلى أن «الجانب الإسرائيلي لا يسمح بدخول المعدات والوقود، وهو ما يفاقم الأوضاع الإنسانية هناك»، وقال إن هناك «عدة خطط لإعادة الإعمار، من بينها الخطة المصرية، لكنها مرهونة بتنفيذ استحقاقات خطة ترمب».

وأقرت القمة العربية الطارئة بالقاهرة، في مارس (آذار) 2025، الخطة المصرية لإعادة إعمار قطاع غزة تتضمن مشاريع إسكان ومراكز مجتمعية وميناءً تجارياً ومراكز تكنولوجية وفنادق على الشواطئ، وكان مقرراً أن تنتهي من التنفيذ بعد ثلاث سنوات بتكلفة تصل إلى 53 مليار دولار.


«فجر اليمن» تطهر باب المندب وجزره من بقايا الحوثيين

عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
TT

«فجر اليمن» تطهر باب المندب وجزره من بقايا الحوثيين

عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)

دخلت العملية العسكرية اليمنية «فجر اليمن» يومها الخامس، الجمعة، مع استكمال القوات الحكومية تطهير مضيق باب المندب وجزيرة ميون الاستراتيجية، وتثبيت مواقعها في المرتفعات المطلة على الممر الملاحي الدولي، في تطور يعزز مكاسبها على الساحل الغربي، بينما تتواصل المعارك في أرياف تعز الجنوبية والغربية، بالتزامن مع اتساع نطاق الضربات الجوية ضد مواقع الحوثيين وتحركاتهم في مناطق عدة من البلاد.

وقالت مصادر عسكرية إن ألوية العمالقة وقوات درع الوطن، بإسناد جوي من التحالف الداعم للشرعية، أحكمت السيطرة على باب المندب ومعسكر العرضي ونقاط المراقبة التابعة لخفر السواحل، إلى جانب جزيرة ميون والسلاسل الجبلية المحيطة بالمضيق، بما فيها المواقع التي تشرف على الممر البحري الحيوي.

وذكرت المصادر أن القوات نفذت عملية التفاف مباغتة تجاوزت خلالها خطوط الدفاع الأمامية للحوثيين، ووصلت إلى خنادقهم وأنفاقهم المستحدثة، حيث أسفرت المواجهات عن مقتل العشرات من عناصر الجماعة واستسلام آخرين.

ويمثل تأمين المضيق وجزيرة ميون، في حال تثبيت السيطرة المعلنة، تحولاً مهماً في مسار العمليات على الساحل الغربي، بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للمنطقة عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وأهميتها في حماية الملاحة الدولية.

ويأتي ذلك بعد إعلان القوات الحكومية السيطرة على مرتفعات كهبوب، التي تشرف على مساحات واسعة من المنطقة المحيطة بباب المندب.

الضغط نحو الوازعية

مع تثبيت المواقع الجديدة، تواصل القوات الحكومية اليمنية عملياتها في جبهة الوازعية غرب تعز، مستهدفة تأمين المرتفعات الشرقية للمديرية وتضييق الخناق على المواقع الحوثية في محيط ذوباب ومعسكر العمري، تمهيداً لتوسيع التقدم باتجاه المخا، وفق المعطيات الميدانية الواردة من الجبهة.

القوات الحكومية اليمنية تتقدم في الوازعية وتضغط لاستكمال تطهير باب المندب (إ.ب.أ)

وترافق ذلك مع غارات جوية استهدفت مواقع وتحركات عسكرية للحوثيين في الوازعية والشمايتين وجبل حبشي، إلى جانب مواقع في شرجب والتربة وجبل قحام المطل على مديريتي المقاطرة والأحكوم على الحدود بين تعز ولحج.

وأفادت مصادر ميدانية باستهداف آليات وتعزيزات حوثية في منطقتي الحقل والقحاف بمديرية جبل حبشي، فيما ذكر المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري الحكومي أن إحدى الغارات أسفرت عن تحييد وإصابة 23 عنصراً.

كما طالت الضربات مواقع في جبال نُمان والصيبارة ومنطقة الحرثة، وجرداد في مديرية الشمايتين.

عنصر من قوات الحكومة اليمنية في جبهات جنوب تعز (أ.ف.ب)

وفي المقابل، لا تزال الجماعة الحوثية تضغط على المناطق الريفية جنوب تعز وغربها، في محاولة للحفاظ على مواقعها وفتح مسارات تقدم جديدة.

وأفادت مصادر محلية بسيطرتها على المحشاء والعدف والعرمة في مديرية جبل حبشي في الجبهة الغربية، وتقدمها باتجاه منطقة الشارق، وسط قصف طال قرى في المنطقة وأسفر، بحسب تلك المصادر، عن مقتل أحد المعلمين في المحشاء.

وتعكس هذه التطورات استمرار المواجهة على أكثر من محور في محافظة تعز، حيث تسعى القوات الحكومية إلى تثبيت مواقعها في المناطق الغربية وتأمين الطرق الحيوية، بينما يحاول الحوثيون الاحتفاظ بنقاط الضغط في الأرياف الجنوبية والغربية ومحيط المدينة.

1729 استهدافاً عسكرياً

في مؤشر على اتساع العمليات العسكرية، أعلن المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، الخميس، تنفيذ 1729 عملية استهداف دقيقة ضد أهداف عسكرية حوثية في مختلف المحاور والجبهات، ضمن عملية «فجر اليمن».

وقال النزيلي إن العمليات أسفرت عن تحييد 1370 من عناصر الجماعة، وتدمير أو إعطاب 300 عربة ووسيلة ومعدة عسكرية، إلى جانب استهداف مواقع عسكرية ونقاط مراقبة ومراكز قيادة وسيطرة ومخازن أسلحة وخطوط إمداد وتعزيزات.

مقاتلون من ألوية العمالقة في جبهة باب المندب (أ.ب.أ)

بالتوازي، امتدت الغارات الجوية إلى ثماني محافظات، هي تعز وإب والبيضاء وأبين وصعدة وصنعاء وريمة والحديدة، وفق إفادات محلية.

وشملت الأهداف مواقع في العاصمة المختطفة صنعاء، ومعسكراً للحوثيين في يريم بإب، ومواقع في السياني بالمحافظة نفسها، وأخرى في بني مطر غرب صنعاء ومواقع في كسمة، حيث محافظة ريمة، ومواقع في جبال جميل وجرجرة والنسرين بالبيضاء، إضافة إلى عقبة ثرة ومواقع أخرى في الحديدة وصعدة.

وفي لحج، أعلنت القوات الحكومية صد هجوم حوثي استهدف مناطق الأغبرة والمحاولة والمشامرة شمال غربي مديرية المضاربة، واستعادة مواقع في جبل سيف، بمساندة تعزيزات قبلية.

كما استمرت المواجهات والقصف المتبادل وعمليات الطائرات المسيّرة في جبهات جنوب مأرب والجوف، مع غارات استهدفت معسكر ماس ومواقع في منطقة اللبنات.


الحوثيون يستنفرون بنوك الدم مع تصاعد خسائرهم البشرية

استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
TT

الحوثيون يستنفرون بنوك الدم مع تصاعد خسائرهم البشرية

استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)

دفعت الجماعة الحوثية خلال اليومين الماضيين بعربات وشاحنات تابعة لما يسمى «المركز الوطني لنقل الدم وأبحاثه» إلى شوارع وأحياء وميادين في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحافظات ذمار وإبّ والمحويت والحديدة، في حملة مكثفة لحشد السكان للتبرع بالدم بصورة عاجلة، بالتزامن مع مؤشرات على تزايد أعداد الجرحى في صفوف الجماعة جراء التطورات العسكرية الأخيرة.

وجابت المركبات الحوثية مناطق مكتظة بالسكان، مستخدمة مكبرات الصوت لحث المواطنين على التبرع، في حين أفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن الجماعة وجهت العاملين في القطاع الطبي ومسؤولي الأحياء وعقالها في المحافظات المستهدفة إلى حشد السكان ودفعهم إلى مراكز التبرع، بالتزامن مع اتساع المواجهات على عدد من الجبهات.

وأوضحت المصادر أن هذه التحركات تأتي وسط حالة استنفار في المرافق الصحية الخاضعة للجماعة، مع تزايد الحاجة إلى فصائل دم مختلفة، في وقت تشهد فيه المستشفيات، وفقاً لشهادات محلية، وصول أعداد متزايدة من الجرحى الحوثيين.

مركز نقل الدم وأبحاثه الخاضع للحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

وقال سكان في صنعاء ومناطق أخرى إن الانتشار المكثف لعربات التبرع خلال اليومين الماضيين بدا لافتاً، خصوصاً مع تكرار النداءات عبر مكبرات الصوت وحث المواطنين على التوجه إلى نقاط التبرع. ويربط السكان بين هذه الحملات والتطورات الميدانية الأخيرة، وسط تساؤلات عن حجم الإصابات التي دفعت الجماعة إلى توسيع نطاقها جغرافياً.

استنفار وخسائر

يشير قاسم، وهو أحد سكان صنعاء، إلى أن «الدعوات الحوثية هذه المرة أكثر إلحاحاً من الحملات السابقة»، مضيفاً: «لا أحد يرفض التبرع لإنقاذ حياة إنسان، لكن السؤال: لماذا يستمرون في إرسال الناس إلى الجبهات، ثم يطلبون من المواطنين توفير الدم لعلاج نتائج تلك المعارك؟».

وفي إبّ (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، قال مجدي، وهو أحد سكان المحافظة، إن تكثيف الدعوات للتبرع بالدم «لا يأتي من فراغ»، مضيفاً أن الجماعة تستخدم وسائل مختلفة لحشد المواطنين، من دون توضيح حجم الخسائر التي رفعت الحاجة إلى الدم بهذا الشكل.

وقال: «الناس تعاني الفقر وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات، والآن يُطلب منها أن تتحمل أيضاً نتائج الحرب وتوفير الدم للمصابين».

وفي ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) أفادت مصادر وسكان بانتشار عربات تابعة لفرع مركز نقل الدم في عدد من أحياء مدينة ذمار، بالتزامن مع دعوات عاجلة للتبرع، وسط ما وصفوه باستمرار وصول أعداد متزايدة من الجرحى الحوثيين إلى المستشفيات، ولا سيما مستشفى ذمار العام، الأمر الذي يزيد الضغط على المرافق الصحية.

عربات حوثية استخدمت مكبرات الصوت لحث السكان على التبرع بالدم (فيسبوك)

وفي المحويت والحديدة غرباً، قالت مصادر محلية إن الإقبال على حملات التبرع الحوثية كان محدوداً جداً في بدايتها، ما دفع الجماعة إلى توسيع نطاقها داخل المؤسسات الحكومية والخاصة، وحث الموظفين والعاملين فيها على التبرع.

وأوضحت المصادر أن هذه الحملات تأتي في إطار حالة استنفار أوسع، مشيرة إلى أن تزامنها مع التطورات العسكرية عزز اعتقاد السكان بأن أعداداً كبيرة من الجرحى تحتاج إلى الدم بصورة عاجلة.

وفي المقابل، يواجه السكان في مناطق سيطرة الجماعة تدهوراً في الخدمات الصحية ونقصاً في الأدوية والمستلزمات الطبية، وسط مطالب بتوفير خدمات علاجية قادرة على تلبية احتياجات المدنيين، بدلاً من زيادة الأعباء على مرافق تعاني أصلاً من محدودية الإمكانات.