الأطفال القُصّر... جيل جديد من المهاجرين يستوطن ليبيا

بعضهم يتعرض للاغتصاب والتعذيب أو يتم دمجه في الجماعات الإرهابية والإجرامية

أطفال أفارقة يلعبون خارج قاعدة بحرية في طرابلس بعد إنقاذهم من طرف البحرية الليبية من الغرق (أ.ف.ب)
أطفال أفارقة يلعبون خارج قاعدة بحرية في طرابلس بعد إنقاذهم من طرف البحرية الليبية من الغرق (أ.ف.ب)
TT

الأطفال القُصّر... جيل جديد من المهاجرين يستوطن ليبيا

أطفال أفارقة يلعبون خارج قاعدة بحرية في طرابلس بعد إنقاذهم من طرف البحرية الليبية من الغرق (أ.ف.ب)
أطفال أفارقة يلعبون خارج قاعدة بحرية في طرابلس بعد إنقاذهم من طرف البحرية الليبية من الغرق (أ.ف.ب)

منذ قرابة عامين، هربت الطفلة الأفريقية فاطمة أبو رحماني من قبضة عصابة لتهريب البشر، بمساعدة مواطن ليبي، واستقر بها المقام في مدينة سبها (جنوب) ولم تغادرها حتى الآن. هذه الفتاة التي تستهل عامها الثالث عشر، عُثر عليها ليلاً في صحراء فزان، بعدما قفزت من حافلة كانت تُقلّ مهاجرين غير شرعيين من دول جوار عدة، وهي الآن تعمل لدى عائلة ليبية، مقابل الطعام والسكن، وتسمح لها ببيع المناديل الورقية قرب الأسواق التجارية في آخر اليوم. بخوف شديد، سردت فاطمة أبو رحماني جزءاً من مأساتها، فقالت: «أرسلني والداي من الصومال مع رفيقات ونساء ورجال كثيرين للسفر إلى إيطاليا. لكن السماسرة الذين كانوا على حدود تشاد أخذوا أموالنا، وسلمونا إلى عصابة محلية، عنّفتنا ومنعت عنا الطعام والمياه».
لكن فاطمة، وعلى صغر سنها، لا تعد حالة معزولة. ففي داخل الأرضي الليبية يوجد عشرات الأطفال أصغر منها سناً، بعضهم دفعت بهم أُسرهم الفقيرة للمصير نفسه وبالطريقة نفسها، وبعضهم الآخر فقدوا آباءهم غرقاً في مياه البحر المتوسط، أثناء محاولة فاشلة للهجرة، وهو ما خلّف معضلة إضافية تتنامى داخل المجتمع الليبي، مُلخصها أن جيلاً من الأطفال الذين تقطّعت بهم السبل، أصبح يعيش في هذا البلد المليء بالفوضى دون آباء أو معيل. منهم من يعيش على «حلم مؤجل»، ويعمل في كل شيء لتوفير ثمن «رحلة البحر»، بينما غالبيتهم يفضلون البقاء في ليبيا على العودة إلى بلادهم، وكلهم يعيشون بعيداً عن أعين أجهزة الشرطة، وخارج مراكز إيواء المهاجرين الحكومية.
«الشرق الأوسط» استقصت هذه الظاهرة في أنحاء البلاد، وتتبعت مسارات تحركات هؤلاء الأطفال، الذين سقطوا من ذاكرة المنظمات والهيئات الدولية، لمعرفة من أين جاؤوا؟ وأين يتجمعون؟ وهل يمكن أن يشكلوا خطراً على البلد الذي تضربه الانقسامات السياسية منذ إسقاط نظام الرئيس معمر القذافي قبل نحو ثماني سنوات؟... وخرجت بالتحقيق التالي...
عندما بحثنا عن رفاق فاطمة، الفارين من بؤس دولهم الأفريقية الفقيرة، إلى بلد يعاني فراغاً أمنياً، اقتفينا أثرهم في رحلتهم الممتدة من الحدود الأفريقية مع ليبيا إلى وسط وغرب البلاد، فتبين أن نقطة الانطلاق فيها تبدأ عادة من مدن الجنوب، مثل سبها وبراك الشاطئ، ثم الكفرة، التي تسيطر عليها عصابات الاتجار بالبشر، ومرتزقة أفارقة، وقبائل يتاجر بعضها في تسهيل مهمة من يدفع «مقابل المرور»، وصولاً إلى بني وليد كنقطة تمركز، قبل الانطلاق باتجاه القرة بولي ثم إلى الخمس، ومنها نحو صبراتة أو زوارة.
ورغم أن الأجهزة الأمنية في ليبيا تُودع من حين إلى آخر، مئات المهاجرين الذين ينسلون عبر الحدود أو الذين تنقذهم قوات خفر السواحل، قيد الاحتجاز أو في مراكز للإيواء تشرف عليها وزارة الداخلية بحكومة الوفاق الوطني. لكن أعداداً كثيرة من القصّر، بينهم نساء وأطفال غير مصحوبين بذويهم، يتسربون بطرق ملتوية إلى المدن والبلدات الليبية؛ وهو ما كشفت عنه أرقام شبه رسمية؛ إذ يقدر عدد الذين يقيمون داخل تلك المراكز بـ34 ألف مهاجر فقط، مقابل أكثر من 740 ألفاً يمرحون في عموم البلاد، وفق ما أعلن عنه المبعوث الأممي لدى ليبيا الدكتور غسان سلامة في حوار مع قناة «(فرانس 24» نهاية الشهر الماضي.

سبها قبلة القصر الوافدين
في متاهة التضاريس الصحراوية الغالبة على البلد الغني بالنفط، والذي تربو مساحته على 1.7 مليون كيلومتر مربع، تتربع مدينة سبها، (عاصمة الجنوب) بمناطقها الخمسة عشر، وفيها يتوه آلاف الأطفال الوافدين من أفريقيا، بين أهلها المُنهكين في أزماتهم المعيشية، فيندمجون في أوساطهم في عملية احتواء طابعها العطف والشفقة بحجة «أنهم أطفال مساكين بلا أُسر، تم الدفع بهم إلى بلادنا، عبر حدودنا المفتوحة للهرب إلى أوروبا... مثل الطفلة فاطمة التي كُتب لها عُمر جديد، بعدما عثرنا عليها بين الحياة والموت في صحراء فزان، فاقدة للنطق»، كما قال زنّاري الضوي، الذي يمتلك مزرعة من النخيل، لـ«الشرق الأوسط»، وتابع موضحاً: «كدنا أن ندهسها، قبل أن تبرق عيناها أمام ضوء السيارة كقط بري... وقد حكت لنا الطفلة بفزع شديد، وعلى أيام متباعدة، تفاصيل ما وقع لها ليلة عثورنا عليها في ظلمة الصحراء. إنها لا تزال تعاني حالة نفسية صعبة، توقظها ليلاً وهي تصرخ؛ لذا أتركها على راحتها، وأساعدها على إرسال أموال لأسرتها الفقيرة في الصومال. فهي تدّخر من عملها في منزلي، وبيع المناديل».

مأساة الصومالية بائعة المناديل
فاطمة التي تخطو نحو المجهول، منذ أن ألقى بها والدها على ظهر حافلة، تحت أقدام عشرات الرجال والنساء، أصبحت تعرف شوارع سبها جيداً وتحفظ أسماءها، كما تحفظ أسماء مدينة كانيبو الصومالية، التي أتت منها قبل عامين. وهي تواظب اليوم على الوقوف في قلب إحدى الأسواق الشعبية المزدحمة مع بنات وصبيان آخرين من دول أفريقية مختلفة، يبيعون المناديل الورقية، ويستجدون المارة للحصول على المال.
كانت فترة العامين، التي عاشتهما الصغيرة فاطمة في ليبيا، كافية لتتعلم القليل من مفردات اللغة العربية، التي ترددها بركاكة مصحوبة بلهجة ليبية. تقول فاطمة: «جئت مع نحو 50 رجلاً وامرأة، وأطفال كثيرين في سيارة ممتلئة بالبشر، انطلقت بنا لأيام في الصحراء، وعندما كانت تتوقف لم يكن يسمحون لنا بالنزول منها، فكنا نقضي حاجتنا الطبيعية داخل السيارة... ولطالما بكينا طويلاً وصرخنا من الجوع والعطش».
وتضيف فاطمة لـ«الشرق الأوسط»: «عندما شعر الرجال باقترابنا من المدن الليبية، قفز بعضهم من أعلى السيارة في ظلام الصحراء، هرباً من العصابة التي تسلمتنا من سيارة أخرى على حدود تشاد، فسقطت من شدة التدافع».
وبأسى شديد، ومرارة بالغة تابعت فاطمة سرد مأساتها بعد أن أدركت أن حلم معانقة الأراضي الإيطالية أصبح صعب المنال: «والدي قال لي إنهم ذاهبون إلى إيطاليا، وعليك أن تتبعيهم. لكن ذلك لم يحدث، وأنا الآن أساعد عائلة عمي زنّاري، وأبيع المناديل من العصر إلى آخر اليوم مع أطفال من دول أفريقية في السوق، وأعود لأنام في المنزل. أبي يُلح عليّ بالاتجاه نحو البحر، لكنني لن أغادر سبها، فكثير من الأطفال، الذين كنت أقابلهم كل يوم اختفوا. كانوا أكثر من 20 بنتاً وسبعة أولاد، غالبيتهم من إريتريا وتشاد وساحل العاج... لا أعلم أين ذهبوا...هل تعرف أين هم الآن؟».
تساءلت فاطمة بحزن شديد، قبل أن تستكمل سرد حكايتها المؤلمة «كان بين الأطفال المختفين ثلاث بنات مصابات بالسل (الدرن) والإيدز»، وهي الأمراض التي كشفت عنها الأجهزة الطبية في البلاد لاحقاً، بعد توقيف عدد من المهاجرين، وإخضاعهم للفحص الطبي، قبل ترحيلهم إلى دولهم.
وتبعاً للمعطيات التي حصلت عليها «الشرق الأوسط»، فإن الأطفال المهاجرين يفضلون الاندماج في مدن الجنوب، مستغلين في ذلك التقارب في لون البشرة السمراء مع مواطنيها، وهرباً من التمييز ضد أصحاب هذه البشرة، حتى باتت هذه الظاهرة في تنام ملحوظ. وفي هذا السياق، يرى إسماعيل بازنكة، الناشط المدني الذي ينتمي إلى قبلية التبو، أنه «رغم عدم وجود حصر لعدد هؤلاء الأطفال في البلاد، فإن أعدادهم كبيرة، وهم يتواجدون في المدن والمناطق المعروفة بالتهريب».
وأوضح بازنكة، أن «غالبية الأطفال الأفارقة، المتواجدين في الجنوب تركوا عائلاتهم وأتوا للعمل في ليبيا رفقة مهاجرين كبار السن، رغم حداثة أعمارهم»، مؤكداً أن «نسبة كبيرة منهم صغار السن وضعاف البنية، ولا يملكون المهارات اللازمة لأي عمل».
وتابع بازنكة، الذي اطّلع بحكم نشاطه التطوعي على نماذج عدة لهؤلاء الأطفال القصر: «هم يشتغلون لدى العمالة الوافدة في أماكن إقامتهم، ويساعدونهم على الطهو، وعندما يضمنون ثمن إيجار قارب ينتقلون إلى الساحل للتوجه نحو أوروبا».

في قبضة عصابات الجريمة
تعاني منطقة الجنوب، التي يبلغ امتدادها نحو 600 كيلومتر، من التهريب بكل أنواعه، وبخاصة المخدرات والاتجار بالبشر. ومع تردي الأوضاع المعيشية بعد مقتل القذافي، وسقوط سلطة الدولة، باتت جميع القبائل التي تقع على خط سير عمليات تهريب المهاجرين «تسترزق من الهجرة»، واتجه شبانها لمساعدة تلك العصابات في نقل المهاجرين من الجنوب، إلى أقرب نقطة على الساحل. وقد تسبب الفساد الإداري في إغلاق بعض مراكز الإيواء في الجنوب، التابعة لوزارة الداخلية بحكومة الوفاق الوطني، ولم يتبق غير مركزي إيواء الكفرة، وسبها طريق المطار؛ الأمر الذي ساهم - برأي البعض - في تسلل مئات الأطفال المهاجرين إلى المدن والبلدات، وبخاصة في ظل ضعف رقابة الأجهزة الأمنية المنقسمة بين حكومتين متنازعتين في شرق البلاد وغربها. وأصبح من السهل تبعاً لذلك رصد تجمعاتهم بالعشرات، فيما يشبه «جيتوهات».
في ظل هذه الظروف الصعبة، لا يسلم المهاجرون الأطفال في ليبيا، وبخاصة الفئات المستضعفة منهم، من التعرض لعمليات اغتصاب وتعذيب واحتجاز للقُصّر؛ إذ رصدت البعثة الأممية لدى ليبيا في أحدث تقاريرها في ديسمبر (كانون الأول) الحالي، أن شبكات إجرامية أسرت طالبة لجوء من إريتريا ثلاث مرات في براك الشاطئ، وبني وليد والخمس، تعرضت خلالها لاغتصاب جماعي وضرب وتجويع، وسردت معاناة الفتاة على لسانها «كنا نحو مائتي شخص في غرفة واحدة. لم نكن نقوى على التنفس أو الحركة أو مد أرجلنا، وكنت أتعرض في كل ليلة للاغتصاب من قبل نحو ستة رجال، بعضهم ليبيون، وآخرون من جنسيات أفريقية مختلفة».
كما قالت البعثة: إن صومالية صغيرة السن «بيعت لمتاجرين بالبشر في مدينة الكفرة فور دخولها ليبيا، قادمة من السودان أواخر العام الماضي، وسردت تفاصيل تجربتها المريرة على لسانها: (في الكفرة تعرضت للاغتصاب والضرب إلى أن دفعت والدتي المال. غير أنه لم يطلق سراحي، بل تم اقتيادي إلى براك الشاطئ، وطلب مني دفع المال مرة أخرى، فبقيت هناك أشهر عدة، شهدت خلالها وفاة عشرين شخصاً)».
«الشرق الأوسط» سألت أحد أعضاء «جهاز الهجرة غير الشرعية» في مدينة سبها عن هؤلاء الأطفال، داخل وخارج مقار مركز الهجرة، فقال: «لا يوجد لدينا أطفال غير مصحوبين بذويهم، وليست لدينا إحصائية في الجنوب عن أعدادهم خارج مركز الإيواء. لكنهم كثيرون، ويعملون بالتسول في شوارع المدينة، ويتواجدون بكثرة في محيط المحال التجارية، وفي الأسواق والمناطق المزدحمة».
وأضاف عضو جهاز الهجرة في سبها، الذي اختار لنفسه اسم أحمد امحمد، موضحاً: إن «هذه النوعية من الأطفال المهاجرين يظهرون بشكل كبير، وبخاصة في الصيف، وأحياناً يختفون بشكل مريب»، كاشفاً عن «تعرضهم لمخاطر كبيرة»، وقال: «إذا كان المهاجرون بشكل عام يتعرضون لأهوال في ليبيا، فإن الأطفال يعتبرون صيداً سهلاً، وأكثر استهدافاً من قبل عصابات الجريمة، والاتجار في البشر».
وأوضح امحمد باعتباره أحد سكان سبها، أن هذه الشريحة باتت «تتزايد بشكل مستمر بسبب موجات الهجرة، ونشاط عصابات الاتجار بالبشر، لكن يظل الوضع في المناطق الجنوبية كارثياً بالنسبة لهؤلاء الأطفال». ففي الأشهر الماضية خطفت عصابات مسلحة بعض المهاجرين الأطفال، وأخضعتهم لعملية ابتزاز: إمّا أن يدفعوا إليهم أموالاً، أو يتم التنازل عنهم لعصابة أخرى مقابل مبلغ من الدولارات.

مسارات المهاجرين
تتعدد وتتنوع مسارات المهاجرين إلى ليبيا، أبرزها المسار الرابط من إقليم دارفور بالسودان، مروراً بالقلع الغربي للسودان، ثم عبور ليبيا بالقرب من منفذ السارة إلى خط الأربعمائة، ومن ثم إلى جبل كلمنجة ومنطقة واو الناموس، ومنها إلى سبها، ثم إلى طرابلس العاصمة. وهناك مسار آخر من تشاد إلى منفذ السارة البري، ومنه إلى منطقة ريبانة، أو جبل كلنجة غرب مدينة الكفرة.
بالنسبة لمحطة بني وليد، فرغم المسافة الشاسعة بينها وبين سبها، والتي تقدر بـ524 كيلومتراً، فإن الأخيرة التي تقع في الشمال الغربي، تعد إحدى أهم المحطات بطريق وفود الهجرة غير الشرعية. فهناك يستريح المهاجرون من عناء الطريق التي قطعوها من الجنوب، قبل أن ينطلقوا إلى ترهونة، ثم صبراتة أو الزاوية على الساحل الغربي. ومن هناك يتم الهرب في زوارق إلى البحر، إذا استطاع المهاجرون تدبير الأموال المطلوبة ودفعها للمهربين.
ويبدو أن المدينة، التي لا تزال تدين بالولاء للقذافي، لها نصيب من اسمها الذي عُرفت به حسب المرويات القديمة، حيث كان مواطنو المغرب، والجزائر، وتونس الذين يذهبون إلى «الأراضي الحجازية» للحج، يمرون عبر ليبيا من خلال هذه البقعة ويبقون فيها نوقهم، التي على وشك أن تلد، وخلال عودتهم من الحج يجدون إبلهم قد ولدت، فأطلقوا عليها اسم «وادي الوليد»، ثم تطور الاسم إلى أن صار بني وليد.
واليوم أصبح المهاجرون، الذين يمرون عبر صحراء بني وليد، يتخففون من المهاجرين الصغار، بعدما تحولوا إلى عبء في رحلة محفوفة بالمخاطر، فأصبحوا يبقونهم في فضاء الصحراء ليعثر عليهم سكان المدينة، ومن بين هؤلاء الصغار، طفلة قادمة من النيجر، تدعى أنبوتي، لا يتجاوز عمرها 12 عاماً، جاءت من بلادها مع مهاجرين آخرين، عبر الحدود الجنوبية الليبية، في رحلة قاسية يرويها حاتم التويجر، عضو مجلس إدارة «جمعية السلام بني وليد» للأعمال الخيرية: «فور وصول الطفلة إلى قرية الشويرف شمال مدينة سبها، التي تعتبر ممراً لجماعات المهاجرين، اختفت وبدأ الخاطفون في مساومة أسرتها المسيحية المقيمة في النيجر، لدفع فدية. لكنها لم تستطع توفير المال اللازم لإطلاق سراحها، فسكبوا البنزين على جسدها وأشعلوا فيها النار، وألقوا بها جنوب ضواحي المدينة، التي تبعد عن العاصمة طرابلس 180 كيلومتراً، وقد عثرت عليها سرية حماية بني وليد الأمنية، ونقلتها إلى المستشفى العام في المدينة لتلقي الإسعافات الأولية».

اعتناق الإسلام
في العاصمة طرابلس، بدأت الطفلة أنبوتي تتلقى العلاج من الحروق لمدة شهرين على نفقة مواطن ليبي يدعى عبد العاطي المروم، ثم عادت إلى بني وليد ثانية، لتبدأ رحلة جديدة... لكن هذه المرة مع اعتناق الدين الإسلامي.
حول هذه المرحلة يقول التويجر لـ«الشرق الأوسط»: «كانت أنبوتي تتردد على الجمعية، وأشهرت إسلامها لما شهدته من حسن معاملة من أهالي المدينة، وحفظت 8 سور من القرآن الكريم، وتم تسميتها رحمة، ثم التحقت بفضل مساعدة أسرة المروم بالمدرسة الهندية (السند العالمية) لتستكمل دراستها».
ومع الجهود التي بذلتها السلطات المحلية في بني وليد، عادت أنبوتي إلى أسرتها في النيجر، في حالة فريدة من نوعها. بينما بقيت أخريات من أمثالها هناك، يصارعن مستقبلاً مجهولاً، بعدما تبددت آمالهن في الانتقال إلى «الشط الثاني»، وأصبحن يخططن للإقامة في ليبيا بشكل دائم. ولذلك؛ أنشأت الجمعية مقراً أطلقت عليه «البيت الآمن» خصيصاً للحالات المرضية للأطفال والنساء الناجين من حوادث الهجرة أثناء تنقلهم عبر الطرق الصحراوية، يتلقون فيه العلاج والغذاء مجاناً. كما أن أطفالاً عدة من الصومال وإثيوبيا والنيجر أصبحوا يتلقون الرعاية في جمعية بني وليد.
لكن العصابات المسلحة دائماً ما تتربص بالعابرين لصحراء بني وليد، وتقطع عليهم «طريق الرحلة»، بقيادة المهرب موسي دياب، الذي طالب مكتب النائب العام، بالقبض عليه وإخضاعه للمحاكمة، بعد مجزرة قضى فيها 15 مهاجراً، معظمهم من إريتريا، والصومال، وإثيوبيا بعد إطلاق النار على 140 شخصاً، أثناء محاولتهم الفرار من سجن سري يديره مهربون قرب ضواحي بني وليد.
وقال الصدّيق الصور، رئيس مكتب التحقيقات بمكتب النائب العام، خلال مؤتمر صحافي في مارس (آذار) الماضي، إنهم أصدروا 205 مذكرات توقيف ضد أشخاص متورطين في تنظيم عمليات الاتجار بالبشر وحالات تعذيب وقتل واغتصاب، من بينهم دياب.

مماني في طرابلس
داخل مركز إيواء المهاجرين غير الشرعيين بطريق السكة (فرع طرابلس)، أمضت الطفلة مماني ابنة السنوات السبع، قرابة العام دون أسرتها التي أتت من ساحل العاج، وغرقت في مياه المتوسط، قبل أن تصل إلى أوروبا، يقول ميلاد الساعدي، المستشار الإعلامي لجهاز مكافحة الهجرة لـ«الشرق الأوسط»: «لم تكن الطفلة السمراء تعرف أحداً ولا تعلم شيئاً، فاصطحبتها السيدة خدوجة، الممرضة بالمركز، إلى بيتها لتربيتها مع أبنائها».
ومضى الساعدي يقول: «حرصت السيدة خدوجة على تحصين مماني بكل التطعيمات التي كانت محرومة منها في بلدها، وألحقتها بالمدرسة، وظلت تحظى بالعناية إلى أن تم تسليمها إلى سفارة ساحل العاج في ليبيا».
وتظهر السلطات المحلية قلة حيلتها أمام تنامي ظاهرة تسرب أطفال المهاجرين بين المدن المختلفة، وهو ما كشف عنه مسؤول أمني كبير في وزارة الداخلية بحكومة الوفاق، بقوله: «هذه تركة ثقيلة ورثناها... وأمامنا بعض الوقت لترتيب أمورنا»، قبل أن يستدرك: «المكان الطبيعي للمهاجرين غير النظاميين، هو مراكز الإيواء، ولا يوجد لدينا غير ذلك». أما العميد محمد بشر، رئيس جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية، فكان أكثر صراحة، وقال في حديث إلى «الشرق الأوسط»: «لا يوجد حصر دقيق لأعداد المهاجرين غير الشرعيين خارج مراكز الإيواء... ومسؤوليتنا تتوقف عند الأطفال الذين هم داخل المراكز فقط.. وهؤلاء أعدادهم ليست كبيرة»، دون إعطاء أرقام محددة.
وأبقى جهاز الهجرة غير الشرعية في طرابلس على 12 مركزاً فقط، من إجمالي 34 على مستوى ليبيا، وذلك على خلفية تجاوزات تتعلق باستغلال مهاجرين على نحو غير أخلاقي. بقول بشر: «عندما يتأكد لنا وجود خروقات أمنية في أي مركز لإيواء المهاجرين يتم إغلاقه على الفور دون تردد... ولو تطلب الأمر إحالة أي ضابط صف متورط إلى النائب العام فإننا لن نتأخر».
غير أن عدم اهتمام الأجهزة الرسمية في ليبيا بغير المهاجرين الموقوفين لديها في مراكز الإيواء، وضع تلك الشريحة المستضعفة فريسة سهلة أمام استغلالها من عصابات الجريمة المنظمة في أعمال منافية للآداب، ودمجها في الجماعات الإرهابية والإجرامية، في ظل مخاوف من تعرض هؤلاء الأطفال لعمليات متاجرة في الأعضاء البشرية.



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.