السياسة المصرية «تبحر جنوباً»

القاهرة تسعى إلى استعادة تأثيرها الأفريقي عبر «دبلوماسية القمة»

السياسة المصرية «تبحر جنوباً»
TT

السياسة المصرية «تبحر جنوباً»

السياسة المصرية «تبحر جنوباً»

شكّلت محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، خلال مشاركته في القمة الأفريقية بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا عام 1995، نقطة فارقة في تاريخ العلاقات المصرية - الأفريقية. ووفق دبلوماسيين مصريين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن «الحادث تسبب في إحجام مبارك، ومن حوله، عن حضور أي فعاليات بالقارة، الأمر الذي تراجع معه الاهتمام المصري بأفريقيا بشكل عام».
ويشرح السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية الأسبق، قائلاً إنه «عقب الحادث، الذي نفذه مسلحون ينتمون لجماعات متشددة، نشأ فراغ كبير في العلاقات المصرية - الأفريقية، لانقطاع ما يُطلق عليه (دبلوماسية القمة)، فحدثت فجوة في التواصل مع قادة الدول الأفريقية». ويتابع: «خشية الرئيس الأسبق من تكرار الحادث، وشكوكه في مستويات التأمين بالدول الأفريقية، جعلته يعزف عن حضور القمم والمناسبات المهمة، وهو ما جعل قادة تلك الدول يديرون وجوههم عن القاهرة بالمثل... فالدول الأفريقية أشبه بمجالس الحكماء، التواصل فيها يكون على مستوى القيادات».

استمر حكم الرئيس المصري حسني مبارك نحو 30 سنة، حتى أسقطته ما عُرِفت بـ«ثورة يناير» عام 2011. والآن، وبعد مرور أكثر من عشرين سنة على محاولة اغتياله الفاشلة في أديس أبابا، بدا لافتاً الاهتمام الذي توليه السياسة الخارجية المصرية للقارة السمراء، الذي تجسد بشكل رئيسي في الحضور القوي للرئيس عبد الفتاح السيسي، معظم القمم الأفريقية، منذ وصوله إلى الحكم عام 2014، فضلاً عن تكثيف القاهرة للفعاليات المرتبطة بأفريقيا، وآخرها «منتدى الاستثمار - أفريقيا 2018» في شرم الشيخ، الأسبوع الماضي، إذ شهد حضور 10 زعماء أفارقة، ونحو 3 آلاف شخص من رواد الأعمال الأفارقة.
يقول السفير محمد حجازي مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية الأسبق، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاهتمام بأفريقيا أخذ شكلاً متزايداً في السنوات الأخيرة، بدأ بعودة (دبلوماسية القمة) لممارسة دورها على الساحة الأفريقية، في ظل إدراك سياسي لأهمية أفريقيا لمصر، ووعي للتكالب الدولي الخارجي الحاصل على القارة ومواردها باعتبارها بيئة واعدة للاستثمار».
وأردف: «الرئيس السيسي شارك بنفسه في معظم الفعاليات والقمم، ووضع أفريقيا على سلّم أولويات السياسة المصرية، الأمر الذي أهّل مصر لتولي العضوية غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي ممثلةً عن القارة الأفريقية عامي 2016 - 2017، ثم انتخبت عضواً بمجلس السلم والأمن الأفريقي عن دول الشمال، وهي الآن رئيسة مجلس السلم والأمن الأفريقي، في حين تستعد لتولي مقعد القيادة رئيساً للاتحاد الأفريقي مع انطلاق عام 2019».

- أفريقيا أولوية مصرية
وتشير زيارات الرئيس السيسي الخارجية منذ عام 2014، إلى الأولوية التي تحتلها علاقات مصر مع دول أفريقيا في السياسة الخارجية، إذ قام بزيارة 21 دولة أفريقية من إجمالي 69 زيارة خارجية قام بها، بما يمثّل أكثر من 30 في المائة. كما عقد السيسي 112 اجتماعاً مع قادة ومسؤولين أفارقة زاروا مصر خلال السنوات الثلاث الماضية من إجمالي 543 اجتماعاً، وفقاً لتقرير أصدرته «الهيئة العامة للاستعلامات»، وهي مؤسسة رسمية تتبع الرئاسة المصرية.
أيضاً امتد الحضور السياسي المصري ليشمل مختلف المشاركات والمنتديات الاستراتيجية الإقليمية والدولية مع قارة أفريقيا، في إطار مساعي القاهرة لترسيخ حضورها وتأثيرها داخل القارة. وهنا يقول ضياء رشوان، رئيس هيئة الاستعلامات المصرية، إن «حركة السياسة الخارجية في المحافل الإقليمية والدولية تكشف الأهمية التي توليها مصر لأفريقيا، انطلاقاً من أن انتماءها لمحيطها الأفريقي يُعد مكوّناً رئيسياً من مكوّنات الهوية المصرية، كما أن الخطاب السياسي للرئيس السيسي داخلياً وخارجياً يشير إلى الأهمية الاستراتيجية لعلاقات مصر الأفريقية، واعتزازها بانتمائها».
وترى السفيرة منى عمر، مقررة اللجنة الدائمة للشؤون الأفريقية بالمجلس المصري للشؤون الخارجية، من جهتها، أن «الرئيس السيسي أظهر بالفعل اهتماماً كبيراً بأفريقيا ووضعها كأولوية على سُلَّم أولويات الخارجية المصرية، باعتبارها تشكّل أمناً قومياً مصرياً وأمناً غذائياً واقتصادياً». غير أن عمر أشارت لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الإدراك المصري لأهمية القارة الأفريقية لم يغب أبداً عن الدبلوماسية المصرية، لكنه شهد بعض الأفول في السنوات السابقة؛ جزء منه متعلق بحادث محاولة اغتيال الرئيس مبارك في أديس أبابا، وجزء آخر بسبب غياب التنسيق بين الأجهزة المختلفة بالدولة ومؤسساتها، وهو ما تم تداركه في الوقت الراهن، والبناء على ما تقدم، الذي لا يمكن إغفاله».
وحقاً، تحوّلت مصر في السنوات الأخيرة إلى ملتقى لكثير من المؤتمرات المتعلقة بالأوضاع الأفريقية، آخرها منتدى «أفريقيا 2018»، في دورته الثالثة، وسبقه في أغسطس (آب) الماضي في شرم الشيخ أيضاً اجتماع مجلس محافظي رؤساء البنوك المركزية الأفريقية (52 دولة أفريقية) في دورته الـ41. وفي سبتمبر (أيلول) الماضي عقد المؤتمر الإقليمي للنواب العموميين في أفريقيا، بمشاركة عدد من الدول الأوروبية.
ويشير السفير حجازي، في هذا الإطار، إلى أن «التظاهرة الأخيرة (منتدى أفريقيا 2018) دليل على أن مصر مدركة لأهم التحديات التي تواجه القارة الأفريقية، ومنها التحدي الاقتصادي والتنموي، فضلاً عن التحدي الأمني، حيث تزامن المنتدى مع مناورات عسكرية مصرية - أفريقية في قاعدة محمد نجيب المصرية، في ظل رؤية مصرية تركز على البعدين التنموي والأمني، باعتبارهما مساراً واحداً».
ونوّه حجازي بدور مصر البارز حالياً في تسوية النزاعات وتحقيق السلم داخل القارة، قائلاً إن «دورها في حل النزاعات داخل دولة جنوب السودان ومنطقة القرن الأفريقي يُعتبر مثالاً على ذلك». كما أشار إلى مفاوضات تجري الآن في القاهرة لتوقيع اتفاقية قارية تقضي بتحرير السلع والخدمات في أفريقيا، وأيضاً حرية الانتقال. ولفت إلى تقرير أصدره الاتحاد الأوروبي أخيراً تحدث فيه إيجابياً عن دور مصر في تسوية النزاعات في أفريقيا، واعتبر أن ترؤسها الاتحاد عام 2019 يفتح آفاقاً جديدة للعلاقات الأوروبية - الأفريقية.

- حزمة إجراءات لحضور فعال
رؤية مصر الجديدة نحو أفريقيا عبّر عنها الرئيس السيسي، حين أكد، في ختام منتدى أفريقيا، الأحد الماضي، أن بلاده «عادت للوجود المؤثر والفعال على الساحة الأفريقية بهدف التعاون والتعمير والبناء لصالح الأشقاء الأفارقة انطلاقاً من الثوابت الرئيسية لسياسة مصر تجاه الدول الأفريقية»، معلناً عن حزمة إجراءات تضمن وجوداً فعالاً لمصر بين أبناء القارة، بما في ذلك إنشاء «صندوق ضمان مخاطر الاستثمار في أفريقيا»، لتشجيع المستثمرين المصريين لتوجيه استثماراتهم، والتفاوض مع مؤسسات دولية لدعم البنية الأساسية في أفريقيا، ومن ضمن ذلك الإسراع في الانتهاء من طريق القاهرة - كيب تاون، لدمج أقطار القارة وتوسيع حركة التجارة.
كما أعلن عن توفير 100 منحة تدريبية عسكرية لمختلف دول القارة خلال العام المقبل، للرفع من كفاءات وخبرات الضباط وقادة الجيوش في كلية القادة والأركان المصرية وأكاديمية ناصر للعلوم العسكرية. وبدورها، شرعت الحكومة المصرية في اتخاذ قرارات تتيح «معاملة تفضيلية» للأفارقة في مصر، وتعزز التوجه المصري نحو أفريقيا.
وشملت هذه القرارات مبادرة لتدريب الشباب الأفريقي (في معهد التخطيط القومي المصري) في مجال الإصلاح الإداري والتخطيط الاستراتيجي، ورفع قدرات الجهاز الإداري، وبرامج خاصة بالتأهيل السياسي للمرأة، والدراسات الاستراتيجية والأمنية، مع بحث تقديم برامج خاصة بريادة الأعمال في المدارس والجامعات. وهناك أيضاً مبادرة أخرى هي «أفريقيا لإبداع الألعاب والتطبيقات الرقمية»، لتأهيل وتنمية قدرات 10 آلاف شاب مصري وأفريقي، وتحفيز تأسيس 100 شركة مصرية وأفريقية ناشئة في هذا المجال، تتولى تنظيمها وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمصر.
وفي إطار التوجه المصري أيضاً نحو «معاملة مميزة» للأفارقة، وضعت وزارة الخارجية لافتات خاصة بمواطني دول الاتحاد الأفريقي في مطار القاهرة، وخصصت ممراً للجوازات لهم، لتسهيل إجراءات دخولهم تعبيراً عن حرص مصر على تعزيز عملية الاندماج مع الأفارقة على مختلف المستويات. وعزز هذا التوجه كذلك موافقة الحكومة على الترخيص لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي بالاشتراك مع عدد من الجهات الوطنية في تأسيس شركة مساهمة، وهي «الشركة الوطنية المصرية للاستثمار الأفريقي»، وإعلان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تخطيطه لإنشاء «أول قناة فضائية أفريقية»، ومن المتوقَّع إطلاقها خلال العام المقبل.
كذلك، في إطار خطة الدولة نحو أفريقيا، أعلنت وزارة الشباب والرياضة المصرية التجهيز لعقد المؤتمر الأول للطب الرياضي التخصصي، والمعسكر الأفريقي لرائدات الأعمال الأفريقيات، وغيرهما من الفعاليات. كما قرر الأزهر تشكيل لجنة مختصة لوضع برامج وأنشطة لتدعيم أبناء القارة الأفريقية، من خلال زيادة عدد المنح المقدَّمة للطلاب الدارسين بالأزهر، وزيادة أعداد المبعوثين من المدرسين في أفريقيا.

- طريق غير مفروش بالورود
غير أن التوجه نحو أفريقيا ليس طريقاً مفروشاً بالورود، وفق السفير حجازي. فهناك كثير من التحديات التي ستواجه مصر في إطار مساعيها لتطوير علاقتها بالدول الأفريقية. فخلال عام كامل ستقضيه مصر في مقعد القيادة الأفريقية، مطلع 2019، عندما تترأس الاتحاد الأفريقي «ستتطلع أفريقيا لما ستقدمه القاهرة بكل ما لها من معارف وقدرات وإمكانيات... وعلى مصر الاعتناء بتحديين، هما الأهم على صعيد القارة حالياً: الإرهاب والهجرة غير الشرعية. وهذا يوجب على مصر أخذ زمام مبادرة تسهم في دعم قدرات القارة على مواجهة هذه المشكلة التي تهدد أوروبا».
وطرح حجازي مجموعة من الأفكار يمكن أن تجعل عام الرئاسة المصري للاتحاد الأفريقي عاماً للإنجازات، منها إنشاء صندوق تمويلي لمشاريع الشركات المصرية بالقارة الأفريقية يُدار على أسس بنكية، ويرصد لهذا البنك - الصندوق ميزانية استثمارية لا تقل عن 500 مليون دولار أو تزيد، من أجل تقديم قروض ميسّرة لتمويل المشاريع بالدول الأفريقية. كما طرح إنشاء صندوق للمقايضة الأفريقي يتم من خلاله تبادل السلع من خلال عملية تقييم للمنتج وفقاً لسعره في السوق العالمية، مما سيخفف الضغط على سوق العملات.
من جهته، قال طارق رضوان، رئيس لجنة الشؤون الأفريقية بالبرلمان المصري، لـ«الشرق الأوسط» إن «التحرك نحو أفريقيا يجب أن يكون مدروساً وفي إطار رؤية استراتيجية لدول أفريقيا المختلفة واحتياجاتها الاستثمارية والاقتصادية والاجتماعية، لرسم معالم تحرك مصري فعال، باعتبار أن أي تحرك عشوائي هو إهدار للوقت والجهود، وأن هناك منافسة دولية تنتظر مصر». وأكد أن «اللجنة البرلمانية تسعى، من جهتها، إلى تعزيز التحرك على المستوى الأفريقي، لإعادة مصر إلى قلب القارة، بجانب الجهود التي تبذلها السلطة التنفيذية»، داعياً إلى «توعية الشعب المصري حول (أهمية) أفريقيا».

- «سد النهضة»
إن التوجه المصري نحو أفريقيا، خصوصاً دول حوض النيل فيها، فرضته، كما يبدو، عدة أحداث، من بينها أزمة «سد النهضة» الإثيوبي. فبالتوازي مع مفاوضات «متعثرة» تجريها القاهرة مع أديس أبابا منذ سنوات، لإيجاد حل لتأثير سلبي على حصتها من مياه النيل نتيجة تشييد السد، قررت مصر أخيراً التوسع في تنفيذ مشاريع تنموية في دول حوض النيل، مثل أوغندا وجنوب السودان وتنزانيا وغيرها، وفق رؤية تقضي بتبني منهج أكثر شمولية يضمن المنافع المشتركة والتعاون في إدارة الموارد المائية، مع الحفاظ على حصة مصر من النهر. وتقول مصادر دبلوماسية مصرية لـ«الشرق الأوسط» إن «اهتمام مصر فقط بالحفاظ على حصتها في نهر النيل، الذي تشترك فيه 10 دول أفريقية أخرى، كان مثار شكوى دائمة على مدار السنوات الماضية، غير أنها في الوقت الراهن تسعى إلى تجاوز ذلك، من خلال توسيع مجالات التعاون مع الدول الأفريقية عامة، ودول حوض النيل على وجه الخصوص».
وجاء تدشين سد «ستيغلر غورج» (خانق ستيغلر) في تنزانيا، كأحدث المشاريع التنموية المصرية مع دول حوض النيل بالقارة الأفريقية، إذ وقَّع رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، الثلاثاء الماضي، عقد إنشاء السد لتوليد الطاقة الكهرومائية، الذي فاز به تحالف شركات مصرية. وعلى هامش التوقيع، أشار مدبولي إلى أهمية التعاون مع الدول الأفريقية باعتبارها سوقاً مفتوحة وشريكاً استراتيجياً وتملك القدرة الفنية والخبرة العملية، مؤكداً أن هناك «ثقة أفريقية في قدرات مصر». واعتبر مدبولي «المشروع الذي وُقّع عقده بين مصر وتنزانيا يُعد عودة حميدة لقوة مصر الناعمة في أفريقيا، وذلك بأن يكون لمصر بصمة واضحة في كل دولة بأفريقيا، وقد تكون هذه البصمة عبر مشاريع ووجود لوزارات بعينها، مثل مجالي الصحة والتعليم وغيرهما».
وكان الرئيس السيسي قد أكد أنه حريص جداً على «أن ننتهز فترة رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي، وأن تقود مصر عملاً أفريقياً مشتركاً لصالح أفريقيا بوجه عام».
وفي السياق أيضاً، تسعى مصر إلى إنشاء خط ملاحي نهري للربط بين نهر النيل والبحر المتوسط ليمر بجميع دول حوض النيل، وينتهي عند بحيرة فيكتوريا. وسبق أن أكد السيسي اهتمام مصر بسرعة استكمال مراحل هذا المشروع، باعتباره نافذة للدول الأفريقية على البحر المتوسط وأحد أهم شرايين الربط بين الدول الأعضاء في التجمُّع، فضلاً عما سيوفره المشروع من فرص لتعزيز التجارة البينية ونقل السلع والخدمات وزيادة فرص الاستثمار.

- أرقام حول مصر وأفريقيا
* بلغ حجم الاستثمارات المصرية في أفريقيا حتى عام 2017 نحو 7.9 مليار دولار أميركي موزعة على 62 مشروعاً، وارتفع لنحو 10.2 مليار دولار عام 2018. وتشمل هذه الاستثمارات قطاعات البناء والتشييد والمواد الكيميائية والتعدين والمستحضرات الطبية والدوائية والاتصالات والمكوّنات الإلكترونية والخدمات المالية، في حين يبلغ حجم الاستثمارات الأفريقية في مصر 2.8 مليار دولار.
وتتمثل أهم الصادرات المصرية إلى دول أفريقيا في السكر والمخاليط العطرية وأجهزة الاستقبال، وترابيع البلاط والمكعبات، ومنتجات شمع البارفين، وغيرها، في حين تتمثل أهم الواردات المصرية من الدول الأفريقية في الشاي، وغاز البوتان، والأقطاب السالبة من النحاس، والقطن.
* تعد كل من الجزائر، والسودان، وليبيا، ونيجيريا، والمغرب، وإثيوبيا، وسوازيلاند، وتنزانيا، وكينيا، وكوت ديفوار (ساحل العاج)، من أهم الوجهات المصرية للاستثمار الأجنبي المباشر في أفريقيا.
* تمتلك دول القارة موارد اقتصاديّة ضخمة، إذ توجد فيها نحو 30 في المائة من الثروة المعدنية بالكامل في العالَم، و8 في المائة من الاحتياطيات النفطيّة، و7 في المائة من احتياطي الغاز.

- أفريقيا... وفرصها الواعدة
ترى الدكتورة سالي فريد، مديرة مركز البحوث الأفريقية بجامعة القاهرة، أن مصر حرصت، بعد «ثورة يناير» 2011، على إعادة ترتيب أولويات سياستها الخارجية، بما يعيد التوازن في علاقاتها التي كانت سائدة على صعيد كثير من القضايا والملفات، وفي مقدمتها العلاقات مع أفريقيا، التي أتاح غياب مصر عنها لقوى أخرى فرصة التسلل إليها، وتهديد مصالحها بها.
وأضافت فريد في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «التحرك المصري لتدعيم علاقات التعاون مع الدول والتكتلات الأفريقية، لا بد أن يكون من خلال إبرام الاتفاقات التجارية معها، وزيادة حجم التبادل التجاري بينها وبين الدول الأفريقية، الذي يعد ضئيلاً مقارنة بحجم تجارة مصر مع العالم».
وأشارت الخبيرة في الشؤون الأفريقية إلى أن «الاستثمارات المصرية في القارة الأفريقية تواجه العديد من المنافسين على المستوى العالمي والإقليمي، ما يجعلها بحاجة إلى تعزيز استثماراتها في القارة، مما يساعد على تعزيز وزيادة قدرتها لاستعادة دورها الريادي مرة أخرى، ودفع العلاقات الاقتصادية المصرية مع دول القارة، فالتجارة والاستثمار يخلقان المصالح بين الدول، خصوصاً في ظل وجود نحو 32 اتفاقية استثمار ثنائية مع الدول الأفريقية، منها 11 اتفاقية سارية ستسهل ذلك التوجُّه».
وتابعت فريد أن «اختيار القارة الأفريقية كبوصلة للاستثمارات المصرية في الفترة المقبلة سيعود بالفائدة على الاقتصاد المصري، لما تمتلكه دول تلك القارة من موارد اقتصاديَّة ضخمة، كما تشكّل سوقاً استهلاكيَّة كبيرة تضمُّ نحو 1.2 مليار نسمة وموارد بشرية، بجانب موقعها الاستراتيجي المتميز عن بقية المناطق في العالم، وتتوافر العديد من الفرص لرجال الأعمال المصريين في أفريقيا في مجالات التجارة والاستثمار سواء في السلع أو الخدمات».
واقترحت الدكتورة فريد «بناء علاقات ثنائية قوية مع الدول الأفريقية على غرار تجارب دول أخرى، باعتبارها خطوة أولى يتعين البدء بها، ويمكن التركيز على الدائرة الأولى المتمثلة في دول حوض النيل والشرق الأفريقي، ثم التوسع في المراحل المقبلة مع عدد أكبر من الدول الأفريقية». واعتبرت أن «هناك ضرورة لتحقيق التكامل بين مصر والدول الأفريقية على أرض الواقع... يمكن أن تحصل مصر على وارداتها من الدول الأفريقية، بدلاً من العالم الخارجي من خلال صادرات الدول الأفريقية المتخصصة في تصدير السلع الأولية والمواد الخام، وفي المقابل تحصل الدول الأفريقية على وارداتها من مصر بدل اللجوء إلى العالم الخارجي».
كذلك طالبت الخبيرة في الشؤون الأفريقية بإنشاء وحدة خاصة بالسوق الأفريقية وتخصيص خط تمويلي للصادرات المصرية للسوق الأفريقية لتغطية مخاطر الائتمان، وإنشاء مخازن مصرية في الدول الأفريقية حتى تكون البضائع حاضرة في تلك الأسواق، ولتصبح تلك المخازن قاعدة انطلاق للصادرات المصرية، وإعداد قاعدة بيانات لتوفير البيانات اللازمة عن المنتجات المطلوبة وتحديد المنتجات المصرية التي تناسب أذواق المستهلكين. بالإضافة إلى أهمية الدعم الدبلوماسي للمصدرين إلى الدول التي لا توجد بها مكاتب تجارية، وإقامة معرض دائم للمنتجات المصرية لعرضها على المستهلكين والمستوردين لاستغلال الفرصة المهيأة حالياً.



الولايات المتحدة تحتفي بتحالف استراتيجي مع نيجيريا لمواجهة الإرهاب

سفينة حربية نيجيرية دُشنت بدعم وحضور أميركي (المصدر: السفارة الأميركية في أبوجا)
سفينة حربية نيجيرية دُشنت بدعم وحضور أميركي (المصدر: السفارة الأميركية في أبوجا)
TT

الولايات المتحدة تحتفي بتحالف استراتيجي مع نيجيريا لمواجهة الإرهاب

سفينة حربية نيجيرية دُشنت بدعم وحضور أميركي (المصدر: السفارة الأميركية في أبوجا)
سفينة حربية نيجيرية دُشنت بدعم وحضور أميركي (المصدر: السفارة الأميركية في أبوجا)

أكدت الولايات المتحدة الأميركية أن تحالفها الاستراتيجي مع نيجيريا أسهم في تعزيز الحرب على الإرهاب من خلال إنقاذ أرواح المواطنين في شمال شرقي نيجيريا وفي حوض بحيرة تشاد، حيث تلقى تنظيم «داعش» ضربات موجعة على يد القوات الأميركية والنيجيرية خلال الأسابيع الأخيرة.

جاء ذلك على لسان القائم بالأعمال في السفارة الأميركية لدى نيجيريا، كيث هيفرن، خلال حفل نظمته السفارة ليل الخميس - الجمعة، بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، وبحضور أعضاء في الحكومة النيجيرية.

نائب قائد القوات البحرية الأميركية في أوروبا خلال حضور حفل عسكري في نيجيريا (المصدر: السفارة الأميركية في أبوجا)

وقال الدبلوماسي الأميركي إن «التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة ونيجيريا يقوم على تعزيز الحرب ضد الإرهاب، ودعم الازدهار الاقتصادي المشترك، والديمقراطية، والسيادة»، مشيراً إلى أن البلين «تربطهما علاقة صداقة قوية، ويتقاسمان التزاماً راسخاً بالأمن، والسيادة، والديمقراطية، والإيمان بأن الشعوب الحرة، عندما تعمل معاً، يمكنها بناء شيء استثنائي».

وقال هيفرن: «إن شراكتنا الأمنية في مكافحة الإرهاب، من حوض بحيرة تشاد إلى شمال شرقي البلاد، قد أنقذت الأرواح، وحمت المجتمعات المحلية، وأثبتت ما يمكن تحقيقه عندما تقف أمتان جنباً إلى جنب دفاعاً عن شعبيهما».

الطاقم الأميركي في مجموعة العمل المشتركة بين نيجيريا والولايات المتحدة (رويترز)

ووصف هيفرن الشراكة بين الولايات المتحدة ونيجيريا بأنها مصدر فخر واعتزاز كبيرين، مشيراً إلى أنها «لن تكتفي بالاستمرار فحسب، بل ستتجاوز البعد الأمني لتدشن حقبة جديدة من الازدهار المتبادل»، وأردف: «إن الولايات المتحدة ملتزمة بالتعامل مع نيجيريا، ليس كمتلقٍّ للمساعدات، بل كشريك تجاري قدير».

وأوضح الدبلوماسي الأميركي أن التوقعات تشير إلى أنه بحلول عام 2050، ستضم قارة أفريقيا 2.5 مليار نسمة، أي ما يعادل ربع سكان العالم، بقوة شرائية تتجاوز 16 تريليون دولار، مؤكداً أن «نيجيريا تقعُ في قلب تلك القصة الاستثنائية. نحن نرى هذه الإمكانات بوضوح».

عناصر أمن في أبوجا عاصمة نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

وأشار إلى أنه من خلال الدبلوماسية التجارية، والاستثمار في القطاعات الحيوية، والشفافية، سيبني الجانبان علاقة تحقق قيماً مستدامة مثل خلق فرص العمل، والنمو الصناعي، وتعزيز سلاسل الإمداد، على حد تعبيره.

من جانبها، وصفت الحكومة النيجيرية الشراكة مع الولايات المتحدة بأنها حققت نتائج ملموسة، خصوصاً فيما يتعلق بالأمن ومحاربة الإرهاب، وقالت وزارة الخارجية على لسان الوكيل الدائم والسفير دونوما أحمد الذي مثلها في الحفل، إن «الولايات المتحدة بأنها نموذج للدول التي تسعى جاهدة من أجل تقرير المصير والديمقراطية».

جندي أميركي (الثاني من اليمين) يُدرّب جنوداً نيجيريين بمعسكر بجاجي في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

وأضاف الدبلوماسي النيجيري أن «الولايات المتحدة بوصفها أقدم ديمقراطية مزدهرة في العالم، تربطها علاقة قوية مع نيجيريا، التي تمثل أكبر ديمقراطية في أفريقيا»، ثم أكد أن «التزامنا المشترك بالمبادئ الديمقراطية، وسيادة القانون، والشفافية، وحرية الإنسان يمثل الحجر الأساس لعلاقتنا الثنائية». وشدد على أن «الجهود المشتركة لكلا البلدين، من خلال التبادل الاستراتيجي للمعلومات الاستخباراتية، والتدريب العسكري التكتيكي المتقدم، وتحديث وتوريد العتاد الدفاعي، تستمر في تأمين المجتمعات المحلية، وتمهيد الطريق لسلام مستدام في غرب أفريقيا». وخلص إلى التأكيد: «معاً، سنواصل مواجهة التحديات العالمية، وتوسيع نطاق الاستقرار الإقليمي عبر غرب أفريقيا وخارجها، مع إطلاق الإمكانات الهائلة لشبابنا»، وفق تعبيره.

الرئيس بولا أحمد تينوبو يزور ولاية بلاتو حيث التقى عائلات الضحايا (رويترز)

على صعيد آخر، أعلن البلدان عن إطلاق دوريات بحرية مشتركة لتأمين خليج غينيا، وهو الخليج الأفريقي الغني بالنفط والغاز، والذي يمر منه واحد من أكثر خطوط الملاحة العالمية نشاطاً في أفريقيا.

جاء ذلك خلال مشاركة الولايات المتحدة في احتفال القوات البحرية النيجيرية بالذكرى السبعين لتأسيسها، وفق ما أعلنت السفارة الأميركية في منشور على منصة «إكس»، الجمعة، وقالت السفارة: «مثل الولايات المتحدة في هذا الاحتفال التاريخي اللواء بحري سكوت أو روستون، نائب قائد القوات البحرية الأميركية في أوروبا».

جنود نيجيريون يمرون أمام دبابات جاهزة للانتشار في شرق نيجيريا (رويترز)

وأضافت السفارة أن الحفل «شهد تدشين 3 سفن حربية نيجيرية جديدة، وإطلاق قوة مهام بحرية مشتركة للتصدي للتهديدات الناشئة في خليج غينيا»، مشيرة إلى أنه «على مدى عقود، ارتكز التعاون الأمني بين الولايات المتحدة ونيجيريا على المساعدات الفنية، ودعم المعدات، والتبادلات المهنية، وفرص التدريب التي أسهمت في تعزيز قدرات الدفاع البحري لنيجيريا».

وأوضحت أن التعاون في مجال الأمن البحري بين البلدين برز «كنموذج استثنائي»، خصوصاً ما يتعلق بمنظومة «القدرة الإقليمية للتوعية البحرية، وهي مبادرة مدعومة من الولايات المتحدة نجحت في تحسين الوعي بالمجال البحري بشكل ملحوظ؛ ما أدى إلى تحولات إيجابية في آليات الحراسة والضبط البحري في نيجيريا من خلال تعزيز جمع المعلومات الاستخباراتية، وعمليات مكافحة القرصنة، وتحسين الأمن الملاحي»، وفق منشور السفارة الأميركية.


نيجيريا: لن نترك أي مكان آمن لممولي الإرهاب

جنود نيجيريون يمرون أمام دبابات جاهزة للانتشار في شرق نيجيريا (رويترز)
جنود نيجيريون يمرون أمام دبابات جاهزة للانتشار في شرق نيجيريا (رويترز)
TT

نيجيريا: لن نترك أي مكان آمن لممولي الإرهاب

جنود نيجيريون يمرون أمام دبابات جاهزة للانتشار في شرق نيجيريا (رويترز)
جنود نيجيريون يمرون أمام دبابات جاهزة للانتشار في شرق نيجيريا (رويترز)

أعلنت الحكومة النيجيرية أن نظامها المالي لا يترك أي ملاذ آمن للإرهابيين ومموليهم، مشيرة إلى أن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة ضد جهات نيجيرية مرتبطة بشبكات تمويل تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» جاءت بناء على جمع معلومات استخباراتية وتحقيقات مالية مشتركة.

جاء ذلك في بيان أصدرته لجنة العقوبات النيجيرية، ونشرته عبر وحدة الاستخبارات المالية النيجيرية في أبوجا (الأربعاء). وذلك عقب العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأميركية على شركات صرافة وأشخاص بتهمة الارتباط بتمويل الإرهاب.

جندي أميركي (الثاني من اليمين) يُدرّب جنوداً نيجيريين بمعسكر بجاجي في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

وذكرت اللجنة أن العقوبات الأميركية تعزز التدابير التي اتخذتها نيجيريا سابقاً، وتؤشر على تعاون أقوى لتفكيك الشبكات المالية الداعمة للإرهابيين والجماعات المتطرفة.

ورحبت نيجيريا في البيان بقرار مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي، الذي أدرج كلاً من «مختار محمد آدم»، وشركات ومكاتب صرف تابعة له، مشيرة إلى هذه الجهات كانت قد أُدرجت بالفعل في تحديث لقائمة العقوبات الوطنية المنشورة في 18 يونيو (حزيران) الحالي. وقالت: «تظل نيجيريا حازمة في ضمان ألا يجد الإرهابيون وممولوهم أي ملاذ آمن داخل النظام المالي للبلاد».

الطاقم الأميركي في مجموعة العمل المشتركة بين نيجيريا والولايات المتحدة (رويترز)

وأوضحت اللجنة أن إدراج ستة أفراد وثلاثة كيانات جاء بناءً على عمليات جمع معلومات استخباراتية، وتحقيقات مالية، وتقييمات مشتركة بين الأجهزة الأمنية، مؤكدة أن التحقيقات أثبتت وجود أسس معقولة تربط الأشخاص والكيانات المبكورة بتنظيم «داعش في غرب أفريقيا» والشبكات الإرهابية المرتبطة به.

وحسب ما نشرت الوكالة النيجيرية للأنباء، فإن قائمة الشخصيات التي أصدرت الحكومة عقوبات في حقها تشمل كلاً من: إبراهيم يعقوب أوغيريما، ومختار محمد آدم، وآدم شيروما، وإبراهيم أبو بكر، وعبد الله عمر عثمان، وبابانغيدا محمد آدم حماجام.

منظر جوي لمنطقة في شمال وسط نيجيريا (رويترز)

كما شملت القائمة شركات الصرافة التالية: شركة «أبال باكو وأولاده صرافة المحدودة»، وشركة «جيلاتين كورنسي صرافة المحدودة»، وشركة «ناين تو ناين صرافة المحدودة».

وكانت الحكومة الفيدرالية قد وجهت المؤسسات المالية والأعمال والمهن غير المالية المحددة بالامتثال الكامل لالتزامات العقوبات. وتشمل هذه التوجيهات متطلبات تجميد الأصول، وتقديم تقارير عن المعاملات المشبوهة، وإبلاغ السلطات المختصة بأي تطابق في البيانات ذات الصلة.

الرئيس بولا أحمد تينوبو يزور ولاية بلاتو حيث التقى عائلات الضحايا (رويترز)

وأوضحت لجنة العقوبات النيجيرية أن فرض العقوبات شاركت فيه عدة جهات منها وزارة العدل الفيدرالية ومكتب مستشار الأمن القومي والبنك المركزي النيجيري، ودائرة أمن الدولة، ولجنة الجرائم الاقتصادية والمالية، ووحدة الاستخبارات المالية النيجيرية.

وقالت اللجنة إن جميع هذه الأجهزة شاركت في جهود مكافحة تمويل الإرهاب، وحرمان المنظمات الإرهابية من الوصول إلى الموارد التي تضمن استمرار عملياتها.

وأكدت نيجيريا التزامها بالعمل مع الشركاء المحليين والدوليين لمكافحة تمويل الإرهاب، مشيرة إلى أنها ستواصل حماية الأمن القومي، وتعزيز النزاهة المالية، ودعم الجهود العالمية لمكافحة الإرهاب.

صورة لهياكل مُدمَّرة نتيجة غارات أميركية على مسلحين لم يُكشف عن هويتهم مرتبطين بتنظيم «داعش» يوم 27 ديسمبر 2025 بنيجيريا (أ.ف.ب)

وحسب ما نشر الإعلام النيجيري فإن «مختار آدم محمد» الذي اتهمه الأميركيون بلعب دور مسهل ووسيط مالي لصالح تنظيم «داعش»، هو مواطن نيجيري مقيم في العاصمة الاقتصادية لاغوس، فيما لم يعرف إن كان قد خضع بالفعل للاعتقال.

وحسب المصادر نفسها فإن الشركات التي يديرها مختار آدم واحدة منها في لاغوس والأخرى في مدينة كانو، عاصمة الشمال النيجيري وأكبر مدنه وأهمها من الناحية الاقتصادية.

واتهمت الولايات المتحدة هذه الكيانات بتسهيل تحويلات مالية عبر أوروبا والشرق الأوسط وغرب أفريقيا لدعم عمليات التنظيم الإرهابية، وفرضت عليها عقوبات تشمل تجميد الأصول المرتبطة بالولايات المتحدة ومنع التعاملات معها.


عقوبات أميركية ضد شركات نيجيرية متهمة بتمويل «داعش»

من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
TT

عقوبات أميركية ضد شركات نيجيرية متهمة بتمويل «داعش»

من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)
من الجماعات الإرهابية في نيجيريا (إعلام محلي)

فرضت الولايات المتحدة عقوبات متعلقة بالإرهاب على ثلاث شركات صرافة نيجيرية، بتهمة تمويل تنظيم «داعش في غرب أفريقيا»، في خطوة تسلط الضوء مجدداً على التعاون المتنامي في مجال مكافحة الإرهاب بين واشنطن وأبوجا.

العقوبات التي أعلن عنها «مكتب مراقبة الأصول الأجنبية» التابع لوزارة الخزانة الأميركية بالتنسيق مع وزارة الخارجية، حددت الممول النيجيري «مختار آدم محمد» باعتباره ميسراً مالياً مزعوماً لتنظيم «داعش»، واتهمته بإجراء تحويلات مالية وتقديم خدمات لصالح التنظيم الإرهابي.

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (رويترز)

وبحسب المعلومات التي نشرتها السلطات الأميركية، وتداولت على نطاق واسع في نيجيريا، فإن المدعو «آدم محمد» يمتلك ثلاث شركات للصيرفة، هي شركة «ناين تو ناين إكسشينج بوروه دي تشنج المحدودة»، وشركة «مانهاتن بوروه دي تشنج المحدودة»، وشركة «جيلاتين كورنسي بوروه دي تشنج المحدودة».

وأوضحت المصادر نفسها، أن هذه الشركات الثلاث كانت تستخدم لتحويل أموال مرتبطة بأنشطة تنظيم «داعش»، وجرى الكشف عنها في إطار عملية واسعة لتعقب شبكة تمويل التنظيم الإرهابي في العالم، بعد مقتل الرجل الثاني في التنظيم (أبو بلال المينوكي) الذي أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقتله في نيجيريا، الشهر الماضي.

وشملت عملية التعقب، ثلاثة أفراد وستة كيانات تعمل عبر غرب أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، قالت واشنطن إنها ساعدت تنظيم «داعش» في جمع الأموال ونقلها وإخفائها لاستدامة عملياته العالمية.

عناصر من جماعة «بوكو حرام» الإرهابية في نيجيريا (متداولة)

شبكة عالمية

بالإضافة إلى الشبكة النيجيرية التي تنشط في غرب أفريقيا، استهدفت العقوبات الأميركية كلاً من «ميلود عبد الرحمن» المقيم في فرنسا، وتشير المعلومات الصادرة عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية، إلى أن (ميلود)، البالغ من العمر قرابة 34 عاماً، يعرف أيضاً باسم «إبراهيم غازي».

وجاء في بيان صادر عن الوزارة أن ميلود عبد الرحمن «أجرى معاملات مالية مع أشخاص معروفين بتبعيتهم لتنظيم (داعش)، وكان بعضهم متمركزاً في سوريا. كما زود مؤيدي التنظيم بمعلومات حول كيفية تصنيع المتفجرات واستخدامها».

كما شملت العقوبات شخصاً آخر يدعى «عبد الحكيم بوقيش» المقيم في سوريا، وذلك بعد اتهامه باستخدام قنوات العملات المشفرة لتسهيل عمليات تحويل أموال التنظيم في عدة دول، من بينها تركيا.

جنود نيجيريون يمرون أمام دبابات جاهزة للانتشار في شرق نيجيريا (رويترز)

وزارة الخزانة الأميركية وصفت هؤلاء الأشخاص بأهم «وسطاء رئيسيين» في شبكة التمويل التي يستخدمها التنظيم الإرهابي في تمويل أنشطته وإخفاء أمواله وتحريكها عبر فروعه عبر العالم، خاصة بعد أن توجه نحو منح هذه الفروع مستوى أكبر من الاستقلالية.

وقال المتحدث باسم وزارة الخزانة، إن العقوبات تتعلق بمن وصفهم بأنهم «وسطاء رئيسيون يمكّنون تنظيم (داعش) من نقل الأموال بين فروعه الإقليمية». ونُقل عن وزير الخزانة، سكوت بيسنت، قوله في البيان: «إن تنظيم (داعش) يستمر في البحث عن أساليب وأدوات جديدة لتمويل الاعتداءات والهجمات».

وفرض الأميركيون عقوبات تشمل حظر جميع الممتلكات والمصالح التابعة للأشخاص والكيانات المحددة والخاضعة للولاية القضائية الأميركية، في حين يُحظر على المواطنين والشركات الأميركية إجراء أي معاملات مالية معهم.

وتأتي هذه الإجراءات في سياق الجهود المستمرة لتفكيك قنوات التمويل التي تستخدمها الجماعات الإرهابية العاملة في حوض بحيرة تشاد، وذلك بالتنسيق مع السلطات النيجيرية، وهو تنسيق زادت وتيرته منذ نهاية العام الماضي.

جندي أميركي (الثاني من اليمين) يُدرّب جنوداً نيجيريين بمعسكر بجاجي في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

وسبق أن حذر خبراء أمنيون في نيجيريا من أن الجماعات الإرهابية باتت تعتمد بشكل متزايد على أنظمة الحوالات غير الرسمية، ومهربي النقد، وشركات الصرافة، والعملات المشفرة للالتفاف على العقوبات وضمان استمرارية عملياتها.

وقد كثفت الولايات المتحدة جهودها في السنوات الأخيرة لتفكيك شبكات تمويل تنظيم «داعش» على مستوى العالم. ففي مارس (آذار) 2022، فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية عقوبات على ستة أفراد متهمين بجمع ونقل أموال لصالح «بوكو حرام»، بما في ذلك أشخاص أُدينوا في دولة الإمارات العربية المتحدة بتسهيل تحويلات لدعم الأنشطة الإرهابية في نيجيريا.

وفي المقابل، عززت نيجيريا أيضاً تدابيرها المحلية لمكافحة تمويل الإرهاب؛ ففي عام 2022، أمرت المحكمة الاتحادية العليا بتجميد الحسابات المصرفية والأصول المالية المرتبطة بأفراد وكيانات يشتبه في تمويلها للإرهاب، بناءً على توصيات لجنة العقوبات النيجيرية.

وتأتي هذه العقوبات في ظل تعميق التعاون الأمني بين نيجيريا والولايات المتحدة، والذي يشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتدريب على مكافحة الإرهاب، والجهود المشتركة الرامية إلى تقويض القدرات العملياتية لتنظيمي «بوكو حرام» و«داعش في غرب أفريقيا».

صورة لهياكل مُدمَّرة نتيجة غارات أميركية على مسلحين لم يُكشف عن هويتهم مرتبطين بتنظيم «داعش» 27 ديسمبر 2025 بنيجيريا (أ.ف.ب)

ويرى محللون أن إدراج ثلاث شركات صرافة نيجيرية في عملية عالمية لمكافحة تمويل الإرهاب، يؤكد الطبيعة العابرة للحدود لشبكات تمويل التطرف، ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى فرض رقابة أكثر صرامة على المؤسسات المالية وشركات تحويل الأموال العاملة داخل نيجيريا.

ويؤكد الخبراء أن هذا التطور يسلط الضوء على الحاجة الملحّة لتعزيز أنظمة الاستخبارات المالية، وتشديد اللوائح التنظيمية، وتوسيع نطاق التعاون الدولي لمنع استغلال القنوات المالية المشروعة من قِبل المنظمات الإرهابية.

وبدأ تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» نشاطه في نيجيريا عام 2016 عقب انشقاق داخل جماعة «بوكو حرام»، وشن منذ ذلك الحين هجمات استهدفت تشكيلات عسكرية ومجتمعات محلية وعاملين في المجال الإنساني عبر شمال شرقي نيجيريا والدول المجاورة.