«المالية» السعودية: تطور لنمو اقتصاد الداخل والتصدي لصدمات الخارج

أكدت نجاح السياسات التي انتهجتها وتحقيقها النمو المنشود

«المالية» السعودية: تطور لنمو اقتصاد الداخل والتصدي لصدمات الخارج
TT

«المالية» السعودية: تطور لنمو اقتصاد الداخل والتصدي لصدمات الخارج

«المالية» السعودية: تطور لنمو اقتصاد الداخل والتصدي لصدمات الخارج

تتطور المالية العامة للسعودية عاماً بعد عام منذ إطلاقها «رؤية المملكة 2030» في عام 2016 بإشراف وتوجيه من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، لتحقق نمواً ملموساً وفائضاً واضحاً، مع وضع مالي قوي، واحتياطات قادرة على التصدي للصدمات الخارجية.
وفي حين تعكف وزارة المالية على تطوير سياسات الإعداد للميزانية العامة للدولة لتطويرها ووضعها في إطار متوسط المدى يأخذ في الاعتبار البعدين المالي والاقتصادي لتحقيق التوازن المالي والنمو الاقتصادي، جاءت أرقام أصدرتها الهيئة العامة للإحصاء عن الربع الثاني للعام الحالي (2018)؛ لتؤكد نجاح تلك السياسات وتحقيقها النمو المنشود.
وأكدت الهيئة، أن مؤشر الحساب الجاري لميزان المدفوعات حقق فائضاً بلغت نسبته 9.82 في المائة إلى الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الثاني من 2018، في حين كانت نسبة العجز في الحساب الجاري لميزان المدفوعات إلى الناتج المحلي الإجمالي 3.24 في المائة خلال الربع الثاني من 2017.
وأشارت إلى أن قيمة نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني لعام 2018، بلغت بالأسعار الجارية 21 ألفاً و997 ريالاً (نحو 5864 ألف دولار) بارتفاع بلغت نسبته 14.91 في المائة، مقارنة مع الربع الثاني من عام 2017. أما قيمة نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي في الربع الثاني لعام 2018 بالأسعار الجارية، فبلغت 22 ألفاً و272 ريالاً بارتفاع نسبته 14.20 في المائة، مقارنة مع الربع المقابل من العام السابق.
وأوضحت الهيئة العامة للإحصاء، أن هذا المؤشر يعبّر عن قدرة الفرد في حصوله على السلع والخدمات الاستهلاكية، ويعطي انطباعاً عن متوسط دخل الفرد في المملكة بشكل ربع سنوي وسنوي، ويُستخدم كأحد مقاييس التنمية الاقتصادية لدول العالم، وللمقارنة بين بلد وآخر.
وكذلك أصدرت الهيئة مؤشر الادخار الإجمالي للربع الثاني لعام 2018، مفيدة فيه بأن إجمالي الادخار بلغ 242 ملياراً و497 مليون ريال بارتفاع نسبته 29.13 في المائة، مقارنة بقيمته في الفترة نفسها من العام السابق والبالغة 187 ملياراً و793 مليون ريال، في حين ارتفعت نسبة الادخار الإجمالي إلى الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني من 2018 بنسبة 33.09 في المائة مقابل 30.18 في المائة في الفترة المماثلة من العام السابق.
وما كان لهذه الأرقام أن تتحقق لو لم تطلق وزارة المالية في إطار تنفيذ «رؤية المملكة 2030»، برنامج تحقيق التوازن المالي الذي يشمل تطبيق إطار للمالية العامة متوسط المدى يحدد سقف الميزانية وسقوف إنفاق على مستوى الجهات الحكومية، والعمل على التخصيص الأمثل للموارد وإدارتها بكفاءة وفاعلية، وتحسين عملية تحصيل الإيرادات العامة للدولة، بأهداف قابلة للقياس والمتابعة، إضافة إلى تحسين قدرة التصدي للمخاطر المالية، وتحسين جودة الحسابات المالية ودقتها وتعزيز الشفافية، والاستغلال الأمثل لأصول الدولة والاستفادة من آليات ووسائل التمويل الجديدة.
ولتحقيق هذه الأهداف؛ أنشأت الوزارة عدداً من الوحدات والمكاتب لإدارة البرامج المختلفة، وتشمل: وحدة السياسات المالية والكلية، مكتب إدارة الدين العام، مكتب ترشيد الإنفاق الرأسمالي والتشغيلي، مكتب برنامج تحقيق التوازن المالي، مكتب تطوير القطاع المالي، وحدة تنمية الإيرادات غير النفطية؛ وذلك لمواكبة مرحلة التحول والمساهمة في تنفيذ برامج «رؤية المملكة 2030».
وتشارك في تنفيذ استراتيجية الوزارة، منظومة الخزينة التي تشمل: وكالة الميزانية والتنظيم، ووكالة المالية والحسابات، ووكالة الإيرادات، بالتنسيق مع الإدارات المختلفة في الوزارة والجهات الحكومية الأخرى.
وكانت الوزارة أطلقت لتعزيز كفاءة إعداد الميزانية السنوية ودقة التقديرات وتطوير الرقابة المالية وقياس الأداء، عدداً من المبادرات، أبرزها: تطوير إدارة واستدامة المالية العامة، وتفعيل الحساب الموحد للدولة لتحسين الرقابة النقدية وإدارة السيولة، وتطوير إعداد الميزانية العامة للدولة، وتطوير نظام المنافسات والمشتريات الحكومية، والتحول من الأساس النقدي إلى أساس الاستحقاق في الحسابات الحكومية، وتطوير الرقابة المالية.
وعملت الوزارة خلال العام الحالي، على تنفيذ عدد من التدابير لتنشيط الاقتصاد، منها: تنفيذ حزم لتحفيز الاستثمار، والاستمرار في سداد أي التزامات مالية للقطاع الخاص خلال ستين يوماً بحد أقصى من ورودها مكتملة الإجراءات إلى وزارة المالية، وكذلك مواصلة جهود تشجيع وتيسير إجراءات الاستثمار في المملكة وتحسين مستوى الخدمات الحكومية، وتنفيذ المشروعات في قطاعات التشييد والبناء والسياحة والثقافة والترفيه، بالإضافة إلى تنفيذ برامج للخصخصة يتوقع أن تتيح فرصاً جديدة لنمو الاستثمار الخاص وتوليد مزيد من فرص العمل، وتطوير إطار ونظام للشراكة بين القطاعين العام والخاص.
كما عملت الوزارة على تطوير نظام المنافسات والمشتريات الحكومية بما يلبي احتياجات القطاعين العام والخاص، ويساهم في رفع كفاءة الإنفاق العام (التشغيلي والرأسمالي) ويحقق أفضل قيمة للمال العام، بالإضافة إلى تعزيز النزاهة والمنافسة، ومنع تأثير المصالح الشخصية حماية للمال العام، ودعم التنمية الاقتصادية من خلال دعم المحتوى المحلي والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وبما ينسجم مع أهداف «رؤية المملكة 2030» وفق أفضل الممارسات العالمية.
وكانت وزارة المالية اتخذت خلال عام 2017 عدداً من المبادرات والإصلاحات المؤسسية لتطوير إدارة المالية العامة، شملت استكمال تطبيق تصنيف الميزانية العامة وفقاً للدليل الدولي للإحصاءات المالية الحكومية (2014GFSM ) وتطوير المنظومة المؤسسية المسؤولة عن إعداد عناصر السياسة المالية من خلال إنشاء الوحدات المتخصصة لتدعيم عملية اتخاذ القرار وتحسين كفاءة إدارة المالية العامة.
وشملت الوحدات التي استحدثت في الوزارة المالية: السياسات المالية والكلية، مكتب إدارة الدين العام، وحدة تنمية الإيرادات غير النفطية، إضافة إلى انضمام مكتب ترشيد الإنفاق الرأسمالي والتشغيلي، ووحدة الشراء الاستراتيجي، ومكتب برنامج تحقيق التوازن المالي؛ لتكون تحت إشراف وزارة المالية.
وكانت وزارة المالية قدّرت في ميزانية عام 2018، أن يبلغ إجمالي النفقات 978 مليار ريال بارتفاع نسبته 6.5 في المائة عن توقعات الصرف في العام 2017؛ وذلك بسبب ارتفاع النفقات التشغيلية والرأسمالية نتيجة للإنفاق على تحقيق مبادرات برامج «رؤية المملكة 2030»، ومنها «حساب المواطن»، الذي جاء لمواجهة الآثار التي قد تنشأ عند تطبيق بعض الإجراءات المالية، ومنها تصحيح أسعار الطاقة.
وأكدت الوزارة في ميزانية 2018، أنها تستهدف خفض عجز الميزانية إلى نحو 3.7 في المائة من الناتج المحلي الجمالي، مقابل عجز متوقع بنحو 9.8 في المائة في عام 2017، مقدرة الزيادة في إجمالي الإيرادات في ميزانية 2018 بنحو 6.12 في المائة، مقارنة بالمتوقع تحصيله في عام 2017، وأن ترتفع الإيرادات غير النفطية بنحو 14 في المائة.
ومنذ مطلع عام 2018، نفذت مبادرات برنامج تحقيق التوازن المالي، ومنها: ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5 في المائة، والمرحلة الثانية من تصحيح أسعار الطاقة التي تستهدف على المدى المتوسط الوصول تدريجياً بهذه الأسعار إلى الأسعار المرجعية، والمرحلة الثانية من المقابل المالي على الوافدين، بالإضافة إلى عدد من المبادرات والإصلاحات التي تستهدف تنمية مصادر الإيرادات غير النفطية ورفع كفاءة الإنفاق العام.
وفي الوقت نفسه، تضمنت ميزانية 2018 زيادة في النفقات العامة بنحو 6.5 في المائة مقارنة بالعام 2017 نتيجة لزيادة مصروفات الاستثمارات الحكومية (النفقات الرأسمالية) بنحو 6.13 في المائة لتمويل مبادرات ومشروعات برامج تحقيق «رؤية المملكة 2030» بما فيها مشروعات الإسكان وتطوير البنية التحتية لتحفيز النمو الاقتصادي، وتوليد مزيد من فرص العمل.
وفي ضوء التطورات الاقتصادية ومستهدفات النمو الاقتصادي، تمت مراجعة الجدول الزمني لبرنامج تحقيق التوازن المالي ليكون العمل على تحقيقه في عام 2023، بدلاً من 2020، وذلك بالتدرج في تنفيذ التدابير والإصلاحات التي تضمنها البرنامج لضمان عدم التأثير سلباً في النمو الاقتصادي مع المراجعة المستمرة لضمان تحقيق الأهداف. ويتوقع ألا يكون لذلك أثر سلبي على خطط استدامة وتقوية وضع المالية العامة؛ نظراً إلى ما يتمتع به الاقتصاد السعودي من وضع مالي قوي وحجم مناسب من الاحتياطيات يتيح له تحمُّل الصدمات الخارجية.


مقالات ذات صلة

بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في قيمة الصفقات

خاص العاصمة السعودية الرياض (واس)

بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في قيمة الصفقات

بعد عام من قرارات ولي العهد لتنظيم السوق العقارية بالرياض، انخفضت قيمة الصفقات 64 في المائة مقارنة بالفترة نفسها قبل صدور القرارات.

محمد المطيري (الرياض)
الاقتصاد افتتاح قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

الجدعان في قمة ميامي: الاقتصاد السعودي مرن وقادر على إدارة الأزمات

تصدرت الرؤية السعودية مشهد التحولات الاقتصادية في انطلاق قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» بميامي، وسط تأكيدات على قدرة اقتصاد المملكة على إدارة الأزمات.

مساعد الزياني (ميامي)
الاقتصاد مقر «المجموعة السعودية» في مركز الملك عبد الله المالي (الشرق الأوسط)

«السعودية للأبحاث والإعلام»: مواصلة إعادة هيكلة الأصول ودعم التوسع الاستثماري

أعلنت «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام» (SRMG) نتائجها المالية لعام 2025، حيث بلغت إيراداتها 2.673 مليار ريال (712.8 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد وزير المالية السعودي يتحدث في إحدى جلسات قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

وزير المالية السعودي: اضطراب النفط قد يتجاوز أزمة «كوفيد» إذا استمرت الحرب

حذر وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، من تداعيات اقتصادية عالمية قد تفوق في شدتها أزمة جائحة «كوفيد-19»، وذلك في حال استمرار النزاع مع إيران.

«الشرق الأوسط» (ميامي)
الاقتصاد الرميان يتحدث خلال مشاركته في قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

الرميان: «صندوق الاستثمارات» يرسّخ استراتيجية طويلة الأجل ويستعد لمرحلة جديدة

أكد محافظ صندوق الاستثمارات العامة، ياسر الرميان، أن الاقتصاد السعودي يواصل الحفاظ على متانته واستقراره، مدعوماً بسياسات مالية وهيكلية قوية.

مساعد الزياني (ميامي)

استقرار الديون الخارجية للصين في عام 2025

سجلت الصين فائضاً تجارياً خلال فبراير الماضي قدره 52 مليار دولار (رويترز)
سجلت الصين فائضاً تجارياً خلال فبراير الماضي قدره 52 مليار دولار (رويترز)
TT

استقرار الديون الخارجية للصين في عام 2025

سجلت الصين فائضاً تجارياً خلال فبراير الماضي قدره 52 مليار دولار (رويترز)
سجلت الصين فائضاً تجارياً خلال فبراير الماضي قدره 52 مليار دولار (رويترز)

أظهرت بيانات رسمية استقرار الديون الخارجية للصين، خلال العام الماضي، مع وصولها إلى نحو 2.33 تريليون دولار.

وأفادت الهيئة الوطنية للنقد الأجنبي في الصين، السبت، بأن هذا الرقم يقل بنحو 15.5 مليار دولار، أو 0.7 في المائة، مقارنة مع نهاية عام 2024، وفقاً للبيانات التي أوردتها وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا).

وقال لي بين، نائب رئيس الهيئة والمتحدث باسمها، إن هيكل عملات الديون الخارجية للصين شهد تحسناً في عام 2025، بينما بقي هيكل الاستحقاق مستقراً على شكل أساسي.

وبنهاية عام 2025، شكَّلت الديون الخارجية غير المسددة المقومة باليوان الصيني 55.5 في المائة من الإجمالي، بزيادة 1.4 نقطة مئوية قياساً بنهاية 2024.

وبالنسبة لهيكل الاستحقاق، شكَّلت الديون المتوسطة والطويلة الأجل 43.5 في المائة من الإجمالي بنهاية 2025، بانخفاض قدره 0.6 نقطة مئوية عن نهاية 2024، حسبما أظهرت بيانات الهيئة.

وكشفت البيانات أيضاً أن نسبة الديون الخارجية غير المسددة للصين إلى إجمالي الناتج المحلي بنهاية العام الماضي بلغت 11.9 في المائة، في حين بلغت نسبة الديون الخارجية غير المسددة إلى عائدات التصدير 56.3 في المائة.

وأوضح نائب رئيس الهيئة الوطنية للنقد الأجنبي، أن هذه المؤشرات بقيت ضمن عتبات الأمان المعترف بها دولياً، مضيفاً أن مخاطر الديون الخارجية للصين يمكن السيطرة عليها بشكل عام.

على صعيد آخر، أوضحت الهيئة الوطنية للنقد الأجنبي، أن قيمة التجارة الخارجية للصين من السلع والخدمات تجاوزت 3.93 تريليون يوان في فبراير (شباط) الماضي.

وأوضحت الهيئة أن صادرات السلع والخدمات وصلت إلى نحو 2.15 تريليون يوان، بينما تجاوزت قيمة الواردات 1.79 تريليون يوان، ما أدى إلى فائض قدره 360.3 مليار يوان.

وفيما يتعلق بأعمال تجارة الخدمات الرئيسية؛ بلغت قيمة خدمات السفر 159.6 مليار يوان، بينما بلغت قيمة الخدمات التجارية الأخرى 128.5 مليار يوان، وبلغت قيمة خدمات النقل 103.3 مليار يوان، في حين بلغت قيمة خدمات الاتصالات والكومبيوتر والمعلومات 62.8 مليار يوان في الشهر الماضي، وفقاً للبيانات.

ومن حيث القيمة الدولارية؛ بلغت قيمة صادرات الصين من السلع والخدمات 309.2 مليار دولار خلال فبراير الماضي، بينما وصلت قيمة وارداتها إلى 257.3 مليار دولار، ما أدى إلى فائض قدره 51.9 مليار دولار، وفقاً للهيئة.


بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في قيمة الصفقات

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في قيمة الصفقات

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

بعد مرور عام على حزمة القرارات التاريخية التي أصدرها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في 29 مارس (آذار) من عام 2025 لإعادة التوازن إلى سوق الرياض العقارية، بدأت ملامح خريطة طريق جديدة تترسخ في أزقة العاصمة ومخططاتها الشمالية. لغة الأرقام الصادرة عن البورصة العقارية لم تكن مجرد إحصاءات، بل إعلان صريح عن انحسار موجة المضاربات التي استنزفت السوق لسنوات، حيث سجَّلت قيم الصفقات تراجعاً دراماتيكياً بنسبة 64 في المائة، لتبدأ الرياض مرحلة «التصحيح الكبير» نحو نموذج عقاري مستدام يضع احتياجات المواطن والمطور الحقيقي في قلب المشهد.

وقد رسمت توجهات ولي العهد مساراً جديداً للسوق، عبر حزمة قرارات تنفيذية مفصلية، شملت فك الحظر عن ملايين الأمتار المربعة في شمال العاصمة، وتفعيل الرسوم على الأراضي الشاغرة لضمان تدفق المعروض السكني، جنباً إلى جنب مع تجميد زيادات الإيجارات وضبط العلاقة التعاقدية بين المؤجِّر والمستأجر. هذه الإجراءات ساهمت بشكل مباشر في استقرار تكاليف السكن والحد من القفزات السعرية غير المبررة التي شهدتها السنوات الماضية.

وانعكست آثار هذه الإصلاحات الهيكلية بوضوح في بيانات البورصة العقارية التابعة لوزارة العدل؛ حيث سجَّلت قيم الصفقات تراجعاً دراماتيكياً بنسبة 64 في المائة. إذ استقرت تداولات السوق عند نحو 53 ألف صفقة بقيمة تجاوزت 17.3 مليار دولار (65 مليار ريال)، مقارنة بنحو 48.3 مليار دولار (181 مليار ريال) في العام الذي سبق صدور القرارات. كما أظهرت البيانات تراجعاً في مساحات الصفقات الإجمالية لتسجِّل 153 ألف متر مربع، نزولاً من 228 ألف متر مربع، وهو ما يفسره الخبراء بانتقال السيولة من المضاربة في الأراضي الخام الكبيرة إلى مشروعات التطوير السكني المنظم.

إعادة تشكيل السوق العقارية

يرى مختصون ومهتمون بالشأن العقاري في تصريحات لهم إلى «الشرق الأوسط»، أن هذه الإجراءات التاريخية أعادت تشكيل السوق العقارية بمدينة الرياض، نحو نموذج أكثر استدامة، قائم على التطوير العقاري والطلب السكني الحقيقي، وقادته نحو مراحل جديدة من التوازن والنضج والتوجه للاستقرار السعري وتوافق المنتجات العقارية مع الاحتياجات الفعلية للسوق، مضيفين أن هذا التحول يمثل خطوة مهمة نحو بناء سوق عقارية أكثر استدامة وقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة.

وقال الخبير والمسوِّق العقاري، صقر الزهراني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن أثر هذه القرارات أحدث ملامح تحول واضح في بنية السوق، مضيفاً أن التراجع المسجل في قيمة الصفقات لا يعكس ضعفاً في النشاط بقدر ما يعكس انحسار المضاربات التي كانت تدفع الأسعار إلى مستويات لا ترتبط بالطلب السكني الحقيقي.

وأوضح أن قرارات التوازن العقاري، أسهمت في وضع مرجعية سعرية جديدة للأراضي السكنية، خصوصاً مع طرح الأراضي المدعومة بسعر يقارب 1500 ريال للمتر المربع، وهو ما أعاد ضبط التوقعات السعرية في عدد من الأحياء، وحدَّ من الارتفاعات غير المبررة التي شهدتها السوق في السنوات الماضية.

وأشار إلى أن الأراضي الخام في شمال الرياض سجَّلت ما يشبه «السقوط الحر» في الأسعار، بحسب ما نشرته تقارير السوق العقارية، حيث تراجعت أسعار بعض المواقع بنسب لافتة بعد سنوات من الارتفاعات المتسارعة التي غذّتها المضاربات وتوقعات النمو السريع، مضيفاً إلى أنه يُنظر إلى هذا التراجع بوصفه جزءاً من عملية تصحيح طبيعية تعيد تسعير الأراضي وفق معايير أكثر واقعية ترتبط بقيمة التطوير والطلب السكني الفعلي.

خريطة لمخططات الأراضي التي تم رصدها في الرياض (واس)

من المضاربة إلى التطوير العقاري

وأوضح الزهراني أنه خلال عام من قرارات التوازن العقاري، برزت عدة سمات مهمة، من أبرزها انتقال جزء من السيولة من المضاربة إلى التطوير العقاري، مع توجَّه أكبر نحو مشروعات التطوير المنظم بدلاً من تداول الأراضي الخام، كما برز المشتري السكني الحقيقي كمحرك رئيس للسوق بعد تراجع دور المستثمرين قصيري الأجل.

وأضاف أنه بدأت تظهر باكورة مشروعات البيع على الخريطة سواء في الوحدات السكنية أو الأراضي المطورة، وهو نموذج يُتوقع أن يتوسَّع خلال المرحلة المقبلة لما يوفره من حلول لزيادة المعروض السكني وخفض تكلفة التملُّك، كما تعيش السوق حالة ترقب للتنظيمات المرتقبة، وعلى رأسها رسوم العقارات الشاغرة التي يُنتظر أن تسهم في تشغيل الأصول غير المستغلة داخل المدن ورفع كفاءة استخدام المخزون العقاري.

وتوقع الزهراني أن تتجه السوق العقارية في الرياض في الفترة القادمة إلى مرحلة أكثر نضجاً واستدامة، مع توسع متوقع في مشروعات البيع على الخريطة وزيادة المعروض داخل المدن نتيجة استمرار الإصلاحات التنظيمية، مرجحاً أن يقود ذلك إلى استقرار الأسعار وتحقيق توازن أفضل بين العرض والطلب.

وأضاف أن ما تشهده السوق العقارية في الرياض اليوم لا يمثل حالة تباطؤ بقدر ما هو مرحلة إعادة تشكيل للسوق نحو نموذج أكثر استدامة، قائم على التطوير العقاري والطلب السكني الحقيقي، بما يدعم مستهدفات التنمية العمرانية ويعزز جودة الحياة في العاصمة.

سلوك السوق

من جانبه، قال الخبير والمسوِّق العقاري، عبد الله الموسى، لـ«الشرق الأوسط»، إن السوق العقارية بمدينة الرياض دخلت مرحلة مفصلية في دورتها الاقتصادية، فالتحولات التي شهدتها خلال هذا العام لا يمكن تفسيرها فقط من خلال الأرقام المتعلقة بعدد الصفقات أو قيمتها، بل ينبغي النظر إليها ضمن سياق أوسع يتعلق بإعادة تشكيل سلوك السوق وإعادة ضبط العلاقة بين العرض والطلب.

أضاف أنه خلال السنوات التي سبقت هذه القرارات، شهدت السوق العقارية في الرياض ارتفاعات متسارعة في الأسعار مدفوعة بعدة عوامل، من بينها زيادة الطلب والنمو العمراني المتسارع، إضافة إلى دخول فئات استثمارية متعددة إلى السوق. ومع مرور الوقت، أصبح من الضروري إعادة التوازن بما يضمن استدامة السوق ويحد من الارتفاعات غير المبررة في الأسعار.

وزاد بأن التراجع الذي شهدته الصفقات خلال العام الأخير يمكن اعتباره انعكاساً طبيعياً لمرحلة إعادة ضبط إيقاع السوق، ففي هذه المرحلة يميل المشترون إلى التريث وإعادة تقييم قراراتهم الاستثمارية، بينما يقوم المطورون والمالكون بمراجعة استراتيجيات التسعير والتسويق بما يتوافق مع المعطيات الجديدة.

وأشار الموسى إلى أن أبرز السمات التي ظهرت خلال هذه الفترة، تمثَّل في ارتفاع مستوى الوعي لدى المتعاملين في السوق، حيث أصبح القرار الشرائي أكثر ارتباطاً بعوامل القيمة والجدوى الاقتصادية بدلاً من الاعتماد على توقُّعات ارتفاع الأسعار في المدى القصير، كما بدأت بعض الشركات العقارية في إعادة هيكلة نماذج البيع والتسويق، سواء من خلال تقديم خطط سداد أطول أو إعادة تصميم المنتجات العقارية بما يتناسب مع احتياجات السوق.

وأوضح أن هذه المرحلة أسهمت في تقليص حجم المضاربات العقارية التي كانت تؤثر في حركة الأسعار في بعض المناطق، وهو ما شجَّع في المقابل على توجه أكبر نحو التطوير الفعلي للأراضي وإدخالها في مشروعات تطويرية بدلاً من الاحتفاظ بها كأصول خام بانتظار ارتفاع الأسعار.

وأضاف أن ما يحدث اليوم في السوق العقارية في الرياض لا يمثل حالة ركود بقدر ما يمثل مرحلة انتقالية تعيد صياغة قواعد السوق، بحيث تنتقل من سوق تقودها المضاربات السعرية إلى سوق أكثر نضجاً واستقراراً يعتمد على القيمة الحقيقية للأصول العقارية وكفاءة التطوير طويل الأجل، مما يجعل هذا التحول خطوة مهمة نحو بناء سوق عقارية أكثر استدامة وقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة.

وختم متوقعاً أن تستمر السوق العقارية في الرياض خلال المرحلة المقبلة في مسار أكثر توازناً ونضجاً، حيث ستصبح المنافسة بين المشروعات العقارية مرتبطة بشكل أكبر بجودة المنتج العقاري وكفاءة التطوير ومدى توافقه مع احتياجات السوق الفعلية، مع استمرار المشروعات الكبرى التي تشهدها المدينة، مما سيبقي القطاع العقاري أحد أهم القطاعات الاقتصادية المحفزة للنمو.


«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.