حصاد السينما في العام 2018 (1): السينما العربية تتحرك مجدداً صوب العالمية

15 فيلماً عكست أفضل ما لديها

«تراب الماس» أحد أفضل أفلام 2018 (مصر)
«تراب الماس» أحد أفضل أفلام 2018 (مصر)
TT

حصاد السينما في العام 2018 (1): السينما العربية تتحرك مجدداً صوب العالمية

«تراب الماس» أحد أفضل أفلام 2018 (مصر)
«تراب الماس» أحد أفضل أفلام 2018 (مصر)

في مثل هذه الأيام من كل عام كان العيد السّينمائي الخاص والخالص الذي تستضيفه دولة الإمارات العربية المتحدة يتجدّد، وكان يُعرف باسم «مهرجان»، وهو «الحدث» السينمائي الأول والأفضل والأهم من بين كل المهرجانات (أو «الأحداث») العربية. وكان اللقاء السنوي لأهم مخرجي العالم العربي وسينمائييه. هناك في باحات الفنادق وفي الموقع الذي اختاره المهرجان مركزاً جامعاً لنشاطاته، وكان السينمائيون يلتقون في الصّالات القريبة ليشاهدوا أفلام بعضهم بعضاً.
في ربيع العام الذي نودعه، صدر قرار من إدارة جديدة بإيقافه لهذه السنة، على أمل عودته في السنة المقبلة. لكن حتى ولو عاد - كما نتمنى - في العام المقبل، فإن الذخيرة الفنية المتمثلة في هذا المهرجان طوال سنواته الأربع عشرة لا تضاهى. لم يحصل عليها أي مهرجان عربي (أو عالمي) آخر، ولا يمكن أن تُنسى. بعض أفضل ما أنجبته السينما العربية من أفلام خلال تلك الفترة عُرض فيه.
أفلام مثل «ألوان السما السابعة» لسعد هنداوي و«البيت الأصفر» لعمر حكار و«الشتا اللي فات» لإبراهيم البطوط و«تقاسيم الحب» ليوسف الديب و«33 يوماً» لمي المصري و«الرحيل من بغداد» لقتيبة الجنابي ومئات أخرى.
- حضور وغياب
حين توقف مهرجان دبي، ولأسباب ما زالت غير واضحة تماماً، انحسر أحد أهم الأضواء الساطعة فوق هذه السينما. لا يعني أنّ مهرجانات أخرى في العالم العربي وخارجه لا تلعب الدور ذاته، ولو بمقدار معين بالنسبة لبعضها، لكن البطولة، كما الكلمة التي تصف صاحب الدور الأول في أي منتوج سينمائي، كانت لمهرجان دبي.
مهرجانات سنة 2018 كانت مجزية. غياب البطولة شجع آخرين للتّقدم وفتح المجال أمام بلورة أدوارها. بدأ العام السينمائي في مهرجان مسقط في سلطنة عُمان. سابقاً ما كان مهرجاناً محدود الحجم والحضور. هذا العام عمل على تحسين وضعه وأنجز ذلك عبر اختيار لجنة تحكيم جيدة وبضعة أفلام عربية وأجنبية كانت مثار إقبال نسبة أعلى من الجمهور. من هذه الأفلام «إلى آخر الزمان» لياسمين شويخ (تونس)، و«سرب حمام» لرمضان خصرو (الكويت)، و«نور» لخليل زعرور (لبنان)، و«رجل وثلاثة أيام» لجود سعيد (سوريا)، و«كتابة على الثلج» لرشيد مشهراوي (فلسطين)، و«الرحلة» لمحمد جبارة الدراجي (العراق).
لكنّ مهرجان مسقط مرتبط بالميزانية المقرّرة له من ناحية، وبغياب رؤية مستقبلية شاملة من ناحية أخرى. التقدّم صوب ما هو أعلى وأهم من مجرد إنتاج الحدث هو البحث عن التميز والانفراد.
في صيف السنة الحالية عاد إلى العلن «مهرجان السينما العربية» الذي يُنظّم بإشراف «معهد العالم العربي في باريس». كان يعقد مرة كل عامين وتوقف سنة 2006. ليستعيد فاعليته سنة 2018، تحت إدارة ليان شوّاف التي جمعت حقيبة محترمة من الأفلام وزعتها في ثلاث مسابقات (روائية وتسجيلية وقصيرة).
من بين عروضه الفيلم اللبناني الجيد «غداء العيد» (الذي كان أحد أفلام مهرجان دبي في أواخر السنة الماضية وانتخب هنا كأحد أفضل الأفلام العربية للعام 2017)، و«الرحلة»، و«إلى آخر الزمن»، و«فوتوكوبي» لتامر العشري (مصر)، و«أبدا لم نكن أطفالاً» لمحمد سليمان (مصر)، كما فيلم نادين لبكي «كفرناحوم» (لبنان)، الذي تولى افتتاح الدورة.
مالمو تبعت باريس بعد نحو ثلاثة أشهر بدورة حملت الرقم 8. في خمسة أيام يقيم رئيسه محمد قبلاوي فعاليات عربية تحتوي على أفلام جامعة كان من بينها هذه السنة «بنزين» لسارة عبيد (تونس)، و«مرايات الشتات» لقاسم عبد (العراق)، و«ليلى» لفوزي بن سعيدي (المغرب)، كما «واجب» لماري آن جاسر (فلسطين).
في ثماني دورات أمسى مهرجان «مالمو» حدثاً منتظراً ومهماً في دائرة المهرجانات السينمائية العربية لا خارج الحدود العربية فقط، بل داخلها أيضاً. وما أن انتهى حتى بدأت الدّورة الثانية من مهرجان «الجونا» التي يشرف على إدارتها انتشال التميمي.
في عامين فقط، أوصل التميمي هذا المهرجان إلى مصاف لائقة. وضع خبرته التي اكتسبها في مهرجان أبوظبي (عندما خلف سمير فريد في إدارة المهرجان الغائب بدوره) ومن قبل في مهرجان روتردام للسينما العربية وأضاف إليها طموحاته المتجددة. النتيجة مهرجان ناجح ومحترف وإن ليس البديل الذي تتوخاه كاملاً السينما العربية لمهرجان دبي، كون «الجونا» يعمل حسب أجندة أكثر تنوّعاً من معظم المهرجانات المذكورة. رغم ذلك، عُرضت سبعة أفلام مصرية وستة لبنانية وثلاثة سورية وثلاثة أخرى تونسية وفيلم واحد من العراق.
على أثره أقيم مهرجان «أيام قرطاج السينمائية» في تونس العاصمة. وهو صرح كبير له تاريخ يمتد إلى الستينات ودائماً ما عرض أفلاماً عربية وأفريقية في مسابقاته. وإذ تداولناه في «الشرق الأوسط» بإسهاب، تداولنا نشاطات مهرجان القاهرة السينمائي الدُّولي الذي هو، لجانب مهرجان قرطاج، أعرق مهرجان عربي ما يزال قائماً. كما أقيمت دورة جديدة من مهرجان مراكش خلال الشهر الحالي، وكان قد غاب لسنة واحدة وعاد ساعياً لصفحة جديدة تختلف عن صفحات الأمس.
- «كفرناحوم»
الفيلم الأكثر نجاحاً للعالم الحالي، هو «كفرناحوم» لنادين لبكي الذي وصل إلى ترشيحات الغولدن غلوبس الرسمية في مسابقة «أفضل فيلم أجنبي»، ويطمح لدخول مسابقة الأوسكار في القسم ذاته (يبدو آيلاً إلى ذلك خصوصاً أنّ عدد الأفلام المرشحة لمسابقة القسم الأجنبي قد يرتفع من خمسة إلى تسعة هذا العام). وكان «كفرناحوم» قد نال جائزة لجنة التحكيم في مهرجان «كان» الدُّولي عنوة على عدة أفلام تنافست لهذه الجائزة كما تقدّم حين تمت تغطية هذا المهرجان الفرنسي بين عدد وفير من المهرجانات التي قامت «الشرق الأوسط» بتغطيتها.
على غراره، سعت أفلام عربية كثيرة لدخول المهرجانات الدولية، بل ازداد ذلك السّعي مع إدراك السينمائيين العرب أنّ مستقبلهم مرتبط، على أكثر من نحو، في اختراق الحدود الغربية.
شاهدنا في مهرجان «صندانس» الفيلم التسجيلي «عن الآباء والأبناء» وفي مهرجان برلين اندفعت سبعة أفلام أحدها هو فيلم المغربية نرجس النجار «بلا وطن» الذي عرض في قسم فورام.
لجانب «كفرناحوم» في مسابقة «كان» الدُّولية ورد «يوم الدين» لأبوبكر شوقي. وفي مسابقة نظرة ما عرضت المغبة مريم بنمبارك فيلمها «صوفيا» وعرض التونسي محمد بن عطية «ولدي». وعرض مهرجان لوكارنو السويسري الفيلم العراقي «يارا» لعباس فاضل. وقس على ذلك مهرجانات مختلفة أخرى عرضت أفلاماً لمخرجين عرب من بينها روتردام (هولاندا) وثيسالونيكي (اليونان) و«بالم سبرينغز» (الولايات المتحدة).
لكن إذا كان غياب مهرجان دبي (ولو لعامنا الحالي) حدث، ووصول فيلم «كفرناحوم» إلى الغولدن غلوبس ومشارف الأوسكار حدث آخر، فإنّ دخول السعودية مجال العروض السينمائية داخل المملكة وعلى نحو تأسيسي كبير هو حدث مهم آخر ميّـز هذا العام.
كان القرار المتخذ شجاعاً من ناحية وضمن سعي الحكومة المستمر لدفع الحياة المدنية والاجتماعية والثّقافية في السعودية إلى الأمام وتجاوز ما كان يعتبر مستحيلاً فيما مضى. الوضع الماثل كان قرار ولي العهد محمد بن سلمان تحديث الآلية الثقافية والفنية في المجتمع السعودي كضرورة للتطوّر المنشود. والسينما أتت في مصاف أول في هذا التحديث ولا تزال والمزيد منه لا يزال مطلوباً لإشادة صرح صناعة مزدهرة تفيد المخرج السعودي والسينمائيين العرب وغير العرب ضمن خطط ودراسات محددة.
السينما السعودية أنجزت هذا العام فيلماً روائياً مهمّـاً هو «عمرة والعرس الثاني» لمحمود صبّاغ. وكانت المخرجة السعودية هيفاء المنصور عرضت فيلمها الأجنبي (كاملاً) «ماري شيلي» في نهايات العام الماضي، وامتدت بعض عروضه للعام الحالي، لكنّه أخفق في نتائجه التجارية رغم الجهد المبذول فيه.
- مواضيع طاغية
اشتغلت السينما العربية، كعادتها، على السائد من المواضيع والطروحات الاجتماعية والسياسية. فيلم محمود صبّـاغ تناول موضوع المرأة حيال أزمتها مع تقاليد متوارثة من الصّعب عليها تغييرها من دون استدعاء حيل وسبل فردية. هي أكبر سناً من أن تعد زوجها، الذي قرّر الزواج من امرأة أصغر سناً.
وضع المرأة كان الموضوع الغالب في أكثر من ركن عربي. هي اللب في «صوفية» لمريم بن مبارك (المغرب)، وفي «ليلى» لفوزي بن سعيدي (المغرب)، و«إلى آخر الزمن» لياسمين شويخ (الجزائر)، كما في «لعزيزة» لمحسن بصري (المغرب)، و«ورد مسموم» لأحمد فوزي صالح (مصر)، و«بلا وطن» لنرجس النجار (المغرب أيضاً).
الموضوع الطاغي الآخر هو موضوع الإرهاب والجماعات «الإسلامية المتطرفة» وهذه توفرت في «فتوى» لمحمود بن محمود (تونس)، وفي «ولدي» لمحمد بن عطية (تونس)، كما في «ريح رباني» لمرزاق علواش (الجزائر). بدوره جمع فيلم «الرحلة» لمحمد الدراجي بين البطولة النسائية والفعل الإرهابي إذ أن بطلته تهب نفسها لقضية تكتشف لاحقاً أنّها لا تستطيع تنفيذها.
إذا ما صرفنا النظر عن كل فيلم جماهيري النشأة أنتج في مصر ولبنان والمغرب، فإنّ حصيلة الأفلام التي عالجت مواضيع اجتماعية مختلفة كثيرة بدورها. «غود مورنينغ» للبناني بهيج حجيج عن عالمين يحتضران، واحد قابع داخل مقهى متمثلا برجلين عجوزين والآخر خارج المقهى متمثلا في المدينة.
عن المدينة ومتاعبها شاهدنا «ليل- خارجي» لأحمد عبد الله السيد. ورسم مروان حامد صورة كبيرة رائعة عن مصر تاريخاً وزماناً في «تراب الماس»، بينما نأى «المخرج المصري أيضاً أحمد فوزي صالح صوب بيئة تكمن على يسار كل البيئات المهمّشة في «ورد مسموم». وعن الحرب في سوريا قدّم جود سعيد فيلمه الجديد «مسافرو الحرب».
واللافت أنّه من بين الأفلام التي تستحق الذكر كان هناك عدد منها يتناول المصابين بعاهات أو أمراض مستعصية: الجزام في «يوم الدين» (مصر)، والتوحد في «في عينيّـا» لنجيب بلقاضي (تونس).
-- قائمة أفضل عشرة أفلام روائية عربية
من بين 48 فيلما عربيا روائيا طويلا شوهد في العام الماضي من بينها 35 فيلماً عرضت في مهرجانات عربية ودولية جال هذا الناقد مع الاتجاهات والأساليب والغايات الكثيرة التي وفّرتها هذه الأفلام. كثير منها - إن لم يكن معظمها - كان يتضمن القدر الكافي من الأهمية، لكن ليس القدر الكافي من الإجادة. هذا سهّـل، على نحو ملحوظ، عملية اختيار 17 فيلماً تستحق التقدير الأعلى والصّعوبة كانت في اختيار العشرة الأفضل من بينها.
إلى الأفلام العشرة المنتخبة هنا، كان لا بد من البحث عن فيلم العام. هناك بالطبع «كفرناحوم» للبنانية نادين لبكي على أساس من نجاحه في اختراق دوائر النجاح، لكن هذا لا يكفي وحده. وفيلم «لا أحد هناك».
الخط الجامع بين كل هذه الأفلام المنتقاة يعتمد، بدوره، على عدة معطيات بعضها يتناقض، نظرياً فقط، مع بعضها الآخر. بعض تلك الأفلام يُشهد لها فعل الابتكار (وهذا يتضح في «لا أحد هناك» على ناصية الفيلم الروائي)، وفي «لايف تايم» لحميد بن عمرة (في السينما التسجيلية). في المقابل، هناك أفلام عولجت بتأسيس كلاسيكي (كما الحال في «تراب الماس» لأحمد مجدي و«فتوى» لمحمود بن محمود)، لكنّ مستوى الاحتراف الفني كان من المستوى العالي بحيث لم يعد ابتكار الأسلوب البديل ضرورياً على الإطلاق.
الدرجة العالية من الاحتراف عنصر الابتكار على نحو كامل.
المواضيع المطروحة مهمّـة، لكنّها ليست المعيار الوحيد في اختيار القائمة التالية ذات الترتيب الأبجدي:
- فيلم العام: «لا أحد هناك» | أحمد مجدي (مصر)
لقطة بلقطة ومشهد بمشهد ينجز أحمد مجدي (ابن المخرج المعروف مجدي أحمد علي)، في فيلمه الأول عملاً مذهلاً في تأليفه (كتابة وتنفيذاً)، وفي إخراجه وتصويره. نوع من حدث ذات ليلة مع عدة شخصيات شبابية. هناك عدة حكايات منسوجة برموزها وطروحاتها ضمن صلب الحكاية الأكبر. هناك ذكاء ومهارة. كل شيء مركّـب وكل شيء سهل في الوقت ذاته. يتعامل الفيلم مع النّظرات والتعابير والخوف من الليل والمجهول. النتيجة فيلم ذو وقع ساحر ولغة بصرية واعية وحرفة مبتكرة لم يسبق للسينما المصرية أن خاضت مثلها وبنجاح إلّا نادراً.
- رباعية تسجيلية
من بين أحد عشر فيلما تسجيليا لمخرجين عرب، مع مواضيع تمس العرب، برزت هذه الأفلام الأربعة أكثر من سواها.
1 - أمل محمد صيام (مصر)
يتابع المخرج الوثائقي حياة بطلته أمل الظاهرة منها وتلك التي تعيش في أعماقها. هذا التمرد الذي في داخلها حركها لكي تشارك في الحراك السياسي الدائر ليس على نحو عاطفي بل على يقين من أنّ هناك أدواراً عدة يستطيع الشباب أن يلعبه لمستقبل أفضل. على سعة موضوعه، إذ يتناول سنوات عدة من حياة شخصيته الرئيسية، ينأى المخرج بنفسه عن تكوين رأي مباشر فيما يعرضه مكتفياً بالقيمة التي تجسدها الفتاة ذاتها.
2 - تأتون من بعيد | أمل رمسيس (مصر)
فلسطيني نزح عن أرضه سنة 1948، وحطّ في لبنان من ثمّ في فرنسا، وعندما نشبت الثورة الإسبانية انتقل إلى صفوف المقاتلين هناك. بعد ذلك أنجب شقيقتين انفصلتا منذ الصغر. واحدة ما زالت تجيد العربية وتعيش في اليونان والثانية تتحدث الروسية وتعيش في موسكو. ستلتقيان بعد عقود من الغياب. مؤثر وجيد.
3 - تايم لايف | حميد بن عمرة (الجزائر، فرنسا)
في ثالث أعماله التسجيلية، يوفر المخرج عملاً يحمل الكثير من الابتكار والتجديد. بعض ما فيه لا يمكن للمشاهد تفسيره، لكن الفيلم يأتي متكاملاً مع رغبة المخرج دفع العمل باتجاه الحديث عن المرأة والحمل والحياة والحب.
4 - سنترال أيربورت THF | كريم عينوز (ألمانيا)
هذا أفضل فيلم تسجيلي حقّقه مخرج عربي (الأصل) عالمياً في العام المنصرم. في ألمانيا مطار قديم العهد اسمه «سنترال أيربورت» حوّل إلى موقع لاستقبال المهاجرين العرب والأفارقة. كيف يعيش العرب والألمان في هذا المكان. كيف يتعايشون مع بعض القصص التي يسترجعها سوريون لاجئون. كل ذلك بأناقة وحتى بعض الشعر البصري المناسب.
-- «توب تن»
1- إلى آخر الزمن | ياسمين شويخ (الجزائر)
الفيلم الأول لمخرجته يأتي في غمار الأعمال التي لديها جديداً تقوله. كتبت ياسمين شويخ السيناريو واختارت له موضوعاً راصداً حياة فلتت من بين أصابع بطلته، وحين أتتها الفرصة لكي تتلقى حباً جديداً على كبر، تركته ينزوي وبقيت كما هي. إدارة ممثلين جيدة وتوظيف فعال للقرية التي تقع فيها الأحداث ولما يتفاعل في تلك الأنفس من عواطف مكتومة.
2 - تراب الماس | مروان حامد (مصر) ‪ ‬
بمحاذاة «لا أحد هناك» (أدناه) هذا هو أفضل فيلم عربي للعام. المخرج الذي تقدم وتأخر في مسيرته الفنية خطوات قليلة من قبل، يقفز فوق كل أعماله السابقة ويقدم عرضاً يجوب فيه تاريخ وحاضر الحياة السياسية في مصر من دون أن يتلوّن سياسيا بمنهج واحد. ويفعل ذلك بأناقة المخرج المتمكن أسلوباً وإدراكاً. ينجز الفيلم المتكامل في كل عناصره والحاوي لرموز متوالية لا تعترض ذلك الخط الهيتشكوكي الماثل كتيار ماء تحت الأرض.
3 - طفح الكيل | محسن البصري (المغرب، سويسرا) ‪ ‬
شاب جرب الانتحار، وصبي في السابعة يشكو وجع رأس مزمن، ومستشفى يتفشّى فيه الفساد. يتيح المخرج لنفسه حسنة النظر إلى موقع معيّـن، ويطرح ما ينتقده من نماذج وحالات. المرء كان يتمنى لو أن فيلمه الآخر هذه السنة، «لعزيزة»، جاء بالمستوى ذاته.
4 - عمرة والعرس الثاني | محمود صباغ (السعودية)
يختار المخرج السّعودي صاحب «بركة يقابل بركة» موضوعاً اجتماعياً آخر إنّما يبقيه بعيداً عن الكوميديا بنجاح. حكاية المرأة التي ما أن تدرك أنّ زوجها سيتزوّج عليها لأنّها لم تنجب له صبياناً، حتى تبدأ محاولاتها لردع زوجها عن فعلته بما يُتاح لها من أساليب، بينها مراجعة شيوخ يكتبون لها وينصحون. المخرج لديه أكثر من هذا الوضع ليسرده، لكن كل ما يسرده له علاقة بتلك المرأة التي تجد نفسها وسط تلك المناطق الوعرة نسبة لتقاليد لا يمكن لها أن تتجاوزها منفردة. بعض الميلودراما التلفزيونية في أداء بعض الشّخصيات تقف حائلاً دون ارتفاع الفيلم لسقف الجودة.
5 - غود مورنينغ | بهيج حجيج (لبنان) ‪‬
رجلان متقاعدان يؤمّان كل صباح ركناً علوياً من مقهى يشرف على جادة طرق في مدينة بيروت. يحلان الكلمات المتقاطعة. يطالعان عناوين الصحف. ينظران إلى ما يحدث في الخارج ويعايشان حياة الداخل كما تيسر. منوال المخرج حجيج، على بعض هناته، واضح ووتيرته حزينة في استكشاف ماض انحدر عنه البلد حتى صار غريباً لأبنائه.
6 - فتوى | محمود بن محمود (تونس) ‪ ‬
إذ يعود بطل الفيلم (أحمد حفيان) من باريس ليتقصى سبب وفاة ابنه المفاجئة، يُصدم بواقع مستجد لم يألفه قبل غربته وهو تفشي «التيار الأصولي» ومحاولة سطوته على تقاليد الحياة الاجتماعية ورضوخ الكثيرين لهذه السطوة. الفيلم هو دراما هادفة لزعزعة هذا الوضع، وينتهي مستعجلاً تقديم رؤية تشاؤمية، لكنّه ينجلي عن معالجة جيدة غير مبتذلة أو متردّدة في إدانة من تسبب في مقتل ابنه.
7 - في عينيا | نجيب بلقاضي (تونس)
بعد فيلمه الرائع والحاد «بستاردو» يوفر المخرج بلقاضي فيلماً مختلفاً. يدور فيلمه الجديد حول الحب والبذل ويخلو من دوافع شريرة أو من شخصيات غامضة. إنّه عن ذلك الأب الذي ينخرط في عالم ابنه الصغير الذي يعاني من التوحد. موضوع صعب ومعالجة مهمة ومؤثرة يقوم بها بلقاضي.
8 - مسافرو الحرب | جود سعيد (لبنان، سوريا)
تردّد موضوع الإرهاب في أكثر من فيلم في العام الآزف على الرّحيل، لكنّ «مسافرو الحرب» لا يتناوله منفرداً عن الحالة الشاملة التي ألمّـت بالبلاد خلال إحدى مراحل الحرب. شخصياته مجموعة من النازحين من القذائف بأمل تشييد مدينة شبه فاضلة ما يتيح للمخرج - الكاتب، الذهاب إلى ما يحدّ من مثل هذا الطموح، رغم تعثر السيناريو جامعاً الواقع والرمز على نحو متأرجح، إلّا أنّ الفيلم عمل آخر جيد من المخرج الذي جعل من مهام حياته تأريخ الحرب السورية روائياً.
9 - ورد مسموم | أحمد فوزي صالح (مصر)
غوص في القاع. ليس قاع المدينة بل القاع الذي يكمن تحت الأول وفي الضواحي المهملة. بطلته فتاة تعمل في بعض المراحيض وشقيقها الذي ينوي السفر بطريقة غير شرعية. تعرقل سعيه فهي لا تستطيع تحمل مشاق الحياة من دونه. من اللقطة الأولى إلى الأخيرة هناك ذلك الحرص على ربط مصائر البشر بالفقر المدقع والبيئة المريضة بمشاكلها. كما هو فيلم مستقل حتى عمّا هو مستقل في السينما، هو أيضاً عن مهمشين لم يصل إليهم أي فيلم سابق.
10- يوم الدين | أبوبكر شوقي (مصر)
يقرّر مصاب سابق بالجذام الذي ترك أثره على وجهه وأطرافه القيام برحلة منفردة للتعرّف مجدداً على أبيه الذي تخلى عنه صغيراً. يشاركه الرحلة طفل بلا عائلة. يقومان بالرحلة فوق عربة يجرها حصان متعب مروراً بأحداث مؤلمة وأخرى تكتنز قدراً من الطرافة في هذا الفيلم الجيد الذي قُدّم في مهرجان «كان». كان بحاجة إلى بعض الحدّة في المواقف عوض أن تأتي الشّخصيات كلّها طيّـبة ومتفهمة، لكن ما أنجزه المخرج شوقي هنا لا يستهان بقيمته.


مقالات ذات صلة

9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

يوميات الشرق عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)

9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

تتوالى الأيام سريعاً صوب بدء الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الذي ينطلق في الثاني عشر من هذا الشهر.

محمد رُضا (بالم سبرينغز (كاليفورنيا) )
يوميات الشرق يوثق الفيلم رحلة صديقين من الوطن إلى المنفى (الشركة المنتجة)

«حلفاء في المنفى»... صداقة وسينما في مواجهة الحرب السورية واللجوء

المنفى ليس مكاناً فحسب، بل حالة نفسية مستمرة تتطلّب أدوات جديدة للتكيّف، وكانت السينما إحدى هذه الأدوات.

أحمد عدلي (القاهرة )
سينما مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» مهرجانات عديدة، حصد فيها، ما يزيد على 35 جائزة.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
سينما شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
يوميات الشرق ناقش الفيلم علاقة بين أختين تجتمعان بعد وفاة الأم (الشركة المنتجة)

«الفراشة»... رحلة لتتبع ميراث الأم تعيد اكتشاف معنى الحياة

في فيلمها الروائي الطويل الثاني «الفراشة» تواصل المخرجة النرويجية إيتونجي سويمر غوتورمسن تفكيك العلاقات الإنسانية من الداخل، بوصفها مساحات مشوشة من المشاعر.

أحمد عدلي (القاهرة )

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
TT

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» (It Was Just an Accident) مهرجانات عديدة (39 مهرجاناً بالتحديد)، حصد فيها، وفي مناسبات احتفائية أخرى، ما يزيد على 35 جائزة. ما هو بالقدر نفسه من الأهمية أن الفيلم (الذي دخل مسابقتي بافتا والأوسكار أيضاً) تربَّع في قوائم عشرات النقاد حول العالم بوصفه واحداً من أفضل أفلام السنة الماضية.

حين شاهد الناقد كاتب هذه السطور الفيلم خلال عرضه في ذلك المهرجان، تبلور لديه تأثير سلبي مردُّه تكرار مشاهد أكثر من التقدّم بها فعلياً، ما جعل الفيلم يبدو حوارياً أكثر منه حدثياً. كذلك لم يكن بإمكان بناهي (على الأرجح) أن ينبري لتحقيق فيلم يقطع المسافة كاملة ما بين الإيحاء والاتهام، بانياً نهاية فيلمه على أساس أن المجموعة التي اختطفت رجلاً لاعتقادها بأنه هو من كال لهم التعذيب في أحد سجون طهران بناءً على مواقفهم السياسية عادت عن اعتقادها في النهاية وتركت الرجل وشأنه.

المخرج جعفر بناهي (MK2 بيكتشرز)‬

مخرج وحيد

أبقى المخرج الدراما دون مستوى التفعيل. هذا القرار يلتقي تلقائياً مع أفلامه السابقة مثل «تاكسي» و«هذا ليس فيلماً» و«دائرة»، ومع أسلوب عمله. من هذه الزاوية يلتقي وأسلوب الراحل عبّاس كياروستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن هذا الالتقاء لا يتجاوز الهامش العريض لأن لكل واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص ضمن ذلك الأسلوب العام.

في حين أن تقتير الدراما في أفلام بناهي قد لا يلتقي وحب كثيرين (بينهم هذا الناقد) لسينما تجمع حسنات العناصر الفنية كاملة (سيناريو وتصوير وتمثيل وتوليف وموسيقى وإخراج شامل مع تصميم فني ملتحم وفاعل)، غير أنه تعبير ذاتي ليس فقط في المضمون، بل في طريقة توظيف اللغة السينمائية المستخدمة أيضاً.

بناهي هو المخرج الوحيد عالمياً الذي خرج من المهرجانات الرئيسية الأربعة، كان و«برلين» و«ڤينيسيا» و«كارلوڤي ڤاري»، بجائزة أولى من كل واحد منها: «البالون الأبيض» نال جائزة «الكاميرا الذهبية» في 1995، و«الفهد الذهبي» في «لوكارنو» عن «المرآة» 1997، و«الأسد الذهبي» في مهرجان «ڤينيسيا» عن «الدائرة» سنة 2000، و«الدب الذهبي» في مهرجان «برلين» عن «تاكسي» (2015).

ألا يُنظر إلى هذا الإنجاز بتقدير كبير هو نوع من الجهل أو التجاهل، لكن حقيقة أن كل واحد من هذه الأفلام (لجانب «مجرد حادثة») ارتبط بموقف سياسي ضد السلطة الإيرانية تساهم في طرح سؤال حول ما إذا كانت الجوائز سياسية أكثر منها فنية، خصوصاً حين النظر إلى ما عرضه كل مهرجان من أفلام في السنة التي شهدت عرض أحد أفلام بناهي. القول إنه لم يكن هناك أفلام أفضل صُنعاً هو بدوره غير صحيح.

كمثال لا بدّ منه، هل كان «تاكسي» فعلاً أهلاً للجائزة؟ فيلم عن بناهي يقود سيارة تاكسي يصعد إليها ويخرج منها زبائن، كلّ يحكي شيئاً عن نفسه؟ هل يبرر الموقف السياسي الغربي (إليه ينتمي معظم أفراد لجان التحكيم) منح هذه الأفلام الجائزة الكبرى، أم أن هناك بنوداً غير معلنة تتبعها بعض هذه المهرجانات؟

«ذهب قرمزي» (جعفر بناهي برودكشنز)

جوانب شخصية

كثيراً ما وصف بناهي أفلامه بأنها «مجتمعية وليس سياسية» رغم أن الخيط رفيع بين هذين الجانبين، طالما أن ما طرحه في تلك الأفلام، وفي أخرى من بينها «ذهب قرمزي» (2003)، لا يعرض لما تفضّل السلطة أن تراه، بل لما يريد هو عرضه عن حالات الناس في بلده.

«ذهب قرمزي» (Crimson Gold) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في «كان» في سنة إنتاجه، هو الوحيد بين أفلامه الذي يختلف في طريقة سرده مقترباً من تفعيل الأحداث حسب وقائع درامية وليس وصفية. فيلم ممتاز من حيث حبكته (شاب في مواجهة فساد شائع ما يدفع به لارتكاب جريمة) وينتمي إلى السنوات الأولى من مهنة المخرج، تلك التي كان يعمل فيها على ملاحقة قضايا إنسانية. لاحقاً، ومنذ «هذا ليس فيلماً» (2011)، وهو ينتقي أن يتكلم ذاتياً حتى عندما يضع في البطولة ممثلين آخرين كما الحال مع «ستارة مسدلة» (Closed Curtain) في 2013.

الفيلم المحتفى به حالياً حُقِّق بعد السماح لبناهي بالإخراج والسفر، لكن بناهي صوّر الفيلم بلا إذن رقابي، مدركاً أنه لن يحصل عليه لو تقدّم بالسيناريو إلى الجهات المعنية. هذا ما أعاده إلى دائرة المواجهة مع السلطة التي تنتظر عودته إلى البلاد لمحاكمته (حالياً متنقّلاً ما بين أوروبا والولايات المتحدة، منتظراً نتائج جوائز بافتا والأوسكار).

يتكلم «مجرد حادثة» عن سنوات التعذيب في السجن. ليس حكاية ذاتية كون بناهي لم يدخل بنفسه هذه التجربة، بل عبر شخصيات خرجت بذاكرة موجوعة مما حدث لها، وعندما يُتاح لها خطف من اعتقدت أنه هو الذي كان يعذّبها تبحث في أمر تعذيبه أو قتله. لكنها في النهاية ليست موقنة بأنه الفاعل، والفيلم يترك شخصياته من دون يقين، وكذلك جمهوره.

ما لم يدخل في اعتبار السلطة والرقابة الإيرانية حين توعَّدت بمعاقبة المخرج (وألقت القبض مؤخراً على محمد محموديان، أحد المشاركين في كتابة السيناريو) حقيقة أن الفيلم يصوّر شخصياته التي تريد الانتقام في ضوءٍ اتهاميٍ مماثل. ليس فقط على أساس أنهم في النهاية ليسوا واثقين من الرجل الذي كاد أن يموت بين أيديهم، بل أيضاً لأنهم شخصيات ذات عواطف هشّة وبلا خصال يمكن الإعجاب بها. يحملون قضية، لكنهم أقل قدرة على الدفاع عنها. من ناحية يضع بناهي أبطاله في موقع الضحية، وفي ناحية أخرى لا يرفعهم إلى درجة منحهم حق الانتقام، ويتركهم في النهاية بعيدين عن قرار بعدما دخلوا التجربة بثقة وخرجوا منها ملتبسين.


شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
TT

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)

WHO IS STILL ALIVE

★★★1/2

إخراج:‫ نيكولاس واديموف‬

سويسرا | تسجيلي غربي بقلب فلسطيني

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية. سمع وشاهد كل ذلك الدمار الذي لحق بغزّة والضحايا التي كانت قد بدأت تتساقط منذ ذلك الحين. فكّر مع صديق فلسطيني له نزح إلى القاهرة في تحقيق فيلم عن الموضوع، وارتأى أن يكون فيلماً يجمع في أحد الاستوديوهات مجموعة من النازحين الفلسطينيين ليتحدّث كل منهم عن آلامه وما حدث له أو لعائلته.

بعض هؤلاء خرج بثيابه التي كان يرتديها، والبعض كان ناجياً وحيداً أو برفقة فرد واحد من عائلته. يقول واديموف إن شريكه الفلسطيني في الفيلم (جودت خضري)، الذي كان يعرفه منذ سنوات، بدا شخصاً مختلفاً: «للمرّة الأولى كنت أمام شخص يعكس الإبادة الجماعية».

جمع هؤلاء لم يكن سهلاً، والمخرج رغب في نقلهم إلى بلد آخر لضمان عمل مستقل. تبعاً لحقيقة أن معظم دول الأرض لا تمنح تأشيرات دخول للفلسطينيين، توجَّه المخرج بمجموعته إلى دولة جنوب أفريقيا، التي هي شبه الوحيدة التي يمكن للفلسطيني دخولها من دون «فيزا» مسبقة.

نتيجة اللقاء هي تحقيق فيلم يقوم على 9 أشخاص فلسطينيين نازحين يتحدّثون، لنحو ساعة و10 دقائق، عن كيف استيقظوا يوماً من دون مأوى نتيجة القصف، وكيف كان وقع ذلك على حياتهم وما بعد نزوحهم. خسروا البيت كما الحياة الآمنة (نسبياً)، ليجدوا أنفسهم في العراء.

الفيلم ليس عبارة عن مقابلات منفردة مزوّدة بمشاهد من غزّة كما قد يتوقّع البعض، بل عمد المخرج إلى مقابلات جماعية، حيث يقوم كل من هؤلاء برسم مربّعات ودوائر وخطوط ليشرح ما حدث له.

بساطة هذا اللجوء إلى هذا الحل تبدو دخيلة في البداية، قبل أن تبدأ بتأسيس رابط بين الذاكرة المروية كلاماً والمرسومة تنفيذاً.

الطباشير والأقلام المستخدمة هي اللون الأبيض الوحيد في الفيلم، إلى جانب ألوان الملابس الداكنة، لأن كل شيء آخر (الخلفية والأرض والصورة نفسها) أسود. هذا فيلم ليس مهتماً بأصوات الطائرات والقذائف وصراخ الضحايا، بل بالمضيّ عميقاً في التجربة الإنسانية لمن استطاع البقاء حياً محمّلاً بتلك الذكريات وآلامها. الأسلوب المعتمد لا ينجو من التبسيط بصرياً، لكن البساطة في الشكل هي التي تمضي عميقاً في البال من كلمات شخصياته الأولى وحتى النهاية.

:GREENLAND2

MIGRATION ★★★ إخراج:‫ رِك رومان ووف‬

الولايات المتحدة | عن الأرض

والمجتمعات بعد هجوم النيازك

على عكس المتوقَّع، لن تنتهي الحياة على الأرض بسبب حرب نووية ولا بسبب وباء يحوّل البشر إلى وحوش، بل لأن أمطاراً من النيازك ستهاجم كوكبنا الصغير وتفتك به. بعض ذلك شوهد في الجزء الأول Greenland، حيث بدأ هطول النيازك الآتية من عمق السماء. ذلك الجزء كان بداية تصوير الخراب الذي ستسبّبه النيازك بأحجامها المختلفة. كل واحد منها سيدمّر جسراً أو مدينة أو أكثر

«غرينلاند 2: هجرة» (ليونز غايت)

الجزء الجديد يُكمل من حيث انتهى الأول. الناجون مختبئون في ملاجئ يعدّونها محصّنة، إلى أن يقرّر السيناريو أن ذلك ليس صحيحاً. جون غاريتي (جيرالد بتلر) وعائلته (زوجته بكارين وابنهما الشاب ناتان) وقلّة آخرون يفرّون عندما يُصيب الدمار ذلك الملجأ إلى مركب كبير لقطع المسافة بين القارتين الأميركية والأوروبية. لا مانع إذا ما نفد الوقود في عرض البحر، فلربما أدَّت النيازك إلى تقريب القارّتين من بعضهما. المهم أنهم تركوا أرضاً مدمّرة إلى أخرى.

بعد ذلك سيحصر الفيلم اهتمامه في تلك العائلة بعد أن قدّم شخصيات أخرى تعيش التراجيديا نفسها. سيقود جون عائلته الصغيرة صوب مدينة نموذجية آمنة (لسبب يتعلّق بوجودها وسط مرتفعات فرنسية) من خلال رحلة خطرة تنطوي، مثلاً، على المشي فوق جسر من الحبال فوق ما كان يُعرف ببحر المانش ما بين إنجلترا وفرنسا، الذي أصبح الآن مجرّد وادٍ عميق.

رغم سذاجة المواقف وثغرات الكتابة، يوفِّر الفيلم دراما حول وحدة العائلة وصلابتها رغم المخاطر، إلى جانب أن مؤثّراته البصرية جيّدة في غالبيّتها. ترفيه يشترط القبول به مع ثغراته غير العلمية وغير المنطقية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
TT

«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)

بعد أكثر من 4 عقود على عرضه الأول، يصل فيلم «ذا شاينينغ» (The Shining) إلى دور السينما السعودية في إطار عرض محدودة، يبدأ يوم الخميس المقبل؛ ما يمنح الجمهور المحلي فرصة التفاعل مع أحد أكثر أفلام الرعب النفسي تأثيراً، بتقنية «آيماكس (IMAX)»، وذلك ضمن تجربة مشاهدة كاملة على الشاشة الكبيرة، حيث تتجلى قوته البصرية والفكرية كما صُممت في الأصل.

وربما حتى الذين لم يشاهدوا الفيلم، مرُّوا بلقطات أيقونية منه، حيث يترسخ حضور «ذا شاينينغ» من خلال مشاهد عدة، يتقدمها المشهد الشهير الذي يُعد من أكثر اللقطات تداولاً في تاريخ السينما، ويظهر فيه الممثل جاك نيكلسون وهو يكسر باب الحمام بفأسه، قبل أن يُدخل رأسه من الفتحة الخشبية مبتسماً بجنون. وتحوَّلت هذه اللقطة إلى رمز بصري يُستعاد باستمرار في وسائل التواصل الاجتماعي، مع حضور الفيلم الدائم في قوائم أفضل الأفلام، وفي الكتابات النقدية؛ ما يعكس قدرته على التجدّد والتفاعل مع تحولات الذائقة السينمائية.

كذلك أصبح الرقم 237 خالداً في ذاكرة عشاق السينما، وهو رقم أهم غرفة في الفيلم، وواحدة من أكثر عناصره رسوخاً في الأذهان، لارتباط هذا الرقم بمشهد بالغ الكثافة النفسية، واستمر تداول الرقم في النقاشات والتحليلات السينمائية، ليصبح علامة على قدرة الفيلم على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رموز ذات دلالات مفتوحة.

ويمثل عرض «ذا شاينينغ» في السعودية جزءاً من حركة أوسع لإعادة قراءة السينما الكلاسيكية بعيداً عن الحنين العاطفي، وبمنظور نقدي معاصر يضع الفيلم في سياقه التاريخي والجمالي، حيث يفتح حضور هذا العمل المجال أمام جيل جديد لاكتشافه، وأمام جمهور أقدم لإعادة تأمله ضمن شروط مشاهدة مختلفة، تُبرز تفاصيله الدقيقة وإيقاعه المتأمل.

الممثلة شيلي دوفال في مشهد من الفيلم (المصدر: IMDb)

ستانلي كوبريك.. سينما التفاصيل

الفيلم الذي أُنتج عام 1980، من إخراج المخرج الأميركي ستانلي كوبريك، أحد أبرز صُناع السينما في القرن العشرين، وصاحب مسيرة اتسمت بالتنوع والصرامة الفنية؛ إذ عُرف كوبريك الذي توفي عام 1999 باهتمامه الشديد بكل تفصيلة في العمل السينمائي، من حركة الكاميرا إلى تصميم الديكور، ومن الإيقاع السردي إلى اختيار الموسيقى، وفي «ذا شاينينغ»، بلغ هذا الهوس بالكمال ذروته، حيث تحولت كل لقطة إلى جزء من بناء نفسي متكامل.

واستند كوبريك في عمله إلى رواية الكاتب «ستيفن كينغ» التي تحمل العنوان نفسه، لكنه قدّم معالجة سينمائية مستقلة ركزت على الأبعاد الذهنية للشخصيات أكثر من التزامها بحبكة رعب تقليدية، وهذه المقاربة جعلت الفيلم عملاً قابلاً لإعادة القراءة عبر أزمنة مختلفة.

قصة العزلة والانهيار النفسي

تدور أحداث الفيلم حول الكاتب جاك تورانس، الذي ينتقل مع زوجته ويندي وابنهما داني إلى فندق معزول في جبال كولورادو، لتولي مهمة الإشراف عليه خلال فترة الإغلاق الشتوي، والعزلة الطويلة، والطقس القاسي، والتاريخ الغامض للفندق، بيئة نفسية ضاغطة تتكثف فيها الهواجس والمخاوف، ليتحوّل الكاتب فيها إلى شخص مختلف عن صورة الزوج والأب الذي اعتادت عليه أسرته.

في حين يمتلك الطفل داني قدرات نفسية تتيح له رؤية أحداث من الماضي واستشراف ما سيقع، لتتحول إقامته في الفندق إلى تجربة قاسية تضع الأسرة أمام اختبارات متتالية، وهذه القصة، رغم بساطتها، تُستخدم مدخلاً لتفكيك مفاهيم الجنون، والذاكرة، والعنف الكامن في العلاقات الإنسانية.

يتناول الفيلم الانهيار النفسي الذي يعيشه كاتب يُدعى جاك تورانس، في مكان معزول (المصدر: IMDb)

أداء صنع أيقونة سينمائية

وجسّد دور البطولة الممثل جاك نيكلسون، في أداء أصبح علامة فارقة في مسيرته الفنية، مقدّماً شخصية الكاتب جاك تورانس بتدرج نفسي حاد، ينتقل من الاتزان الظاهري إلى الانفجار الداخلي، وأسهم هذا الأداء في ترسيخ الشخصية كإحدى أكثر الشخصيات حضوراً في تاريخ السينما.

كما شاركت شيلي دوفال، في دور زوجته ويندي، في أداء ركّز على الهشاشة والقلق والخوف، وقدّم الطفل داني لويد شخصية ابنهما داني بأداء هادئ وغامض، جعل منه عنصراً محورياً في بناء التوتر النفسي للفيلم، حيث منح تكامل هذه الأداءات العمل عمقاً إنسانياً تجاوز حدود الرعب التقليدي.

أصداء العرض الأول

عند عرضه الأول مطلع الثمانينات، أثار «ذا شايننغ» نقاشاً واسعاً بين النقاد والجمهور، ولفت الانتباه بأسلوبه المختلف وإيقاعه المتأني. ومع مرور السنوات، تزايد حضوره في الدراسات النقدية والجامعية، وظهرت قراءات متعددة تناولته من زوايا نفسية واجتماعية وثقافية وتاريخية. وهذا التحول في الاستقبال النقدي أسهم في ترسيخ مكانته كعمل سينمائي متجدد، يُعاد اكتشافه مع كل جيل، ويُقرأ وفق سياقات فكرية مختلفة، ما جعله أحد أكثر الأفلام تحليلاً في تاريخ السينما الحديثة.

الأم وطفلها يحاولون النجاة من الأمور الغريبة التي تحدث في فندق أوفرلوك داخل الفيلم (المصدر: IMDb)

الفندق... قلب القصة

ويحتل «فندق أوفرلوك» في «ذا شاينينغ» موقعاً مركزياً في السرد، حيث تعامل معه كوبريك بوصفه كياناً حياً، لا مجرد فضاء للأحداث، بما يشمله من الممرات الطويلة، والهندسة المتناظرة، وحركة الكاميرا الانسيابية، حيث بدت كلها عناصر صُممت بعناية لتعزيز الإحساس بالضياع والاختناق النفسي.

ولعبت الموسيقى التصويرية دوراً محورياً في بناء التوتر، عبر نغمات تجريبية حادة تتناغم مع التحولات النفسية للشخصيات، وهذا التوظيف الصوتي والبصري جعل من الفيلم تجربة حسية كاملة، تتضاعف قوتها عند مشاهدته على الشاشة الكبيرة.

الأفلام الكلاسيكية

يأتي عرض «ذا شاينينغ» في دور السينما السعودية ضمن توجُّه متصاعد لبرمجة الأفلام الكلاسيكية وأعمال الرعب النفسي ذات القيمة الفنية العالية، إلى جانب الإنتاجات الجديدة. ويعكس هذا التوجه تطور ذائقة الجمهور المحلي، واتساع مساحة الخيارات السينمائية، حيث باتت الصالات تستضيف عروضاً خاصة لأعمال مفصلية في تاريخ السينما العالمية، وحضور فيلم من وزن «ذا شايننغ» على الشاشة الكبيرة في السعودية يضع الجمهور أمام تجربة سينمائية جديرة بالتوقف والتذكّر.