«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

بعد 46 عاماً من عرضه الأول... قراءة جديدة لسينما ستانلي كوبريك بتقنية IMAX

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
TT

«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)

بعد أكثر من 4 عقود على عرضه الأول، يصل فيلم «ذا شاينينغ» (The Shining) إلى دور السينما السعودية في إطار عرض محدودة، يبدأ يوم الخميس المقبل؛ ما يمنح الجمهور المحلي فرصة التفاعل مع أحد أكثر أفلام الرعب النفسي تأثيراً، بتقنية «آيماكس (IMAX)»، وذلك ضمن تجربة مشاهدة كاملة على الشاشة الكبيرة، حيث تتجلى قوته البصرية والفكرية كما صُممت في الأصل.

وربما حتى الذين لم يشاهدوا الفيلم، مرُّوا بلقطات أيقونية منه، حيث يترسخ حضور «ذا شاينينغ» من خلال مشاهد عدة، يتقدمها المشهد الشهير الذي يُعد من أكثر اللقطات تداولاً في تاريخ السينما، ويظهر فيه الممثل جاك نيكلسون وهو يكسر باب الحمام بفأسه، قبل أن يُدخل رأسه من الفتحة الخشبية مبتسماً بجنون. وتحوَّلت هذه اللقطة إلى رمز بصري يُستعاد باستمرار في وسائل التواصل الاجتماعي، مع حضور الفيلم الدائم في قوائم أفضل الأفلام، وفي الكتابات النقدية؛ ما يعكس قدرته على التجدّد والتفاعل مع تحولات الذائقة السينمائية.

كذلك أصبح الرقم 237 خالداً في ذاكرة عشاق السينما، وهو رقم أهم غرفة في الفيلم، وواحدة من أكثر عناصره رسوخاً في الأذهان، لارتباط هذا الرقم بمشهد بالغ الكثافة النفسية، واستمر تداول الرقم في النقاشات والتحليلات السينمائية، ليصبح علامة على قدرة الفيلم على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رموز ذات دلالات مفتوحة.

ويمثل عرض «ذا شاينينغ» في السعودية جزءاً من حركة أوسع لإعادة قراءة السينما الكلاسيكية بعيداً عن الحنين العاطفي، وبمنظور نقدي معاصر يضع الفيلم في سياقه التاريخي والجمالي، حيث يفتح حضور هذا العمل المجال أمام جيل جديد لاكتشافه، وأمام جمهور أقدم لإعادة تأمله ضمن شروط مشاهدة مختلفة، تُبرز تفاصيله الدقيقة وإيقاعه المتأمل.

الممثلة شيلي دوفال في مشهد من الفيلم (المصدر: IMDb)

ستانلي كوبريك.. سينما التفاصيل

الفيلم الذي أُنتج عام 1980، من إخراج المخرج الأميركي ستانلي كوبريك، أحد أبرز صُناع السينما في القرن العشرين، وصاحب مسيرة اتسمت بالتنوع والصرامة الفنية؛ إذ عُرف كوبريك الذي توفي عام 1999 باهتمامه الشديد بكل تفصيلة في العمل السينمائي، من حركة الكاميرا إلى تصميم الديكور، ومن الإيقاع السردي إلى اختيار الموسيقى، وفي «ذا شاينينغ»، بلغ هذا الهوس بالكمال ذروته، حيث تحولت كل لقطة إلى جزء من بناء نفسي متكامل.

واستند كوبريك في عمله إلى رواية الكاتب «ستيفن كينغ» التي تحمل العنوان نفسه، لكنه قدّم معالجة سينمائية مستقلة ركزت على الأبعاد الذهنية للشخصيات أكثر من التزامها بحبكة رعب تقليدية، وهذه المقاربة جعلت الفيلم عملاً قابلاً لإعادة القراءة عبر أزمنة مختلفة.

قصة العزلة والانهيار النفسي

تدور أحداث الفيلم حول الكاتب جاك تورانس، الذي ينتقل مع زوجته ويندي وابنهما داني إلى فندق معزول في جبال كولورادو، لتولي مهمة الإشراف عليه خلال فترة الإغلاق الشتوي، والعزلة الطويلة، والطقس القاسي، والتاريخ الغامض للفندق، بيئة نفسية ضاغطة تتكثف فيها الهواجس والمخاوف، ليتحوّل الكاتب فيها إلى شخص مختلف عن صورة الزوج والأب الذي اعتادت عليه أسرته.

في حين يمتلك الطفل داني قدرات نفسية تتيح له رؤية أحداث من الماضي واستشراف ما سيقع، لتتحول إقامته في الفندق إلى تجربة قاسية تضع الأسرة أمام اختبارات متتالية، وهذه القصة، رغم بساطتها، تُستخدم مدخلاً لتفكيك مفاهيم الجنون، والذاكرة، والعنف الكامن في العلاقات الإنسانية.

يتناول الفيلم الانهيار النفسي الذي يعيشه كاتب يُدعى جاك تورانس، في مكان معزول (المصدر: IMDb)

أداء صنع أيقونة سينمائية

وجسّد دور البطولة الممثل جاك نيكلسون، في أداء أصبح علامة فارقة في مسيرته الفنية، مقدّماً شخصية الكاتب جاك تورانس بتدرج نفسي حاد، ينتقل من الاتزان الظاهري إلى الانفجار الداخلي، وأسهم هذا الأداء في ترسيخ الشخصية كإحدى أكثر الشخصيات حضوراً في تاريخ السينما.

كما شاركت شيلي دوفال، في دور زوجته ويندي، في أداء ركّز على الهشاشة والقلق والخوف، وقدّم الطفل داني لويد شخصية ابنهما داني بأداء هادئ وغامض، جعل منه عنصراً محورياً في بناء التوتر النفسي للفيلم، حيث منح تكامل هذه الأداءات العمل عمقاً إنسانياً تجاوز حدود الرعب التقليدي.

أصداء العرض الأول

عند عرضه الأول مطلع الثمانينات، أثار «ذا شايننغ» نقاشاً واسعاً بين النقاد والجمهور، ولفت الانتباه بأسلوبه المختلف وإيقاعه المتأني. ومع مرور السنوات، تزايد حضوره في الدراسات النقدية والجامعية، وظهرت قراءات متعددة تناولته من زوايا نفسية واجتماعية وثقافية وتاريخية. وهذا التحول في الاستقبال النقدي أسهم في ترسيخ مكانته كعمل سينمائي متجدد، يُعاد اكتشافه مع كل جيل، ويُقرأ وفق سياقات فكرية مختلفة، ما جعله أحد أكثر الأفلام تحليلاً في تاريخ السينما الحديثة.

الأم وطفلها يحاولون النجاة من الأمور الغريبة التي تحدث في فندق أوفرلوك داخل الفيلم (المصدر: IMDb)

الفندق... قلب القصة

ويحتل «فندق أوفرلوك» في «ذا شاينينغ» موقعاً مركزياً في السرد، حيث تعامل معه كوبريك بوصفه كياناً حياً، لا مجرد فضاء للأحداث، بما يشمله من الممرات الطويلة، والهندسة المتناظرة، وحركة الكاميرا الانسيابية، حيث بدت كلها عناصر صُممت بعناية لتعزيز الإحساس بالضياع والاختناق النفسي.

ولعبت الموسيقى التصويرية دوراً محورياً في بناء التوتر، عبر نغمات تجريبية حادة تتناغم مع التحولات النفسية للشخصيات، وهذا التوظيف الصوتي والبصري جعل من الفيلم تجربة حسية كاملة، تتضاعف قوتها عند مشاهدته على الشاشة الكبيرة.

الأفلام الكلاسيكية

يأتي عرض «ذا شاينينغ» في دور السينما السعودية ضمن توجُّه متصاعد لبرمجة الأفلام الكلاسيكية وأعمال الرعب النفسي ذات القيمة الفنية العالية، إلى جانب الإنتاجات الجديدة. ويعكس هذا التوجه تطور ذائقة الجمهور المحلي، واتساع مساحة الخيارات السينمائية، حيث باتت الصالات تستضيف عروضاً خاصة لأعمال مفصلية في تاريخ السينما العالمية، وحضور فيلم من وزن «ذا شايننغ» على الشاشة الكبيرة في السعودية يضع الجمهور أمام تجربة سينمائية جديرة بالتوقف والتذكّر.



«مهرجان برلين» في دورته الـ76... هل يستعيد عصره الذهبي؟

المخرجة التونسية ليلى بوزيد (ملف برلين)
المخرجة التونسية ليلى بوزيد (ملف برلين)
TT

«مهرجان برلين» في دورته الـ76... هل يستعيد عصره الذهبي؟

المخرجة التونسية ليلى بوزيد (ملف برلين)
المخرجة التونسية ليلى بوزيد (ملف برلين)

انطلق مهرجان «برلين السينمائي» في دورته الـ76 ليل الأربعاء، وسط تمنيات بأن تتفوَّق هذه الدورة على سابقاتها. ومع عرض مجموعة جديدة من الأفلام واستقبال ضيوفه من المخرجين والممثلين والمنتجين، يبرز حضورٌ ملحوظ للأفلام العربية.

خلال السنوات العشرين الأخيرة على وجه التحديد، تزايد ظهور الأفلام التي يحققها سينمائيون عرب في المهرجانات الدولية. بعض تلك المهرجانات صغير لم يسمع به كثيرون، لكن هناك أيضاً عدداً من مهرجانات الصَّفين الأول والثاني مثل «لوكارنو»، و«كارلوڤي ڤاري»، و«ڤينيسيا»، و«كان»، و«صندانس»، و«تورنتو»، وبالطبع «برلين»، الذي انطلق قبل يومين بدورة نشطة تستمر حتى 22 من الشهر الحالي.

على عكس المهرجان الفرنسي، لم يعكس مهرجان «برلين» اهتماماً كبيراً بالسينما العربية كافّة. نعم، عرض ليوسف شاهين فيلمه «باب الحديد» سنة 1958، وفي عام 1977 عرض للمخرج المغربي سهيل بن بركة فيلم «عرس الدم»، إلى جانب مختارات متباعدة. لكن في العقدين الأخيرين ارتفعت نسبة عروضه من الأفلام العربية أكثر مما كانت عليه سابقاً. شهدنا على سبيل المثال «نحبك هادي» للتونسي محمد بن عطية (2016)، و«بركة يقابل بركة» للسعودي محمود صبّاغ (2016)، و«تحقيق في الجنة» للجزائري - الفرنسي مرزاق علواش (2017).

العام الحالي، هناك ما يقارب 10 أفلام عربية تتوزع بين المسابقة (فيلم واحد) والأقسام والبرامج الرسمية الأخرى. من بين هذه الأفلام ما ينتمي إلى 4 سينمائيين بـ4 تجارب مختلفة تستحق التعليق، وهم ليلى بوزيد (تونس)، ومحمد حمَّاد (مصر)، ودانيال عربيد (لبنان)، وعبد الله الخطيب (فلسطين).

1- ليلى بوزيد

ليلى بوزيد هي ابنة المخرج التونسي نوري بوزيد، وتختلف عنه في أنها توجّهت في معظم أفلامها إلى الموضوعات العاطفية، في حين أن والدها كان أكثر اهتماماً بالقضايا الشائكة، شخصية كانت (مثل «ريح السد»، 1985) أو اجتماعية عامة (مثل «آخر فيلم»، 2006).

فيلمها الجديد «بصوت منخفض» (À voix basse)، يدور حول الفتاة الشابة (آية بوترعة) التي كانت تعيش حياتها الباريسية كما تريد، لكن مع عودتها إلى تونس لحضور جنازة عمها تجد نفسها محاطة بالتقاليد وبكثير من الأسئلة عن حياتها في العاصمة الفرنسية. بطلات أفلام بوزيد عادة ما يطلبن لأنفسهن ما لا ترضاه لهن التقاليد. هذا هو منوال «على حلّة عيني» (2015) و«مجنون فرح» (2021)، وهذا ما سنشاهده في هذا الفيلم.

2- محمد حمّاد

قبل 10 أعوام تعرَّفنا على المخرج المصري محمد حمّاد عبر فيلمه الممتاز «أخضر يابس» (Withered Green). حكاية شقيقتين تعيشان معاً. اختار المخرج الحديث أساساً عن الشقيقة الكبرى: امرأة فاتها سنّ الشباب وما زالت عزباء، تعمل في محل حلويات. يعبر المخرج عن وحدتها في مشاهد حانية وحزينة، سواء في القطار أو وهي تمشي وحدها فوق الجسر صوب الحي حيث تسكن. تدرك أنها لن تجد لنفسها مستقبلاً آخر، لكن ذلك لا يمنعها من محاولة تأمين زفاف شقيقتها الصغيرة ممن تحب. المشكلة أنهما وحيدتان، ولا يوجد سوى عمّين يمكن أن يمثلا «أهل العروس» إذا وافقا أو استطاعا ذلك.

من «خروج آمن» لمحمد حمّاد (نوماديس إيماجز)

بعد تلك السنوات العشر يُقدّم حمّاد فيلمه الثاني «خروج آمن» (Safe Exit). الموضوع مختلف، إذ يدور حول جريمة قتل وظروفها، ويتشعّب التحقيق إلى نقاط تجمع بين الشأنين الخاص والعام، حيث يحاول البطل معرفة السبب الذي دعا القاتل إلى فعلته، وما إذا كانت الدوافع اجتماعية أم دينية.

4 سينمائيين عرب و4 تجارب مختلفة تستحق التعليق

3- دانيال عربيد

إحدى الممثلات المشاركات في دور رئيس في فيلم «بصوت منخفض» لليلى بوزيد هي الفلسطينية هيام عباس، التي سنراها أيضاً في فيلم دانيال عربيد المعروض في قسم «بانوراما» بعنوان «لمن يجرؤ» (Only Rebels Win)، يعرض جديد المخرجة اللبنانية حكاية حب بين أرملة وحيدة (هيام عباس) وشاب سوداني (محمد أمين بن رشيد). تجد في الشاب، الذي يبحث عن عمل ويعيش في لبنان بلا إقامة شرعية، إشباعاً عاطفياً، في حين يجد هو في علاقتهما نوعاً من الاحتواء والملجأ من الفقر والخوف.

هيام عبَّاس في «بصوت منخفض» (أبوت بردكشنز)

اختارت دانيال منذ فيلمها الأول «معارك حب» (In the Battlefields) (2004)، موضوعات الهوية والعلاقات العاطفية المأزومة نفسياً. بطلاتها، عادة، بين علاقتين وهويّتين وبحثين في الحياة، كما نرى ذلك في «بيزوت أويل» (2011) و«باريسية» (2015) من بين أفلام أخرى. كما نرى ذلك في «بيروت أوتيل» (2011)، و«باريسية» (2015)، من بين أفلام أخرى.

4- عبد الله الخطيب

يأتي هذا الفيلم الفلسطيني في الوقت المناسب كونه يتحدث عن القضية الفلسطينية خلال حرب غزة، وبذلك يشكّل إضافة إلى أفلام حققتها مواهب عربية مثل كوثر بن هنية («صوت هند رجب»)، آن ماري جاسر («فلسطين 36»)، وعرب وطرزان ناصر («حدث ذات مرة في غزة»).

يتحدث فيلم الخطيب، وعنوانه «وقائع زمن الحصار»، عن شخصيات تعيش الوضع السائد في غزة عندما كانت الطائرات تدكّ المواطنين الآمنين بوحشية، وما يرافق ذلك من مخاوف وتحديات.

العنوان لافت، إذ إن المخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب كان قد أخرج سنة 2021 فيلماً تسجيلياً بعنوان مشابه هو «فلسطين الصغرى: يوميات حصار» عن مخيم اليرموك في دمشق والعزلة المفروضة عليه أيام الرئيس السابق بشار الأسد. لم يكن الفيلم جيداً، إذ اكتفى بالعرض مع نفحات من الدعاية الذاتية لشخص المخرج وما يستطيع أن يكشفه لمشاهديه. ليس لأن الموضوع لم يكن مهماً، بل لأن المعالجة بدت استغلالاً لغايات أخرى.


شاشة الناقد: فيلمان… ورؤيتان متناقضتان للإنسان والنجاح

«المنتجع الأخير» (آي آي فيلمز)‬
«المنتجع الأخير» (آي آي فيلمز)‬
TT

شاشة الناقد: فيلمان… ورؤيتان متناقضتان للإنسان والنجاح

«المنتجع الأخير» (آي آي فيلمز)‬
«المنتجع الأخير» (آي آي فيلمز)‬

THE LAST ‪RESORT‬ ★★★

• إخراج:‫ ماريا سودال‬

• الدنمارك | نال ذهبية مهرجان غوتنبيرغ الأخير

تطرح المخرجة سودال في فيلمها الثاني تساؤلاً حول ما إذا كان التواصل ممكناً بين الأوروبيين الذين يعيشون حياة رغيدة ويتمتعون بالمكتسبات الثقافية والاجتماعية، والمهاجرين القادمين من مناطق تعاني الفقر والحروب، وكيف يمكن لهذا التواصل أن يتحقق.

تصل عائلة مكوّنة من 4 أفراد (زوجان وابنتاهما) إلى جزيرة غران كناريا الإسبانية لقضاء عطلة، لا أكثر. لكن عندما يصدم الزوج بسيارته، في ليلة مظلمة، رجلاً أفغانياً، تقع المواجهة الأولى بين من يملك ومن لا يملك شيئاً، وكذلك بين ثقافتين يصعب أن تلتقيا. دنماركيون يعيشون، كسائر الإسكندنافيين، كما يُقدِّمهم الفيلم، في رخاء وابتعاد عن المشكلات الإنسانية، في مقابل فقراء يحاولون البقاء على قيد الحياة وسط ظروف صعبة.

مايكل زوج طيب ومتسامح، ينقل الجريح إلى المستشفى، ويكتشف لاحقاً أن المستشفى اكتفى بتنظيف جروحه ظاهرياً ثم تركه دون معالجة الالتهاب. يدافع عن الأفغاني في وجه موظفي الفندق الذين لا يريدون رجلاً فقيراً غير أبيض البشرة الدخول إلى الفندق. تنمو صداقة محدودة بين مايكل وأحمد، لكنها لا تستمر طويلاً؛ إذ يبدأ الأخير بإزعاج مايكل وعائلته بطلباته المادية. تقع مشاجرة، ثم نهاية مأساوية، وسؤال كبير: هل أخطأ مايكل حين تعاطف مع أحمد بوصفه إنساناً يحتاج إلى رعاية، أم أن أحمد استغل سذاجته وطمع في ماله؟

الأزمة هنا مزدوجة: واحدة بين العائلة وأحمد، وأخرى بين الزوجين. لكن الفيلم لا يتعامل مع هذا الطرح بشكل تقليدي أو نمطي، ومخرجته تدير الأحداث جيداً، باستثناء أنه لا يجيب عن السؤال الأهم الذي يطرحه ضمنياً. وفي النهاية يُلقي باللوم على الإسبان، مقابل تصوير الدنماركيين بوصفهم أكثر تفهّماً للحاجات الإنسانية.

MARTY SUPREME ★

• إخراج:‫ جوش صفدي

• الولايات المتحدة | أحد الأفلام المتنافسة على الأوسكار

«مارتي سوبريم» هو أسوأ فيلم بين كل ما يُعرض في مسابقات الأوسكار. يتناول قصة لاعب بينغ بونغ يُدعى مارتي (يؤدي دوره تيموثي شالاميه) يحقق انتصارات متتالية في هذه الرياضة، وكلَّما فاز ببطولة تضخَّمت نرجسيته وازداد غروره.

كان يمكن للفيلم أن يكون شيئاً مختلفاً. المشكلة ليست في تقنية التنفيذ من مشهد إلى آخر، بل في المفهوم الذي يحمله ويسعى إلى فرضه على المشاهد. المخرج جوش صفدي يقدِّم فيلماً أقرب إلى الاستعراض الذاتي، ومعالجته للحكاية تقوم على مبدأ: «انظروا إليَّ. أنا مخرج بارع».

«مارتي سوبريم» (A24)

في الوقت نفسه يُطبِّق المفهوم نفسه في رسم شخصية بطله: لاعب بينغ بونغ خارق المهارة يؤدي ضربات استعراضية غير منطقية، فيضرب الكرة بقدمه أو من أوضاع غريبة. لم يكن ينقصه سوى أن يضربها برأسه، أو وهو يقرأ كتاباً بعنوان: «كيف تكون نرجسياً لا يحبك أحد وتنجح».

المبدأ نفسه حاضر هنا؛ إذ لا يريد صفدي الاكتفاء بالتباهي بقدراته التي لا تدخل في قاموس الفن (ولا ننسى الإشادات التي أطلقها عليه معظم النقاد)، بل يعالج شخصيته الرئيسية على أساس أنها شخصية فظّة وأنانية، تعمل لمصلحتها وحدها، وتعامل الآخرين كما لو كانوا حشرات. هنا يكمن نصف المشكلة. أمّا النصف الآخر فيتمثل في أنه يطلب من المشاهدين أن يحبّوا هذه الشخصية رغم مساوئها، بل وبسببها أحياناً.

يبدأ الفيلم بمارتي صغيراً يملك صفات مميّزة عن أقرانه، ثم ينتقل من عام 1952 إلى السنوات اللاحقة. يعمل في متجر أحذية، ويقيم علاقة عاطفية مع صديقته في غرفة الأحذية داخل المتجر. لاحقاً يسافر إلى لندن ويرفض الإقامة في فندق صغير، مطالباً بالنزول في فندق «ريتز». يتحقق طلبه لأن السيناريو يريد ذلك، لفتح خط درامي بينه وبين ممثلة خفت بريقها (غوينيث بالترو). ترفض في البداية، ثم تلين عندما تراه يستخدم حذاءه في اللعب. ومن هنا يتوزع الفيلم بين نجاحه في كسبها ونجاحه في المباريات التي لا بد أن يفوز بها، لأنه «مختلف» عن الجميع.

شقيق جوش صفدي هو المخرج بيني صفدي الذي قدّم فيلماً أفضل بعنوان «الآلة الساحقة» (The Smashing Machine)، يؤدي فيه دواين جونسون دور مصارع لا يُشق له غبار. كلا الفيلمين مبني على شخصيات حقيقية، لكن فيلم بيني صفدي يخلو من الإفراط في تمجيد شخصية مغرورة، ويركّز على انحدار بطله، بينما يقدّم فيلم جوش شخصية سيئة، ويطلب من الجمهور التعاطف معها.

الفيلم مستوحى من شخصية حقيقية تُدعى مارتي رايزمان، لكنه يكتفي بحدٍّ أدنى من سرد سيرته؛ لذلك لا يقدّم سيرة ذاتية متكاملة، بل يكتفي باستعارتها وتوظيفها ضمن أحداث خيالية. وهذا مقبول من حيث المبدأ، لأن الفيلم لا يدّعي الالتزام بسيرة شخص بعينه، لكن المعالجة المعتمدة هنا لا تطمح إلا إلى تقديم حكاية ذات غايات دخيلة.

وبما أن الفترة التي تجري فيها الأحداث (الخمسينات) قريبة زمنياً من حقبة زُجّ فيها اليهود في المعسكرات ثم أُرسلوا إلى الأفران، كان يمكن، مثلاً، بناء معالجة تلامس تجربة بعض الناجين وهم يروون ما مرّوا به. وبما أن مارتي يهودي، فلم لا نحشد له كل مقوّمات الفرادة رغم تحميله الصفات الأنانية كلها؟!

في المحصلة، كلما حاول المخرج تلميع شخصيته الرئيسية، زاد نفور المشاهد منها، وكلما سعى إلى صنع فيلم أخلاقي ظاهرياً، قدّم صورة كاريكاتيرية لشخص ربما كانت حياته الحقيقية أكثر قيمة مما ظهر على الشاشة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
TT

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» (It Was Just an Accident) مهرجانات عديدة (39 مهرجاناً بالتحديد)، حصد فيها، وفي مناسبات احتفائية أخرى، ما يزيد على 35 جائزة. ما هو بالقدر نفسه من الأهمية أن الفيلم (الذي دخل مسابقتي بافتا والأوسكار أيضاً) تربَّع في قوائم عشرات النقاد حول العالم بوصفه واحداً من أفضل أفلام السنة الماضية.

حين شاهد الناقد كاتب هذه السطور الفيلم خلال عرضه في ذلك المهرجان، تبلور لديه تأثير سلبي مردُّه تكرار مشاهد أكثر من التقدّم بها فعلياً، ما جعل الفيلم يبدو حوارياً أكثر منه حدثياً. كذلك لم يكن بإمكان بناهي (على الأرجح) أن ينبري لتحقيق فيلم يقطع المسافة كاملة ما بين الإيحاء والاتهام، بانياً نهاية فيلمه على أساس أن المجموعة التي اختطفت رجلاً لاعتقادها بأنه هو من كال لهم التعذيب في أحد سجون طهران بناءً على مواقفهم السياسية عادت عن اعتقادها في النهاية وتركت الرجل وشأنه.

المخرج جعفر بناهي (MK2 بيكتشرز)‬

مخرج وحيد

أبقى المخرج الدراما دون مستوى التفعيل. هذا القرار يلتقي تلقائياً مع أفلامه السابقة مثل «تاكسي» و«هذا ليس فيلماً» و«دائرة»، ومع أسلوب عمله. من هذه الزاوية يلتقي وأسلوب الراحل عبّاس كياروستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن هذا الالتقاء لا يتجاوز الهامش العريض لأن لكل واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص ضمن ذلك الأسلوب العام.

في حين أن تقتير الدراما في أفلام بناهي قد لا يلتقي وحب كثيرين (بينهم هذا الناقد) لسينما تجمع حسنات العناصر الفنية كاملة (سيناريو وتصوير وتمثيل وتوليف وموسيقى وإخراج شامل مع تصميم فني ملتحم وفاعل)، غير أنه تعبير ذاتي ليس فقط في المضمون، بل في طريقة توظيف اللغة السينمائية المستخدمة أيضاً.

بناهي هو المخرج الوحيد عالمياً الذي خرج من المهرجانات الرئيسية الأربعة، كان و«برلين» و«ڤينيسيا» و«كارلوڤي ڤاري»، بجائزة أولى من كل واحد منها: «البالون الأبيض» نال جائزة «الكاميرا الذهبية» في 1995، و«الفهد الذهبي» في «لوكارنو» عن «المرآة» 1997، و«الأسد الذهبي» في مهرجان «ڤينيسيا» عن «الدائرة» سنة 2000، و«الدب الذهبي» في مهرجان «برلين» عن «تاكسي» (2015).

ألا يُنظر إلى هذا الإنجاز بتقدير كبير هو نوع من الجهل أو التجاهل، لكن حقيقة أن كل واحد من هذه الأفلام (لجانب «مجرد حادثة») ارتبط بموقف سياسي ضد السلطة الإيرانية تساهم في طرح سؤال حول ما إذا كانت الجوائز سياسية أكثر منها فنية، خصوصاً حين النظر إلى ما عرضه كل مهرجان من أفلام في السنة التي شهدت عرض أحد أفلام بناهي. القول إنه لم يكن هناك أفلام أفضل صُنعاً هو بدوره غير صحيح.

كمثال لا بدّ منه، هل كان «تاكسي» فعلاً أهلاً للجائزة؟ فيلم عن بناهي يقود سيارة تاكسي يصعد إليها ويخرج منها زبائن، كلّ يحكي شيئاً عن نفسه؟ هل يبرر الموقف السياسي الغربي (إليه ينتمي معظم أفراد لجان التحكيم) منح هذه الأفلام الجائزة الكبرى، أم أن هناك بنوداً غير معلنة تتبعها بعض هذه المهرجانات؟

«ذهب قرمزي» (جعفر بناهي برودكشنز)

جوانب شخصية

كثيراً ما وصف بناهي أفلامه بأنها «مجتمعية وليس سياسية» رغم أن الخيط رفيع بين هذين الجانبين، طالما أن ما طرحه في تلك الأفلام، وفي أخرى من بينها «ذهب قرمزي» (2003)، لا يعرض لما تفضّل السلطة أن تراه، بل لما يريد هو عرضه عن حالات الناس في بلده.

«ذهب قرمزي» (Crimson Gold) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في «كان» في سنة إنتاجه، هو الوحيد بين أفلامه الذي يختلف في طريقة سرده مقترباً من تفعيل الأحداث حسب وقائع درامية وليس وصفية. فيلم ممتاز من حيث حبكته (شاب في مواجهة فساد شائع ما يدفع به لارتكاب جريمة) وينتمي إلى السنوات الأولى من مهنة المخرج، تلك التي كان يعمل فيها على ملاحقة قضايا إنسانية. لاحقاً، ومنذ «هذا ليس فيلماً» (2011)، وهو ينتقي أن يتكلم ذاتياً حتى عندما يضع في البطولة ممثلين آخرين كما الحال مع «ستارة مسدلة» (Closed Curtain) في 2013.

الفيلم المحتفى به حالياً حُقِّق بعد السماح لبناهي بالإخراج والسفر، لكن بناهي صوّر الفيلم بلا إذن رقابي، مدركاً أنه لن يحصل عليه لو تقدّم بالسيناريو إلى الجهات المعنية. هذا ما أعاده إلى دائرة المواجهة مع السلطة التي تنتظر عودته إلى البلاد لمحاكمته (حالياً متنقّلاً ما بين أوروبا والولايات المتحدة، منتظراً نتائج جوائز بافتا والأوسكار).

يتكلم «مجرد حادثة» عن سنوات التعذيب في السجن. ليس حكاية ذاتية كون بناهي لم يدخل بنفسه هذه التجربة، بل عبر شخصيات خرجت بذاكرة موجوعة مما حدث لها، وعندما يُتاح لها خطف من اعتقدت أنه هو الذي كان يعذّبها تبحث في أمر تعذيبه أو قتله. لكنها في النهاية ليست موقنة بأنه الفاعل، والفيلم يترك شخصياته من دون يقين، وكذلك جمهوره.

ما لم يدخل في اعتبار السلطة والرقابة الإيرانية حين توعَّدت بمعاقبة المخرج (وألقت القبض مؤخراً على محمد محموديان، أحد المشاركين في كتابة السيناريو) حقيقة أن الفيلم يصوّر شخصياته التي تريد الانتقام في ضوءٍ اتهاميٍ مماثل. ليس فقط على أساس أنهم في النهاية ليسوا واثقين من الرجل الذي كاد أن يموت بين أيديهم، بل أيضاً لأنهم شخصيات ذات عواطف هشّة وبلا خصال يمكن الإعجاب بها. يحملون قضية، لكنهم أقل قدرة على الدفاع عنها. من ناحية يضع بناهي أبطاله في موقع الضحية، وفي ناحية أخرى لا يرفعهم إلى درجة منحهم حق الانتقام، ويتركهم في النهاية بعيدين عن قرار بعدما دخلوا التجربة بثقة وخرجوا منها ملتبسين.