«الشرق الأوسط» ترصد أبرز منابع الهجرة الأفريقية نحو «الفردوس الأوروبي»

«تجارة الموت» تحصد آلاف القتلى يومياً وضحاياها من المغرب وتونس والجزائر وليبيا ... والقارة السمراء

عشرات الأفارقة داخل زورق صغير في المتوسط (أ.ف.ب)
عشرات الأفارقة داخل زورق صغير في المتوسط (أ.ف.ب)
TT

«الشرق الأوسط» ترصد أبرز منابع الهجرة الأفريقية نحو «الفردوس الأوروبي»

عشرات الأفارقة داخل زورق صغير في المتوسط (أ.ف.ب)
عشرات الأفارقة داخل زورق صغير في المتوسط (أ.ف.ب)

كل يوم تقريباً، يموت مهاجرون أفارقة خلال محاولة التسلل عبر الأسلاك الشائكة، في حين يموت آخرون غرقاً عند ركوبهم البحر، وكلهم أمل في الوصول الى الضفة الغربية، التي يرون فيها وسيلتهم الوحيدة للهرب من الفقر، والبطالة، وذل الاحتياج.
وقبل أيام فقط، دقت منظمات متخصصة، وعلى رأسها المنظمة الدولية للهجرة، ناقوس الخطر بخصوص تنامي الظاهرة، دون أن تحدد بشكل صريح المسؤولين عن حدوث هذه الفظاعات. لكن بعض المتخصصين في قضايا الهجرة يجمعون على أن المسؤول الأول عن الفظاعات المهولة التي يتعرض لها المهاجرون الأفارقة في عرض البحر المتوسط هي عصابات تهريب البشر، وتقاعس بعض الحكومات عن أداء دورها لحمايتهم.
من الكاميرون، والنيجر، والسينغال ودول أخرى، تبدأ رحلة سفر هؤلاء المهاجرين نحو المجهول... رحلة غالباً ما تكون برية طويلة وشاقة ومحفوفة بالمخاطر، حيث يسقط بعضهم في أيدي عصابات متخصصة تستولي على أموالهم، وتعنّفهم وتقتلهم في بعض الأحيان، ومنهم من تتخلى عصابات تهجير البشر عنهم وسط الصحاري بعد الاستيلاء على كل ما يملكون من أموال وزاد ليموتوا جوعاً وعطشاً. أما القلة القليلة التي تتمكن من الوصول إلى المغرب أو تونس أو ليبيا أو الجزائر، فغالباً ما ينتهي بها المطاف في أعمال السخرة، وفي ظروف قاسية أشبه ما تكون بالعبودية، حيث يتم استغلالهم في أعمال البناء والزراعة والأشغال المضنية، مقابل مبالغ زهيدة لا تضمن حتى الحد الأدنى من العيش اللائق. وعندما يتمكنون في آخر المطاف من توفير بعض المال لضمان مقعدهم داخل أحد «مراكب الموت»، المتجهة إلى أوروبا يكتشفون، بعد فوات الأوان، أنهم وقعوا ضحية عملية نصب واحتيال، وأن قائد المركب انتقل بهم من وجهة بحرية إلى أخرى، لكن داخل البلد نفسه.
«الشرق الأوسط» انتقلت إلى أماكن عيش هؤلاء المهاجرين في تونس، والمغرب، والجزائر، وليبيا، ومصر، ورصدت ظروف عيشهم، ومعاناتهم اليومية، وأسباب هربهم من بلدهم، وحاورت متخصصين ومسؤولين في مجال الهجرة غير الشرعية، وخرجت بالتحقيق التالي:

طريق المهاجرين عبر ليبيا... رحلة شقاء مصيرها الموت

ليبيا

القاهرة: جمال جوهر

أبقت الأوضاع الإنسانية السيئة لمهاجري سفينة «نيفين»، التي اقتحمتها السلطات الأمنية الليبية قبالة ساحل مدينة مصراتة (شمال غربي البلاد)، منتصف الأسبوع الماضي، الباب مفتوحاً حول طبيعة تدفق أفواج المهاجرين غير النظاميين القادمين إلى ليبيا، وزادت من حدة التساؤلات عن المسارات التي يسلكها آلاف القادمين من دول أفريقية وآسيوية، أملاً في الانتقال إلى «جنة أوروبا الموعودة».
وتعكس حياة 79 مهاجراً، كانوا على السفينة التي تحمل علم بنما، وتم إنزالهم بـ«القوة»، أوضاعاً إنسانية «بالغة الصعوبة»، وتكشف المعاناة التي عاشوها لدخول ليبيا، إلى أن استقر بهم المقام حالياً في مركز إيواء مصراتة بمنطقة الكراريم، انتظاراً لترحليهم من قبل السلطات الليبية إلى بلدانهم مرة ثانية، الأمر الذي يصفه محمود علي الطوير، المستشار بالأكاديمية العربية الأوروبية للدراسات الاستراتيجية في حديث إلى «الشرق الأوسط» بـ«الرحلة القاتلة... الفائز الأول فيها عصابات التهريب».
وقال المواطن الصومالي ترويجي أحمد، أحد المحتجزين لدى مركز إيواء في مدينة جنزور، إنه «ترك وراءه أسرة كبيرة في بلاده، وجاء إلى ليبيا بهدف العمل حتى يتمكن من الهجرة إلى أوروبا»، مؤكدا أنه أنفق مالاً كثيراً لوسطاء نظير نقله عبر الحدود الليبية.
ومضى ترويجي يقول، وفقاً لمصدر أمني «دفعت 10 آلاف دينار ليبي أخرى إلى بعض الأفراد كي يساعدوني في الانتقال إلى الساحل، لكن قبل الوصول إلى هناك قبض علي مع عشرة آخرين».
وحكاية المواطن الصومالي وغيره من المهاجرين من جنسيات مختلفة، أكدها العقيد عبد السلام عليوان، مدير إدارة الفروع بجهاز الهجرة غير الشرعية، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» بقوله إن «الأوضاع المعيشية الصعبة بالقرن الأفريقي باتت تدفع آلاف المهاجرين لترك بلادهم، بحثاً عن جنة أوروبا كما يتوهمون... لكن للأسف يقعون فريسة لعصابات التهريب»، متابعاً «نحن في ليبيا نتضرر كثيراً من هذه الأفواج التي لا تنقطع».
وتقول المنظمة الدولية للهجرة إنه مع قرب انتهاء العام الحالي وصل أكثر من 22541 مهاجراً إلى إيطاليا بحراً منذ يناير (كانون الثاني). لكن ما زال كثير من المهاجرين يلقون حتفهم في حوادث غرق زوارق مطاطية غير آمنة تحمل عدداً أكبر من حمولتها. كما أوضحت المنظمة أن 1277 مهاجراً غرقوا في البحر المتوسط هذا العام حتى الآن، مقارنة بـ2786 في نفس الفترة من العام الماضي.
ويعبر آلاف الحالمين بـ«الجنة الموعودة» إلى الحدود الليبية، عبر سبعة مسارات، كما يقول الطوير الذي يوضح أن «الهجرة غير الشرعية إلى ليبيا تنطلق من دول أفريقيا وشرق آسيا، بالإضافة إلى بعض دول المغرب العربي... أحيانا تكون طرق دخولهم إلى الأراضي الليبية بشكل قانوني، عبر المنافذ والمعابر الشرعية. لكن بعد استقرارهم في ليبيا، يبدأون في التخطيط والبحث عن طرق لتهريبهم عبر البحر».
وكانت قوات الشرطة، التابعة لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس، قد استخدمت الرصاص المطاطي لإجبار 79 مهاجراً من السودان وجنوب السودان، والصومال، وباكستان، وبنغلاديش، وإثيوبيا، على إخلاء سفينة «نيفين»، الأسبوع الماضي، بعد فشل مفاوضات أجرتها معهم البعثة الأممية لدى ليبيا، وأودعوا مركز إيواء بمصراتة لحين تسفيرهم إلى دولهم.
وأنقذت السفينة (نيفين) هؤلاء المهاجرين، وغيرهم، قبالة الساحل الليبي، بينما كان قاربهم على وشك الغرق، ونقلتهم إلى ميناء مصراتة. ولدى وصولها نزل 14 منهم طواعية. لكن الباقين (92 منهم) رفضوا النزول من السفينة. وقال مصدر أمني إن عدداً من هؤلاء المهاجرين قضوا سنوات في السجون الليبية، لأسباب مختلفة، مشيراً إلى أن «الأوضاع الإنسانية السيئة التي يعيشونها في بلدانهم تدفعهم للمخاطرة بالهجرة إلى أوروبا، وترغمهم على التعامل مع عصابات الاتجار في البشر، ودفع أموال كثيرة».
وأضاف المصدر، الذي رفض ذكر اسمه لأنه غير مخول له الحديث إلى الإعلام: «عندما يتم إخضاع هؤلاء المهاجرين إلى جهات التحقيق نكتشف أن أوضاعهم غير الإنسانية في بلادهم صعبة للغاية... وتبقى ليبيا هي الضحية لأنها دولة عبور، وليست طرفاً في هذه أزمة المهاجرين».
وذهب المصدر ذاته إلى أن كثيرين من المهاجرين، الذين يتمكنون من دخول البلاد عبر عصابات التهريب، ينخرطون في أعمال المعمار والمقاولات، أو العمل في المزارع، وبعد تجميعهم ما يلزم من مصاريف نقلهم إلى أوروبا، ينقطعون عن العمل. وتابع موضحا «نعثر على جثث بعضهم غرقى بعد انتشالها من البحر المتوسط، وآخرون يتم إدخالهم مراكز الإيواء، ومن يهرب منهم يبدأ مشوار التفكير في الهجرة عبر البحر مجدداً».
ويضيف الطوير، المستشار بالأكاديمية العربية الأوروبية، أن «هناك مهاجرين يدخلون ليبيا عبر الصحراء على مراحل عدة. وغالبا تكون الفئات العمرية من الشباب المغامرين بحياتهم لأجل البحث عن حياة أفضل وبحسب أحلامهم».
كما كشف الطوير أن «أغلب أفواج المهاجرين عبر الحدود تتمركز لدى عصابات تجار البشر في الصحراء الشاسعة»، لافتاً إلى أنه جرت تحقيقات لمكتب النائب العام الليبي مؤخراً حول أماكن تجميع هؤلاء المهاجرين، وهي جنوب العاصمة طرابلس في منطقة الشويرف، وبني وليد.
ورأى الطوير في ختام حديثه إلى «الشرق الأوسط» أن أماكن تجميع هؤلاء المهاجرين تقتصر على المدن والبلدات المهمشة، التي تفتقد إلى الأمن، مما يجعل عصابات التهريب تتحكم هناك وتسود.
وسبق للتقرير الأخير لفريق خبراء الأمم المتحدة اتهام لواء «سبل السلام»، التابع للجيش الليبي بمكافحة الاتجار على الحدود بين ليبيا والسودان، بالتورط في عملية تهريب المهاجرين. وقال فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة في تقريره إلى رئيس مجلس الأمن إن «لواء سبل السلام يوفر الحراسة لقوافل المهاجرين من الحدود مع السودان، مقابل عشرة آلاف دينار ليبي لكل شاحنة صغيرة، كما يحتجز اللواء المهاجرين لابتزازهم».
ونقل الفريق الأممي عن محمد عبد الفضيل، رئيس مركز إيواء المهاجرين غير الشرعيين بالكفرة وجود «سبعة مسارات للهجرة من تشاد والسودان إلى ليبيا عبر أوروبا ومصر»، لافتاً إلى أن «الميليشيات المسلحة تعد جهات فاعلة في شبكات التهريب عبر حماية قوافل المهاجرين، خاصة عبر الكفرة وتازربو وبني وليد».
وانتهى مدير مركز الاحتجاز إلى أن «ما بين 800 و1000 مهاجر يدفعون ما مجمله نحو خمسة آلاف دولار يومياً»، مبرزا أن «الهجرة غير النظامية تؤجج الفوضى في ليبيا».

عائلات تبكي أبناءها بعد ركوبهم «قوارب الموت» لملاقاة «الحلم الأوروبي»

الجزائر

الجزائر: بوعلام غمراسة

أصبحت عين تيموشنت (300 كيلومتر غرب العاصمة الجزائرية)، التي زارتها «الشرق الأوسط»، من أكثر المناطق تصديراً لـ«الحراقة» (المهاجرون غير الشرعيين) خلال السنوات الأخيرة. وفيها تبكي عدة أمهات أبناءهن الذين غادروا المنطقة منذ سنوات دون أن يظهر عنهم أي خبر، فيما اتصل آخرون بذويهم لإعلامهم بأنهم تمكنوا من الوصول إلى إسبانيا أو فرنسا.
وفي اتصال مع أحد هؤلاء «الحراقة» في حي بارباس روششوار الباريسي، الذي بات يشتهر بأنه مأوى للمهاجرين الجزائريين غير الشرعيين، قال: «ركبت القارب من بلدة بوزجار (مستغانم) ودامت الرحلة 24 ساعة، قبل أن أصل إلى إسبانيا ومنها سافرت إلى فرنسا. لا تصدقوا من يقول لكم إننا نعاني الفقر في أوروبا. فنحن نشتغل من حين لآخر، ونوفر ما يلزمنا من مأكل وملبس وحتى تأجير شقق مشتركة فيما بيننا، وفي كل الأحوال حالنا أفضل مما كنا عليه في الجزائر».
وفي بدلس، كبرى مدن ولاية بومرداس (شرق) الساحلية، التقينا عائلة كشاش التي تعيش قلقا بالغا منذ أن غادر طفلاها كريم وعبد الجليل البيت راكبين «قارب الموت»، برفقة 5 آخرين من أبناء دلس.
«كان ذلك قبل عام، وقد اتصل بنا شخص من إسبانيا يقول إنه جزائري، وإنه التقى كريم وعبد الجليل هناك وإنهما يعملان»، بحسب رواية والديهما الذي أضاف بنبرة متشككة: «لكني لا أصدق ما سمعته، فلو كانا بخير لاتصل بي أحدهما بنفسه».
وقبل أيام قليلة أعلن في الجزائر عن العثور على جثتي غريقين في البحر المتوسط، بالقرب من سواحل إيطاليا، وتم التأكد من أن الأمر يتعلق بشابين من 10 مهاجرين سريين، غادروا الجزائر منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، طمعا في عيش أفضل في أوروبا. لكن هذه القصص المأساوية لا تعد حالات معزولة؛ إذ تشهد عدة مدن ساحلية جزائرية هجرة العشرات يوميا، عبر قوارب تقليدية كثير منها تتعطل محركاتها في منتصف الطريق.
ويتحدر الشباب العشرة من حي الريس حميدو بالضاحية الغربية للعاصمة، واتفقوا مع مالك قارب تقليدي بعنابة (600 كلم شرق العاصمة)، على «الإبحار» من هذه المدينة الأقرب إلى جزيرة سردينيا قياسا إلى العاصمة.
وقال أفراد من عوائلهم في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إنهم ظلوا من دون أخبار عن مصيرهم لأيام، قبل أن تصل إليهم معلومات بأن محرك القارب الذي حملهم توقف بسبب عطب، عند اقترابه من سردينيا. ولما عجز صاحب القارب عن إعادة تشغيل المحرك، قفز 5 من المهاجرين إلى البحر لإكمال الرحلة سباحة، حسب شقيق مهاجر مفقود كان تحدث بحرقة لـ«الشرق الأوسط»... «صراحة لا نعرف إن كانوا وصلوا إلى الساحل، كما لا نعرف ما جرى لمن بقوا في القارب... يجب أن ننتظر نتائج البحث التي بدأها خفر السواحل الإيطالي، ولكني بصراحة لست متفائلا بشأن العثور عليهم أحياء، فقد شهدنا مثل هذه الحوادث عدة مرات في السنوات الماضية، ونادرا ما عاد مهاجرون سالمين، في حال تعطل القارب في الطريق».
وتتراوح أعمار «الحراقة» العشرة بين 26 و35 سنة، وخططوا للهجرة السرية من دون إبلاغ أي من أفراد عائلاتهم، ما عدا أم عبد الفتاح التي كانت على دراية بالمشروع، والتي قالت وهي تشعر بقلق بالغ على ابنها: «لقد صارحني بأنه جمع مبلغا من المال يسمح له بقطع البحر. حاولت ثنيه لكني عجزت، فقد تحجج بفقدان الأمل في الجزائر، وبأن مساعيه للبحث عن عمل استمرت لعشر سنوات دون جدوى، ونتيجة لذلك وجدت نفسي شبه مقتنعة بأن أوروبا هي خلاصه، رغم أنني كنت أسمع بهلاك شباب في مقتبل العمر في عرض البحر، وهم يحاولون اللحاق بالضفة الشمالية».
وقال محمد الناشط بـ«الهلال الأحمر» الجزائري، إن رفاقا للمهاجرين العشرة من الحي نفسه، شجعوهم على الهجرة، بعد أن سلكوا الطريق نفسها ووصلوا إلى أوروبا بسلام، وقد تحدثوا إليهم من إيطاليا عبر «سكايب».
وأفاد محمد بأن تكاليف حجز مكان في قارب الهجرة، تصل إلى 300 ألف دينار جزائري (نحو 2700 دولار أميركي)، حسب شهادة أشخاص خاضوا التجربة المريرة، وقد ترتفع القيمة في فصل الصيف لأن البحر يكون هادئا، وبالتالي تكون مخاطر الرحلة أقل. وفي معرض حديثه عن دوافع هؤلاء الشبان للهجرة وبلوغ «الحلم الأوروبي»، يقول أستاذ علم الاجتماع ناصر جابي: «هجرة الشباب بكثرة، وفي ظروف محفوفة بالمخاطر، تعكس واقعا لا يمكن إخفاؤه، وهو أنه لم يعد هناك حلم جزائري يدفع الشباب إلى البقاء في البلاد. وهي دليل على فشل سياسات النظام الحالي الذي شجع كل فئات المجتمع على التفكير في الهجرة... الفقير يركب القوارب، والمتعلم يطلب تأشيرة السفر للدراسة في الخارج، وحتى المسؤول الكبير يفضل الهروب بعد تحويل أمواله وشراء عقارات في الخارج».

المهاجرون الأفارقة في المغرب: مسار شاق باتجاه «القارة العجوز»

المغرب

الرباط: لطيفة العروسني الدار البيضاء: لحسن مقنع

تنقذ وحدات خفر السواحل التابعة للبحرية الملكية في المغرب، بشكل شبه يومي، مهاجرين سريين أغلبهم من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، من الغرق في عرض سواحل مدن الناظور، والحسيمة، والفنيدق، وطنجة (شمال البلاد)، في حين يلاقي المئات حتفهم غرقاً وهم يحاولون عبور المتوسط نحو أوروبا.
وخلال شهر سبتمبر (أيلول) الماضي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي مشهد غير مألوف، فيديوهات تصور عمليات الهجرة السرية، صوّرها المهاجرون أنفسهم بهواتفهم المحمولة، وهم في عرض البحر على متن قوارب تكدس فوقها العشرات. وبذلك، لم تعد «رحلات الموت» سرية، بل موثقة وكأن الأمر لا يتعلق بمخاطرة بالحياة، بل بنزهة بحرية؛ وهو ما أثار علامات استفهام كثيرة، وأعاد إلى الواجهة الحديث عن ظاهرة «قوارب الموت» التي كانت قد تراجعت بشكل كبير خلال السنوات العشر الماضية.
وقال محمد بن عيسى، رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان، لـ«الشرق الأوسط»: إن «المغرب بلد عبور مهم للمهاجرين المتحدرين من دول جنوب الصحراء، الذين يعتبرون الحدود المغربية - الجزائرية المنفذ الرئيسي لهم نحو المغرب، والذين تزايد عددهم منذ اعتماد المغرب سياسة جديدة في مجال الهجرة تنطلق من البعد الإنساني، والتي عملت من خلالها على تسوية وضعية عشرات الآلاف من المهاجرين للإقامة بالمغرب... وهو ما أدى إلى تصاعد عددهم بشكل كبير، وبالتالي خلق ضغطاً على الحدود الشمالية، مع ظهور حالات معدودة للاجئين من دول الشرق الأوسط وآسيا».
يتخذ المهاجرون السريون الغابات الموجودة قرب المدن الساحلية القريبة من مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين ملجأً لهم، في انتظار فرصة العبور إلى أوروبا، ويعيشون هناك لأشهر في ظروف تصفها الجمعيات الحقوقية بأنها مأساوية وغير إنسانية. كما يوجد عدد كبير من المهاجرين في المدن الكبرى، مثل الرباط والدار البيضاء.
ويتصدر السنغاليون قائمة الجنسيات التي تعيش في الغابات المجاورة لسبتة بـ50 في المائة، متبوعين بالغينيين بـ22 في المائة، ثم الغامبيين بـ10 في المائة، والماليين بالنسبة نفسها، ومن كوت ديفوار بـ5 في المائة، وأخيراً الكاميرونيون بـ3 في المائة.
لكن رحلات الموت هذه لا تقتصر على المهاجرين الأفارقة فحسب، بل تشمل أيضاً أفواجاً كثيرة من الشباب المغربي الراغب في معانقة الضفة الأخرى، بعدما ظهرت قوارب سريعة لتجار المخدرات تنقل المهاجرين مقابل مبالغ مالية كبيرة، وأغلب هؤلاء الشباب تتراوح أعمارهم بين 13 و30 سنة، يمثلون مختلف مدن المغرب.

حملات ترحيل المهاجرين

في هذا الصدد، يقول عمر الناجي، مسؤول فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في الناظور: إن حملات ترحيل المهاجرين تضاعفت بعد أواخر يونيو (حزيران) 2018، وتوسعت لتشمل مدينتي طنجة وتطوان ومناطق أخرى من الشمال؛ حيث بلغ عدد المرحلين، حسب تقديرات المتتبعين وجمعيات المهاجرين، أكثر من 6500 شخص.
لكن الجمعية انتقدت «السياسة الأمنية الأوروبية، التي تستمر في ممارسة الضغط على الدول الأفريقية، بالخصوص، لمنع المهاجرين من الوصول لأوروبا، وتعقيد شروط تحقيق ذلك»، على اعتبار أن «الهجرة حق مشروع تضمنه كثير من المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ولا سبيل لتجريم الحق في التنقل».
ومنذ يوليو (تموز) الماضي قامت السلطات المغربية بترحيل مئات المهاجرين الأفارقة من المناطق الساحلية للمتوسط إلى داخل وجنوب البلاد. وحسب مصدر أمني، فإن هذه الحملة استهدفت الأفارقة، الذين لا يتوفرون على بطاقة إقامة في المغرب. إضافة إلى الأفارقة الذين حصلوا على بطاقات الإقامة في مدن أخرى كالدار البيضاء والرباط وأغادير، والذين تنقلوا إلى المدن الشمالية على الساحل الأطلسي بهدف تحيّن فرص العبور إلى أوروبا. مشيراً إلى أن الكثير منهم أصبحوا يعيشون ظروفاً صعبة في ضواحي الناظور وطنجة، في انتظار فرص قد لا تأتي للعبور إلى الضفة الأخرى.
وفي سياق عودة حكايات «قوارب الموت» بين المغرب وإسبانيا إلى واجهة الأحداث خلال الأسابيع الأخيرة، قررت السلطات الإسبانية تنفيذ اتفاقية قديمة بين المغرب وإسبانيا، تتعلق بإعادة ترحيل المهاجرين غير القانونيين الذين يصلون عبر السواحل الإسبانية إلى المغرب، في حال ثبوت أنهم جاؤوا عن طريق المغرب.
يأتي ذلك في وقت ارتفع فيه ضغط المهاجرين الأفارقة على الحدود الإسبانية - المغربية بشكل غير مسبوق منذ يونيو الماضي. وفي هذا السياق، أوضح تقرير صدر الأسبوع الماضي عن وكالة الأمم المتحدة للهجرة، أن 51 ألف مهاجر من بين 104 آلاف مهاجر، وصلوا إلى أوروبا بحراً منذ بداية العام الحالي دخلوا من السواحل الإسبانية، وهو رقم أعلى من مجموع أعداد المهاجرين، الذين وصلوا السواحل الإسبانية خلال السنوات الثلاث الأخيرة مجتمعة. لكن خلال هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر فقد العشرات حياتهم. وحسب مرسيل أمييتو، رئيس نقابة العمال الأفارقة في المغرب، فإن هذا الارتفاع القوي في عدد ضحايا قوارب الموت ناتج بالأساس من وجود خطاب رائج لمن سماهم بـ«بائعي الأوهام»، الذين نجحوا في إقناع المهاجرين الأفارقة بأن وراء البحر تنتظرهم «الجنة».

مسار الرحلة إلى المغرب وكلفتها

كشف تقرير المرصد الحقوقي، عن أن 55 في المائة من المهاجرين دخلوا البلاد عن طريق الحدود الجزائرية - المغربية، وهو مسار طويل يستغرق بين شهر وستة أشهر للوصول إلى المغرب، وقد أكد عدد من المهاجرين أن رحلتهم غير آمنة، وأن الكثير منهم يلقون حتفهم في الصحراء، أو يتعرضون لاعتداءات العصابات التي تنشط بالمنطقة، والتي ترغمهم على دفع إتاوات مقابل السماح لهم بالعبور. كما يتم استغلالهم في العمل لساعات طويلة مقابل أجور زهيدة. في حين عبر 35 في المائة؜ منهم عن طريق الحدود الموريتانية - المغربية التي لا تكلف سوى بضعة أيام، وغالباً لا تتجاوز الأسبوع، و10 في المائة فقط هم من وصلوا إلى المغرب عن طريق الجو.
وحدد 50 في المائة من الأشخاص كلفة السفر من بلدانهم الأصلية إلى المغرب بما بين 500 يورو وألف يورو، وحدد 30 في المائة؜ منهم كلفتها بأقل من 500 يورو، بينما حدد 20 في المائة كلفة السفر بأكثر من 1000 يورو.
وبخصوص ظروف عيش هؤلاء المهاجرين، أوضح التقرير أن 65 في المائة منهم يقيمون في كهوف أو خيام بلاستيكية داخل الغابات المحيطة بمدينة سبتة المحتلة، في حين أوضح 25 في المائة من المهاجرين الجنوب صحراويين أنهم يقيمون في مساكن جماعية، غالباً في مدينتي طنجة والفنيدق، في حين حدد 10 في المائة مكان إقامتهم بمساكن فردية.
وفي حين عبّر 65 في المائة من المهاجرين عن رغبتهم في متابعة الهجرة إلى أوروبا، عبّر30 في المائة عن استعدادهم للإقامة بالمغرب بصفة نهائية، في حال توفر العمل وتحسن ظروفهم المعيشية، بينما عبر 5 في المائة فقط عن رغبتهم في العودة إلى بلدانهم في حال تمكينهم من مساعدات مالية، تمكنهم من إنجاز أنشطة تجارية في بلدانهم الأصلية.
وحسب التقرير ذاته، رأى 60 في المائة من المهاجرين أن أفضل مسار نحو الجنوب الإسباني يبقى عن طريق «قوارب الموت»؛ وذلك بسبب تكثيف المراقبة الأمنية المغربية - الإسبانية حول سياجات المدينة عبر دوريات المراقبة اليومية. كما أن الكثير من المحاولات التي كان ينظمها المهاجرون في مجموعات كبيرة من أجل تسلق السياجات تبوء بالفشل، ويترتب عنها إصابات بليغة في صفوفهم.
وأعلن نور الدين بوطيب، الوزير المنتدب في وزارة الداخلية المغربية، مؤخراً، أن المغرب تمكن حتى نهاية سبتمبر الماضي من إحباط نحو 68 ألف محاولة للهجرة غير الشرعية، وتفكيك 122 شبكة إجرامية تنشط في هذا المجال. لكن في المقابل، تدعو الجمعية المغربية لحقوق الإنسان إلى وقف حملات التنقيل التي يتعرض لها المهاجرون من جنوب الصحراء من شمال المغرب إلى الجنوب، و«الكف عن لعب دور الدركي، ووضع قانون للهجرة يحترم الحقوق الأساسية للمهاجرين، ويتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان». لكن السلطات المغربية ترى أن ترحيل هؤلاء المهاجرين يهدف بالأساس إلى حمايتهم من شبكات الاتجار بالبشر، في حين أعلن المغرب رسمياً رفضه بشكل مطلق تشييد مراكز إيواء لاستقبال المهاجرين، كما تطالب أوروبا، واعتبر أن الاقتراح سيساهم في تعقيد المشكلة بدلاً من حلها. وقد طالبت الرباط بمساعدات مالية إضافية من الاتحاد الأوروبي لمواجهة تدفقات الهجرة غير الشرعية.
وللحد من تدفقات المهاجرين بصورة غير شرعية، شدد المغرب من إجراءات دخول أراضيه من طرف المهاجرين الأفارقة، ولجأ مؤخراً إلى فرض تأشيرة دخول على مواطني ثلاث دول أفريقية، هي الكونغو برازافيل وغينيا كوناكري ومالي، التي كانت من بين الدول التي لا يحتاج مواطنوها إلى تأشيرة لدخول المغرب. وأكدت مصادر في أوساط المهاجرين الأفارقة، أن الإجراء دخل حيز التطبيق في مطار محمد الخامس، الذي يستقبل 70 في المائة من المهاجرين الأفارقة الوافدين على المغرب، في حين أكدت المصادر، أن الإجراء لم يطبق بعد على الوافدين عبر المعبر الحدودي الكركرات على الحدود مع موريتانيا.
يقول أبو بكر ندياي، منسق جمعية السنغاليين المقيمين في مدينة العيون: «إن هجرة الأفارقة بالمغرب لها طابع خاص جداً. فمواطنو جميع دول غرب أفريقيا، باستثناء موريتانيا، يمكنهم دخول المغرب من دون تأشيرة. ويكفي الإدلاء في الحدود بجواز سفر قانوني لدخول البلاد، لكن لمدة محدودة لا تتجاوز ثلاثة أشهر. المشكلة هي عندما يقرر الوافد التحول من زائر إلى مهاجر، ويقرر البقاء بعد انقضاء تصريح ثلاثة أشهر المؤشر عليه في جواز سفره، فعندها يجد نفسه في وضعية غير قانونية».
وحسب دراسة لمنظمة «كونراد أديناور» الألمانية حول الهجرة بالمغرب، فإن الغالبية الساحقة للمهاجرين الأفارقة يلجون البلاد بشكل قانوني، قبل أن يتحولوا إلى مهاجرين غير قانونيين، مشيرة إلى أن 12 في المائة فقط من المهاجرين الأفارقة يلجون المغرب من دون وثائق، وأن 70 في المائة من المهاجرين الأفارقة الوافدين على المغرب يأتون عن طريق الجو، ويدخلون أساساً من مطار محمد الخامس بالدار البيضاء، في حين يصل نحو 22 في المائة منهم براً بالسيارات والحافلات، و7 في المائة سيراً على الأقدام.

أعمار 15% من المهاجرين أقل من 18 سنة

> كشفت نتائج البحث الذي أنجزه «مرصد الشمال لحقوق الإنسان»، عن أن 15 في المائة من المهاجرين في المغرب تقل أعمارهم عن 18 سنة (قاصرون)، و40 في المائة تتراوح أعمارهم بين 18 و25 سنة، و43 في المائة بين الفئة العمرية 26 و39 سنة، و2 في المائة فقط يتجاوز عمرهم 40 سنة؛ الأمر الذي يدل على أن الشباب هم الفئة التي تغامر بالهجرة. وبشأن المستوى التعليمي والمهن التي كان يزاولها المهاجرون في بلدانهم الأصلية، كشف البحث عن أن 40 في المائة مستواهم التعليمي ثانوي، و28 في المائة ابتدائي، و15 في المائة من دون أي مستوى، و10 في المائة جامعي، و7 في المائة مستواهم التعليمي إعدادي (متوسط). في حين يلاحظ أن 70 في المائة من العينة هم عزاب، و30 في المائة متزوجون.
وعبر 45 في المائة منهم، عن أن نشاطهم الأساسي في بلدهم الأصلي هو التجارة، و20 في المائة كانوا عاطلين عن العمل، وأن 25 في المائة مزارعون، و10 في المائة كانوا يعملون في قطاع الخدمات. أما بخصوص الأسباب التي تقف وراء هجرة هؤلاء الأفارقة، فقد عبّر 75 في المائة منهم أن الأوضاع الاقتصادية في بلدانهم هي السبب، مقابل 25 في المائة أرجعوا ذلك إلى الأوضاع والاضطرابات الأمنية التي تعيشها بلدانهم.

أحلام المهاجرين المصريين غير الشرعيين «تتبخر» في الصحراء

مصر

القاهرة: عبد الفتاح فرج

إذا كان شباب المغرب وتونس والجزائر يخاطر بحياته من أجل بلوغ القارة الأوروبية، فإن الوضع في مصر يختلف شيئاً ما، ذلك أن عدداً كبيراً من المصريين يحاول، عوضاً عن ذلك، بلوغ الأراضي الليبية بحثاً عن لقمة العيش.
السيد عبد الراضي، شاب عشريني ابن محافظة سوهاج، اضطر إلى جمع مبلغ سبعة آلاف جنيه مصري عن طريق العمل الشاق والاقتراض من أقاربه لتحقيق حلمه بالسفر إلى ليبيا، وبناء شقة حديثة في بيت والده، ثم الزواج من إحدى فتيات القرية التي ينتمي إليها. لكن محاولات تسلله إلى ليبيا عبر الدروب الصحراوية الوعرة باءت بالفشل، بعد ملاحقة قوات حرس الحدود المصرية للمجموعة، التي كان يسير معها في قلب الصحراء، جنوب واحة سيوة التي تبعد عن مدينة مطروح الساحلية بنحو 300 كلم جنوباً. ووفق ما قاله عبد الراضي لـ«الشرق الأوسط»، فإن حلم جمع مبالغ كبيرة في وقت قصير طغى على تفكيره، وجعله ينسى المخاطر التي قد تنجم عن الهجرة إلى ليبيا.
كلام الشاب المصري، الذي فشل في العبور إلى ليبيا، أكده البيان الذي أصدرته وزارة الداخلية المصرية قبل أسبوع، والذي أعلنت فيه عن ضبط 86 قضية في مجال الهجرة غير الشرعية، ضمت مئات المتهمين والسماسرة، في وقت تكثف فيه الوزارة من جهودها لضبط المهربين والسماسرة.
وسلّط بيان الداخلية الضوء كذلك على إحباط عملية تهريب 33 مهاجراً غير شرعي في إحدى قضايا مكافحة الهجرة غير الشرعية، من بينهم اثنان يحملان جنسية إحدى الدول العربية، عند تواجدهما بأحد المنازل المهجورة، بمديرية أمن مطروح قبيل سفرهما، إلى جانب ضبط عدد من الصيادين المتهمين بنقل مهاجرين غير شرعيين. وقد عزز إعلان مديرية أمن مطروح قبل خمسة أشهر عن ضبط عدد سبعة أشخاص خلال رحلة هجرة غير شرعية على الحدود المصرية - الليبية، تصريحات الوزارة ذاتها.
ورغم حالة التشديد الأمني المفروضة من قبل عناصر الشرطة وقوات حرس الحدود، ومنع سفر العمال المصريين إلى ليبيا منذ شهر فبراير (شباط) 2015، بعدما ذبح تنظيم داعش الإرهابي 20 عاملاً مصرياً من الأقباط، فإن ثمة مهاجرين مصريين نجحوا بالفعل في العبور إلى الجانب الآخر بشكل غير شرعي، وهو ما يؤكده السيد رجب، أحد أهالي قرية ميت زنقر، بمركز طلخا في محافظة الدقهلية، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: «مع أن قريتنا شهدت حوادث وفاة عدد من المهاجرين غير الشرعيين إلى ليبيا خلال العام الماضي، إلا أن آخرين استطاعوا التسلل إلى ليبيا، ولم يخشوا من الموت وسط الصحراء، أو من الملاحقات الأمنية، حيث تواصل عدد منهم مع ذويهم بعد شهر كامل من مغادرتهم القرية».
وأضاف رجب موضحاً: إن هؤلاء الأشخاص «يفضلون الهرب إلى ليبيا في فصل الشتاء، بسبب ارتفاع دراجات الحرارة في فصل الصيف». لافتاً إلى أن عدداً من شبان القرية والقرى المجاورة ما زالوا يقدِمون على السفر عبر التهريب، بعد دفع مبالغ مالية تصل إلى 10 آلاف جنيه. وقال بهذا الخصوص «يعرف الأهالي السماسرة بشكل شخصي، وهم يتحركون بشكل طبيعي، وينجحون في إقناع الشباب بالسفر إلى ليبيا، مدعين أن حالتها الاقتصادية أفضل من مصر، وفرص العمل فيها كثيرة ورواتبها أفضل، مغفلين الشق الأمني والمخاطر التي يتعرض لها الشبان خلال الرحلة».
عمليات الهجرة غير الشرعية من مصر إلى ليبيا لم تظهر إلا بعد انتفاضة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، التي أعقبها حالة انفلات أمني ضربت معظم أنحاء مصر، وبالأخص حدودها الغربية. ووصل عدد المصريين الذين عادوا من ليبيا خلال ستة أشهر في عام 2015 إلى 76 ألف مصري، منهم 30 ألفاً دخلوا ليبيا بصورة غير شرعية، وفق إحصاءات صدرت من مديرية أمن مطروح، نشرتها صحف مصرية في العام نفسه. ولم تصدر السلطات المصرية إحصاءات حول أعداد المهاجرين غير الشرعيين إلى ليبيا في الأعوام الثلاثة الأخيرة.
وقبل عام ونصف العام عثرت السلطات الليبية على جثث 48 مهاجراً غير شرعي في منطقة صحراوية، تقع بين حدود مدينتي أجدابيا وطبرق (شرق ليبيا). وكان الضحايا وفق «الهلال الأحمر الليبي» من محافظات أسيوط والمنيا وبني سويف وكفر الشيخ، وجدت جثثهم في الصحراء على شكل مجموعات متفرقة قريبة من بعضها، من بينهم شاب يدعى علاء سعيد سيد، من مركز سمالوط بمحافظة المنيا (جنوبي القاهرة)، أصر على التسلل إلى ليبيا مع والده الذي سبق له السفر إلى ليبيا بشكل شرعي. لكن الشاب لفظ أنفاسه الأخيرة بسبب الشمس الحارقة، ونفاد طعامه وشرابه، فقام والده بدفنه بنفسه في حفره صغيرة قبل أن يستسلم لملاقاة مصير ابنه. لكن كُتب له عمر جديد بعد إنقاذه من قبل قوات حرس الحدود الليبية، وفق ما ذكرته زوجة الرجل فاطمة عبد الله لـ«الشرق الأوسط»، التي أوضحت أن المهربين يسلكون طريقين رئيسيتين للعبور إلى ليبيا: الأول جنوب منفذ السلوم الحدودي، والأخرى جنوب واحة سيوة، بداية بحر الرمال العظيم. «فاطمة» لا تزال تذرف دموعاً حارة على ابنها الذي افتقدته في رحلة الهجرة غير المشروعة، كما تقول، ورغم المخاطرة الكبيرة التي خاضها «علاء»، والأوجاع التي تركها لعائلته، فإن أحلامه الصغيرة لن تتحقق أبداً.

شبكات إجرامية تغري الشباب بالهجرة لجني أرباح خيالية

تونس

تونس: المنجي السعيداني

قبل أيام قليلة اعتقلت أجهزة الأمن التونسي امرأة حاملاً في مقتبل العمر، كانت بصدد الإبحار خلسة نحو السواحل الإيطالية، وعندما سألتها عن سبب المشاركة في هذه المغامرة المحفوفة بالمخاطر، قالت إنها كانت تخطط لتضع مولودها في الديار الإيطالية؛ حتى يحصل بصفة آلية على الجنسية الإيطالية، وتتمكن بالتالي من تحسين وضعها الاقتصادي والحصول على الإقامة في هذا البلد الأوروبي، الذي بات يضيّق الخناق أكثر فأكثر على المهاجرين. هذه المرأة مجرد نموذج مصغر من عشرات الشبان التونسيين الذين يسعون بكل الوسائل للوصول إلى سواحل أوروبا بطرق مختلفة، وإن كان لكلٍ غايته المنشودة. لكن القاسم المشترك الذي يجمعهم جميعاً هو الفقر والخصاصة في المقام الأول.
وتؤكد مراكز الأبحاث والدراسات المختصة في مجال الهجرة، أن تونس أصبحت إحدى المحطات المهمة بالنسبة للهجرة الأفريقية نحو أوروبا، وبخاصة في بلدان ما وراء الصحراء، وباتت تغري الكثير من شبان أفريقيا للوصول إليها، والاستقرار مؤقتاً في انتظار ساعة الصفر، وربط العلاقات الضرورية مع المهربين وتجار البشر قصد عبور المتوسط في اتجاه ضفته الشمالية.
لكن هؤلاء المهاجرون الأفارقة يعانون خلال محطة الانتظار الطويلة من تمييز كبير في الأجور، ومن ساعات العمل الطويلة، وغالباً ما يستغلهم أصحاب المشروعات الاقتصادية الخاصة لأداء أعمال شاقة، وبخاصة في مجال البناء والأشغال العامة، وكذلك في القطاع الفلاحي، وغالباً ما يجدون أنفسهم مرغمين على القبول بأجور هزيلة في محاولة لجمع المال اللازم لرحلتهم السرية، واغتنام الفرصة المناسبة لعبور البحر.
ونتيجةً لتوافد آلاف الأفارقة الراغبين في ركوب قوارب الموت، باتت مناطق تونسية عدة تُعرف بأنها خزان الهجرة غير الشرعية، واشتهرت بكونها من بين محطات الانطلاق الرئيسية بالنسبة للشباب الأفريقي والتونسي على حد سواء. وفي هذا السياق، أكدت إحصائيات رسمية أن الشهور الأولى، التي تلت «ثورة الياسمين»، عرفت هجرة أكثر من 5 آلاف تونسي من منطقة جرجيس (جنوب شرقي)، وهي منطقة تقع على مقربة من الحدود مع ليبيا.
كما تُعرف مناطق أخرى بأنها ناشطة في هذا مجال تهريب البشر نحو أوروبا، مثل جزيرة قرقنة ومنطقة الهوارية، التي تعد أقرب نقطة إلى الأراضي الإيطالية، بالإضافة إلى منطقة بنزرت والمهدية. لكن غالباً ما تتغير أهمية المنطقة، تماشيا مع تضييقات رجال الأمن، ومثال على ذلك فبعد المراقبة الأمنية القوية التي عرفتها منطقة جرجيس تحول نشاط الهجرة غير الشرعية إلى جزيرة قرقنة؛ وهو ما جعلها تتحول في ظرف زمني قصير إلى قبلة كثير من الشبان الأفارقة من مختلف الجنسيات.
وخلافاً لسنوات الهجرة في سبعينات القرن الماضي، أصبحت عمليات الهجرة غير الشرعية من تونس نحو إيطاليا مؤطرة بشبكات «مافيوزية»، تجني من ورائها ثروات ضخمة. وقد تطور نشاط هذه العصابات بقوة، حيث أصبح يتم الترويج للهجرة عبر فيديوهات لشباب تونسيين وهم بصدد الإبحار نحو إيطاليا. ويتم تداول هذه الفيديوهات قصد تشجيع مزيد من الشبان على الهجرة غير الشرعية.
وبهذا الخصوص، قال مسعود الرمضاني، رئيس المنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاجتماعية (منظمة حقوقية مستقلة) لـ«الشرق الأوسط»: إن «لجوء الحكومة إلى الحلول الأمنية لحل مشكل الهجرة غير النظامية بصفته حلاً وحيداً لن يفضي إلى استقرار حقيقي، ولن يثني الشباب التونسي على عدم المغامرة في الوصول إلى الضفة الشمالية للمتوسط»، معتبراً في هذا السياق أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها الشباب التونسي، وقلة خيارات التنمية وفرص العمل، من بين أهم العوائق التي تُفشل مخططات الحكومة في التعاطي مع ملف الهجرة غير الشرعية.
ونتيجة لهذا الوضع الذي باتت تنعدم فيه فرص العمل وتأمين لقمة العيش، يواصل الشباب التونسي الارتماء في أحضان المتوسط، دون تقدير المخاطر المحدقة بهم؛ إذ غالباً ما يتركهم المشرفون على عمليات التهريب بعيداً عن السواحل الإيطالية، ويأمرونهم بمغادرة المركب؛ حتى لا تنتبه لهم الشرطة الإيطالية (الكرابينياري).
يقول أحد الناجين التونسيين من رحلة موت: إن «ربان السفينة التي استقلوها تركها عندما بدأت تغرق؛ حتى لا يقع بين أيدي قوات خفر السواحل الإيطالية، وفرّ بجلده تاركاً الشبان الحالمين في مواجهة مصيرهم المحتوم».
لكن على الرغم من شبح الموت، يؤكد الشاب خليفة البوجبلي، أنه لا يزال مستعداً للمحاولة آلاف المرات؛ حتى يتمكن من الوصول إلى «الجنة الموعودة» في القارة الأوروبية، حسب تعبيره، مشدداً على أنه سئم البقاء في تونس التي لا توفر له إلا الفتات، على حد تعبيره.
في السياق ذاته، يؤكد عبد القادر المهذبي، المدير العام للتعاون الدولي بوزارة الشؤون الخارجية التونسية، وجود نحو 10 آلاف مهاجر غير شرعي من أصول أفريقية عالقين في تونس. وقال على هامش مشاركته في مؤتمر إقليمي حول إشكاليات الهجرة في المنطقة الأورو – متوسطية: إن هؤلاء المهاجرين اختاروا تونس باعتبارها بلد عبور نحو الدول الأوروبية، وهم يعملون حالياً في عدد من القطاعات المضنية، كالبناء والفلاحة والخدمات في انتظار الفرصة المناسبة للمشاركة في رحلات الهجرة غير الشرعية.


مقالات ذات صلة

آلاف يتظاهرون في أميركا احتجاجاً على سياسات ترمب في مجال الهجرة

الولايات المتحدة​ من مسيرة «أوقفوا إرهاب إدارة الهجرة والجمارك» يوم أمس بمدينة بوسطن في ولاية ماساتشوستس (ا.ف.ب)

آلاف يتظاهرون في أميركا احتجاجاً على سياسات ترمب في مجال الهجرة

نظم آلاف العمال والطلاب مسيرات في عدد من المدن والحرم الجامعية في الولايات ​المتحدة، أمس الثلاثاء، احتجاجا على سياسات الهجرة التي يتبعها الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا مهاجرون يقفون على سطح سفينة إنقاذ في المياه الدولية قبالة سواحل ليبيا... 17 يناير 2026 (أ.ف.ب)

الجزائر طردت عدداً قياسياً من المهاجرين إلى النيجر

رحّلت الجزائر أكثر من 34 ألف مهاجر إلى النيجر المجاورة عام 2025، وهو رقم قياسي، بحسب ما أفادت منظمة نيجرية غير حكومية الاثنين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا حي يضم عدداً من مساكن المهاجرين في مصراتة مارس 2025 (إدارة إنفاذ القانون بالإدارة العامة للعمليات الأمنية)

سجن سري للاتجار بالبشر تحت الأرض في الكفرة الليبية

كشفت مصادر أمنية وحقوقيون عن وجود سجن سري في الكفرة، يقع على عمق يقارب ثلاثة أمتار تحت سطح الأرض، عُثر بداخله على 221 مهاجراً، جرى احتجاز غالبيتهم منذ عامين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الولايات المتحدة​ عناصر من إدارة حماية الحدود الأميركية في مدينة منيابوليس بولاية مينيسوتا (رويترز) play-circle

«البنتاغون» يستعد لنشر 1500 جندي في ولاية مينيسوتا

ذكرت صحيفة «واشنطن بوست»، ​الأحد، نقلاً عن مسؤولين، أن وزارة الحرب الأميركية أمرت نحو 1500 جندي في الخدمة بالاستعداد لنشر ‌محتمل في ولاية ‌مينيسوتا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا مهاجرون سريون بأحد مراكز احتجاز اللاجئين في طرابلس (جهاز الأمن)

إحالة متهم إلى القضاء الليبي على خلفية «انتهاكات جسيمة» ضد مهاجرين

أحالت النيابة العامة في ليبيا متهماً إلى القضاء على خلفية ارتكاب انتهاكات جسيمة طالت مهاجرين، وفق تحقيقات جهاز الأمن الداخلي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«مراجل السياسة» تشعل التنافس على غاز المتوسط

مؤشر قياس ضغط الغاز بإحدى المحطات الأوروبية التي زاد عليها الطلب نتيجة برودة الطقس (رويترز)
مؤشر قياس ضغط الغاز بإحدى المحطات الأوروبية التي زاد عليها الطلب نتيجة برودة الطقس (رويترز)
TT

«مراجل السياسة» تشعل التنافس على غاز المتوسط

مؤشر قياس ضغط الغاز بإحدى المحطات الأوروبية التي زاد عليها الطلب نتيجة برودة الطقس (رويترز)
مؤشر قياس ضغط الغاز بإحدى المحطات الأوروبية التي زاد عليها الطلب نتيجة برودة الطقس (رويترز)

اختلطت خرائط الطاقة بحدود السياسة في حوض شرق البحر المتوسط، فتحوّل الغاز من مجرد ثروة طبيعية، إلى وقود لصراع مفتوح تتقاطع فيه المصالح الإقليمية والدولية.

فأمام ازدياد الاستكشفات النفطية في هذه المنطقة الاستراتيجية، ارتفع منسوب التوتر، وتمثَّل ذلك في شكاوى متبادلة إلى الأمم المتحدة بين ليبيا واليونان ومصر وقبرص، بجانب تحركات دبلوماسية لا تخلو من رسائل مبطَّنة، ليتشكَّل مشهد مضطرب يشي بأن معركة الغاز أبعد ما تكون عن الحسم.

وفي قلب هذه التشابكات المعقَّدة، تبرز السياسة بوصفها المحرِّك الأساسي للصراع. فتركيا، الساعية إلى كسر عزلتها في المتوسط، ترى في علاقتها مع ليبيا بوابة استراتيجية لحصد مكاسب جيوسياسية وفي مجال الطاقة، فيما تتحصَّن بقية الأطراف بتحالفات متشابكة واتفاقيات متنافسة، تمتد من أثينا حتى تل أبيب.

وعليه، بات «حوض المتوسط» أشبه بـ«مراجل» تغلي على نار السياسة، كاشفاً عن نزاع مستقبلي تتصاعد مؤشراته وتتوالى نذره؛ فبينما يبرز التنافس على مكامن الغاز كعنوان ظاهري، يظل الجوهر هو إعادة صياغة موازين القوى الإقليمية. هذا ما يستشفه خبراء دوليون وعرب في قراءتهم للمشهد عبر «الشرق الأوسط»، محذرين من تحول المنطقة إلى بؤرة صراع جيوسياسي طويل الأمد».

بدايات الصراع

بدأ الصراع الفعلي على غاز شرق المتوسط في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مع توالي الاكتشافات الضخمة التي حوَّلت المنطقة من مجرد ممرات ملاحية إلى خزان عالمي للطاقة، وتصاعدت حدتها مع اكتشافات حقول غاز كبيرة بين عامي 2009 و2010 قبالة سواحل فلسطين (تمار ثم ليفياثان).

تلا ذلك اكتشاف قبرص لحقل «أفروديت» عام 2011 وهو ما فجَّر التوتر مع تركيا التي اعترضت على قيام «جمهورية قبرص» بالتنقيب دون اتفاق مع «جمهورية شمال قبرص التركية»، وكان ذلك نقطة التحول التي لفتت أنظار الإقليم والعالم إلى ثروات شرق المتوسط.

السفينة «LNG Endeavour» تحمل شحنة غاز من «مجمع إدكو» المصري في طريقها إلى كندا (وزارة البترول المصرية)

ومع تسارع الاكتشافات التي كان أبرزها أيضاً حقل «ظهر» قبالة السواحل المصرية، تعززت أهمية المنطقة طاقوياً، ليتصاعد الصراع أكثر ما بين عامي 2019 و2020 بعدما وقَّعت تركيا مع سلطات طرابلس الليبية مذكرة تفاهم تمنح أنقرة نطاقاً بحرياً ممتداً، وهو ما اعتبرته اليونان ومصر و«جمهورية قبرص» حينها «انتهاكاً للقانون الدولي وتعدياً على حقوقها السيادية»، عقب ذلك تحول الصراع من مجرد خلافات فنية إلى استقطاب سياسي وعسكري.

وعاد الصراع ساخناً إلى الواجهة عندما أعلنت اليونان في 12 يونيو (حزيران) 2025، عن دعوة دولية إلى تقديم عروض لمنح تصاريح للتنقيب عن الهيدروكربونات واستغلالها في مناطق بحرية جنوب جزيرة كريت مما أثار حفيظة حكومتي غرب ليبيا وشرقها وعدَّتا ذلك «انتهاكاً صريحاً للحقوق السيادية الليبية».

خرائط الأمر الواقع

تتسارع راهناً، أطراف الأزمة ممَثلة في دول: ليبيا واليونان وتركيا ومصر و«جمهورية قبرص» فيما يمكن تعريفه بـ«سباق مصالح» عبر لقاءات رفيعة وزيارات مكوكية كانت القاهرة وأثينا ثم القدس أهم محطاتها، بقصد غلّ يد «الطرف الآخر» وقطع الطريق عليه. وتركيا من جانبها ترفض تطبيق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار بصيغتها التي تعتمدها اليونان وقبرص ومصر، وتعارض منح الجزر مثل (كاستيلوريزو اليونانية) مناطق اقتصادية خالصة، وترى أن ذلك يغصب حقوقها وحقوق «جمهورية شمال قبرص التركية» في الجرف القاري التركي بشرق المتوسط.

وبدا أن التحركات الحالية لتركيا واليونان آخذة في التصعيد، إذ سارعت كل منهما- على نحو مستقل- إلى تحديث «خريطة تخطيط الحيز البحري» بغرض «فرض أمر واقع» في أجواء لم تخلُ من اتهامات متبادلة، يشبهها بعض المحللين «ببرميل بارود يوشك على الانفجار».

وتقول اليونان إن تركيا تحاول السيطرة على «أرض يونانية» في خطوة «تفتقر إلى أساس قانوني»، بينما ترى أنقرة أن «مساعي اليونان لفرض خريطتها دون الترسيم مع جيرانها خطوات أحادية الجانب مخالفة للقانون الدولي ومحكوم عليها بالفشل».

خلف هذا النزاع المتصاعد، تبرز قوى دولية في مقدمتها الاتحاد الأوروبي، الذي يسعى لحماية أجنداته غير المباشرة وتوجيه التطورات بما يخدم مصالح شركائه الإقليميين. وفي هذا الصدد، يؤكد الخبير الدولي في اقتصاديات الطاقة ممدوح سلامة، أن اليونان، مسنودةً بدعم أوروبي صريح، «لن تتهاون تجاه أي محاولات تركية أو ليبية لاختراق منطقتها الاقتصادية الخالصة بغرض التنقيب عن الهيدروكربونات».

والمنطقة الاقتصادية الخالصة، هي منطقة بحرية نصت عليها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982، وتمنح الدولة الساحلية حقوقاً سيادية محددة على موارد هذه المنطقة، تمتد إلى 200 ميل بحري كحد أقصى من خط الأساس (شاطئ الدولة).

ويذهب سلامة- وهو أستاذ زائر في اقتصاديات الطاقة بكلية «إي إس سي بي» لإدارة الأعمال في لندن- في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «إذا أصرت تركيا على انتهاك المياه اليونانية؛ فقد يؤدي ذلك إلى تصعيد عسكري خطير في البحر المتوسط».

وجزيرة قبرص المتوسطية مقسمة شطرين منذ عام 1974: الأول هو «جمهورية شمال قبرص» التي لا تعترف بها سوى أنقرة، والآخر هو «جمهورية قبرص» المعترف بها دولياً والعضو في الاتحاد الأوروبي. وجاء تقسيم الجزيرة بعدما استولت القوات التركية على الجزء الشمالي من الجزيرة، رداً على ما تقول أنقرة إنها محاولة القبارصة اليونانيين «الانقلاب على الحكومة وإلحاق الجزيرة باليونان».

حفتر والاستخبارات التركية

خلف كواليس الصراع تسابق أنقرة الزمن لكسب ودّ المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي بغرض دفع مجلس النواب الذي يترأسه عقيلة صالح بالتصديق على مذكرة ترسيم الحدود البحرية التي سبق ووقعتها مع سلطات طرابلس عام 2019. من أجل ذلك، أجرى رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن زيارة إلى بنغازي عبر الفرقاطة «TCG قنالي أدا» في نهاية أغسطس (آب) 2025، وهو ما أشارت إليه صحيفة «إيكاثمريني» اليونانية.

في مقابل ذلك، وخلال زيارة بالقاسم حفتر «مدير صندوق إعادة إعمار ليبيا» إلى أثينا بدايات سبتمبر (أيلول) 2025، نقل إليه وزير الخارجية اليوناني جورج غيرابتريتيس، رفض بلاده والاتحاد الأوروبي مذكرة التفاهم الموقّعة مع تركيا، والتي وصفها بـ«الباطلة وغير القانونية»، بحسب بيان للمتحدث باسم وزارة الخارجية اليوناية لانا زوخيو.

وتهدأ أزمة الطاقة في «المتوسط» لبعض الوقت، لتعود وتطفو على السطح مجدداً بمزيد من التوتر.

عامل يدير صماماً بمنشأة تخزين غاز في روسيا التي تأثرت بشكل ملحوظ بتراجع صادراته لأوروبا (رويترز)

ويرى ريكاردو فابياني مدير مشروع شمال أفريقيا في «مجموعة الأزمات الدولية» أن «قضية موارد الغاز في شرق البحر المتوسط تظل قائمة ومشتعلة، بالنظر إلى أن اهتمام معظم الدول الإقليمية منصب راهناً على قضايا أخرى مثل الأوضاع في قطاع غزة.

ويعتقد فابياني، خبير الاقتصاد الكلي المختص بشمال أفريقيا في اتصال مع «الشرق الأوسط» أن مشكلة الحدود البحرية «ستبقى دون حل؛ رغم تحسن العلاقات بين مصر وتركيا» لافتاً إلى أن المنطقة لا تزال منقسمة بين تركيا وليبيا من جهة، وبقية الدول الأخرى من جهة ثانية».

وعلى عكس موقف تركيا التي تريد دفع البرلمان الليبي إلى الموافقة على مذكرة ترسيم الحدود الموقعة 2019 تطالب اليونان بعكس ذلك، وهو ما ألقى بظلاله على العلاقات الدبلوماسية بين سلطات أثينا وبنغازي، ودفع الأخيرة ممثلة في وزارة الخارجية بحكومة أسامة حماد إلى استدعاء القنصل اليوناني، أثاناسيوس أناستوبولوس ونائبته.

وكان رئيس البرلمان اليوناني، نيكيتاس كاكلامانيس، قد دعا رئيس مجلس النواب الليبي، خلال محادثاتهما في أثينا، في بدايات ديسمبر (كانون الأول) إلى عدم التصديق على مذكرة التفاهم التركية-الليبية، وطالب بإلغائها. وقد أثارت هذه التصريحات غضب سلطات شرق ليبيا.

وتتيح مذكرة التفاهم- والتي أعادت حكومة «الوحدة» برئاسة عبد الحميد الدبيبة التأكيد على الالتزام بها عام 2021، مع اتفاقات إضافية تتعلق بالطاقة- ترسيم مناطق اقتصادية خالصة متصلة بين البلدين في «شرق المتوسط».

ويعني هذا من وجهة نظر اليونان إلغاء حقوقها البحرية لعديد الجزر التابعة لها مثل رودس، وكاستيلوريزو وكارباثوس وكريت، ولهذا عارضت مذكرة التفاهم بشدة، واعتبرتها «انتهاكاً صارخاً لقانون البحار» الذي يمنح الجزر «حقوقاً بحرية كاملة»، كما رأت أنها تمنح في المقابل تركيا نفوذاً «غير مشروع» في منطقة غنية بالغاز والطاقة.

وسبق ووقعت بعض دول المتوسط، اتفاقيات ترسيم للحدود من بينها: قبرص ولبنان عام 2007- قبرص وإسرائيل عام 2010- مصر وقبرص عام 2013، والأخيرة اعترضت عليها أنقرة في حينها. علماً بأن قانونيين ينظرون إليها على أنها متوافقة مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1982.

سفينة عسكرية إسرائيلية تبحر بجوار منصة إنتاج حقل ليفياثان للغاز الطبيعي في البحر الأبيض المتوسط (أرشيفية - رويترز)

شكاوى في الأمم المتحدة

أظهرت مذكرات رفعتها ليبيا ومصر واليونان وقبرص إلى الأمم المتحدة جانباً من الصراع المكتوم بشأن مكامن حوض شرق المتوسط، وتمحور الخلاف حول سؤال قانوني-سياسي: من يملك حق التنقيب والاستغلال؟

واحتجت طرابلس دبلوماسياً في مذكرتها على مطالب أثينا بالحدود البحرية جنوب وغرب جزيرة كريت. وأعلنت فيها بشكل رسمي حدود الجرف القاري الليبي، مدعومة بخرائط وإحداثيات تفصيلية، وذلك لتثبيت شرعية مذكرة التفاهم الموقعة مع تركيا بشأن ترسيم الحدود البحرية. كما اتهمت أثينا «بخلق أوضاع فعلية تضر بالحقوق السيادية لليبيا»، ورأت أن عملية الترخيص اليونانية «إجراء غير قانوني وأحادي الجانب دون أساس قانوني أو اتفاق ثنائي».

كما رفضت طرابلس اتفاق ترسيم الحدود البحرية الموقع بين مصر واليونان عام 2020، واعتبرته «باطلاً وغير متسق مع قواعد القانون الدولي وقانون البحار».

ورأت طرابلس أن اليونان ومصر «لا تملكان أي حقوق قانونية في المناطق البحرية التي تشملها مذكرة التفاهم الليبية- التركية، مؤكدة أن هذه المناطق تقع ضمن نطاق السيادة الليبية الكاملة».

ورداً على ذلك، رأت اليونان في مذكرتها إلى الأمم المتحدة أن «المطالب الليبية لا تستند على أساس من الصحة أو القانون، وتتجاهل حقيقة أن أثينا تتمتع بحقوق سيادية بحكم الأمر الواقع على الجرف القاري وموارده في هذه المناطق»، كما قالت اليونان إن «خط الحدود الذي اقترحته ليبيا ليس له أساس قانوني، ورُسم في انتهاك كامل لقانون البحار الدولي».

وترى اليونان- مستندة إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار- بأن من حقها إقامة منطقة اقتصادية خالصة تمتد على مسافة 200 ميل بحري حول كل واحدة من جزرها المتعددة بالبحر المتوسط.

ويعتبر الخبير الاقتصادي الليبي محمد الشحاتي، الصراع بالمتوسط «قضية معقدة جداً؛ نظرا لتداخل الاحتياطات مع قضايا ترسيم الحدود السياسية والبحرية»، لكنه يشير إلى أن «احتمالية تزايد النزاع في قادم الأيام واردة جداً».

ويلفت الشحاتي إلى أن بلاده «تمتلك ميزةً استراتيجية تتمثل في عدم الاستعجال لاستغلال المناطق المتنازع عليها، نظراً لتوفر موارد بديلة؛ مما يمنحها القدرة على المناورة التكتيكية وتأجيل المواجهة، ريثما تتوصل الأطراف الأخرى لا سيما في (المثلث التركي المصري اليوناني) إلى تسوية لخلافاتها».

وفي المذكرة التي تقدمت بها بعثة ليبيا لدى الأمم المتحدة في 20 يوليو (تموز) 2025، وكُشف عنها في الشهر الذي يليه، قالت إن «المنطقة التي أعلنت عنها اليونان للتنقيب، تقع ضمن مناطق بحرية لا تزال خاضعة لنزاع لم يُحل بين البلدين».

جانب من المنتدى الدولي الـ14 للغاز في سانت بطرسبرغ... 8 أكتوبر 2025 (إ.ب.أ)

مكامن الغاز

دفعت الأزمات المبكرة في «حوض شرق المتوسط» سبع دول إلى إنشاء «منتدى غاز شرق المتوسط» بوصفه «فرصة للدول المتوسطية لتحقيق تعاون أكبر يعود بالنفع عليها»، خصوصاً مع ظل وجود احتياطات كبيرة من الغاز، تقدر بنحو 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، وفقاً للهيئة العامة المصرية للاستعلامات في أكتوبر (تشرين الأول) 2021.

غير أن أسامة مبارز الأمين العام للمنتدى قدر هذه الاحتياطات بنحو 300 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، وفقاً للدراسات، وذلك خلال تصريحات إعلامية في فبراير (شباط) 2025.

ووقَّعت مصر والأردن واليونان وجمهورية قبرص وفلسطين وإسرائيل وإيطاليا، على تأسيس «منتدى غاز شرق المتوسط» في سبتمبر (أيلول) 2020 كمنظمة إقليمية مقرها القاهرة، على أن تكون العضوية مفتوحة لمن يرغب في الانضمام إليها.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أصدر قراراً في ديسمبر 2022 بتحديد الحدود البحرية الغربية للبلاد بالبحر المتوسط. ونشرت الجريدة الرسمية القرار، الذي تضمن قوائم الإحداثيات الخاصة بالحدود، إضافة إلى إخطار الأمين العام للأمم المتحدة بالقرار والإحداثيات المحددة.

أبعاد النفوذ والسيادة

الصراع الدائر حول مكان شرق المتوسط انتقل من خانة الخلاف على الغاز إلى صدام وشيك حول «السيادة البحرية»، وفق ما ترصده دراسات المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، فتركيا تتبنى مشروعها المعروف بـ«الوطن الأزرق»، وهي رؤية جيوسياسية تعتبر أن الجزر اليونانية القريبة من الساحل التركي «لا تملك جرفاً قارياً». والهدف وفقاً للتحليلات كسر الحصار الجغرافي المفروض عليها ومنع تحوّل البحر المتوسط إلى «بحيرة يونانية».

ويستند الموقف اليوناني- الأوروبي، إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ويرى الاتحاد الأوروبي أن «أي مساس بحقوق اليونان وجمهورية قبرص هو مساس بالأمن القومي الأوروبي»، مما جعل الغاز «محركاً» لترسيم الحدود.

أما دور إسرائيل، فيشير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إلى أنها تدير ملف الغاز وفق استراتيجية «دبلوماسية الأنابيب»، ويرى أن الغاز الإسرائيلي المصدر إلى مصر والأردن ليس صفقة تجارية فحسب، بل هو وسيلة لخلق «اعتماد متبادل» يقلل من احتمالات الصدام العسكري ويجعل الاستقرار السياسي مصلحة اقتصادية مشتركة. ووفق شركة «نيوميد إنرجي» الإسرائيلية، تبلغ قيمتها 35 مليار دولار.

منصة غاز في حقل «ظهر» المصري (وزارة البترول المصرية)

وتحلل تقارير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الدور الأميركي كـ«ضامن للمسارات البديلة»، بمعنى أن واشنطن ترى في «غاز المتوسط» فرصة استراتيجية لتقليل ارتهان أوروبا للغاز الروسي.

ويتحدث طارق المجريسي، الزميل الأول في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، عن «سعي النخب الليبية كافة لاسترضاء واشنطن بشتى الوسائل»، معتبراً أن «الطاقة تظل الورقة الرابحة في هذا المسعى». وكشف عن وساطة أجراها مسعد بولس، مستشار ترمب للشؤون العربية والشرق أوسطية خلال زيارة حديثة «لتسهيل صفقات مع شركتي (هيل إنترناشيونال) و(إكسون موبيل) بهدف استكشاف وتطوير الحقول البحرية».

ويقرأ جيمي إنغرام، المحرر الإداري في مجلة (MEES) المشهد المحيط بغاز شرق المتوسط على اعتبار أن الموارد الطبيعية والحدود المتنازع عليها «تشكّل دائماً مزيجاً قابلاً للاشتعال»، ومع ذلك يرى أن الخلاف القائم «من غير المرجّح أن يتفاقم بشكل كبير في الوقت القريب».

(MEES) تعدُّ واحدة من أقدم النشرات التحليلية المتخصصة في شؤون الطاقة والاقتصاد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومقرها في نيقوسيا بقبرص. ويقول إنغرام لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه القضية في جوهرها مسألة تم استغلالها ضمن سياق قضايا جيوسياسية أوسع»؛ ويدلل على ذلك بأن «تركيا ترى في دعمها لمطالب ليبيا فوائد اقتصادية وسياسية، وهي في موقع جيّد لتقديم هذا الدعم نظراً لاستيائها من الحدود البحرية الأخرى في المنطقة».

وفي ظل التباين في التقديرات حول احتمالات نشوب مواجهة، يربط مراقبون دوليون هذا السيناريو بمدى التوافق بين الأطراف الفاعلة في الأزمة. وفي هذا الإطار، يعزو فابياني، خبير الاقتصاد الكلي المتخصص في شؤون شمال أفريقيا، حالة الهدوء الحذر إلى انشغال هذه الأطراف بملفات أخرى، لافتاً إلى أن القاهرة وأنقرة «تميلان حالياً إلى ترجيح كفة التعاون في القضايا ذات الاهتمام المشترك».

ويضيف فابياني أن التوترات مع اليونان «لا تزال قائمة مع غياب أي أفق للحل حالياً، مما يرجح استمرار التصعيد الدبلوماسي. كما استبعد التوصل إلى تسوية قريبة بشأن ترسيم الحدود البحرية، نظراً لغياب الضغوط الجدية التي تدفع الأطراف نحو إيجاد حل».

واليونان التي تحظى بدعم من مالطا، تتمسك بـ«حقها في التنقيب»، وقال وزير خارجيتها جورج غيرابتريتيس إن «بلده يعتزم وضع خريطة طريق خاصة بترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة في شرق البحر المتوسط مع ليبيا بحلول نهاية العام الحالي»، لكن ذلك لم يحدث حتى الآن.

جانب من حقل «ظهر» للغاز في شرق المتوسط (الرئاسة المصرية)

وكان موقع «توفيما» اليوناني قد أفاد في 22 سبتمبر (أيلول) 2025، بأن مالطا انضمت إلى الموقف اليوناني في الأزمة؛ إذ وجهت مذكرتي احتجاج رسميتين تدعوان حكومة طرابلس إلى الانخراط في الحوار».

وضمَّنت مالطا إحدى هاتين المذكرتين «رفضها القاطع للخريطة والإحداثيات التي أرفقتها حكومة طرابلس في مذكرتها المقدمة إلى الأمم المتحدة، بداعي أنها تتداخل مع الجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة لمالطا».

كما رأت مالطا أن طرابلس «أقدمت من جانب واحد على تحريك الخط الأوسط شمالاً على حساب مالطا، وطبقت الخط الأوسط على السواحل القارية متجاهلة الجزر مما شوّه ترسيم الحدود».

«شيفرون» الأميركية على الخط

دافع الجيولوجي النفطي وخبير اقتصاديات الطاقة الدكتور كونستانتينوس نيكولاو، عن موقف بلده اليونان في رفضها للمذكرة المقدمة من حكومة طرابلس إلى الأمم المتحدة، وعدّها «غير مقبولة»، ودلل على ذلك بالمادة «121» من القانون الدولي للبحار، التي تمنح الجزر كامل الحقوق في الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة.

واعتبر نيكولاو في حديث إلى «الشرق الأوسط» أن فوز شركة «شيفرون» الأميركية للطاقة بمناقصة استكشاف وإنتاج الهيدروكربونات، «يشكل تحدياً كاملاً لمذكرة تركيا- ليبيا لدعم مبدأ (الوطن الأزرق) لتركيا».

ترمب يتحدث خلال اجتماع مع مسؤولين تنفيذيين بقطاع النفط والغاز في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)

وأعلنت اليونان رسميا في 25 أكتوبر 2025 منح أربع قطع بحرية لتحالف دولي، تقوده «شيفرون» بغرض الاستكشاف والتنقيب عن موارد جديدة للنفط والغاز الطبيعي في شرق المتوسط، وهي المنطقة المتنازع عليها مع ليبيا.

وأوضحت اليونانية أنه بعد إجراء التقييمات والمفاوضات مع «شيفرون»، وقع الاختيار على تحالف «شيفرون - اليونان القابضة»، وهو مشروع مشترك.

وتشمل الكتل البحرية في العرض الذي قدمته «شيفرون» الكتل المسماة جنوب بيلوبونيز، و«إيه 2»، وجنوب كريت الأول، وجنوب كريت الثاني. وتعمل أثينا و«شيفرون» الآن على وضع اللمسات النهائية على اتفاقية الامتياز.

ومن منظور يوناني، يعتقد نيكولاو أن استراتيجية «الوطن الأزرق اخترعتها أنقرة للمطالبة والاستحواذ على الجزء الشرقي من بحر إيجة باتجاه اليونان؛ بما في ذلك العديد من الجزر اليونانية». لكنَّ محليين أتراكاً يرفضون هذه النظرة من منطلق أن بلادهم «تدافع عن مصالحها الاستراتيجية».

نيكولاو يرى أن ذلك «تم على النقيض من القانون الدولي للبحار 1982، الذي ينص في المادة 121 على «حق الجزر اليونانية في امتلاك المنطقة الاقتصادية الخالصة».

ويعدُّ «شرق المتوسط» مركزاً رئيسياً للاستكشاف في السنوات الماضية، ففي منتصف يناير (كانون الثاني) 2025 أعلنت شركة «إكسون موبيل» عن اكتشاف مكامن غاز طبيعي قبالة سواحل مصر، بعد نجاحها في حفر بئر استكشافية في البحر الأبيض المتوسط.

تحالفات عسكرية

متغيرات دولية عدة وتربيطات تتم في الكواليس الدولية للسيطرة على مكامن غاز «شرق المتوسط»، شيء من هذا يتم بين تركيا والصين، ففي 23 سبتمبر (أيلول) 2025 وصفت صحيفة «غريك سيتي تايمز» اليونانية ما يجرى بشأن هذا الملف بأنه «إعصار جيوسياسي» يقترب من منطقة شرق المتوسط، ويهدد سلاسل الإمداد الرئيسية للطاقة في المنطقة.

وتحدثت الصحيفة عن «بداية حرب باردة جديدة في المنطقة»، بالنظر إلى التطورات الجارية في شرق البحر المتوسط وفي ليبيا، وأشارت إلى «تشكّل تحالف تركي– صيني في شرق البحر المتوسط، يعمل على ضم ليبيا»، وقالت إن هذا التحرك «ستكون له تداعيات أوسع نطاقاً على طموحات دول في المنطقة مثل اليونان وحلفائها، ومن بينها إسرائيل».

صهاريج غاز البترول المسال في منشأة مملوكة لشركة «إركوتسك» للنفط في روسيا (رويترز)

وفي نهاية ديسمبر 2025 شهدت مدينة القدس قمة ثلاثية، وأعلنت إسرائيل واليونان وجمهورية قبرص اتفاقها على تعميق التعاون الأمني والدفاعي، في خطوة عدها متابعون تتجاوز التنسيق السياسي إلى بناء مظلة أمنية أكثر تماسكاً في شرق المتوسط.

وفي نهاية ديسمبر 2025 أعلن الجيش الإسرائيلي، توقيع برنامج تعاون عسكري ثلاثي مع اليونان وجمهورية قبرص لعام 2026.

وعدَّ رئيس وزراء «جمهورية شمال قبرص التركية»، أونال أوستال، هذا الاتفاق «محاولة إسرائيلية لنقل الاضطراب إلى شرق المتوسط». واعتبر في بيان صادر عن مكتب رئاسة الوزراء، أن «المحاولات الجارية لإخراج المنطقة من كونها (ساحة سلام) وتحويلها إلى (مسرح للصراع) لا تهدد جزيرة قبرص فحسب؛ بل تهدد حوض البحر الأبيض المتوسط ​​بأكمله، وأن «قبول الثنائي اليوناني القبرصي بأن يكونا مجرد بيادق في هذه المؤامرة الخطيرة خطأ تاريخي».

ما يجري راهناً في كواليس الأزمة دفع المجريسي المحلل السياسي الليبي إلى طرح تساؤل جوهري حول طبيعة حقول الغاز في البحر المتوسط: هل هي «مناجم ذهب» للازدهار الاقتصادي أم «براكين تغلي» تهدد بانفجار الصراع؟

كما تساءل الدبلوماسي المصري، بلال المصري عبر دراسة نشرها المركز الديمقراطي العربي في أغسطس 2025: هل الحدود البحرية في شرق المتوسط ستكون سبباً رئيسياً لمواجهة مسلحة محتملة؟

وفي تحليل تشريحي للأزمة الراهنة، يرى المجريسي أن الصراع يتجاوز مجرد تسويق الغاز؛ إذ لطالما اعتبرت أنقرة ليبيا حجر زاوية في عقيدتها الاستراتيجية المعروفة بـ«الوطن الأزرق». ويهدف هذا المشروع إلى بسط السيادة التركية على مناطق شاسعة في حوض المتوسط، سعياً لتحقيق حزمة من المكاسب المالية والجيوسياسية والأمنية المتكاملة.

منصة غاز في حقل «ظهر» المصري (وزارة البترول المصرية)

التحكيم الدولي... أم الحرب؟

يعتقد إنغرام، المحرر الإداري في مجلة MEES أنه في نهاية المطاف بعد هذه الصراعات، «يظل أفضل سبيل هو توقّيع الأطراف كافة على اتفاق للتحكيم الدولي، بحيث تُحدَّد الحدود البحرية وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار». لكن إنغرام، يرى أن هذا الطرح «غير واقعي؛ فكثير من مطالب تركيا المتعلقة بحدودها البحرية مع اليونان وقبرص سيُرجَّح رفضها».

وأمام تعقّد الأزمة، وتمسّك كل دولة بما تعتبره «حقها المشروع»، يشير فابياني خبير الاقتصاد الكلي المختص بشمال أفريقيا، إلى أن «الحل يجب أن يبدأ من (منتدى غاز شرق المتوسط) بشكل أكثر شمولية، على أن يشمل أصحاب المصلحة كافة؛ مع إشراك تركيا بشكل فعَّال لتعزيز التعاون الإقليمي من أجل الاستثمارات الضرورية».

وضمن هذا الإطار، يرى فابياني أنه يمكن للأطراف المتنازعة «التوصل إلى تسويات بشأن حدودهم البحرية، وهو أمر لن يكون سهلاً، لكنه ممكن مع تقديم تنازلات متبادلة أيضاً في قضايا إقليمية أخرى».

عامل يفحص صمامات التحكم في مركز الغاز الطبيعي التابع لشركة النفط والأنابيب التركية غرب أنقرة (Hv)

وفي مقابل تشابك الاتهامات، يطرح الخبير الدولي ممدوح سلامة سيناريو بديلاً للحل، يستند إلى وفرة الموارد النفطية الليبية في المناطق البرية والبحرية غير المتنازع عليها، ما يغني طرابلس عن الانخراط في صراع مع اليونان مدفوعاً بالأجندة التركية، خاصة في ظل التبعات الاقتصادية القاسية للحرب الأهلية المستمرة منذ 2014. ويحذر سلامة من أن الصدام مع أثينا حول ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة قد يؤدي إلى عزوف الاستثمارات الأجنبية، التي تعد حجر الزاوية لتطوير احتياطاتها من الهيدروكربونات».

وينتهي سلامة إلى أن «الحل الوحيد هو التوصل إلى اتفاق لترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة من خلال تفاوض تشارك فيه تركيا واليونان وليبيا معاً».

وعقب تصاعد دخان الأزمة أممياً، تطرق الرئيس المصري إلى الحدود البحرية، وذلك خلال استقباله حفتر بالقاهرة في 8 ديسمبر 2025. وأشار المتحدث باسم الرئاسة المصرية إلى «توافق الجانبين في ملف ترسيم الحدود البحرية، وأهمية استمرار التعاون المشترك بما يحقق مصلحة البلدين دون إحداث أي أضرار؛ وفقاً لقواعد القانون الدولي».

وكانت مصر ضمَّنت مذكرتها إلى الأمم المتحدة رفضها للحدود المعلنة للقارة البحرية الليبية، معتبرة أن مواقف ليبيا «لا تتوافق مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وتنتهك أحكام القانون الدولي»، وهو ما وصفه الجيولوجي النفطي اليوناني نيكولاو، بـ«السياسة الصحيحة». معتقداً أن «أي طريق آخر قد يؤدي إلى قانون الغاب... والبديل هو استخدام القوة».

وبسؤاله عن احتمالية اتجاه الأوضاع نحو اللجوء للقوة، نظراً لأن كل طرف يصر على ما يعتبره «حقه التاريخي»، قال نيكولاو إن بوادر الأزمة المستقبلية «باتت تلوح في الأفق»، في ظل ما وصفه بـ«اللامبالاة» من جانب الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، و«عزوفهم عن التدخل لفرض تسوية تمنع الانفجار».

ويختتم قراءته للمشهد المأزوم بالتأكيد على أن «جمهورية قبرص، بمقدراتها المحدودة، لا تمتلك القدرة على مجابهة تركيا؛ مما يجعل اللجوء إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي المخرج السلمي الوحيد المتاح».

وفي ظل تداخل الملفات وتعارض المصالح الإقليمية والدولية، يستشرف اللواء سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي المصري، نُذر خطر وشيك، لافتاً إلى أن بلاده تواجه تحديات جسيمة تهدد أمنها القومي على المحاور الاستراتيجية كافة.

وخلص فرج إلى أن «النزاع المسلح القادم في المنطقة سيتمحور حول غاز المتوسط... الحروب التقليدية لم تعد هي العامل الحاسم، بل أصبحت الحروب التجارية والاقتصادية هي الفيصل في حسم الصراعات الدولية».


مسيحيو سوريا... حراسة ذاتية وأعياد صاخبة لكسر «الخوف الطبيعي»

TT

مسيحيو سوريا... حراسة ذاتية وأعياد صاخبة لكسر «الخوف الطبيعي»

رجال أمن سوريون يحرسون موكب الكشافة المسيحية في دمشق القديمة (أ.ف.ب)
رجال أمن سوريون يحرسون موكب الكشافة المسيحية في دمشق القديمة (أ.ف.ب)

إنها صبيحة يوم جمعة وكنيسة مار إلياس في حي الدويلعة الدمشقي تدق أجراسها إيذاناً ببدء القداس الأسبوعي. هنا ترفع صلوات وترانيم يومية، بينما يقام قداس الأحد أيام الجمعة أيضاً ليتزامن مع العطلة الأسبوعية في البلاد، ويناسب «الموظفين ومن يرتبطون بدوام عمل أو دراسة»، والأمر على هذا المنوال منذ أيام النظام السابق.

هي الكنيسة نفسها التي تعرَّضت قبل 6 أشهر لتفجير انتحاري أودى بحياة 25 شخصاً، ولا تزال صورهم مرفوعة في الساحة العامة للمنطقة على شكل لافتة كبيرة وأخرى كزينة على شكل شجرة ميلاد، في حين القداديس والمناسبات الدينية ولقاءات الفرق الكشفية تجري كلها في قاعة سفلية يُفترَض أنها مؤقتة.

على بعد أيام قليلة من عيد الميلاد لدى الطوائف المسيحية الغربية، كان المبنى الرئيسي للكنيسة لا يزال قيد الترميم. وكان أهالي الحي، والعائلات المكلومة تحديداً، يأملون في أن تنتهي الأعمال بوتيرة أسرع علّهم ينجحون في إحياء صلاة العيد في كنيستهم. لكن ذلك لم يحدث.

كنيسة مار إلياس في الدويلعة قيد الترميم بعد التفجير الانتحاري الذي وقع فيها في 22 يونيو الماضي (الشرق الأوسط)

كثر الحديث والترويج لتبرعات من رجال أعمال مسلمين أطلقت عملية الترميم من دون إمكانية التثبت من ذلك، حتى من الكنيسة نفسها.

في النهار كان فتيان وفتيات الكشافة كما القساوسة والشبان الأكبر سناً يتراكضون في الأحياء وبين الأزقة للمشاركة والإشراف على سير الأعمال، من نصب منصة وتنظيف أرصفة وتأمين مقاعد كافية لحدث استثنائي. إضاءة شجرة الميلاد الكبيرة واحتفالية اجتماعية دينية تعلن بدء موسم الأعياد. لكن ذلك أيضاً، لم يحدث.

فما إن بدأ الناس في التوافد إلى المكان مع ساعات المساء الأولى، حتى سرت شائعة بأن «داعشياً» يتجوّل بين الجموع. أثار الأمر بلبلة واستنفاراً أمنياً وتدافعاً كبيراً نتج منه حالتا إغماء لسيدتين ومزيد من الفوضى مع وصول المسعفين، انتهت كلها بإلغاء الفعالية وتأجيلها لوقت آخر بلا كثير جمهرة وصخب.

تضاربت الروايات عمّا حدث تماماً في تلك اللحظة، وبدا أن أحداً من أهل المنطقة لا يريد الخوض في التفاصيل. فحتى أحد أهالي الضحايا الذي كان وافق موافقة مبدئية على التحدث إلينا، عاد واعتذر تفادياً لـ«تقليب المواجع».

شاع الخبر واختفى سريعاً كأنه لم يحدث.

شجرة الدويلعة مزينة بصور وأسماء ضحايا التفجير الانتحاري الذي وقع في كنيسة مار إلياس في يونيو الماضي (أ.ب)

«مخاوف طبيعية»

نفى صاحب صيدلية في الدويلعة أن يكون الحادث متعلقاً بأي عمل إرهابي وإنما رد المسألة برمتها إلى «مخاوف طبيعية». قال الرجل مفضلاً عدم ذكر اسمه إن «كل ما في الأمر أن شاباً على موتوسيكل يحمل علم (لا إله إلا الله) الأبيض، وهو شائع جداً هذه الأيام، مرّ للفرجة بينما الناس يتوافدون إلى الحفل». وتابع قوله: «يبدو أن أحد شباب الحراسة المحلية لحق به فهرب مسرعاً؛ ما أثار الذعر والفوضى والتدافع». وقلل الرجل من تلك البلبلة كونها «أمراً طبيعياً في هذه الظروف».

وإذ تبدو الإحالة إلى الطبيعة محط كلام شائع بين الناس هنا لتفسير أحوالهم، فإنها تبقى كالسهل الممتنع حيال أي محاولة للاستفاضة أو الشرح. إنها تبديد للسؤال قبل الخوض في البحث عن إجابة.

وأما الخوف «الطبيعي» بدوره، فقد أرجعه الصيدلاني إلى صدمة لم تكمل عامها الأول بعد، ولا تزال تحفر في النفوس و«أفقدت الناس الشعور بالأمان»، بعدما وقع ما لم يخطر ببال. عن لحظة تفجير الكنيسة في يونيو (حزيران) 2024، قال: «كان جاري هنا في الصيدلية وسمعنا الصوت. تهافت الناس وبدأوا يصرخون: انتحاري في الكنيسة. انتحاري في الكنيسة. لم نصدّق وأكملنا حديثنا معتقدين أنه مجرد كذب وتهويل».

رجال إنقاذ وأشخاص يتفقدون الدمار في موقع هجوم انتحاري في كنيسة مار إلياس بمنطقة الدويلعة بدمشق (أ.ف.ب)

وأضاف بعد برهة صمت كمن يعاتب نفسه: «كيف نصدق؟ بعمري هيك شيء ما صار!».

وعندما هرعت سيارات الإسعاف وهبّ الجميع للمساعدة وجاء رجل بابنته إلى الصيدلية لتطبيب جرحها والدماء تسيل من جبينها، حدثت فجأة لحظة يقظة.

إنه انتحاري فجَّر نفسه بين المصلين. لقد حدث ذلك بالفعل.

وحي الدويلعة الذي شاع ذكره بعد تلك الحادثة يقع في جنوب شرقي دمشق. وهو مختلط سكانياً بين مسلمين سنة وغالبية مسيحية متنوعة مذهبياً تتقاسم كنائسها المختلفة الشوارع الرئيسية للمنطقة التي تشبه قرية صغيرة، في حين الأبنية في الأحياء الداخلية أقرب إلى العشوائيات.

وقد شهدت منطقة الدويلعة دفقاً سكانياً كبيراً جعلها مكتظة بشكل أكبر بعد توافد مهجَّرين من المناطق السورية الأخرى التي شهدت أعمالاً عسكرية وحربية، بينما بقيت هي بمنأى عن أي «حوادث أمنية»، وذلك على عكس أحياء تكاد تكون ملاصقة لها مثل جوبر والتضامن المدمَّرين تدميراً كاملاً.

حراسة أهلية وأمن ذاتي

واليوم، تحمي الدويلعة نفسها بنظام «حراسة أهلية»، يتناوب من خلاله شبان من أبناء المنطقة على حفظ الأمن ومراقبة دخول وخروج «الغرباء». وقد شاع هذا النمط في أكثر من منطقة أو مدينة، ومنها جرمانا المختلطة طائفياً بين مسلمين ومسيحيين وأقليات أخرى وغالبية درزية طاغية، ويفصلها عن الدويلعة الجسر المتحلق الجنوبي.

مسؤول «قطاع أمني» في الدويلعة، شرح لنا تقسيمات العمل الميداني و«التدرج في التشدد الأمني»، فقال: «مباشرة بعد لحظة السقوط استنفرنا كشباب حي لحفظ الممتلكات من السرقة والنهب. توزعنا في الشوارع وتحت منازلنا بطريقة عفوية في البداية، ثم أخذنا نوزّع الورديات والأدوار بيننا. ولم يأت أحد نحونا. أعتقد أننا كنا منسيين أصلاً... واستمرت بنا الحال هكذا حتى تفجير (كنيسة) مار إلياس».

وكما شكَّل العمل الإرهابي لحظة يقظة لصاحب صيدلية، فقد كان صفعة أيقظت أحياء كاملة من «المنسيين» وكأن مقولة «الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا» وجدت ترجمتها الحرفية هنا.

طفل يغفو في قداس ليلة عيد الميلاد في كنيسة مار يعقوب النصيبي في القامشلي (رويترز)

ويوضح الشاب كيف تغير الوضع كلياً، فقال: «تطوعنا بشكل أكبر لحماية الكنائس أولاً فتم تطويقها، بالإضافة إلى توزيع مجموعات أكثر بين البيوت وعند مداخل الأحياء الصغيرة وبدأنا بنحو 80 أو 90 شاباً».

وبالفعل، لدى زيارة الدويلعة كانت كنيسة مار إلياس مغلقة للعامة ويمكن الدخول إليها عبر باب خلفي ضيق يعرفه مرتادوها ومن يعرِّفون عن نفسهم عبر شخص ثقة. وكان هذا حال غالبية دور العبادة المسيحية التي مررنا بها، كما بدا الشبان المتجمعون عند النواصي أكثر من مجرد «متسكعين» في يوم جمعة مشمس.

وحسب الشاب الذي يزاوج بين وظيفة حكومية نهاراً ومهمة الحراسة مساءً، فإن هؤلاء «الأمنيين» كلهم متطوعون بالكامل، يسهرون على أهلهم وأرزاقهم من دون مقابل مادي وكل بحسب قدرته وظروفه، «يشاركهم أحياناً بعض أصدقائهم أو جيرانهم المسلمون».

تعاون مع المخفر

وأما عن رجال الأمن الفعليين، التابعين للحكومة السورية، فهؤلاء يبقون في المخفر وفي فرع الأمن الجنائي عند مدخل المنطقة، لا يتجولون في الشارع إلا بطلب مباشر من «مجموعات الأحياء». فإذا وقع حادث أو مشادة تتطلب تدخلهم، يتم استدعاؤهم؛ لكون المتطوعين غير مسلحين إلا ببعض القطع الفردية «وهي قليلة جداً ومرخصة ويحملها أصحابها بمعرفة المخفر».

ويوضح محدثي أن أحداً من حملة السلاح الفردي لا يستخدمه في مناوبات الحراسة المشتركة لئلا يتحمل مسؤولية فردية عن أي حادث عام فتنزلق الأمور إلى تصعيد غير مضبوط «خصوصاً أن شباب الأمن لا يتأخرون في الاستجابة عندما نطلبهم».

ويتابع: «الوضع مربك جداً. فما عدنا نعلم كيف نميز الخطر الحقيقي... وفي الحادثة الأخيرة وصل الأمن وساعدنا منذ اللحظة الأولى، لكن حالة هلع عامة أصابت الناس. ماذا نفعل مع الخوف؟ مشكلتنا ليست أبداً مع الدولة، فنحن نريد دولة، ولا مع رجال الأمن، فقد وقفوا معنا. مشكلتنا في غياب الأمن».

مسلح درزي (يسار) يتحدث مع قوات الأمن السورية التي توصلت إلى اتفاق للانتشار حول جرمانا جنوب دمشق (أ.ب)

«تفاهمات» جرمانا

ذلك الكلام بحرفيته تسمعه في جرمانا التي نالت حصتها من «صفعة اليقظة» مع مشاكل المناطق الدرزية بدءاً بمواجهات صحنايا نهاية أبريل (نيسان) الماضي، ثم أحداث السويداء، لكن سريعاً ما نأت جرمانا بنفسها عبر «تفاهمات محلية»، أبرزها مشاركة الشباب الدروز في دوريات الأمن العام ونقاط الحراسة والعمل معهم بواقع شاب أو اثنين لكل مجموعة أمنية من خمسة عناصر.

وإذ لا يرتدي شبان الحراسة الأهلية في جرمانا اللباس العسكري، غير أنهم يلتزمون بشيء من الملمح العسكري كالبنطال والقميص الأسودين تحت سترة كاكية أو كحلية، ويشكّلون بذلك «مفاتيح» الأحياء ووجهاً مألوفاً للأهالي ورجال الأمن معاً فيضبطون إيقاع الطرفين معاً.

وبخلاف الدويلعة، تعدُّ جرمانا تقليدياً مدينة للطبقة المتوسطة وأصحاب المهن الحرة في دمشق وهي شهدت بدورها توسعاً كبيراً في العقد الأخير، جعلها أكثر اكتظاظاً وزحمة وعشوائية. لكن الركيزة فيها حسب أحد شبانها، وهو رجل دين درزي، أن «التعايش الأهلي هنا فطري وسابق على الأوضاع الحالية»، لافتاً إلى أن دروز جرمانا هم «سكان أصليون يقيمون فيها منذ ما يقارب ألف عام، ولا يتحدرون من حلب وشمال البلاد».

وبالتالي، فإن «الإشكالات الأمنية» التي برزت في العام الماضي، هي مرة أخرى «أمور طبيعية»، ألفها دروز جرمانا عبر العصور وباختلاف أنظمة الحكم في دمشق. وهنا، في هذه البقعة من الفسيفساء السورية، يشكل الترابط السني - الدرزي التاريخي، صمغ الروابط الاجتماعية وركيزة الأمن السياسي. لذا؛ حين فاوض أبناء جرمانا على إبقاء سلاحهم، وهم بعكس أبناء الدويلعة، مسلحون ولا يخفون ذلك، فقد نجحوا في التوصل إلى «حلول وسطية مُرضية للجميع» بالمشاركة الفاعلة في حفظ أمن منطقتهم والبقاء ضمن حدودها.

زينة ميلاد ورأس السنة في أحد أحياء حلب وبدا رجلا أمن يحرسان المكان (الشرق الأوسط)

وعن ذلك الخيط الرفيع الذي يفصل بين مطلب السكان بـ«ضبط الأمن» من جهة، وندائهم الصامت بـ«الحفاظ على خصوصية المنطقة» من جهة ثانية في معادلة صعبة تشوبها جيرة قابلة للاشتعال في أي لحظة، قال الشاب الأمني ابن الدويلعة: «في الواقع عرضوا علينا الانتساب للشرطة عوضاً عن العمل التطوعي هذا، لكن الأهالي رفضوا لأن ذلك يعني خروج الشباب من الحي لتأدية خدمتهم، حيث يتم توزيعهم في المناطق السورية كافة، كذلك يفترض بهم الالتزام بقرارات القيادة وهم يفضلون البقاء في الدويلعة».

صور نمطية

وإذا كانت جرمانا تعيش بشيء من الرخاء الاقتصادي، فإن الدويلعة، وباختلاف الانتماءات الطائفية والمناطقية فيها، يبقى القاسم المشترك الأبرز بين سكانها هو الحالة الاقتصادية المتردية التي تشابه الفقر إن لم تكن الفقر بعينه. يقول شاب من أبناء الحي تهجَّر مع والدته «في مطلع الأحداث» (الثورة ضد نظام بشار الأسد) من درعا ولم يكن يتجاوز العاشرة من عمره: «هناك نظرة للمسيحيين بأنهم بالضرورة مرفَّهون وأغنياء وهم لا يعرفون كيف يعيش الناس هنا. يعتقدون أننا جميعاً من القصَّاع وباب توما».

شجرة ميلاد وزينة في أحد فنادق باب توما في دمشق (الشرق الأوسط)

وعمَّا إذا كان يعرف هاتين المنطقتين الشهيرتين معرفة جيدة أو له أقارب فيهما مثلاً، قال إنه يذهب أحياناً مع أصدقائه للفرجة، ولكنه يعود قبل هبوط الليل.

وهناك في القصَّاع وباب توما، حيث البيوت الدمشقية التقليدية التي تحولت فنادق ومطاعم فاخرة، بدت زينة الميلاد هذا العام استثنائية بكل المقاييس، وطغت على المشهد العام للعاصمة السورية؛ إذ امتدت إلى شوارع وأحياء خارج حدود المناطق ذات الطابع المسيحي حصراً.

بدت أحياء دمشق الراقية كلها مزدانة بشجرات العيد والزينة الحديثة كما عمدت الفنادق والأسواق التي امتنعت عن إبداء أي مظاهر احتفالية العام الماضي، إلى استعراض كل ما لديها من إضاءة وتصاميم ميلادية متنوعة. في أكثر من فندق حمل حرفيون وفنانون محليون بضائعهم ومصنوعاتهم اليدوية للمشاركة في «معارض الميلاد»، حيث عزفت فرق شبابية موسيقى غربية من وحي المناسبة.

عائلة سورية تلتقط صورة تذكارية أمام شجرة الميلاد في دمشق (أ.ف.ب)

ولا يخفى أن شجرات الزينة في الأماكن العامة والفعاليات ومداخل الحارات محمية بعناصر من الأمن العام أو سيارات شرطة، أو بحراسات أهلية تعمل بالتنسيق كما هي الحال في الدويلعة. كذلك، فإن الضوء الأخضر الحكومي، غير المعلن ولا المكتوب، بضرورة أن يحتفل المسيحيون بأكثر صخب ممكن، لا يخفى بدوره. فالجهد الكبير المبذول في «طمأنة» القلقين، يتجاوز دمشق وأحياءها إلى حلب وما بينهما من بلدات مسيحية بدأت تشهد عودة أهلها تدريجياً ومعهم طقوسهم الميلادية وصورهم وفيديوهاتهم التي انتشرت على «السوشيال ميديا».

أقليات ضمن أقليات

قد يوحي ذلك المشهد العام لبرهة بأن للمسيحيين في سوريا حصةً أكبر من حجمهم الديمغرافي في قطاعات السياسة أو الاقتصاد أو الثقافة أو أي حيز عام، وهم كانوا حتى مطلع 2011 يقاربون 10 في المائة من السكان، حسب المعلن رسمياً. لكنهم عملياً وبمختلف مذاهبهم ومشاربهم (وهم يقاربون 11 طائفة) ممثلون بوزارة واحدة للشؤون الاجتماعية تحتل فيها الوزيرة هند قبوات مقعد المرأة ومقعد الطائفة معاً، مثلما منح الدروز وزيراً للزراعة هو ابن السويداء أمجد بدر.

شجرة ميلاد وبابا نويل في بلدة القنيّة في إدلب (أ.ف.ب)

وفي وقت تتسابق فيه مكونات المجتمع السوري من «الأقليات الأكبر» على نفض خطاب «الأمة العربية الواحدة، ذات الرسالة الخالدة» الذي كان يرفعه حزب «البعث» شعاراً، وحجز مواقع في التركيبة الجديدة تعكس واقعهم على الأرض، يبدو الإحجام والترفع عن المطالبة بحصة وازنة من الدولة ومؤسساتها هو مآل «الأقليات الأصغر». فحتى وظيفة الشرطي في حي فقير كالدويلعة لا تبدو مغرية كفاية، وكأن جُلّ المطالب يتحقق في شجرة عيد وبعض الزينة الموسمية ومشاركة ضمن حدود الحارة، وهم إذ ذاك يرسخون كونهم استثناءً نادراً و«أقلية نموذجية».


تسونامي الذكاء الاصطناعي يجرف ملايين إلى البطالة

«الذكاء الاصطناعي في العالم المادي» على شاشة أمام مشاركين بمؤتمر لعرض التطورات في تكنولوجيا القيادة الذاتية بكاليفورنيا في 11 ديسمبر 2025 (رويترز)
«الذكاء الاصطناعي في العالم المادي» على شاشة أمام مشاركين بمؤتمر لعرض التطورات في تكنولوجيا القيادة الذاتية بكاليفورنيا في 11 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

تسونامي الذكاء الاصطناعي يجرف ملايين إلى البطالة

«الذكاء الاصطناعي في العالم المادي» على شاشة أمام مشاركين بمؤتمر لعرض التطورات في تكنولوجيا القيادة الذاتية بكاليفورنيا في 11 ديسمبر 2025 (رويترز)
«الذكاء الاصطناعي في العالم المادي» على شاشة أمام مشاركين بمؤتمر لعرض التطورات في تكنولوجيا القيادة الذاتية بكاليفورنيا في 11 ديسمبر 2025 (رويترز)

لم يكن عام 2025 سعيداً على اللبنانية حامدة الشاكر، وهي مدققة ومحررة لغوية، إذ انتهت مسيرتها المهنية قبل أن ينتهي العام. الشاكر، التي لامس عمرها الستين، لم يسبق لها تجربة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي أو التحدث مع «تشات جي بي تي»، كما يفعل الكثيرون، ولم تدرك أن هذه الأدوات التي غزت أجهزة الجوال والكمبيوتر باتت تؤدي عملها بسرعة وكفاءة مذهلتين.

لقد شكّل هذا التحول في المهن «تسونامي» جرفها مع ملايين الموظفين حول العالم نحو البطالة، في ظاهرة لا تستثني أحداً وتضرب قطاعات متعددة. لكن تأثيرها يكون أشد على الموظفين الذين تجاوزوا سن الخمسين، ولم يواكبوا سرعة التغيير التكنولوجي. فوفقاً لموقع «allaboutai»، تسبب اعتماد الذكاء الاصطناعي حتى الآن في فقدان نحو 14 مليون موظف لأعمالهم حول العالم، و«الحبل على الجرار»؛ إذ هناك توقعات بزوال 92 مليون وظيفة في العالم خلال السنوات الخمس المقبلة.

في جوهره، الذكاء الاصطناعي هو قدرة الأنظمة الحاسوبية على محاكاة التفكير البشري، واتخاذ القرارات، وتنفيذ المهام المعقدة، بدءاً من التخطيط وصولاً إلى التطبيق العملي، بخاصة في المجالات النظرية والتحريرية.

صدمة ومستقبل غامض

هذا الواقع لم تكن الشاكر على علم به، ما تسبب لها بصدمة تلتها صدمة أخرى خلال 2025 الذي شهد أوسع انتشار لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. كانت الصدمة الأولى حين تلقت اتصالاً من قسم الموارد البشرية يخبرها بتخفيض راتبها بنسبة 50 في المائة بسبب «صعوبات مالية تواجهها الشركة». وبعد أقل من خمسة أشهر، جاءتها الثانية عبر اتصال آخر يبلغها بقرار الاستغناء عنها، من دون أن تفهم السبب.

لكن وفق رواية الشاكر، نقلاً عن مسؤول قسمها، لم تكن وحيدة في ذلك؛ إذ فقد نصف الفريق وظائفهم نتيجة تأثير الذكاء الاصطناعي على عقود العملاء، أي الشركات التي راحت تستعين بالذكاء الاصطناعي لصياغة أخبارها وبياناتها وتقاريرها، مجاناً أو مقابل اشتراك شهري زهيد، مقارنة بالمبالغ التي كانت تتكبدها للتعاقد مع وكالات متخصصة في مجال العلاقات العامة والدعاية.

وفي هذا السياق، تشير تحليلات اقتصادية، نشرتها «رويترز»، إلى أن الاشتراك السنوي في أدوات ذكاء اصطناعي متقدمة – حتى على مستوى المؤسسات – لا يتجاوز في كثير من الحالات تكلفة راتب موظف واحد لشهور محدودة. وهذا يجعل القرار، من منظور إداري بحت، خياراً «موفراً» وسهل التبرير مالياً.

وهكذا، تصبح الشاكر وزملاؤها رقماً إضافياً في معادلة باردة: شركات تزيد أرباحها وتخفض تكلفة الإنتاج، مقابل اتساع رقعة العاملين الذين يُدفعون خارج السوق، ليس لأنهم أقل كفاءة، بل لأن الخوارزميات باتت أقل كلفة من البشر.

القطاعات الأكثر تأثراً

قصة الشاكر وزملائها ليست حالات فردية؛ بل هي جزء من ظاهرة عالمية متنامية، شملت موظفين وعمالاً في قطاعات متعددة. وتشير تقارير متخصصة إلى أن الوظائف القائمة على المهام الروتينية أو المعالجة المتكررة للبيانات هي الأكثر عرضة للاستبدال، وذلك مع التوسع في استخدام أدوات الأتمتة والذكاء الاصطناعي التوليدي. وهنا نظرة على أبرز تلك القطاعات:

خدمات الزبائن ومراكز الاتصالات: تُعد في مقدمة القطاعات المهددة. فأنظمة المحادثة الذكية وتحليل النصوص والصوت باتت قادرة على التعامل مع استفسارات المستخدمين بكفاءة عالية، وفقاً لموقع TechRT.

البيانات والدعم الإداري: يبرز هذا القطاع بين الأكثر تأثراً. فمهام مثل إدخال البيانات وتصنيف الملفات وأعمال السكرتارية تُستبدل بأدوات أتمتة متقدمة، حسب منصة Complete AI Training.

التجزئة وسلاسل التوريد: تُظهر تقارير Pleeq Software وninjatech.blog أن الدفع الذاتي، والمستودعات الذكية، وأتمتة المخزون، أسهمت في تقليل الحاجة إلى موظفي الصندوق (الكاشير) والعمال التقليديين في المخازن.

الصناعة والإنتاج: عزّز انتشار الروبوتات الاصطناعية وتقنيات التحكم الآلي من تأثير الذكاء الاصطناعي على وظائف العمالة اليدوية، حسب موقع All About AI.

المحاسبة والعمليات المالية: وظائفها البسيطة تسجل تراجعاً في الطلب، وذلك نتيجة اعتماد الشركات على برمجيات مالية ذكية قادرة على تنفيذ مهام مسك الدفاتر (bookkeeping) والعمليات الروتينية، حسب Complete AI Training.

صناعة المحتوى والإعلام: لم تكن هذه الصناعة بمنأى عن التحولات؛ إذ بات الذكاء الاصطناعي قادراً على كتابة المحتوى وتلخيصه وإعادة صياغته، مما يهدد عدداً من المهام الكتابية البسيطة.

ولا يدري كثير من الموظفين الذين فقدوا أعمالهم أنهم ضحايا «الثورة الصناعية الرابعة»، التي كان كلاوس شواب، مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي ومديره حينها، نبّه إلى نتائجها قبل حدوثها بقوله، أمام «القمة العالمية للحكومات» في دبي عام 2016، إن «العالم يقف على حافة ثورة تكنولوجية من شأنها أن تحدث تغييراً جذرياً في أنماط الحياة التي نعيشها والعمل الذي نؤديه والطريقة التي نتعامل بها بعضنا مع بعض. وبسبب عظم حجم هذه الثورة ونطاقها وتعقيداتها، فإن التغييرات التي سترافقها لم ترَ البشرية مثيلاً لها من قبل. نحن لا نعرف حتى الآن كيف ستكون تلك التغييرات، لكن شيئاً واحداً واضحاً لنا الآن: يجب أن يكون تجاوبنا نحن (مهما كنا في القطاع الخاص والعام والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني) معها متكاملاً وشاملاً».

متطلبات السوق والمهارات البشرية

وما توقعه شواب تحقق بشكل كبير، خصوصاً في الأشهر الأخيرة، مع تزايد تبني الشركات حول العالم لأدوات الذكاء الاصطناعي، ولم تعد الخبرة وحدها كافية للبقاء ضمن سوق العمل التنافسي. الوظائف التقليدية تتغير بسرعة، والمهارات البشرية المطلوبة أصبحت أكثر تخصصاً وتعقيداً؛ إذ لم يعد التركيز منصباً فقط على الأداء الفردي، بل على القدرة على التعاون مع الأنظمة الذكية وتحويل المعلومات إلى قيمة مضافة.

في هذا السياق، يبرز دور الخبراء المهنيين الذين يفهمون كيفية دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي دون التضحية بجودة النتائج أو العمق التحليلي، وفق ما يوضحه مزيد حجاز، رئيس تحرير وكالة «نحو الحوار للدعاية والإعلان» في الرياض.

ويؤكد حجاز لـ«الشرق الأوسط» أن «الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً أساسياً من العمل اليومي من ناحية السرعة والكمية، بينما تبقى المراجعة والتحرير والتحليل مرتبطة بالكامل بالإنسان لضمان الجودة».

ويضيف حجاز أن «القطاع يحتاج اليوم إلى مهارات جديدة، ومن يتخلف عنها يكن خارج السرب. أبرزها استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الكتابة والتحليل، وقراءة البيانات، والتحليل التنبؤي، وتحويل المعلومات إلى سردية مشوّقة. الدمج بين مهارات الإنسان وأدوات الذكاء الاصطناعي هو ما يضمن التفوق».

من جانبه، يشدد فراس بركات، خبير الاتصالات الاستراتيجية في السعودية، على أن الذكاء الاصطناعي «يمثل نقطة تحول محورية في أسواق العمل، تعزز الكفاءة وتعيد تشكيل طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة».

ويقول بركات لـ«الشرق الأوسط»: «لا شك أنه تسبب في فقدان وظائف تقليدية كالمهام الروتينية، لكنه، في المقابل، محرك ضخم لتوليد فرص عمل جديدة في مجالات متقدمة مثل تحليل البيانات، والأمن السيبراني، وإدارة الأنظمة الذكية، وهندسة الحلول الرقمية، ووظائف لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة».

تكرار التاريخ

إلا أن حسن يحيى، الخبير التكنولوجي المقيم في الولايات المتحدة، يقدم رأياً مستنداً إلى التاريخ، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «ليست المرة الأولى التي يقف فيها العالم مذهولاً أمام التطورات التقنية. يتكرر الخطاب نفسه حول فقدان الوظائف مع كل ابتكار ضخم»، لافتاً إلى أنه في عام 1959، عندما أدخلت «جنرال موتورز» الروبوت الاصطناعي «يونيمايت»، برزت موجة كبيرة تحذر من خطورته على الوظائف.

ويشير يحيى إلى أن «الذكاء الاصطناعي بدأ يؤثر على ملايين الوظائف، وهناك توقعات للمنتدى الاقتصادي العالمي بزوال 92 مليون وظيفة خلال السنوات الخمس المقبلة. لكن في المقابل، سيولد أكثر من 170 مليون وظيفة جديدة، ما يعني تحولاً جذرياً في بنية العمل، لا بطالة جماعية».

ومن هنا، يقول يحيى: «من المنطق أن فقدان الوظائف من دون تعويضها لا يخدم الشركات ولا الاقتصادات، ما يجعل توليد وظائف جديدة أمراً حتمياً. لكن ذلك يتطلب تعلم كيفية العمل مع الذكاء الاصطناعي؛ لأن تجاهل هذا التحول قد يترك كثيرين خارج سوق العمل المتغير».

توفير التكلفة وتعظيم الأرباح

ما يتعرّض له الموظفون لا يمكن فصله عن معادلة اقتصادية باتت تتكرر في آلاف الشركات حول العالم. فبدلاً من الاحتفاظ بموظفين ذوي خبرة، وما يصاحب ذلك من رواتب وتأمينات وحقوق نهاية خدمة، تتجه مؤسسات كثيرة إلى الاستغناء عن كوادرها لمصلحة الذكاء الاصطناعي.

وهذا ما يؤكده تقرير صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي (World Economic Forum)؛ إذ يفيد بأن 41 في المائة من الشركات العالمية تخطط لتقليص قواها العاملة بحلول عام 2030 نتيجة اعتمادها المتزايد على الذكاء الاصطناعي والأتمتة.

وهنا يتحدث حجاز عن تأثير تبني الذكاء الاصطناعي على علاقة الشركات مع العملاء، فيقول إن «استخدام الذكاء الاصطناعي أسهم في تسريع العمل وتحسين جودته بشكل ملحوظ. انتقلنا من مرحلة سرعة الحصول على المعلومة إلى مرحلة (المعلومة في ومضة)، أي تحليلها وصياغتها لحظياً، مع قدرة الذكاء الاصطناعي على تقديم سيناريوهات متعددة للمحتوى، وتحليل اتجاهات الجمهور». ويستشهد بدراسة لـDeloitte تفيد بأن دمج الذكاء الاصطناعي في العلاقات العامة أدى إلى خفض زمن إنتاج المحتوى بنسبة 25-35 في المائة وتحسين دقته.

سوق بمليارات الدولارات

وهنا تتوزع المكاسب على جهتين، رجال الأعمال وشركاتهم وكذلك الشركات المنتجة للذكاء الاصطناعي التي تحقق عائدات مالية ضخمة، تتناقض مع واقع آلاف الموظفين. ففي منتصف عام 2025، حسب تقرير لـ«رويترز»، وصلت الإيرادات السنوية لشركة OpenAI، المطوّرة لنموذج ChatGPT، إلى نحو 10 مليارات دولار بنهاية النصف الأول من العام، متجهة نحو هدف يتجاوز 12.7 مليار دولار بحلول نهاية العام، مدفوعة بالطلب المتسارع على خدماتها وبرمجياتها الذكية.

ولا يقتصر هذا النمو المالي على OpenAI وحدها؛ إذ أظهر تقرير لـ«فوربس» أن شركات تقنية عالمية أخرى تمتلك وحدات ذكاء اصطناعي تُسهم في رفع إيراداتها السنوية بمليارات الدولارات، ما جعل الذكاء الاصطناعي أحد أهم مصادر الربح للشركات الكبرى في قطاع التكنولوجيا، حتى عندما يستغني بعضها عن موظفين بهدف تحسين كفاءة التكلفة التشغيلية.

اللاعبون الرئيسيون

وبناء على ما تقدم، يطرح سؤال جوهري هو: من هم اللاعبون الرئيسيون في هذا المجال؟ ويجيب الذكاء الاصطناعي نفسه بالتالي: شركة OpenAI، الأشهر عالمياً بفضل ChatGPT، رائدة في النماذج اللغوية الضخمة، ولديها شراكة استراتيجية مع Microsoft.

تليها Google DeepMind، التي طورت نماذج قوية مثل Gemini وAlphaGo، وتعد رائدة في الذكاء الاصطناعي العلمي والطب والبحث.

وMicrosoft نفسها أصبحت قوة عالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، مستثمرة مليارات الدولارات في OpenAI، ودمجت تقنيات الذكاء الاصطناعي في Windows وOffice (Copilot) وAzure AI.

في المقابل، تعمل NVIDIA على تطوير الرقاقات والمعالجات الأساسية للذكاء الاصطناعي، بينما تقدم Meta (Facebook) نماذج مفتوحة مثل LLaMA. وكذلك تعد Amazon (AWS) رائدة في الذكاء الاصطناعي السحابي، فيما تبرز Anthropic كمنافس قوي في مجال نماذج اللغة.

أما بالنسبة إلى حجم سوق الذكاء الاصطناعي فتفيد تقديرات حديثة بأنه بلغ في عام 2025 نحو 747.9 مليار دولار، مع توقعات بنموه ليصل إلى 2.74 تريليون دولار بحلول عام 2032، وفق موقع AffMaven.

القلق من التداعيات

هذا التباين الصارخ بين عائدات بمليارات الدولارات تحققها شركات الذكاء الاصطناعي، والخطر المتصاعد الذي يهدد ملايين الموظفين الذين يجدون أنفسهم بلا عمل أو في وظائف هشّة، يطرح سؤالاً أخلاقياً واقتصادياً مركزياً: لماذا تستفيد الشركات من التكنولوجيا لتقليل التكلفة الإنتاجية وتعظيم أرباحها، بينما تظل مسؤوليتها الاجتماعية تجاه الموظفين المستغنى عنهم غائبة أو مؤجلة في كثير من الأحيان؟

فهذا التوفير، كما يحذر خبراء اقتصاد، يتم غالباً دون تحمل الشركات لمسؤولياتها الاجتماعية، ولا يُقابل بإعادة تأهيل حقيقية للموظفين المسرّحين، ولا بتوليد فرص بديلة لهم، مما يسهم في تعميق أزمة البطالة عالمياً بدلاً من معالجتها.

إسلام الشافعي، الخبير الاقتصادي المقيم في نيويورك، يستهل حديثه لـ«الشرق الأوسط» بالإشارة إلى تصريح أدلى به رئيس الاحتياطي الفيدرالي (الأميركي) جيروم باول، في 20 ديسمبر (كانون الأول) وتضمن تحذيراً من «موجة الاستغناء عن الموظفين بسبب الذكاء الاصطناعي، أو توقف شركات عن الإعلان عن وظائف للسبب نفسه».

مخاوف من احتمال تحول هذه الآلات إلى متخذة قرار بدلاً من أن تكون مجرد مساعد للإنسان (أ.ب)

ثم يقدم الشافعي رأياً مغايراً، لكنه يحمل تحذيرات عميقة. ويقول: «حتى هذه اللحظة، الرعب من الذكاء الاصطناعي هو رعب وقائي أو مسبق؛ إذ لم يبلغ مرحلة يحل بها محل الإنسان تماماً. ما هو حاصل الآن هو استعانة به، لكن لا يمكن الثقة به بشكل كامل». ويضيف: «صحيح أنه قد يؤدي إلى انخفاض عدد العمال، حيث يمكن لعمل كان يتطلب 5 موظفين أن ينجزه موظف واحد مع الذكاء الاصطناعي. هذا هو الخطر الحقيقي»، مشيراً إلى أن منظمة العمل الدولية لديها تحفظات كبيرة بشأن السلامة وقدرة الآلة على اتخاذ القرار. ومع ذلك، هناك أعمال لم يهددها الذكاء الاصطناعي، حتى الآن، مثل الحرف اليدوية (السباك، الكهربائي، النجار، الخياط)، وستبقى لفترة طويلة تعتمد على القدرة البشرية والإبداع البشري».

كسر الاحتكارات

وفي هذا السياق يركز يحيى على كسر ثلاثة احتكارات رئيسية لمواجهة هذه التحولات:

احتكار الشهادات الجامعية في التوظيف: شركات كبرى مثل «غوغل» و«ديل» أسقطت شرط الشهادات الجامعية، لتركز على المهارات المكتسبة.

الاحتكار التقني: الذكاء الاصطناعي منح الأفراد قدرة أكبر على تنفيذ الأفكار من دون الحاجة إلى فرق كبيرة.

الاحتكار اللغوي: للمرة الأولى، أصبحت التكنولوجيا غير مرتبطة بلغة واحدة، ما يسمح للمستخدم بالتفاعل مع الذكاء الاصطناعي بلغته الأم، ويفتح المجال لملايين الأشخاص للمشاركة في الاقتصاد الرقمي.

والاقتصاد الرقمي استمد من الثورة الرقمية التي غدت جزءاً رئيسياً من الاقتصاد العالمي، وتُظهر البيانات حجماً هائلاً يعكس تأثير التكنولوجيا والتحوّل الرقمي على الإنتاج والنمو؛ إذ من المتوقع أن يتجاوز حجم الاقتصاد الرقمي العالمي في عام 2025 نحو 24 تريليون دولار، ما يعادل نحو 21 في المائة من حجم الاقتصاد العالمي، مع استمرار النمو بوتيرة أسرع من الاقتصاد التقليدي.

اضمحلال الرأسمالية

أما الشافعي فيذهب بعيداً في تحليله، بخاصة خلال حديثه عن الجوانب القانونية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات الرأسمالية والدول المتقدمة التي تعتمد في مداخيلها على الضرائب التي تحصّل بمعظمها من الموظفين، ويقول: في حال فقدان الموظفين لوظائفهم مقابل الذكاء الاصطناعي الذي يعد أصحاب الأعمال المستفيد الأكبر منه، لن يبقى هناك وعاء ضريبي كافٍ للحكومات لتمويل خدماتها، مما قد يؤدي إلى انهيار هذه المجتمعات بسبب الفقر العام. في المقابل، قد تكون الدول التي تعتمد على نموذج التكافل والتعاون، حيث تكون الدولة هي المنتج، أكثر قدرة على مواجهة هذا التحدي.

ويشير الشافعي إلى أن «رجال الأعمال الذين كانوا يبنون مصانعهم في شرق آسيا للاستفادة من رخص الأيدي العاملة، قد يعودون إلى أوطانهم ليعتمدوا على الروبوتات في إنتاج سلعهم».

قلق أممي

ولما كانت مسألة خسارة الوظائف تأخذ بعداً عالمياً، فإنها بدأت تلقى صدى داخل أروقة الأمم المتحدة، وبخاصة في مقرها الرئيسي في نيويورك.

وهذا ما يؤكده الشافعي، الذي يمارس عمله من ذاك المقر الأممي، ويقول: «إن هناك قلقاً شديداً في الأمم المتحدة تجاه ثورة الذكاء الاصطناعي، لكن يؤخذ عليها أنها أصيبت بمرض التغاضي والحالة النفسية التي تصيب المضاربين عندما تكون هناك فقاعة اقتصادية، وهو محاولة النظر إلى المكاسب والتغاضي عن حجم الخسائر».

ويلفت إلى أن النقاش في الأمم المتحدة يدور حول أحد جانبي الذكاء الاصطناعي، أي الإيجابيات، إذ يسرع 80 في المائة من أهداف التنمية المستدامة (التي اعتمدتها الأمم المتحدة)، ويدعم 27 في المائة من مجالاتها، ويساعد في الأمن السيبراني. لكن الجانب الآخر، أي السلبيات، فإنهم لم ينظروا إليها بشكل واسع بعد، مثل الهاكرز (المخترقين) الذين قد يستغلون الذكاء الاصطناعي في عمليات الاحتيال الإلكتروني التي تغزو الكوكب.

ويؤكد الشافعي أن «المجتمع أصبح الآن مصاباً بمرض التعامي نتيجة هذه الفقاعة التكنولوجية، ويبحث عن المبررات، ويتغاضى عن السلبيات». وينبغي أن تكون هناك قوانين تنظم هذه البيئة؛ إذ أظهرت دراسات الأمم المتحدة أن 85 في المائة من الدول تفتقر إلى البيئة القانونية للتعامل مع الذكاء الاصطناعي. لكن بعض الأصوات، وفي مقدمتها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، تحذر بقوة من ترْك مستقبل البشرية للخوارزميات. وسبق له أن حذر في مجلس الأمن وغيره، من عسكرة الذكاء الاصطناعي. والسؤال هنا: إذا لم يكن الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، فهل كانت ستدعمه الدول؟ هناك مخاوف من أن يتحول إلى سباق وقيود أمنية جديدة تفرضها الحكومات على مواطنيها، بحيث يكون هو الرقيب وأن يتحول إلى آلة لعذاب المواطنين. يختتم الشافعي بأن أكثر المجالات التي ينطلق فيها الذكاء الاصطناعي هي المجالات العسكرية والأمنية وتقنيات التعرف على الوجه والتتبع، محذراً من احتمال تحول هذه الآلات إلى متخذة قرار بدلاً من أن تكون مجرد مساعد، وربما تقضي على الحياة على سطح الأرض.

تهديد أم فرصة؟

ومن هنا، فإن المخاوف من الذكاء الاصطناعي لا تتوقف عند حدود فقدان الوظائف أو إعادة تشكيل سوق العمل، بل تمتد إلى مستويات أكثر خطورة تمسّ جوهر الأمن الإنساني ذاته والشفافية، وبخاصة في مجال المعلومات.

وهنا يؤكد حجاز أن «الذكاء الاصطناعي يفرض مسؤولية أكبر لضمان الدقة والشفافية. نعتمد منهجاً واضحاً يشمل جودة المعلومات وموثوقيتها، والشفافية في الاستخدام، ونلتزم بالإفصاح عن دوره في عملياتنا».

لكن هل الذكاء الاصطناعي تهديد أم فرصة؟ يجيب حجاز: «رغم أن هذا السؤال بات هاجساً، فإن التجارب الحديثة تؤكد أن الذكاء الاصطناعي تطور حتمي يجب استثماره. فكما واجه العالم تحفظات مشابهة عند ظهور الحاسوب ثم الإنترنت، يتكرر المشهد اليوم، لكنه سرعان ما يتحول إلى عنصر تمكين بدل التهديد».

ويلفت إلى أن كثيراً من الدول، بينها المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، أصبح التكيف مع الحداثة جزءاً من الثقافة المهنية فيها. لكن من المهم الإشارة إلى أن 90 في المائة من العاملين في القطاع عالمياً، وفق دراسة من Cornell ArXiv، يرون أن الذكاء الاصطناعي قد يؤثر على موثوقية المعلومات ويزيد الحاجة للتحقق. كما يتوقع 59 في المائة من الجمهور الأميركي انخفاض عدد الصحافيين. في المقابل، تؤكد Muck Rack أن 75 في المائة من محترفي الإعلام والعلاقات العامة يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحسين الإنتاجية وتحليل البيانات وتطوير المحتوى، «ما يعني أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المهنة، لا استبدالها»، طبقاً لحجاز.

القيمة الإنسانية

ويؤكد أن «الإبداع هو القيمة الإنسانية التي لا يمكن للذكاء الاصطناعي استبدالها تحت أي ظرف. في (حوار)، نحرص على تحفيز المبادرات الفردية وتشجيع الشغف المهني، وهذا يتسق مع (رؤية السعودية 2030) التي وضعت الإنسان في قلب عملية التحول». ويضيف أن التقنية تعزز الإبداع ولا تلغيه، والإنسان يظل مصدر القيمة الأساسية.

ليس بديلاً

والإبداع البشري لا يزال ضرورياً، حى الآن، وفق ما يؤكده أستاذ الترجمة الدكتور محمد خير ندمان لـ«الشرق الأوسط». ويتحدث عن تجربته قائلاً: «من تجربتي في مجال الترجمة والكتابة أستطيع القول إن أدوات الذكاء الصناعي أصبحت توفر حوالي ٦٠%؜ من الوقت على الأقل، وهي تدعم عمل المترجم والكاتب وتعززه، لكنها -حتى الآن- ليست بديلاً عن العنصر البشري بشكل كامل». ويضيف: «أحياناً يرتكب الذكاء الصناعي أخطاء (قاتلة)، ومهمة العنصر البشري أن يدقق ما ينتجه الذكاء الصناعي ويصحح ما يرتكبه من أخطاء. حتى عند البحث عن معلومات، يعطي الذكاء الصناعي أحياناً معلومات خاطئة تماماً. ويشير ندمان، وهو سوري، إلى أنه سأل الذكاء الصناعي مرة عن نفسه فـ"جعلني كاتباً وشاعراً تركياً!!!».

من جهته، يقول بركات، إن «مستقبل سوق العمل لن يُقاس بعدد الوظائف التي تختفي، بل بقدرة الأفراد والمؤسسات على تطوير المهارات وتبني ثقافة التعلم المستمر. التحدي الأكبر يتمثل في مواكبة التحولات السريعة من خلال الاستثمار في التعليم، وإعادة التأهيل المهني، وتمكين الشباب من المهارات الرقمية».

الخبز والخباز

لكن الدكتور م. عبدالهادي، رئيس قسم علم الأمراض (Pathology) في أحد مستشفيات الولايات المتحدة، يرى أن «تسونامي» الذكاء الاصطناعي «لن يستمر طويلاً إذا وُضعت لوائح تنظيمية مناسبة له». ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «ليس كل من يقرأ معلومات طبية عبر الإنترنت أو يجمعها باستخدام الذكاء الاصطناعي يصبح طبيباً، ولا كل من ينقل أخباراً يصبح صحافياً، ولا كل من يقرأ عن محرك سيارة يصبح ميكانيكياً. على سبيل المثال، حتى لو جمعت معلومات واسعة حول القانون بمساعدة الذكاء الاصطناعي، فلن تُقبل في المحكمة كمحامٍ»، مشيراً إلى الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يساعد الأشخاص على طرح الأسئلة الصحيحة لمتخصصيهم، وجعل الإجراءات أكثر فعالية، مع تعزيز مصداقية الخبراء وتقليل فرص الاحتيال أو التدخل غير المهني.

ويستعين الدكتور عبدالهادي بالمثل القائل «أعطِ خبزك للخباز حتى لو أكل نصفه»، ليؤكد أن «الخبرة الحقيقية يجب أن تبقى في يد المختصين، فالتدريب المهني والتراخيص لا يمكن ولا ينبغي منحها للهواة، حتى لو كانوا مثقفين ومطلعين بفضل الذكاء الاصطناعي». ويختتم قائلاً: «نصف المعلومة قد يضر أكثر مما ينفع عند التطبيق، والأدلة الحقيقية تظهر في النتائج».

محاولة أخيرة؟

حامدة الشاكر لا تعد نفسها من الشباب، وهي تعيش في بلد (لبنان) يعاني من أزمة مالية كبرى ولا تقاعد فيه للعاملين في القطاع الخاص، وكانت تظن أن وظيفتها في شركة لها بُعد إقليمي تشكل لها ضمانة طويلة الأمد، لكن جاء من يهدد لقمة عيشها من حيث لا تحتسب.

وبعد فقدانها عملها، حاولت اللحاق بالركب المتسارع. أنشأت حساباً على «لينكدإن» وسجلت في منصات توظيف، وبخاصة الخليجية مثل «بيت.كوم»، وتتابع دورات مجانية على الإنترنت لتعلم أساسيات الذكاء الاصطناعي في الكتابة والتحرير، وأرسلت عشرات النسخ من سيرتها الذاتية. لكن الردود كانت قليلة، وغالباً آلية. وتوضح أن «الإعلانات تطلب مهارات لم تكن مطلوبة عندما بدأت مسيرتي. يريدون شخصاً يكتب، ويحلل بيانات، ويدير أدوات ذكاء اصطناعي، ومختص في حسابات (السوشيال ميديا)، ويعمل بثلاثة أضعاف السرعة».

قصتها تعكس معضلة جيل كامل وجد نفسه خارج السوق، لا بسبب ضعف الكفاءة، بل لأن قواعد اللعبة تغيّرت فجأة. وتختم بمزيج من السخرية والحسرة قائلة: «قبل نحو مائتي عام عندما جاءت الثورة الصناعية وحلت الآلة وخط الإنتاج محل الحرفيين، صدر النداء الشهير: يا عمال العالم اتحدوا... فهل يأتي الآن من ينادي: يا موظفي العالم اتحدوا؟».