«الشرق الأوسط» ترصد أبرز منابع الهجرة الأفريقية نحو «الفردوس الأوروبي»

«تجارة الموت» تحصد آلاف القتلى يومياً وضحاياها من المغرب وتونس والجزائر وليبيا ... والقارة السمراء

عشرات الأفارقة داخل زورق صغير في المتوسط (أ.ف.ب)
عشرات الأفارقة داخل زورق صغير في المتوسط (أ.ف.ب)
TT

«الشرق الأوسط» ترصد أبرز منابع الهجرة الأفريقية نحو «الفردوس الأوروبي»

عشرات الأفارقة داخل زورق صغير في المتوسط (أ.ف.ب)
عشرات الأفارقة داخل زورق صغير في المتوسط (أ.ف.ب)

كل يوم تقريباً، يموت مهاجرون أفارقة خلال محاولة التسلل عبر الأسلاك الشائكة، في حين يموت آخرون غرقاً عند ركوبهم البحر، وكلهم أمل في الوصول الى الضفة الغربية، التي يرون فيها وسيلتهم الوحيدة للهرب من الفقر، والبطالة، وذل الاحتياج.
وقبل أيام فقط، دقت منظمات متخصصة، وعلى رأسها المنظمة الدولية للهجرة، ناقوس الخطر بخصوص تنامي الظاهرة، دون أن تحدد بشكل صريح المسؤولين عن حدوث هذه الفظاعات. لكن بعض المتخصصين في قضايا الهجرة يجمعون على أن المسؤول الأول عن الفظاعات المهولة التي يتعرض لها المهاجرون الأفارقة في عرض البحر المتوسط هي عصابات تهريب البشر، وتقاعس بعض الحكومات عن أداء دورها لحمايتهم.
من الكاميرون، والنيجر، والسينغال ودول أخرى، تبدأ رحلة سفر هؤلاء المهاجرين نحو المجهول... رحلة غالباً ما تكون برية طويلة وشاقة ومحفوفة بالمخاطر، حيث يسقط بعضهم في أيدي عصابات متخصصة تستولي على أموالهم، وتعنّفهم وتقتلهم في بعض الأحيان، ومنهم من تتخلى عصابات تهجير البشر عنهم وسط الصحاري بعد الاستيلاء على كل ما يملكون من أموال وزاد ليموتوا جوعاً وعطشاً. أما القلة القليلة التي تتمكن من الوصول إلى المغرب أو تونس أو ليبيا أو الجزائر، فغالباً ما ينتهي بها المطاف في أعمال السخرة، وفي ظروف قاسية أشبه ما تكون بالعبودية، حيث يتم استغلالهم في أعمال البناء والزراعة والأشغال المضنية، مقابل مبالغ زهيدة لا تضمن حتى الحد الأدنى من العيش اللائق. وعندما يتمكنون في آخر المطاف من توفير بعض المال لضمان مقعدهم داخل أحد «مراكب الموت»، المتجهة إلى أوروبا يكتشفون، بعد فوات الأوان، أنهم وقعوا ضحية عملية نصب واحتيال، وأن قائد المركب انتقل بهم من وجهة بحرية إلى أخرى، لكن داخل البلد نفسه.
«الشرق الأوسط» انتقلت إلى أماكن عيش هؤلاء المهاجرين في تونس، والمغرب، والجزائر، وليبيا، ومصر، ورصدت ظروف عيشهم، ومعاناتهم اليومية، وأسباب هربهم من بلدهم، وحاورت متخصصين ومسؤولين في مجال الهجرة غير الشرعية، وخرجت بالتحقيق التالي:

طريق المهاجرين عبر ليبيا... رحلة شقاء مصيرها الموت

ليبيا

القاهرة: جمال جوهر

أبقت الأوضاع الإنسانية السيئة لمهاجري سفينة «نيفين»، التي اقتحمتها السلطات الأمنية الليبية قبالة ساحل مدينة مصراتة (شمال غربي البلاد)، منتصف الأسبوع الماضي، الباب مفتوحاً حول طبيعة تدفق أفواج المهاجرين غير النظاميين القادمين إلى ليبيا، وزادت من حدة التساؤلات عن المسارات التي يسلكها آلاف القادمين من دول أفريقية وآسيوية، أملاً في الانتقال إلى «جنة أوروبا الموعودة».
وتعكس حياة 79 مهاجراً، كانوا على السفينة التي تحمل علم بنما، وتم إنزالهم بـ«القوة»، أوضاعاً إنسانية «بالغة الصعوبة»، وتكشف المعاناة التي عاشوها لدخول ليبيا، إلى أن استقر بهم المقام حالياً في مركز إيواء مصراتة بمنطقة الكراريم، انتظاراً لترحليهم من قبل السلطات الليبية إلى بلدانهم مرة ثانية، الأمر الذي يصفه محمود علي الطوير، المستشار بالأكاديمية العربية الأوروبية للدراسات الاستراتيجية في حديث إلى «الشرق الأوسط» بـ«الرحلة القاتلة... الفائز الأول فيها عصابات التهريب».
وقال المواطن الصومالي ترويجي أحمد، أحد المحتجزين لدى مركز إيواء في مدينة جنزور، إنه «ترك وراءه أسرة كبيرة في بلاده، وجاء إلى ليبيا بهدف العمل حتى يتمكن من الهجرة إلى أوروبا»، مؤكدا أنه أنفق مالاً كثيراً لوسطاء نظير نقله عبر الحدود الليبية.
ومضى ترويجي يقول، وفقاً لمصدر أمني «دفعت 10 آلاف دينار ليبي أخرى إلى بعض الأفراد كي يساعدوني في الانتقال إلى الساحل، لكن قبل الوصول إلى هناك قبض علي مع عشرة آخرين».
وحكاية المواطن الصومالي وغيره من المهاجرين من جنسيات مختلفة، أكدها العقيد عبد السلام عليوان، مدير إدارة الفروع بجهاز الهجرة غير الشرعية، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» بقوله إن «الأوضاع المعيشية الصعبة بالقرن الأفريقي باتت تدفع آلاف المهاجرين لترك بلادهم، بحثاً عن جنة أوروبا كما يتوهمون... لكن للأسف يقعون فريسة لعصابات التهريب»، متابعاً «نحن في ليبيا نتضرر كثيراً من هذه الأفواج التي لا تنقطع».
وتقول المنظمة الدولية للهجرة إنه مع قرب انتهاء العام الحالي وصل أكثر من 22541 مهاجراً إلى إيطاليا بحراً منذ يناير (كانون الثاني). لكن ما زال كثير من المهاجرين يلقون حتفهم في حوادث غرق زوارق مطاطية غير آمنة تحمل عدداً أكبر من حمولتها. كما أوضحت المنظمة أن 1277 مهاجراً غرقوا في البحر المتوسط هذا العام حتى الآن، مقارنة بـ2786 في نفس الفترة من العام الماضي.
ويعبر آلاف الحالمين بـ«الجنة الموعودة» إلى الحدود الليبية، عبر سبعة مسارات، كما يقول الطوير الذي يوضح أن «الهجرة غير الشرعية إلى ليبيا تنطلق من دول أفريقيا وشرق آسيا، بالإضافة إلى بعض دول المغرب العربي... أحيانا تكون طرق دخولهم إلى الأراضي الليبية بشكل قانوني، عبر المنافذ والمعابر الشرعية. لكن بعد استقرارهم في ليبيا، يبدأون في التخطيط والبحث عن طرق لتهريبهم عبر البحر».
وكانت قوات الشرطة، التابعة لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس، قد استخدمت الرصاص المطاطي لإجبار 79 مهاجراً من السودان وجنوب السودان، والصومال، وباكستان، وبنغلاديش، وإثيوبيا، على إخلاء سفينة «نيفين»، الأسبوع الماضي، بعد فشل مفاوضات أجرتها معهم البعثة الأممية لدى ليبيا، وأودعوا مركز إيواء بمصراتة لحين تسفيرهم إلى دولهم.
وأنقذت السفينة (نيفين) هؤلاء المهاجرين، وغيرهم، قبالة الساحل الليبي، بينما كان قاربهم على وشك الغرق، ونقلتهم إلى ميناء مصراتة. ولدى وصولها نزل 14 منهم طواعية. لكن الباقين (92 منهم) رفضوا النزول من السفينة. وقال مصدر أمني إن عدداً من هؤلاء المهاجرين قضوا سنوات في السجون الليبية، لأسباب مختلفة، مشيراً إلى أن «الأوضاع الإنسانية السيئة التي يعيشونها في بلدانهم تدفعهم للمخاطرة بالهجرة إلى أوروبا، وترغمهم على التعامل مع عصابات الاتجار في البشر، ودفع أموال كثيرة».
وأضاف المصدر، الذي رفض ذكر اسمه لأنه غير مخول له الحديث إلى الإعلام: «عندما يتم إخضاع هؤلاء المهاجرين إلى جهات التحقيق نكتشف أن أوضاعهم غير الإنسانية في بلادهم صعبة للغاية... وتبقى ليبيا هي الضحية لأنها دولة عبور، وليست طرفاً في هذه أزمة المهاجرين».
وذهب المصدر ذاته إلى أن كثيرين من المهاجرين، الذين يتمكنون من دخول البلاد عبر عصابات التهريب، ينخرطون في أعمال المعمار والمقاولات، أو العمل في المزارع، وبعد تجميعهم ما يلزم من مصاريف نقلهم إلى أوروبا، ينقطعون عن العمل. وتابع موضحا «نعثر على جثث بعضهم غرقى بعد انتشالها من البحر المتوسط، وآخرون يتم إدخالهم مراكز الإيواء، ومن يهرب منهم يبدأ مشوار التفكير في الهجرة عبر البحر مجدداً».
ويضيف الطوير، المستشار بالأكاديمية العربية الأوروبية، أن «هناك مهاجرين يدخلون ليبيا عبر الصحراء على مراحل عدة. وغالبا تكون الفئات العمرية من الشباب المغامرين بحياتهم لأجل البحث عن حياة أفضل وبحسب أحلامهم».
كما كشف الطوير أن «أغلب أفواج المهاجرين عبر الحدود تتمركز لدى عصابات تجار البشر في الصحراء الشاسعة»، لافتاً إلى أنه جرت تحقيقات لمكتب النائب العام الليبي مؤخراً حول أماكن تجميع هؤلاء المهاجرين، وهي جنوب العاصمة طرابلس في منطقة الشويرف، وبني وليد.
ورأى الطوير في ختام حديثه إلى «الشرق الأوسط» أن أماكن تجميع هؤلاء المهاجرين تقتصر على المدن والبلدات المهمشة، التي تفتقد إلى الأمن، مما يجعل عصابات التهريب تتحكم هناك وتسود.
وسبق للتقرير الأخير لفريق خبراء الأمم المتحدة اتهام لواء «سبل السلام»، التابع للجيش الليبي بمكافحة الاتجار على الحدود بين ليبيا والسودان، بالتورط في عملية تهريب المهاجرين. وقال فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة في تقريره إلى رئيس مجلس الأمن إن «لواء سبل السلام يوفر الحراسة لقوافل المهاجرين من الحدود مع السودان، مقابل عشرة آلاف دينار ليبي لكل شاحنة صغيرة، كما يحتجز اللواء المهاجرين لابتزازهم».
ونقل الفريق الأممي عن محمد عبد الفضيل، رئيس مركز إيواء المهاجرين غير الشرعيين بالكفرة وجود «سبعة مسارات للهجرة من تشاد والسودان إلى ليبيا عبر أوروبا ومصر»، لافتاً إلى أن «الميليشيات المسلحة تعد جهات فاعلة في شبكات التهريب عبر حماية قوافل المهاجرين، خاصة عبر الكفرة وتازربو وبني وليد».
وانتهى مدير مركز الاحتجاز إلى أن «ما بين 800 و1000 مهاجر يدفعون ما مجمله نحو خمسة آلاف دولار يومياً»، مبرزا أن «الهجرة غير النظامية تؤجج الفوضى في ليبيا».

عائلات تبكي أبناءها بعد ركوبهم «قوارب الموت» لملاقاة «الحلم الأوروبي»

الجزائر

الجزائر: بوعلام غمراسة

أصبحت عين تيموشنت (300 كيلومتر غرب العاصمة الجزائرية)، التي زارتها «الشرق الأوسط»، من أكثر المناطق تصديراً لـ«الحراقة» (المهاجرون غير الشرعيين) خلال السنوات الأخيرة. وفيها تبكي عدة أمهات أبناءهن الذين غادروا المنطقة منذ سنوات دون أن يظهر عنهم أي خبر، فيما اتصل آخرون بذويهم لإعلامهم بأنهم تمكنوا من الوصول إلى إسبانيا أو فرنسا.
وفي اتصال مع أحد هؤلاء «الحراقة» في حي بارباس روششوار الباريسي، الذي بات يشتهر بأنه مأوى للمهاجرين الجزائريين غير الشرعيين، قال: «ركبت القارب من بلدة بوزجار (مستغانم) ودامت الرحلة 24 ساعة، قبل أن أصل إلى إسبانيا ومنها سافرت إلى فرنسا. لا تصدقوا من يقول لكم إننا نعاني الفقر في أوروبا. فنحن نشتغل من حين لآخر، ونوفر ما يلزمنا من مأكل وملبس وحتى تأجير شقق مشتركة فيما بيننا، وفي كل الأحوال حالنا أفضل مما كنا عليه في الجزائر».
وفي بدلس، كبرى مدن ولاية بومرداس (شرق) الساحلية، التقينا عائلة كشاش التي تعيش قلقا بالغا منذ أن غادر طفلاها كريم وعبد الجليل البيت راكبين «قارب الموت»، برفقة 5 آخرين من أبناء دلس.
«كان ذلك قبل عام، وقد اتصل بنا شخص من إسبانيا يقول إنه جزائري، وإنه التقى كريم وعبد الجليل هناك وإنهما يعملان»، بحسب رواية والديهما الذي أضاف بنبرة متشككة: «لكني لا أصدق ما سمعته، فلو كانا بخير لاتصل بي أحدهما بنفسه».
وقبل أيام قليلة أعلن في الجزائر عن العثور على جثتي غريقين في البحر المتوسط، بالقرب من سواحل إيطاليا، وتم التأكد من أن الأمر يتعلق بشابين من 10 مهاجرين سريين، غادروا الجزائر منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، طمعا في عيش أفضل في أوروبا. لكن هذه القصص المأساوية لا تعد حالات معزولة؛ إذ تشهد عدة مدن ساحلية جزائرية هجرة العشرات يوميا، عبر قوارب تقليدية كثير منها تتعطل محركاتها في منتصف الطريق.
ويتحدر الشباب العشرة من حي الريس حميدو بالضاحية الغربية للعاصمة، واتفقوا مع مالك قارب تقليدي بعنابة (600 كلم شرق العاصمة)، على «الإبحار» من هذه المدينة الأقرب إلى جزيرة سردينيا قياسا إلى العاصمة.
وقال أفراد من عوائلهم في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إنهم ظلوا من دون أخبار عن مصيرهم لأيام، قبل أن تصل إليهم معلومات بأن محرك القارب الذي حملهم توقف بسبب عطب، عند اقترابه من سردينيا. ولما عجز صاحب القارب عن إعادة تشغيل المحرك، قفز 5 من المهاجرين إلى البحر لإكمال الرحلة سباحة، حسب شقيق مهاجر مفقود كان تحدث بحرقة لـ«الشرق الأوسط»... «صراحة لا نعرف إن كانوا وصلوا إلى الساحل، كما لا نعرف ما جرى لمن بقوا في القارب... يجب أن ننتظر نتائج البحث التي بدأها خفر السواحل الإيطالي، ولكني بصراحة لست متفائلا بشأن العثور عليهم أحياء، فقد شهدنا مثل هذه الحوادث عدة مرات في السنوات الماضية، ونادرا ما عاد مهاجرون سالمين، في حال تعطل القارب في الطريق».
وتتراوح أعمار «الحراقة» العشرة بين 26 و35 سنة، وخططوا للهجرة السرية من دون إبلاغ أي من أفراد عائلاتهم، ما عدا أم عبد الفتاح التي كانت على دراية بالمشروع، والتي قالت وهي تشعر بقلق بالغ على ابنها: «لقد صارحني بأنه جمع مبلغا من المال يسمح له بقطع البحر. حاولت ثنيه لكني عجزت، فقد تحجج بفقدان الأمل في الجزائر، وبأن مساعيه للبحث عن عمل استمرت لعشر سنوات دون جدوى، ونتيجة لذلك وجدت نفسي شبه مقتنعة بأن أوروبا هي خلاصه، رغم أنني كنت أسمع بهلاك شباب في مقتبل العمر في عرض البحر، وهم يحاولون اللحاق بالضفة الشمالية».
وقال محمد الناشط بـ«الهلال الأحمر» الجزائري، إن رفاقا للمهاجرين العشرة من الحي نفسه، شجعوهم على الهجرة، بعد أن سلكوا الطريق نفسها ووصلوا إلى أوروبا بسلام، وقد تحدثوا إليهم من إيطاليا عبر «سكايب».
وأفاد محمد بأن تكاليف حجز مكان في قارب الهجرة، تصل إلى 300 ألف دينار جزائري (نحو 2700 دولار أميركي)، حسب شهادة أشخاص خاضوا التجربة المريرة، وقد ترتفع القيمة في فصل الصيف لأن البحر يكون هادئا، وبالتالي تكون مخاطر الرحلة أقل. وفي معرض حديثه عن دوافع هؤلاء الشبان للهجرة وبلوغ «الحلم الأوروبي»، يقول أستاذ علم الاجتماع ناصر جابي: «هجرة الشباب بكثرة، وفي ظروف محفوفة بالمخاطر، تعكس واقعا لا يمكن إخفاؤه، وهو أنه لم يعد هناك حلم جزائري يدفع الشباب إلى البقاء في البلاد. وهي دليل على فشل سياسات النظام الحالي الذي شجع كل فئات المجتمع على التفكير في الهجرة... الفقير يركب القوارب، والمتعلم يطلب تأشيرة السفر للدراسة في الخارج، وحتى المسؤول الكبير يفضل الهروب بعد تحويل أمواله وشراء عقارات في الخارج».

المهاجرون الأفارقة في المغرب: مسار شاق باتجاه «القارة العجوز»

المغرب

الرباط: لطيفة العروسني الدار البيضاء: لحسن مقنع

تنقذ وحدات خفر السواحل التابعة للبحرية الملكية في المغرب، بشكل شبه يومي، مهاجرين سريين أغلبهم من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، من الغرق في عرض سواحل مدن الناظور، والحسيمة، والفنيدق، وطنجة (شمال البلاد)، في حين يلاقي المئات حتفهم غرقاً وهم يحاولون عبور المتوسط نحو أوروبا.
وخلال شهر سبتمبر (أيلول) الماضي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي مشهد غير مألوف، فيديوهات تصور عمليات الهجرة السرية، صوّرها المهاجرون أنفسهم بهواتفهم المحمولة، وهم في عرض البحر على متن قوارب تكدس فوقها العشرات. وبذلك، لم تعد «رحلات الموت» سرية، بل موثقة وكأن الأمر لا يتعلق بمخاطرة بالحياة، بل بنزهة بحرية؛ وهو ما أثار علامات استفهام كثيرة، وأعاد إلى الواجهة الحديث عن ظاهرة «قوارب الموت» التي كانت قد تراجعت بشكل كبير خلال السنوات العشر الماضية.
وقال محمد بن عيسى، رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان، لـ«الشرق الأوسط»: إن «المغرب بلد عبور مهم للمهاجرين المتحدرين من دول جنوب الصحراء، الذين يعتبرون الحدود المغربية - الجزائرية المنفذ الرئيسي لهم نحو المغرب، والذين تزايد عددهم منذ اعتماد المغرب سياسة جديدة في مجال الهجرة تنطلق من البعد الإنساني، والتي عملت من خلالها على تسوية وضعية عشرات الآلاف من المهاجرين للإقامة بالمغرب... وهو ما أدى إلى تصاعد عددهم بشكل كبير، وبالتالي خلق ضغطاً على الحدود الشمالية، مع ظهور حالات معدودة للاجئين من دول الشرق الأوسط وآسيا».
يتخذ المهاجرون السريون الغابات الموجودة قرب المدن الساحلية القريبة من مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين ملجأً لهم، في انتظار فرصة العبور إلى أوروبا، ويعيشون هناك لأشهر في ظروف تصفها الجمعيات الحقوقية بأنها مأساوية وغير إنسانية. كما يوجد عدد كبير من المهاجرين في المدن الكبرى، مثل الرباط والدار البيضاء.
ويتصدر السنغاليون قائمة الجنسيات التي تعيش في الغابات المجاورة لسبتة بـ50 في المائة، متبوعين بالغينيين بـ22 في المائة، ثم الغامبيين بـ10 في المائة، والماليين بالنسبة نفسها، ومن كوت ديفوار بـ5 في المائة، وأخيراً الكاميرونيون بـ3 في المائة.
لكن رحلات الموت هذه لا تقتصر على المهاجرين الأفارقة فحسب، بل تشمل أيضاً أفواجاً كثيرة من الشباب المغربي الراغب في معانقة الضفة الأخرى، بعدما ظهرت قوارب سريعة لتجار المخدرات تنقل المهاجرين مقابل مبالغ مالية كبيرة، وأغلب هؤلاء الشباب تتراوح أعمارهم بين 13 و30 سنة، يمثلون مختلف مدن المغرب.

حملات ترحيل المهاجرين

في هذا الصدد، يقول عمر الناجي، مسؤول فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في الناظور: إن حملات ترحيل المهاجرين تضاعفت بعد أواخر يونيو (حزيران) 2018، وتوسعت لتشمل مدينتي طنجة وتطوان ومناطق أخرى من الشمال؛ حيث بلغ عدد المرحلين، حسب تقديرات المتتبعين وجمعيات المهاجرين، أكثر من 6500 شخص.
لكن الجمعية انتقدت «السياسة الأمنية الأوروبية، التي تستمر في ممارسة الضغط على الدول الأفريقية، بالخصوص، لمنع المهاجرين من الوصول لأوروبا، وتعقيد شروط تحقيق ذلك»، على اعتبار أن «الهجرة حق مشروع تضمنه كثير من المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ولا سبيل لتجريم الحق في التنقل».
ومنذ يوليو (تموز) الماضي قامت السلطات المغربية بترحيل مئات المهاجرين الأفارقة من المناطق الساحلية للمتوسط إلى داخل وجنوب البلاد. وحسب مصدر أمني، فإن هذه الحملة استهدفت الأفارقة، الذين لا يتوفرون على بطاقة إقامة في المغرب. إضافة إلى الأفارقة الذين حصلوا على بطاقات الإقامة في مدن أخرى كالدار البيضاء والرباط وأغادير، والذين تنقلوا إلى المدن الشمالية على الساحل الأطلسي بهدف تحيّن فرص العبور إلى أوروبا. مشيراً إلى أن الكثير منهم أصبحوا يعيشون ظروفاً صعبة في ضواحي الناظور وطنجة، في انتظار فرص قد لا تأتي للعبور إلى الضفة الأخرى.
وفي سياق عودة حكايات «قوارب الموت» بين المغرب وإسبانيا إلى واجهة الأحداث خلال الأسابيع الأخيرة، قررت السلطات الإسبانية تنفيذ اتفاقية قديمة بين المغرب وإسبانيا، تتعلق بإعادة ترحيل المهاجرين غير القانونيين الذين يصلون عبر السواحل الإسبانية إلى المغرب، في حال ثبوت أنهم جاؤوا عن طريق المغرب.
يأتي ذلك في وقت ارتفع فيه ضغط المهاجرين الأفارقة على الحدود الإسبانية - المغربية بشكل غير مسبوق منذ يونيو الماضي. وفي هذا السياق، أوضح تقرير صدر الأسبوع الماضي عن وكالة الأمم المتحدة للهجرة، أن 51 ألف مهاجر من بين 104 آلاف مهاجر، وصلوا إلى أوروبا بحراً منذ بداية العام الحالي دخلوا من السواحل الإسبانية، وهو رقم أعلى من مجموع أعداد المهاجرين، الذين وصلوا السواحل الإسبانية خلال السنوات الثلاث الأخيرة مجتمعة. لكن خلال هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر فقد العشرات حياتهم. وحسب مرسيل أمييتو، رئيس نقابة العمال الأفارقة في المغرب، فإن هذا الارتفاع القوي في عدد ضحايا قوارب الموت ناتج بالأساس من وجود خطاب رائج لمن سماهم بـ«بائعي الأوهام»، الذين نجحوا في إقناع المهاجرين الأفارقة بأن وراء البحر تنتظرهم «الجنة».

مسار الرحلة إلى المغرب وكلفتها

كشف تقرير المرصد الحقوقي، عن أن 55 في المائة من المهاجرين دخلوا البلاد عن طريق الحدود الجزائرية - المغربية، وهو مسار طويل يستغرق بين شهر وستة أشهر للوصول إلى المغرب، وقد أكد عدد من المهاجرين أن رحلتهم غير آمنة، وأن الكثير منهم يلقون حتفهم في الصحراء، أو يتعرضون لاعتداءات العصابات التي تنشط بالمنطقة، والتي ترغمهم على دفع إتاوات مقابل السماح لهم بالعبور. كما يتم استغلالهم في العمل لساعات طويلة مقابل أجور زهيدة. في حين عبر 35 في المائة؜ منهم عن طريق الحدود الموريتانية - المغربية التي لا تكلف سوى بضعة أيام، وغالباً لا تتجاوز الأسبوع، و10 في المائة فقط هم من وصلوا إلى المغرب عن طريق الجو.
وحدد 50 في المائة من الأشخاص كلفة السفر من بلدانهم الأصلية إلى المغرب بما بين 500 يورو وألف يورو، وحدد 30 في المائة؜ منهم كلفتها بأقل من 500 يورو، بينما حدد 20 في المائة كلفة السفر بأكثر من 1000 يورو.
وبخصوص ظروف عيش هؤلاء المهاجرين، أوضح التقرير أن 65 في المائة منهم يقيمون في كهوف أو خيام بلاستيكية داخل الغابات المحيطة بمدينة سبتة المحتلة، في حين أوضح 25 في المائة من المهاجرين الجنوب صحراويين أنهم يقيمون في مساكن جماعية، غالباً في مدينتي طنجة والفنيدق، في حين حدد 10 في المائة مكان إقامتهم بمساكن فردية.
وفي حين عبّر 65 في المائة من المهاجرين عن رغبتهم في متابعة الهجرة إلى أوروبا، عبّر30 في المائة عن استعدادهم للإقامة بالمغرب بصفة نهائية، في حال توفر العمل وتحسن ظروفهم المعيشية، بينما عبر 5 في المائة فقط عن رغبتهم في العودة إلى بلدانهم في حال تمكينهم من مساعدات مالية، تمكنهم من إنجاز أنشطة تجارية في بلدانهم الأصلية.
وحسب التقرير ذاته، رأى 60 في المائة من المهاجرين أن أفضل مسار نحو الجنوب الإسباني يبقى عن طريق «قوارب الموت»؛ وذلك بسبب تكثيف المراقبة الأمنية المغربية - الإسبانية حول سياجات المدينة عبر دوريات المراقبة اليومية. كما أن الكثير من المحاولات التي كان ينظمها المهاجرون في مجموعات كبيرة من أجل تسلق السياجات تبوء بالفشل، ويترتب عنها إصابات بليغة في صفوفهم.
وأعلن نور الدين بوطيب، الوزير المنتدب في وزارة الداخلية المغربية، مؤخراً، أن المغرب تمكن حتى نهاية سبتمبر الماضي من إحباط نحو 68 ألف محاولة للهجرة غير الشرعية، وتفكيك 122 شبكة إجرامية تنشط في هذا المجال. لكن في المقابل، تدعو الجمعية المغربية لحقوق الإنسان إلى وقف حملات التنقيل التي يتعرض لها المهاجرون من جنوب الصحراء من شمال المغرب إلى الجنوب، و«الكف عن لعب دور الدركي، ووضع قانون للهجرة يحترم الحقوق الأساسية للمهاجرين، ويتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان». لكن السلطات المغربية ترى أن ترحيل هؤلاء المهاجرين يهدف بالأساس إلى حمايتهم من شبكات الاتجار بالبشر، في حين أعلن المغرب رسمياً رفضه بشكل مطلق تشييد مراكز إيواء لاستقبال المهاجرين، كما تطالب أوروبا، واعتبر أن الاقتراح سيساهم في تعقيد المشكلة بدلاً من حلها. وقد طالبت الرباط بمساعدات مالية إضافية من الاتحاد الأوروبي لمواجهة تدفقات الهجرة غير الشرعية.
وللحد من تدفقات المهاجرين بصورة غير شرعية، شدد المغرب من إجراءات دخول أراضيه من طرف المهاجرين الأفارقة، ولجأ مؤخراً إلى فرض تأشيرة دخول على مواطني ثلاث دول أفريقية، هي الكونغو برازافيل وغينيا كوناكري ومالي، التي كانت من بين الدول التي لا يحتاج مواطنوها إلى تأشيرة لدخول المغرب. وأكدت مصادر في أوساط المهاجرين الأفارقة، أن الإجراء دخل حيز التطبيق في مطار محمد الخامس، الذي يستقبل 70 في المائة من المهاجرين الأفارقة الوافدين على المغرب، في حين أكدت المصادر، أن الإجراء لم يطبق بعد على الوافدين عبر المعبر الحدودي الكركرات على الحدود مع موريتانيا.
يقول أبو بكر ندياي، منسق جمعية السنغاليين المقيمين في مدينة العيون: «إن هجرة الأفارقة بالمغرب لها طابع خاص جداً. فمواطنو جميع دول غرب أفريقيا، باستثناء موريتانيا، يمكنهم دخول المغرب من دون تأشيرة. ويكفي الإدلاء في الحدود بجواز سفر قانوني لدخول البلاد، لكن لمدة محدودة لا تتجاوز ثلاثة أشهر. المشكلة هي عندما يقرر الوافد التحول من زائر إلى مهاجر، ويقرر البقاء بعد انقضاء تصريح ثلاثة أشهر المؤشر عليه في جواز سفره، فعندها يجد نفسه في وضعية غير قانونية».
وحسب دراسة لمنظمة «كونراد أديناور» الألمانية حول الهجرة بالمغرب، فإن الغالبية الساحقة للمهاجرين الأفارقة يلجون البلاد بشكل قانوني، قبل أن يتحولوا إلى مهاجرين غير قانونيين، مشيرة إلى أن 12 في المائة فقط من المهاجرين الأفارقة يلجون المغرب من دون وثائق، وأن 70 في المائة من المهاجرين الأفارقة الوافدين على المغرب يأتون عن طريق الجو، ويدخلون أساساً من مطار محمد الخامس بالدار البيضاء، في حين يصل نحو 22 في المائة منهم براً بالسيارات والحافلات، و7 في المائة سيراً على الأقدام.

أعمار 15% من المهاجرين أقل من 18 سنة

> كشفت نتائج البحث الذي أنجزه «مرصد الشمال لحقوق الإنسان»، عن أن 15 في المائة من المهاجرين في المغرب تقل أعمارهم عن 18 سنة (قاصرون)، و40 في المائة تتراوح أعمارهم بين 18 و25 سنة، و43 في المائة بين الفئة العمرية 26 و39 سنة، و2 في المائة فقط يتجاوز عمرهم 40 سنة؛ الأمر الذي يدل على أن الشباب هم الفئة التي تغامر بالهجرة. وبشأن المستوى التعليمي والمهن التي كان يزاولها المهاجرون في بلدانهم الأصلية، كشف البحث عن أن 40 في المائة مستواهم التعليمي ثانوي، و28 في المائة ابتدائي، و15 في المائة من دون أي مستوى، و10 في المائة جامعي، و7 في المائة مستواهم التعليمي إعدادي (متوسط). في حين يلاحظ أن 70 في المائة من العينة هم عزاب، و30 في المائة متزوجون.
وعبر 45 في المائة منهم، عن أن نشاطهم الأساسي في بلدهم الأصلي هو التجارة، و20 في المائة كانوا عاطلين عن العمل، وأن 25 في المائة مزارعون، و10 في المائة كانوا يعملون في قطاع الخدمات. أما بخصوص الأسباب التي تقف وراء هجرة هؤلاء الأفارقة، فقد عبّر 75 في المائة منهم أن الأوضاع الاقتصادية في بلدانهم هي السبب، مقابل 25 في المائة أرجعوا ذلك إلى الأوضاع والاضطرابات الأمنية التي تعيشها بلدانهم.

أحلام المهاجرين المصريين غير الشرعيين «تتبخر» في الصحراء

مصر

القاهرة: عبد الفتاح فرج

إذا كان شباب المغرب وتونس والجزائر يخاطر بحياته من أجل بلوغ القارة الأوروبية، فإن الوضع في مصر يختلف شيئاً ما، ذلك أن عدداً كبيراً من المصريين يحاول، عوضاً عن ذلك، بلوغ الأراضي الليبية بحثاً عن لقمة العيش.
السيد عبد الراضي، شاب عشريني ابن محافظة سوهاج، اضطر إلى جمع مبلغ سبعة آلاف جنيه مصري عن طريق العمل الشاق والاقتراض من أقاربه لتحقيق حلمه بالسفر إلى ليبيا، وبناء شقة حديثة في بيت والده، ثم الزواج من إحدى فتيات القرية التي ينتمي إليها. لكن محاولات تسلله إلى ليبيا عبر الدروب الصحراوية الوعرة باءت بالفشل، بعد ملاحقة قوات حرس الحدود المصرية للمجموعة، التي كان يسير معها في قلب الصحراء، جنوب واحة سيوة التي تبعد عن مدينة مطروح الساحلية بنحو 300 كلم جنوباً. ووفق ما قاله عبد الراضي لـ«الشرق الأوسط»، فإن حلم جمع مبالغ كبيرة في وقت قصير طغى على تفكيره، وجعله ينسى المخاطر التي قد تنجم عن الهجرة إلى ليبيا.
كلام الشاب المصري، الذي فشل في العبور إلى ليبيا، أكده البيان الذي أصدرته وزارة الداخلية المصرية قبل أسبوع، والذي أعلنت فيه عن ضبط 86 قضية في مجال الهجرة غير الشرعية، ضمت مئات المتهمين والسماسرة، في وقت تكثف فيه الوزارة من جهودها لضبط المهربين والسماسرة.
وسلّط بيان الداخلية الضوء كذلك على إحباط عملية تهريب 33 مهاجراً غير شرعي في إحدى قضايا مكافحة الهجرة غير الشرعية، من بينهم اثنان يحملان جنسية إحدى الدول العربية، عند تواجدهما بأحد المنازل المهجورة، بمديرية أمن مطروح قبيل سفرهما، إلى جانب ضبط عدد من الصيادين المتهمين بنقل مهاجرين غير شرعيين. وقد عزز إعلان مديرية أمن مطروح قبل خمسة أشهر عن ضبط عدد سبعة أشخاص خلال رحلة هجرة غير شرعية على الحدود المصرية - الليبية، تصريحات الوزارة ذاتها.
ورغم حالة التشديد الأمني المفروضة من قبل عناصر الشرطة وقوات حرس الحدود، ومنع سفر العمال المصريين إلى ليبيا منذ شهر فبراير (شباط) 2015، بعدما ذبح تنظيم داعش الإرهابي 20 عاملاً مصرياً من الأقباط، فإن ثمة مهاجرين مصريين نجحوا بالفعل في العبور إلى الجانب الآخر بشكل غير شرعي، وهو ما يؤكده السيد رجب، أحد أهالي قرية ميت زنقر، بمركز طلخا في محافظة الدقهلية، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: «مع أن قريتنا شهدت حوادث وفاة عدد من المهاجرين غير الشرعيين إلى ليبيا خلال العام الماضي، إلا أن آخرين استطاعوا التسلل إلى ليبيا، ولم يخشوا من الموت وسط الصحراء، أو من الملاحقات الأمنية، حيث تواصل عدد منهم مع ذويهم بعد شهر كامل من مغادرتهم القرية».
وأضاف رجب موضحاً: إن هؤلاء الأشخاص «يفضلون الهرب إلى ليبيا في فصل الشتاء، بسبب ارتفاع دراجات الحرارة في فصل الصيف». لافتاً إلى أن عدداً من شبان القرية والقرى المجاورة ما زالوا يقدِمون على السفر عبر التهريب، بعد دفع مبالغ مالية تصل إلى 10 آلاف جنيه. وقال بهذا الخصوص «يعرف الأهالي السماسرة بشكل شخصي، وهم يتحركون بشكل طبيعي، وينجحون في إقناع الشباب بالسفر إلى ليبيا، مدعين أن حالتها الاقتصادية أفضل من مصر، وفرص العمل فيها كثيرة ورواتبها أفضل، مغفلين الشق الأمني والمخاطر التي يتعرض لها الشبان خلال الرحلة».
عمليات الهجرة غير الشرعية من مصر إلى ليبيا لم تظهر إلا بعد انتفاضة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، التي أعقبها حالة انفلات أمني ضربت معظم أنحاء مصر، وبالأخص حدودها الغربية. ووصل عدد المصريين الذين عادوا من ليبيا خلال ستة أشهر في عام 2015 إلى 76 ألف مصري، منهم 30 ألفاً دخلوا ليبيا بصورة غير شرعية، وفق إحصاءات صدرت من مديرية أمن مطروح، نشرتها صحف مصرية في العام نفسه. ولم تصدر السلطات المصرية إحصاءات حول أعداد المهاجرين غير الشرعيين إلى ليبيا في الأعوام الثلاثة الأخيرة.
وقبل عام ونصف العام عثرت السلطات الليبية على جثث 48 مهاجراً غير شرعي في منطقة صحراوية، تقع بين حدود مدينتي أجدابيا وطبرق (شرق ليبيا). وكان الضحايا وفق «الهلال الأحمر الليبي» من محافظات أسيوط والمنيا وبني سويف وكفر الشيخ، وجدت جثثهم في الصحراء على شكل مجموعات متفرقة قريبة من بعضها، من بينهم شاب يدعى علاء سعيد سيد، من مركز سمالوط بمحافظة المنيا (جنوبي القاهرة)، أصر على التسلل إلى ليبيا مع والده الذي سبق له السفر إلى ليبيا بشكل شرعي. لكن الشاب لفظ أنفاسه الأخيرة بسبب الشمس الحارقة، ونفاد طعامه وشرابه، فقام والده بدفنه بنفسه في حفره صغيرة قبل أن يستسلم لملاقاة مصير ابنه. لكن كُتب له عمر جديد بعد إنقاذه من قبل قوات حرس الحدود الليبية، وفق ما ذكرته زوجة الرجل فاطمة عبد الله لـ«الشرق الأوسط»، التي أوضحت أن المهربين يسلكون طريقين رئيسيتين للعبور إلى ليبيا: الأول جنوب منفذ السلوم الحدودي، والأخرى جنوب واحة سيوة، بداية بحر الرمال العظيم. «فاطمة» لا تزال تذرف دموعاً حارة على ابنها الذي افتقدته في رحلة الهجرة غير المشروعة، كما تقول، ورغم المخاطرة الكبيرة التي خاضها «علاء»، والأوجاع التي تركها لعائلته، فإن أحلامه الصغيرة لن تتحقق أبداً.

شبكات إجرامية تغري الشباب بالهجرة لجني أرباح خيالية

تونس

تونس: المنجي السعيداني

قبل أيام قليلة اعتقلت أجهزة الأمن التونسي امرأة حاملاً في مقتبل العمر، كانت بصدد الإبحار خلسة نحو السواحل الإيطالية، وعندما سألتها عن سبب المشاركة في هذه المغامرة المحفوفة بالمخاطر، قالت إنها كانت تخطط لتضع مولودها في الديار الإيطالية؛ حتى يحصل بصفة آلية على الجنسية الإيطالية، وتتمكن بالتالي من تحسين وضعها الاقتصادي والحصول على الإقامة في هذا البلد الأوروبي، الذي بات يضيّق الخناق أكثر فأكثر على المهاجرين. هذه المرأة مجرد نموذج مصغر من عشرات الشبان التونسيين الذين يسعون بكل الوسائل للوصول إلى سواحل أوروبا بطرق مختلفة، وإن كان لكلٍ غايته المنشودة. لكن القاسم المشترك الذي يجمعهم جميعاً هو الفقر والخصاصة في المقام الأول.
وتؤكد مراكز الأبحاث والدراسات المختصة في مجال الهجرة، أن تونس أصبحت إحدى المحطات المهمة بالنسبة للهجرة الأفريقية نحو أوروبا، وبخاصة في بلدان ما وراء الصحراء، وباتت تغري الكثير من شبان أفريقيا للوصول إليها، والاستقرار مؤقتاً في انتظار ساعة الصفر، وربط العلاقات الضرورية مع المهربين وتجار البشر قصد عبور المتوسط في اتجاه ضفته الشمالية.
لكن هؤلاء المهاجرون الأفارقة يعانون خلال محطة الانتظار الطويلة من تمييز كبير في الأجور، ومن ساعات العمل الطويلة، وغالباً ما يستغلهم أصحاب المشروعات الاقتصادية الخاصة لأداء أعمال شاقة، وبخاصة في مجال البناء والأشغال العامة، وكذلك في القطاع الفلاحي، وغالباً ما يجدون أنفسهم مرغمين على القبول بأجور هزيلة في محاولة لجمع المال اللازم لرحلتهم السرية، واغتنام الفرصة المناسبة لعبور البحر.
ونتيجةً لتوافد آلاف الأفارقة الراغبين في ركوب قوارب الموت، باتت مناطق تونسية عدة تُعرف بأنها خزان الهجرة غير الشرعية، واشتهرت بكونها من بين محطات الانطلاق الرئيسية بالنسبة للشباب الأفريقي والتونسي على حد سواء. وفي هذا السياق، أكدت إحصائيات رسمية أن الشهور الأولى، التي تلت «ثورة الياسمين»، عرفت هجرة أكثر من 5 آلاف تونسي من منطقة جرجيس (جنوب شرقي)، وهي منطقة تقع على مقربة من الحدود مع ليبيا.
كما تُعرف مناطق أخرى بأنها ناشطة في هذا مجال تهريب البشر نحو أوروبا، مثل جزيرة قرقنة ومنطقة الهوارية، التي تعد أقرب نقطة إلى الأراضي الإيطالية، بالإضافة إلى منطقة بنزرت والمهدية. لكن غالباً ما تتغير أهمية المنطقة، تماشيا مع تضييقات رجال الأمن، ومثال على ذلك فبعد المراقبة الأمنية القوية التي عرفتها منطقة جرجيس تحول نشاط الهجرة غير الشرعية إلى جزيرة قرقنة؛ وهو ما جعلها تتحول في ظرف زمني قصير إلى قبلة كثير من الشبان الأفارقة من مختلف الجنسيات.
وخلافاً لسنوات الهجرة في سبعينات القرن الماضي، أصبحت عمليات الهجرة غير الشرعية من تونس نحو إيطاليا مؤطرة بشبكات «مافيوزية»، تجني من ورائها ثروات ضخمة. وقد تطور نشاط هذه العصابات بقوة، حيث أصبح يتم الترويج للهجرة عبر فيديوهات لشباب تونسيين وهم بصدد الإبحار نحو إيطاليا. ويتم تداول هذه الفيديوهات قصد تشجيع مزيد من الشبان على الهجرة غير الشرعية.
وبهذا الخصوص، قال مسعود الرمضاني، رئيس المنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاجتماعية (منظمة حقوقية مستقلة) لـ«الشرق الأوسط»: إن «لجوء الحكومة إلى الحلول الأمنية لحل مشكل الهجرة غير النظامية بصفته حلاً وحيداً لن يفضي إلى استقرار حقيقي، ولن يثني الشباب التونسي على عدم المغامرة في الوصول إلى الضفة الشمالية للمتوسط»، معتبراً في هذا السياق أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها الشباب التونسي، وقلة خيارات التنمية وفرص العمل، من بين أهم العوائق التي تُفشل مخططات الحكومة في التعاطي مع ملف الهجرة غير الشرعية.
ونتيجة لهذا الوضع الذي باتت تنعدم فيه فرص العمل وتأمين لقمة العيش، يواصل الشباب التونسي الارتماء في أحضان المتوسط، دون تقدير المخاطر المحدقة بهم؛ إذ غالباً ما يتركهم المشرفون على عمليات التهريب بعيداً عن السواحل الإيطالية، ويأمرونهم بمغادرة المركب؛ حتى لا تنتبه لهم الشرطة الإيطالية (الكرابينياري).
يقول أحد الناجين التونسيين من رحلة موت: إن «ربان السفينة التي استقلوها تركها عندما بدأت تغرق؛ حتى لا يقع بين أيدي قوات خفر السواحل الإيطالية، وفرّ بجلده تاركاً الشبان الحالمين في مواجهة مصيرهم المحتوم».
لكن على الرغم من شبح الموت، يؤكد الشاب خليفة البوجبلي، أنه لا يزال مستعداً للمحاولة آلاف المرات؛ حتى يتمكن من الوصول إلى «الجنة الموعودة» في القارة الأوروبية، حسب تعبيره، مشدداً على أنه سئم البقاء في تونس التي لا توفر له إلا الفتات، على حد تعبيره.
في السياق ذاته، يؤكد عبد القادر المهذبي، المدير العام للتعاون الدولي بوزارة الشؤون الخارجية التونسية، وجود نحو 10 آلاف مهاجر غير شرعي من أصول أفريقية عالقين في تونس. وقال على هامش مشاركته في مؤتمر إقليمي حول إشكاليات الهجرة في المنطقة الأورو – متوسطية: إن هؤلاء المهاجرين اختاروا تونس باعتبارها بلد عبور نحو الدول الأوروبية، وهم يعملون حالياً في عدد من القطاعات المضنية، كالبناء والفلاحة والخدمات في انتظار الفرصة المناسبة للمشاركة في رحلات الهجرة غير الشرعية.


مقالات ذات صلة

محكمة أميركية تؤيد سياسة ترمب بشأن احتجاز المهاجرين

الولايات المتحدة​ احتجاز فنزويلي من قبل عملاء فيدراليين ملثمين بعد جلسة استماع في محكمة الهجرة بمدينة نيويورك (أ.ف.ب)

محكمة أميركية تؤيد سياسة ترمب بشأن احتجاز المهاجرين

أيدت محكمة استئناف اتحادية سياسة إدارة ترمب المتمثلة في وضع مَن قُبض عليهم في حملة مكافحة الهجرة غير الشرعية في الحبس دون فرصة للإفراج عنهم بكفالة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا خفر السواحل اليوناني في ميناء بجزيرة خيوس بعد اصطدام قارب سريع لنقل المهاجرين بدورية تابعة لخفر السواحل (ا.ب)

مقتل 14 مهاجراً في اصطدام قاربهم بزورق لخفر السواحل اليوناني

قضى 14 مهاجراً مساء الثلاثاء إثر اصطدام بين زورق لخفر السواحل اليوناني وقارب كان يقلّهم قبالة جزيرة خيوس في بحر إيجه.

«الشرق الأوسط» (أثينا)
شمال افريقيا  مهاجرون بعد توقيفهم في سبها الليبية 3 فبراير (مديرية أمن سبها)

«تطهير» وهدم مساكن... حملة أمنية استهدفت «مهاجرين مخالفين» بسبها الليبية

أوقفت أجهزة أمنية في الجنوب الليبي قرابة ألفي مهاجر غير نظامي بحوزتهم «أوراق مزورة»، وأقدمت على هدم مساكن كانوا يقيمون فيها، وسط انتقادات حقوقية واسعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق أبرز المغنّين الفائزين بجوائز حفل غرامي الـ68 (إ.ب.أ/ أ.ب)

مغنّية شوارع نجمة العام وخطابات مناهضة لـ«آيس»... حفل «غرامي» يستفزّ ترمب

جاءت النسخة الـ68 من جوائز «غرامي» محمّلة بالمفاجآت، والحكايات، والأرقام القياسية، والمواقف المناهضة لسياسة الهجرة الأميركية.

كريستين حبيب (بيروت)
أميركا اللاتينية عناصر فيدرالية يعتقلون متظاهراً خلال احتجاج ضد سياسات إدارة الهجرة في مدينة مينيابوليس الأميركية (أ.ف.ب)

قاض أميركي يأمر بالإفراج عن طفل عمره 5 سنوات احتجزته إدارة الهجرة

أظهرت وثائق قضائية يوم السبت أنه سيجري إطلاق سراح طفل يبلغ من العمر 5 سنوات كانت قد احتجزته عناصر اتحادية من من إدارة الهجرة والجمارك الأميركية إلى جانب والده.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.