حكمتيار: إيران أكثر دولة أضرت أفغانستان... والتصدي لها يبدأ من كابل

رئيس الوزراء الأفغاني السابق قال لـ«الشرق الأوسط» إن «طالبان» لن تحقق أهدافها إلا عبر الحوار

حكمتيار خلال حديثه إلى «الشرق الأوسط» في كابل
حكمتيار خلال حديثه إلى «الشرق الأوسط» في كابل
TT

حكمتيار: إيران أكثر دولة أضرت أفغانستان... والتصدي لها يبدأ من كابل

حكمتيار خلال حديثه إلى «الشرق الأوسط» في كابل
حكمتيار خلال حديثه إلى «الشرق الأوسط» في كابل

رأى رئيس الوزراء الأفغاني السابق زعيم «الحزب الإسلامي» قلب الدين حكمتيار، أن أميركا سلمت أفغانستان لإيران على طبق من ذهب. وقال في حديث إلى «الشرق الأوسط» في مقر إقامته في كابل، أن إيران أكثر دولة أضرت بأفغانستان وشعبها وهي التي تتلاعب بأمن أفغانستان، مشيراً إلى أن الحل يجب أن يكون أفغانياً، والانتخابات هي المَخرج من الأزمة.
واعتبر حكمتيار في حديثه أن أميركا فشلت في تحقيق أهدافها في أفغانستان. ورأى أنه لو بقي الاهتمام العربي بأفغانستان كما كان سابقاً لما تمكنت إيران من اختراق العراق وسوريا واليمن.
وشدد على أن التصدي للدور الإيراني ووقف زحفه يبدأ من أفغانستان.
ورأى زعيم «الحزب الإسلامي» العائد إلى الحياة السياسية من بوابة المصالحة مع الحكومة الأفغانية، أن الأخيرة فشلت في استراتيجيتها السياسية والعسكرية، لكن حركة «طالبان» لم تحقق أهدافها من خلال القتال، وأن أهداف الجانبين لن تتحقق إلا على طاولة المفاوضات. وأبدى ثقته بأن «الحزب الإسلامي» سيفوز بثلث مقاعد البرلمان إذا لم يتم تزوير النتائج. وفي ما يأتي نص الحديث:

> بعد سنوات طويلة من الغياب عن كابل، عدتم إليها لممارسة الحياة السياسية، لماذا وما الذي حققتموه؟
- أخذنا قرارنا بأن نأتي إلى كابل في الوقت المناسب حين انسحب 90 في المائة القوات الأجنبية من أفغانستان، وما بقي منها كان الرئيس (باراك) أوباما قد وعد بسحبه بحلول نهاية 2017. كما أننا في الحزب الإسلامي لا نريد أن نتقاتل مع القوات الأفغانية وقلنا أيضاً لمقاتلينا ألا يقاتلوا هذه القوات إلا دفاعاً عن النفس، وإن عليهم تركيز قتالهم ضد القوات الأميركية والأجنبية التي لطالما طالبنا بخروجها. وأنجزنا الكثير منذ قدومنا إلى كابل، ونحقق في أسبوع ما لم نحققه خلال سنوات في الجبال. وبتنا في موقف يمكن معه للحزب الإسلامي تحديد الرئيس الأفغاني القادم عبر الانتخابات، وكثير من القرارات الحكومية الآن لا يتم اتخاذها إلا إذا حظيت بدعم وتأييد الحزب.
> البعض يعزو عودتكم إلى تفاهم سري مع واشنطن وكابل لقطع الطريق أمام «طالبان» التي تقوم بالعمل المسلح. ما تعليقكم؟
- ليست هذه إلا دعاية، نحن قمنا بالتفاوض مع الحكومة الأفغانية مباشرةً ودون أي واسطة، وكان توقيع الاتفاق مع الحكومة الأفغانية مباشرةً. لو كانت هذه الدعاية صحيحة لكنا قمنا بأعمال ضد «طالبان» بما يلائم هذا القول ولخسرت «طالبان» كثيراً حينها. وخلال وجودنا في كابل لم يحصل أن التقينا أو سعينا للقاء أيٍّ من قادة القوات الأجنبية و«الأطلسية»، وكانت كل مباحثاتنا مع القادة السياسيين فقط وحول الخروج من الوضع الحالي في أفغانستان.

- أصل العلّة

> يقال إن القوات الحكومية والأجنبية في حالة تراجع مستمر، و«طالبان» في تقدم مطرد، كيف تنظرون إلى الوضع وماذا يمكن أن ينتج عنه؟
- السبب الأساسي للمشكلات ليست قوات المعارضة ولا «طالبان»، بل ضعف الاستراتيجية الحكومية الأفغانية عسكرياً وسياسياً، وكذلك وجود القوات الأجنبية وضعفها سياسياً وعسكرياً. وهذا أصل العلة. أميركا خلال 18 عاماً من القتال ضد الشعب الأفغاني، لم تحقق أياً من أهدافها وكذلك فشل «الناتو» في أهدافه المعلنة.
> الأميركيون في البداية كانوا يقولون بأنهم سيستأصلون «طالبان» «والقاعدة» و«الحزب الإسلامي»، لكن نراهم الآن هم الذين يسعون وراء التفاوض مع «طالبان» وفي نفس الوقت يطالبون أن يكون الحوار أفغانياً...
- نحن نؤمن بأن الحوار يجب أن يكون بين الأفغان أنفسهم. قلنا لـ«طالبان» أن يتحاوروا مع الحكومة ويؤيدوا خطة ورأي الحزب في الحوار الأفغاني – الأفغاني، وهذا هو الأفضل بالنسبة إلينا. الأميركيون لم يكسبوا شيئاً من أهدافهم ولم يحققوها، فلم يقضوا على «الحزب الإسلامي» ولن يستطيعوا القضاء على «طالبان». الأميركيون ليس لهم حزب غربي التوجه يعتمدون عليه، لذلك اعتمدوا على الأحزاب الموالية لموسكو لتحقيق أهدافهم، وهذا لم يفدهم. والآن بعد اشتداد المنافسة بينهم وبين روسيا أصبح من العسير عليهم الاعتماد على الأحزاب الموالية لموسكو. والأميركيون الآن فتحوا أبواب أفغانستان لإيران وروسيا وهذا في حد ذاته إعلان لخسارة مشروع السيطرة الأميركية على أفغانستان.
> الروس خرجوا من الباب على يد الشعب الأفغاني والآن يدخلون من الشباك عن طريق محاولات السلام. هل يمكن أن تنجح مساعي الروس في التقريب بين الأفغان، ولماذا غبتم عن هذه المحادثات؟
- تلقينا دعوة للمشاركة في مؤتمر موسكو وعيّنا الوفد، ولكن الحكومة الأفغانية كان رأيها ألا تشارك الأحزاب الأفغانية في المؤتمر، فلم نذهب إلى موسكو. في السابق حين انسحب الروس وحلف وراسو من أفغانستان طالبنا بعدم إحداث فراغ وألا تتدخل قوى أجنبية في أفغانستان، ولكن للأسف حدث أن ملأت قوى أجنبية الفراغ الذي تركه الروس، ونحن نطالب الآن بألا يُحدث انسحاب القوات الأميركية فراغاً يملأه غيرنا، فلا نريد إخراج الأميركيين وإدخال الروس. يجب ألا تتكرر هذه الأمور وتقع بلادنا تحت أي نوع من الهيمنة الأجنبية مرة أخرى.

- دور الجوار

> باكستان وإيران والصين والهند والدول العربية كان لها دور أكثر فاعلية في الصراع الأفغاني أيام الاحتلال السوفياتي لأفغانستان، لكن هل يمكن لهذه الدول أن تقوم بدور فاعل في أفغانستان الآن؟
- مما لا شك فيه أن إيران كان لها الدور الأكثر سلبية في أفغانستان منذ زمن، فهي توظّف أموالها لاستمرار الحرب في أفغانستان ومنع استقرارها. أميركا في البداية حاولت الاستئثار بأفغانستان لكنها لم تستطع ففتحت الباب لكلٍّ من روسيا وإيران للمساعدة في حل الصراع. غالبية الإمدادات للقوات الأميركية كانت تأتي عن طريق روسيا، ومنحت أميركا لإيران الكثير من المصالح في أفغانستان. أميركا لم تحقق أياً من أهدافها في أفغانستان، بل إيران هي التي استفادت أكثر من أي دولة أخرى، وللأسف انحسر دور الدول العربية في أفغانستان، وهذا كان لصالح الدور الإيراني. استفادت إيران من الحرب في أفغانستان أكثر من أي دولة أخرى، واستغلت غياب الدول العربية التي كانت خلال الأعوام الثلاثين الماضية تكتفي بدعم الحكومات الموجودة في كابل في حين أن الأخيرة كانت أكثر ولاءً وقرباً لإيران. وأصبحت خلال هذه الفترة هناك قاعدة لـ«الحرس الثوري» الإيراني داخل القصر الجمهوري في كابل، وأصبح هناك دور للحكومة الإيرانية في تشكيل الحكومة الأفغانية والقوات الحكومية الأفغانية، ولم يكن هناك جهد عربي لدعم القوى المضادة للدور الإيراني في أفغانستان.

- الانتخابات

> الحزب الإسلامي من قبل سقوط حكومة نجيب في كابل وهو يطالب بإجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفافة في أفغانستان، الآن شارك الحزب في الانتخابات النيابية الأخيرة، هل تعتبرونها نزيهة وحرة، ولماذا تأخر إعلان نتائجها حتى الآن؟
- الحزب الإسلامي كان وما زال رأيه في أن إجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفافة هو الحل الصحيح وأساس إقامة حكومة قوية تمثل الشعب الأفغاني. وما زلنا متمسكين برأينا في هذا المجال. الانتخابات التي جرت مؤخراً لم تكن نزيهة ولا شفافة ولا عادلة. والحزب الإسلامي خاض تجربته الأولى في هذا المجال على مستوى البلاد، وقدمنا 300 مرشح للمجلس النيابي في هذه الانتخابات، وإن لم يحصل تزوير في فرز الأصوات أو تلاعب في عملية التصويت من قِبل مَن أداروا الانتخابات من الحكومة ولجنة الانتخابات والقوى الخارجية فإننا نؤكد أن الحزب الإسلامي سيحصل على 30 في المائة على الأقل من أصوات الناخبين ومقاعد البرلمان في أفغانستان.
> في الثمانينات والتسعينات كانت أحزاب المجاهدين هي التي توجه وتقود الشارع الأفغاني، الآن تقلص دورها وانحسر...
- كيف تقول ذلك وعلى أيّ أساس؟
> الشارع الأفغاني هو الذي يقول ذلك ولست أنا. لكن كيف يمكن لهذه الأحزاب أن تعود لتصدر المشهد الأفغاني وقيادته لمشروعها الإسلامي الذي كانت تطالب به؟
- كنت نحو 45 سنة خارج كابل وخلال هذه الفترة كان خصومنا السياسيون في الداخل ومَن أيّدهم في الخارج يقومون بدعايات ضد الحزب الإسلامي. لكن بعد عودتنا إلى كابل لقينا ترحيباً لا نظير له في العاصمة والمناطق الأخرى رغم أن الحكومة في يد منافسينا. وذلك يُظهر أن الحزب لا يزال يحظى بتأييد شعبي كبير رغم أن الإمكانيات المادية لدينا لا تشكل شيئاً مما هو موجود عند منافسينا. ونعتقد أن رئيس الدولة القادم سيكون الحزب الإسلامي هو مَن يقرره أو ينتخبه، وهو فقط من ندعمه نحن وليس غيرنا.
جميع المرشحين الرئاسيين طلبوا منا دعمهم، وقلنا لهم: نحن لا ندعم فرداً ويجب أن تكون قيادة جماعية، والرئيس عضو في القيادة وليس هو وحده من يقرر مصير البلاد ولا نتخذ قراراً من قبل شخص واحد فقط. نحن نعتقد أنه لا بديل للانتخابات حتى ننتهي من المشكلات والقتال. فالانتخابات طريقة قصيرة وحيدة سهلة للحل. والذين فشلوا في الانتخابات عليهم أن يرحبوا بمن فازوا، احتراماً لآراء الشعب، ومن الضروري اختيار هذا الطريق.
ونقول لـ««طالبان» إنهم لن يستطيعوا الوصول إلى أهدافهم من خلال الحرب والقتال ولن يستطيعوا إخراج القوات الأجنبية بالقتال، الطريقة الصحيحة هي أن نفكر في كيفية إنهاء الحرب والقتال الداخلي حتى لا يبقى مجال للقوات الأجنبية للجوء إليه لإطالة أمد بقائها في أفغانستان. وأن تكون هناك مصالحة أفغانية - أفغانية.
> بعد أكثر من أربعين عاماً من الحرب في أفغانستان والاحتلال السوفياتي والتدخل الأميركي، هل هناك خطة لدى حكمتيار للخروج بحل للأزمة؟
- نعم عندنا خطة واضحة للحل وهي عبر انتخابات الرئاسة. وأبلغنا موقفنا لـ«طالبان» أن يكون رأي الشعب هو الفيصل في إنهاء الصراع والقتال.
> هل يقبل الأميركيون بهذا الحل؟
- نحن أوصلنا للأميركيين رسالة مفادها أن عليهم يحترموا رأي الشعب الأفغاني وأن يتركوه يقرر مصيره عبر الانتخابات. وقلنا لهم: لو وصل «الحزب الإسلامي» ومعه تحالف سياسي فهل تقبلون بما نقرره؟ الأميركيون قالوا جواباً دبلوماسياً بأنهم يحترمون هذا الرأي ويحترمون رأي الشعب الأفغاني. نفس الشيء قلناه لموسكو وقالوا لنا: لا نعترض، بل نفرح برأي الشعب الأفغاني.

- ظاهرة «داعش»

> هناك ظاهرة جديدة في أفغانستان وهي وجود «داعش». من قبل كانت أميركا تقول إنها ذهبت إلى أفغانستان لمحاربة «القاعدة»، والآن تقول إنها تحارب «داعش»، كيف ظهر هذا التنظيم في أفغانستان وما دوره في إعاقة السلام؟
- «داعش» لم يأتوا من العراق وسوريا. هم من أعضاء «طالبان» السابقين، وحين ظهر «داعش» في العراق انشق عدد من «طالبان» وغيّروا رايتهم إلى راية التنظيم وحدث بينهم قتال شديد. وأرفض أن يكون الحزب الإسلامي على اتصال مع «داعش» أو يقدم له الدعم والحماية. بالأمس قرأت في إحدى صفحات «طالبان» أن قتالاً كان هناك ضد «داعش» وبمشاركة القوات الحكومية والأميركية وقُتل أحد قادة «داعش» الذي كان معيناً والياً من قبل «طالبان» سابقاً في المنطقة، وأصبح قائداً لـ«داعش» في المنطقة، ونحن في الواقع لم نسمع بوجود أي شخص غير أفغاني في «داعش» في أفغانستان.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.