جائزة سرفانتيس لشاعرة الأوروغواي إيدا فيتالي

«النحلة المتواضعة» أمضت نصف عمرها البالغ 95 في المنفى

إيدا فيتالي تتسلم جائزتها
إيدا فيتالي تتسلم جائزتها
TT

جائزة سرفانتيس لشاعرة الأوروغواي إيدا فيتالي

إيدا فيتالي تتسلم جائزتها
إيدا فيتالي تتسلم جائزتها

«هل هو الشِعرُ
هذا العطرُ الطالعُ من غُبار الذاكرة؟».
السيّدة التي كانت تطارِح نفسها هذا السؤال، وتقول إن مجرّد الاستفسار عن الشعر هو الدليل على حضوره، هي التي منذ سنوات أخذتني إلى حديقة جديدة من الشعر باللغة الإسبانية ترتقي إلى مصاف الجنائن التي علّقها لوركا وخوان رامون خيمينيث ونيرودا كمستحيلات على مشارف برناس الشعر العالمي.
إنها شاعرة الأوروغواي الكبرى، إيدا فيتالي، التي نالت جائزة سرفانتيس (نوبل الآداب الإسبانية) لهذا العام وهي في الخامسة والتسعين من عمرها الذي أمضت نصفه تقريباً في المنفى قبل أن تعود مؤخراً إلى مسقط رأسها من ولاية تكساس الأميركية إثر وفاة زوجها الذي كان يدرّس هناك في جامعة أوستين. وعندما اتصل بها وزير الثقافة الإسباني ليبلغها نبأ فوزها بالجائزة، ردّت «النحلة المتواضعة» كما كان يسمّيها مواطنها الروائي الكبير خوان كارلوس اونتّي، الحائز هو أيضا على جائزة سرفانتيس عام 1980. بقولها: «أنتم الإسبان ما زلتم مجانين كما كنتم عند غزو القارة الأميركية».
غادرت فيتالي بلادها مع زوجها الأول إلى المكسيك عام 1974عندما أجهز النظام الديكتاتوري العسكري على ثوّار «توباماروس» وبدأ بملاحقة المفكّرين اليساريين ومن يُشتبه بانتمائهم إلى الحركات أو المنظمات التقدمية. وفي استذكارها تلك الفترة تقول فيتالي: «كانت الأوروغواي ديمقراطية كاملة أرست نظاما تعليميّاً راقياً، ومجتمعاً من غير فوارق صارخة أو مشاعر قوميّة مفرطة... حظيت فيه المرأة دائماً بالتقدير على قدم المساواة مع الرجل».
في المكسيك، حيث انصرفت إلى الترجمة والتدريس، تعرّفت على اوكتافيو باز الذي كان صديقاها اليساريّان اونتّي وبينيدتّي قد حذّراها منه لكنها «وجدت فيه شخصاً رائعاً عميق الفكر واسع الثقافة». عادت إلى بلادها عام 1984 عندما كان النظام الديكتاتوري يلفظ أنفاسه الأخيرة من «أجل المساهمة قدر الإمكان في إعادة بناء الديمقراطية». وبعد أن تولّى زوجها إدارة المكتبة الوطنية أربع سنوات، هاجرا مجدداً إلى الولايات المتحدة حيث مارس (آذار) التدريس في جامعة أوستين حتى وفاته.
باكورة أعمالها كانت مجموعة قصائد بعنوان «نورُ هذه الذاكرة» التي صدرت عام 1949. أعقبتها منشورات نثرية وترجمات كثيرة من الإنجليزية والإيطالية والألمانية التي تتقنها. عام ١٩٩٤ نشرت كتاباً طريفاً بعنوان «معجم الأنسباء» أوردت فيه، حسب التسلسل الأبجدي، المفردات الأثيرة لديها، وما تعلّْمته من الشعراء الذين كانت تثابر وتدمن على قراءتهم. عن المطالعة تقول إنها «مرآة خادعة حيث المُستَهْلَكُ يستهلِكنا»، وعن الشعر: «الكلمات رُحَّلٌ يدفعها الشعر الرديء إلى الاستقرار». من خوان رامون خيمينيث تعلّمت «التصحيح باستمرار» ومن لوركا «أن أقول ما أريد، بلا غرور، وليس على حساب الإيحاء والجمال».
خورخي لويس بورخيس هو، عندها، ذروة الكتابة في أميركا اللاتينية، والنهر الذي يرفد سواقي الشعر والأدب باللغة الإسبانية. تتذكّر كيف تعرّفت عليه: «... في الستينات، يوم رأيته وافقاً عند ناصية بالقرب من متجر للأقمشة وأدوات التطريز في مونتيفيديو. كنت أحمل آلة خياطة ثقيلة وأبحث عن سيارة تاكسي تعيدني إلى البيت، فوقفت أنظر إليه وأتساءل: ماذا تراه يفعل هنا؟! كنت أعرف أنه يلقي محاضرة ذلك اليوم في أحد النوادي الأدبية، لكني فوجئت به واقفاً هناك يحدّق في واجهة ذلك المتجر. ظننت أنه يخشى عبور الشارع، فاقتربت منه وسالته: معذرة سيّد بورخيس، هل أنت تائه؟ فأجاب: لا، لا، من أنت؟ وكرّر سـؤاله مرات كثيرة ثم قال إنه جاء ليلقي محاضرة، ويطيب له التنزّه على الجادّة البحرية. لكنه كان بعيداً عن الشاطئ، وعرضت عليه أن نتقاسم سيارة التاكسي إذ يتعذّر علي أن أرافقه سيراً بسبب من حملي الثقيل، فعاد وسألني من أنا وبقي واقفاً في مكانه أمام المتجر. أمضيت عصر ذلك اليوم وأنا أتساءل إذا كان سيتمكّن من الوصول إلى مكان المحاضرة، ثم علمت أنه وصل. ثمّة ملاك حارس يرافق المكفوفين».
وُلِدَت فيتالي في كنف أسرة مثقّفة من أصل إيطالي كانت تتردد على منزلها نخبة من الشعراء والأدباء والصحافيين في عاصمة الأوروغواي، وتتذكّر كيف كانت تُقبل بنهم على مطالعة الجرائد الأربع التي كانت تصل كل يوم إلى ذلك المنزل. اثنتان في الصباح واثنتان عند المساء. تقول إنها ذهبت إلى الشعر متأخرة، بعد أن كان النثر قد استهواها لسنوات، عندما وقعت على قصيدة لشاعرة تشيلي الكبرى غابرييلا ميسترال مطلعها: «في تلك الساعة التي يذرف فيها المساء دمه على الجبال...» ولم تفهم منها شيئا، إلى أن عادت وقرأتها مرّات لتقرّر أن الشعر هو السبيل الأجمل لزرع الحياة بالألغاز والأسرار.
رغم التزامها السياسي تحرص فيتالي على النأي بشعرها عن السياسة وتحتفظ بما تكتبه لفترات طويلة قبل أن تدفع به إلى النشر: «أترك ما أكتبه حتى أكاد أنساه، وعندما يبدو لي أنه لغيري أعود لقراءته وتقويمه وتعديله». صارمة في تعاملها مع اللغة، تطلب منها أن تحمل أقصى ما بوسعها وأكثر مما تقول، وتعتبر أن «بين الاختصار والاختزال يكمن سرّ الجمال في الشكل الشعري».
تبدو فيتالي خارج أحكام العمر وهي تدنو من نهاية عقدها العاشر، متنقلة من الأوروغواي إلى الولايات المتحدة لإلقاء محاضرة، ثم إلى المكسيك لتسلّم جائزة معرض «غوادالاخارا»، بعد أن تسلّمت في العامين الماضيين جائزة لوركا العالمية وجائزة الملكة صوفيّا، قبل أن تعود إلى إسبانيا مطالع العام المقبل لتتسلّم جائزة سرفانتيس في «قلعة النهر» مسقط رأس صاحب الكيخوتي والتي علّقت على فوزها بها قائلة: «أشعر بحَرَجٍ كبير عندما أفكّر بأولئك الذين يستحقّون الجائزة أكثر مني».



«المجيبون»... تماثيل «الأوشابتي» تروي أسرار الحياة الأبدية في المتحف المصري

تماثيل الأوشابتي عرفت بوظيفة روحية في المقابر المصرية القديمة (المتحف المصري)
تماثيل الأوشابتي عرفت بوظيفة روحية في المقابر المصرية القديمة (المتحف المصري)
TT

«المجيبون»... تماثيل «الأوشابتي» تروي أسرار الحياة الأبدية في المتحف المصري

تماثيل الأوشابتي عرفت بوظيفة روحية في المقابر المصرية القديمة (المتحف المصري)
تماثيل الأوشابتي عرفت بوظيفة روحية في المقابر المصرية القديمة (المتحف المصري)

«أن يكون لك خادم مخلص في الحياة الأخرى... هذا بالضبط ما فكّر فيه المصري القديم عندما صنع هذه التماثيل الصغيرة، التي لم تكن مجرد شكل جنائزي، بل كانت أشبه بموظفين روحيين مهمتهم ضمان راحة وسعادة المتوفى في العالم الآخر»؛ بهذا الكلمات سلّط المتحف المصري بميدان التحرير (وسط القاهرة) الأضواء على تماثيل «الأوشابتي» التي عادة ما ترافق الموتى في المقابر المصرية القديمة، موضحاً في بيان، الثلاثاء، أن كلمة «أوشابتي» مشتقة من الفعل المصري القديم «وشب»، الذي يعني «يُجيب». لهذا تُعرف أيضاً باسم «التماثيل المُجيبة» أو «المجيبون».

كانت الفكرة ببساطة أنه عندما يُنادى على المتوفى في العالم الآخر للقيام بعمل شاق، مثل حرث الحقول أو ري الأرض، ينهض هذا التمثال الصغير ويقول «هأنذا»، ليتولى المهمة بدلاً من سيده. لتصبح هذه التماثيل بمنزلة ضمانة دائمة للراحة والخلود. كانت هذه التماثيل في البداية مجرد رؤوس حجرية توضع في المقبرة، وفى عصر المملكة الوسطى (حوالي 2050 إلى 1710 قبل الميلاد) أصبحت تأخذ شكل مومياء صغيرة، وكان يوضع تمثال واحد أو اثنان في المقبرة. وفي الدولة الحديثة وما بعدها وصلت لفكرتها الأكثر تعقيداً، إذ لم يعد تمثال واحد يكفي، بل أصبح هناك «جيش» كامل يقوم على خدمة المتوفى طوال أيام السنة. وبلغ العدد النموذجي 365 تمثالاً، يمثل كل منها يوماً من أيام السنة. وفي بعض الفترات المتأخرة، زاد هذا العدد ليصل إلى أكثر من ذلك.

أحد تماثيل الأوشابتي (المتحف المصري)

تصف المتخصّصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، تسليط الضوء على تماثيل «الأوشابتي» في المتحف المصري بأنها «خطوة بالغة الأهمية في إعادة قراءة الفكر الجنائزي للمصري القديم بعيداً عن النظرة الشكلية للقطع الأثرية، إذ تكشف هذه التماثيل عن دور رمزي عميق بوصفها (موظفين روحيين) أو وكلاء يعملون نيابةً عن المتوفّى في العالم الآخر».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن «وجود (الأوشابتي) لم يكن مجرد عنصر تزييني داخل المقبرة، بل ارتبط بنصوص دقيقة خصوصاً تعاويذ الفصل السادس من كتاب الموتى التي تفعّل وظيفتها لتؤدي الأعمال الزراعية والخدمية بدلاً من صاحب المقبرة، بما يعكس تصوراً متكاملاً للحياة الأبدية قائماً على الاستمرارية والتنظيم والعمل».

وأشارت إلى أن إبراز «الأوشابتي» بهذا المنظور العلمي يؤكد على الدور المتحفي ليس بوصفه قاعة عرض فقط بل منصات للمعرفة وإعادة تفسير التراث في ضوء مناهج علم المصريات الحديثة، ما يبرز قدرة القطع الأثرية على سرد تاريخ روحي وفكري كامل، يربط الإنسان المصري القديم بأسئلته الكبرى حول الخلود.

وصنعت هذه التماثيل من خامات متعددة مثل الخشب والحجر والبرونز، كما تبرز تماثيل «الفيانس» (القاشاني) كأحد أروع الأنواع. وهو خزف زجاجي ملون كان يُنتج في مصر القديمة بألوان ساحرة، خاصة الأزرق الفيروزي والأخضر، التي كانت ترمز للحياة والنماء، وفق بيان المتحف.

وتعرض قاعات المتحف المصري مجموعات متميزة من تماثيل «الأوشابتي»، من بينها القاعة 22 في الدور العلوي التي تضم مجموعة من تماثيل «الأوشابتي» المصنوعة من الفيانس. وحسب البيان، فهي «ليست قطعاً فنية فحسب، بل نافذة على عقلية المصري القديم وفلسفته تجاه الموت. وتعكس إيمانه الراسخ بالحياة بعد الموت، وحرصه على الاستعداد لها بتفاصيل دقيقة، ليستمتع بالأبدية دون مشقة».

ويرى عالم المصريات والخبير الآثاري، الدكتور حسين عبد البصير، أن «تسليط الضور على هذه التماثيل فكرة جيدة بوصفها عناصر فاعلة داخل منظومة الحياة الأبدية، لا مجرد قطع جنائزية صامتة، وهو طرح يقرّب العقيدة المصرية القديمة من الوعي المعاصر دون إخلال بجوهرها».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن وصف «الأوشابتي» بـ«المجيب» أو «الموظف الروحي» يستند إلى نصوص العقيدة نفسها، لا سيما صيغة الاستجابة الواضحة: «إذا دُعيتُ أُجيب»، وهو ما يكشف عن تصور منظم للعالم الآخر يقوم على الواجب والعمل والاستمرارية.

وعدّ عبد البصير أن هذا المدخل «يفتح أفقاً سردياً وتعليمياً مهماً داخل المتحف، إذ تتحول القطعة الأثرية إلى شاهد على رؤية المصري القديم للحياة بعد الموت بوصفها امتداداً منضبطاً للحياة الدنيا، وهي زاوية تتيح قراءة إنسانية عميقة لـ(الأوشابتي)، وتمنحه صوتاً فكرياً يعبّر عن فلسفة المصري القديم في العمل والعدل والمعنى، لا عن طقوس الموت فقط».

Your Premium trial has ended


مسرح «زقاق» يطفئ أنواره بعد عِقد من الإبداع

فرقة مسرح زقاق تودع جمهورها على أمل لقاء جديد (مسرح زقاق)
فرقة مسرح زقاق تودع جمهورها على أمل لقاء جديد (مسرح زقاق)
TT

مسرح «زقاق» يطفئ أنواره بعد عِقد من الإبداع

فرقة مسرح زقاق تودع جمهورها على أمل لقاء جديد (مسرح زقاق)
فرقة مسرح زقاق تودع جمهورها على أمل لقاء جديد (مسرح زقاق)

أعلن جنيد سري الدين، أحد مؤسسي «زقاق»، إقفال مسرح الفرقة في الكرنتينا بالعاصمة بيروت. وأوضح أنهم كانوا يأملون استمرار الخشبة التي انطلقت قبل 10 سنوات بدل أن تتحوّل إلى معمل.

تأسس فريق «زقاق» عام 2006 في فرن الشباك، ثم انتقل إلى الكرنتينا، حيث أنشأ مسرحاً نشطاً طوال عِقد كامل. خلال هذه السنوات، قدَّم الفريق أكثر من 40 عملاً مسرحياً، ونظَّم ورشاً درَّبت نحو 7200 مشارك، واستقبل ما يزيد على 129 ألف متفرج.

جنيد سري الدين (مسرح زقاق)

لكن لماذا يُقفل هذا المسرح أبوابه في وقت تحتاج فيه المدينة إلى مسارح جديدة؟

يجيب سري الدين في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «نواجه تكاليف تفوق قدراتنا المادية وأكبر من استثماراتنا، فجميع أشكال الدعم والتبرعات التي تلقيناها لم تُفضِ إلى النتائج المرجوة».

ويشير إلى أن ثِقل التكلفة المالية وعدم قدرة الفريق على تحمّلها، يقابله سبب آخر يتمثّل في الحاجة إلى التوجّه نحو آفاق أوسع، ويضيف: «شعرنا بضرورة القيام بنقلة نوعية مختلفة، ولذلك نخطط لمشروع جديد يرتبط ارتباطاً مباشراً بالمدينة».

ورغم الصعوبات التي تواجه الفريق، يؤكد سري الدين أن تغيير المكان لا يعني التوقف عن العمل، بل قد يكون أحياناً ضرورة لانطلاقة أفضل.

علاقة فريق «زقاق» بمسرحه في الكرنتينا تتجاوز البعد المكاني. فهي علاقة مشبعة بالذكريات والتحديات واللحظات الحلوة والمرّة، ويعلّق جنيد: «نحن ممتنون لكل ما أنجزناه في هذا المكان، الذي نعدّه قطعة من روحنا. صحيح أننا نشعر بالحزن لمغادرته، لكن البلد بأكمله يعيش حالة تشتّت، ولن نسمح لهذا الواقع بأن يؤثر سلباً علينا. من الضروري القيام بتحولات مدروسة لنتمكّن من البقاء والاستمرار».

وفي عام 2024، وخلال الحرب التي شهدها لبنان في جنوبه، اضطر مسرح «زقاق» إلى إلغاء مشاريع فنية عدّة، فرفع الصوت عالياً، وطالب، من خلال بيان أصدره، بضرورة إيجاد حلول جذرية تحمي الفن في لبنان. ومما جاء فيه: «يُواجه الفن الجريمة، ويحمي التماسك المجتمعي، ويُعزز الشعور بالوجود المشترك». وأضاف: «نعلم أنه بإمكان الجهود الفردية التأثير على النقاش العام وإعادة بناء القيم التي تُحقق إمكانية تغيير عالمي أشمل. ونترقَّب عودة اللقاء بأمان لنتشارك من جديد الأعمال الفنية».

يُطفئ مسرح زقاق أنواره بعد 10 سنوات من العمل الإبداعي (مسرح زقاق)

هذا اللقاء الذي كان يرنو إليه لم يدم إلا نحو سنة. فجاء قرار الإقفال لينسف كل الآمال بإمكانية الاجتماع تحت هذا السقف مدة أطول؛ «لقد كان بإمكاننا استغلال الفترة القصيرة التي تفصلنا عن موعد انتهاء عقدنا مع أصحاب المكان، فنمدِّد حياته الفنية قبل أن نتحوَّل إلى وجهة أخرى. لكن وضعنا المادي وغلاء الإيجارات دفعانا إلى تسريع عملية المغادرة».

ولا يخفي سري الدين عتبه على الدولة اللبنانية، في ظل إهمالها وغياب دعمها للفن وأهله، ما يسهم في شرذمة هذا القطاع، ويقول: «المراكز الثقافية عندنا معرَّضة دائماً للتوقف عن العمل. وتكلفة الإيجارات المرتفعة تُشكل سبباً أساسياً في تخريب مسيرة مسارح تبحث عمَّن ينتشلها من أزماتها. وبصورة عامة، لا توجد رعاية جدية من الدولة للاهتمام بالوجهات الثقافية».

في المرحلة المقبلة، يتجه فريق «زقاق» نحو افتتاح مسرح جديد يحافظ على هدفه الأساسي: دعم الفنان وتشجيعه، وفتح مساحات تتيح له بلورة مواهبه والمشاركة في أعمال مسرحية تعبّر عن أفكاره، ويتابع: «إنها لحظة انتقالية نعوِّل عليها كثيراً. القرار كان صعباً جداً، لكننا نعمل على تحويله إلى طاقة نستمد منها الأمل لولادة مختلفة».

ويأسف جنيد لنيَّة تحويل مسرح «زقاق» في الكرنتينا إلى معمل أو مصنع، قائلاً: «كنا نتمنى الحفاظ على روحه الثقافية والفنية. فهذا المكان تربَّينا وكبرنا في ظلّه، ويعني لنا الكثير كفريق ناضل لنشر ثقافة المسرح الأصيل».

مشهد من إحدى المسرحيات التي عرضت على خشبة زقاق (مسرح زقاق)

يُذكر أن فريق «زقاق» قدّم مئات الأعمال المسرحية، من بينها: «ثلاث أبيات من العزلة»، «بينوكيو»، و«ستوب كولينغ بيروت»، و«نص بسمنة ونص بزيت»، وغيرها.

وكان فريق مسرح «زقاق» قد تأثر مباشرة بتداعيات الانفجارات والحروب في لبنان؛ «لقد اضطررنا إلى ترميمه أكثر من مرة، وكذلك بعد انفجار بيروت. وكما المقاهي والمطاعم المنتشرة في المنطقة، تمسَّكنا برسالة لبنان الثقافية وبدأنا المشوار من جديد. عمر فريقنا اليوم يتجاوز الـ20 عاماً، وشكَّل هذا المكان جزءاً من مشوارنا لا نستطيع بالتأكيد نسيانه».

ويختم جنيد سري الدين: «في غياب دعم من الجهات الرسمية، لا بد أن نصل إلى نهايات من هذا النوع. لكن في المقابل، يبقى افتتاح مسرح جديد الخطوة الأهم. فالمدينة تعاني اليوم خسارة مساحات متتالية في المجال الفني عامة، والثقافي المسرحي خاصة. وسنكمل المشوار ونتحدَّى الصعاب رغم كل شيء».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


المتحف البريطاني ينجح في بقاء قلادة ذهبية للملك هنري الثامن

قلادة ذهبية (رويترز)
قلادة ذهبية (رويترز)
TT

المتحف البريطاني ينجح في بقاء قلادة ذهبية للملك هنري الثامن

قلادة ذهبية (رويترز)
قلادة ذهبية (رويترز)

نجح المتحف البريطاني في جمع مبلغ 3.5 مليون جنيه إسترليني لضمان بقاء قلادة ذهبية ذات صلة بزواج الملك هنري الثامن من زوجته الأولى، كاترين أراغون، ضمن مقتنياته الدائمة، حسب «بي بي سي» البريطانية.

وكان المتحف، الواقع في قلب لندن، قد أطلق حملة تبرعات في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي للاستحواذ على قلادة «قلب تيودور» بصفة نهائية، وهي التي عثر عليها أحد هواة الكشف عن المعادن في حقل بمقاطعة وارويكشاير عام 2019.

وقد أعلن المتحف أخيراً عن بلوغ هدفه التمويلي بعد تلقيه تبرعات شعبية بقيمة 360 ألف جنيه إسترليني، إلى جانب سلسلة من المنح المقدمة من صناديق ائتمانية ومؤسسات فنية.

وفي السياق نفسه، صرح نيكولاس كولينان، مدير المتحف، قائلاً: «إن نجاح هذه الحملة يبرهن على قدرة التاريخ على إلهام الخيال، ويوضح أهمية أن تستقر قطع مثل (قلب تيودور) في المتاحف».

هذا، وقد كشفت الأبحاث التي أجراها المتحف عن أن القلادة ربما صُنعت للاحتفال بخطوبة ابنتهما الأميرة ماري (التي كانت تبلغ عامين آنذاك) من ولي العهد الفرنسي (الذي كان يبلغ ثمانية أشهر) في عام 1518. وتجمع القلادة بين «وردة تيودور» ورمز «الرمان» الخاص بكاترين، كما تحمل شعاراً مكتوباً بالفرنسية القديمة «tousiors» وتعني «دائماً».

وعقب اكتشافها، أُدرجت القلادة بموجب «قانون الكنوز لعام 1996»، والذي يمنح المتاحف والمعارض في إنجلترا فرصة الاستحواذ على القطع التاريخية وعرضها للجمهور. ومن أجل عرضها بشكل دائم، تعين على المتحف سداد مكافأة مالية للشخص الذي عثر عليها وصاحب الأرض التي اكتُشفت فيها.

وقد حرص المتحف على اقتناء القلادة نظراً لندرة القطع الأثرية الباقية التي توثق زواج هنري الثامن من كاترين أراغون. وأوضح المتحف أن أكثر من 45 ألف فرد من الجمهور أسهموا في الحملة، وهو ما غطى ما يزيد قليلاً على 10 في المائة من المبلغ المطلوب.

كما حصل المشروع على دعم بقيمة 1.75 مليون جنيه إسترليني من «صندوق ذكرى التراث الوطني»، المعني بحماية الكنوز التراثية المتميزة والمهددة بالضياع في المملكة المتحدة. وشملت قائمة الجهات المانحة أيضاً جمعية «صندوق الفنون» الخيرية، وصندوق «جوليا راوزينغ»، وجمعية «أصدقاء المتحف البريطاني الأميركيين».

وفي حديثه لبرنامج «توداي»، عبر إذاعة «بي بي سي 4»، أضاف كولينان: «إن تكاتف 45 ألف مواطن وتبرعهم بالمال لإبقاء هذه القطعة في البلاد وعرضها أمام العامة، يعكسان الحماس الشعبي تجاه هذا الأثر. إنها حقاً قطعة فريدة من نوعها».