ماكرون أمام تحدٍ كبير... أم سقوط عظيم؟

باريس تحبس أنفاسها في «سبت حاسم}

ماكرون أمام تحدٍ كبير... أم سقوط عظيم؟
TT

ماكرون أمام تحدٍ كبير... أم سقوط عظيم؟

ماكرون أمام تحدٍ كبير... أم سقوط عظيم؟

تحبس فرنسا اليوم أنفاسها ويقض الخوف مضاجعها. إنه الخوف من المجهول وتحديدا مما سيحمله لها «السبت الأسود» الذي يطل برأسه منذراً بمزيد من العنف والفوضى ليس فقط في العاصمة باريس بل أيضا في المدن الرئيسية والمتوسطة. ومصدر الخوف أيضاً أن الحركات الاحتجاجية لم تعد فقط محصورة بـ«السترات الصفراء» التي انطلقت في السابع عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي وتتأهب اليوم لـ«الفصل الرابع» و«للنزول» مجددا إلى باريس إذ انضمت إليها الحركة الطلابية التي تشمل تلامذة التعليم الثانوي والجامعي ولكل مطالبه.
ولقد عرف يوم الخميس الماضي مشاهد من العنف لا تختلف كثيرا عما يجري في فرنسا منذ أكثر من ثلاثة أسابيع. إلا أن ما حصل في مدينة مانت لاجولي الواقعة شمال غربي باريس أثار استياء الفرنسيين. عشرات من الشبان راكعون وأيديهم فوق رؤوسهم ووجوههم إلى الحائط وحولهم رجال الأمن من الشرطة وقمع الشغب بكامل معداتهم. إنهم مزيج من تلامذة ومن شبان من الخارج تم إيقافهم لأن الشرطة اعتبرت أنهم مثلوا تهديدا للأمن بسبب المظاهرة الاحتجاجية التي كانوا يقومون بها رفضا «لإصلاحات» وزير التربية التي أدخلها على شهادة البكالوريا وولوج المرحلة الجامعية. وكانت الصدمة عظيمة لدى الفرنسيين حتى أن جان ميشال بلانكيه، وزير التربية نفسه، لم يتردد في التعبير عن صدمته هو عندما شاهد مقاطع من الفيديو المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي كافة وعلى منصات القنوات التلفزيونية والصحافة.

لم يعد أصحاب «السترات الصفراء» والطلاب وحدهم في الساحة الاحتجاجية الفرنسية، إذ انضمت إليهم شرائح قطاعية إضافية لتزيد المشهد تعقيدا: القطاع الزراعي، سائقو الشاحنات، سائقو سيارات الإسعاف وغيرهم من أصحاب المطالب الذين يرون أن «الضعف» الذي ألم بالحكومة يشكل الفرصة المناسبة لانتزاع شيء ما في «مهرجان» المطالب المتكاثرة.
غير أن الأساس يبقى تحرك «السترات الصفراء» الذي لم يكن أحد يتوقع له أن يصل إلى ما وصل إليه وأن يرخي هذا الجو من الخوف فوق رؤوس الفرنسيين، ويشلّ العمل الحكومي، ويبيّن التوتر في أعلى هرم السلطة، ويغيّب رئيس الجمهورية عن المسرح رغم الأحداث العنيفة تاركا رئيس حكومته في خط المواجهة الأول.
سُميت الحركة الاحتجاجية «السترات الصفراء» استنادا إلى السترة الصفراء التي يفترض أن توجد في كل سيارة في فرنسا ـ ويتوجب على سائقها ارتداؤها حين حصول حادث من أي نوع كان. أما جديد هذه الحركة فهو أنها لم تخرج من عباءة أي حزب من الأحزاب أو النقابات، بل انطلقت من خلال عريضة وضعت على الإنترنت، ومن أشخاص مجهولين تطالب بوقف زيادات الرسوم على المشتقات النفطية التي ما فتئت الحكومة تزيدها شهرا وراء شهر، خصوصاً على مادة الديزل (المازوت).
حجة الحكومة أن الزيادات ليس غرضها تحميل المواطنين، خصوصاً سكان الأرياف والمزارعين وكل من يحتاج لسيارته للتنقل، مزيدا من الرسوم التي تضاف إلى الكم الكبير من الضرائب التي يدفعها الفرنسي العادي - التي هي الأعلى في أوروبا -، بل التسريع في «النقلة البيئوية» التي التزمت بها فرنسا وكل البلدان التي وقعت على «اتفاقية باريس للبيئة» في ديسمبر (كانون الأول) من العام 2015.
إذن، الغرض نبيل وتحقيقه يمرّ عبر رفع الرسوم للانتقال من الاعتماد على «الطاقة الملوثة» والانتقال إلى «الطاقة النظيفة».
وكان من المفترض أن ترتفع الرسوم المشار إليها بدءا من العام 2019 وتستمر في الأعوام التالية: 2020 و2021 و2022. وبصورة عامة، ومن غير هذه الزيادات، فإن الدولة تجني من الرسوم المفروضة على المحروقات ما لا يقل عن 35 مليار يورو سنويا ويفترض بالرسوم الجديدة أن توفر لها 4 مليارات إضافية.

طفح الكيل
حقيقة الأمر أن الرسوم المشار إليها لم تكن سوى الشرارة التي أطلقت الحريق الذي انتشر كالنار في الهشيم. وأساس المشكلة أن الدولة تتصرّف منذ أن وصل إيمانويل ماكرون إلى رئاسة الجمهورية في ربيع العام 2016 بكثير من الفوقية. ومشكلتها أنها صمّت أذنيها عن مطالب «السترات الصفراء»، معتبرة أنها موجة عابرة سبق أن واجهت أعتى منها في السابق، وبالذات، عند إطلاق إصلاح قانون العمل والقوانين الناظمة لقطاع السكك الحديد وقوانين أخرى كثيرة تندرج في سياق طموح الرئيس ماكرون في إحداث «تحولات عميقة» في المجتمع الفرنسي... الذي وصفه ماكلاوم يوما بأنه «رافض للتغيير».
وانطلاقا من هذا المعطى، رفضت الحكومة الاستجابة لمطلب محدد. وأكد ماكرون ورئيس الحكومة إدوار فيليب والوزراء المعنيون أن الدولة «لن تتراجع» وأن الرسوم الجديدة «باقية». وراهنت الدولة على تراخي الحركة الاحتجاجية التي انطلقت بإعاقة السير في المدن وعلى الطرقات السريعة، ومحاصرة مستودعات الطاقة الرئيسية.
وحصل أول «نزول» محدود إلى العاصمة في السبت الأول. وكما في كل حركة احتجاجية، تندس مجموعات «مشاغبة» تنتمي إلى اليمين المتطرف أو اليسار المتطرف، لا تتردّد في اللجوء إلى العنف والاشتباك مع القوى الأمنية. وحقاً، استخدمت الحكومة هذه الحجة لنزع الشرعية عن الحركة الاحتجاجية، كما استخدمت حجة تحريكها من الخارج، وتحديداً من اليمين المتطرف ومن حزب مارين لوبن «التجمع الوطني». لكن النتيجة جاءت عكسية، إذ زاد تعاطف الرأي العام معها، ووصل حتى بعد أعمال العنف التي شهدتها العاصمة إلى 80 في المائة. والأهم من ذلك أن الحركة التي كان لها مطلب واحد في البداية أصبحت أكثر راديكالية، لا بل إن مطالبها تكاثرت لتشمل، إضافة إلى إلغاء زيادات الرسوم على المحروقات، خفض الضرائب ورفع مستوى الحد الأدنى للأجور والمعاشات التقاعدية، وحتى إلغاء مجلس الشيوخ وإجراء استفتاء.
كان واضحاً، لمن يريد أن يفتح عينيه، أن حركة «السترات الصفراء» تعكس مزاجاً شعبياً رافضاً للسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي اتبعها عهد ماكرون منذ البداية. والأمر الثاني أن الرئاسة والحكومة يغلب عليهما طابع التكنوقراطية التي لا تعرف حقيقة مشاكل الناس، لا بل إنها تنظر إليها بفوقية. ومن هنا، فإن السائل الذي أشعل الحركات الاحتجاجية، وحوّلها إلى ما أصبحت عليه كان بالدرجة الأولى ردّ فعل ماكرون نفسه، ثم الحكومة، وكلاهما لم يفهم طبيعتها أو عمقها. والأمر الثالث أن السلطات تعاملت بكثير من «الارتجال» مع «السترات الصفراء»، وهو ما ظهر في القرارات التي اتخذت التي جاءت إما متأخرة أو منقوصة. ولم يعد سراً وجود «خلافات» على رأس السلطة، وتحديداً، بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة... وكيفية تعاطي الأول مع الثاني.
كان أول الغيث رفض إدوار فيليب، الآتي إلى الحكم من صفوف حزب «الجمهوريون» اليميني، التجاوب مع رغبة ماكرون في الاستجابة جزئياً لمطالب «السترات الصفراء» قبل أقل من أسبوعين. ومع ذلك، خطا ماكرون نصف خطوة بإعلانه اعتماد «آلية» تكون مهمتها النظر في زيادات الرسوم وتكييفها وفق تحولات السوق النفطية. إلا أن هذه الخطوة «الناقصة» دفعت بـ«السترات الصفراء» إلى جادة الشانزليزيه في أول «سبت أسود».
وجاء «السبت الأسود» الثاني ليقلب الأمور رأساً على عقب بسبب بما عرفته باريس وعدد من المدن الكبرى من أعمال شغب واشتعال الحرائق، ومعارك كرّ وفرّ بين المحتجين ومن اندس في صفوفهم والقوات الأمنية... وعجز الأخيرة عن السيطرة على الوضع. وتبين للسلطات أن التمسك بالموقف الرافض الاستجابة لمطالب المحتجّين، بحجة أن التراجع عنه يعني «انكسار» الدولة بوجه الشارع، أصبح مستحيلاً، لا سيما، أن جميع الأحزاب - وبينها أصوات من داخل الحزب الرئاسي «الجمهورية إلى الأمام» - ما فتئت تحثّ الحكومة على التخلي عن تصلّبها. ومن هنا، جاء إعلان رئيس الحكومة أول من أمس في البرلمان، بعد اجتماع ليلي في قصر الإليزيه برئاسة ماكرون، عن «تجميد» الزيادات على المحروقات، بما فيها الغاز والكهرباء طيلة ستة أشهر. ولأن رد الفعل جاء سلبيا واعتبار الحركة الاحتجاجية أن التدابير الحكومية «مجزوءة ومتأخرة»، دخل قصر الإليزيه على الخط ليعلن أن الرئيس ألغى كل الزيادات لسنة 2019 كاملة.

رئاسة تخطتها الأحداث
الواضح أن الرئاسة الفرنسية، التي عُرف عنها خلال عام ونصف جديتها وتمكّنها من إدارة شؤون الدولة بيد من حديد، تخطّتها الأحداث. لقد تراجعت بعدما أكدت سابقاً أنها «لن تتزحزح»، ولم تكتف بإلغاء الزيادات... بل أبطلت قراراً سابقاً بتشديد المعايير التقنية المفروضة على السيارات، وألغت الزيادات المقرّرة - ككل بداية عام - على أسعار الغاز المنزلي والكهرباء، وسعت لاسترضاء المزارعين وكل من رفع مطلباً...
من ناحية ثانية، قرار ماكرون «المزايدة» على رئيس الحكومة وضع الأخير في موقف حرج، ونزع عنه «هيبة» الموقع الذي يحتله. ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد. فبالنظر إلى مطالبة غالبية الطيف السياسي بأن تتراجع الحكومة عن قرارها العام الماضي إلغاء «الضريبة على الثروة»، اعتبر بعض الوزراء وعلى رأسهم إدوار فيليب أنه من المفيد تنفيس الاحتقان و«فتح كوة» للنقاش في هذا الملف المتفجّر الذي جعل الناس ينظرون إلى ماكرون على أنه «رئيس الأغنياء». ولذا، لم يستبعد رئيس الحكومة في خطابه أمام النواب، أول من أمس، أن تعمد الحكومة إلى مراجعة قرارها، والنظر فيما إذا كان حقيقة يدفع المستفيدين من إلغاء الضريبة المذكورة إلى الاستثمار في الاقتصاد الفرنسي. كذلك فعل الناطق باسم الحكومة بنجامين غريفو ووزيرة الثقافة مارلين شيابا.
إلا أن الرد من ماكرون جاء صاعقاً، إذ أغلق الباب تماماً أمام هذه الاحتمالات، بتأكيده في مجلس الوزراء يوم الأربعاء أن «ما تقرر لن يعاد النظر فيه». واختار ماكرون، الذي يدير العمليات عن بعد الصمت منذ عودته من العاصمة الأرجنتينية بوينس أيرس الأحد الماضي. وأعلن ريشار فران، رئيس مجلس النواب والمقرّب منه، أنه سيتوجه إلى الفرنسيين «الأسبوع القادم»، والسبب في ذلك أنه «لا يريد صبّ الزيت على النار» الأمر الذي يبدو غريباً، إذ أن وظيفة رئيس الجمهورية إيجاد الحلول لمشاكل المواطنين لا تأجيجها.

ماذا سيجري اليوم؟
من المبكر السعي لمحصلة نهائية للحركات الاحتجاجية المتشابكة والمتواصلة لأنها لم تتكامل فصولا. لكن الاختبار الأخطر بالنسبة للدولة هو ما سيجري اليوم السبت الذي يدشّن «الفصل الرابع» من «انتفاضة السترات الصفراء».
وتحسباً لما سيحصل، عمدت الدولة إلى حشد نحو 90 ألف رجل أمن منهم 8 آلاف لباريس وحدها، في محاولة منها للسيطرة على الوضع، وتلافي تكرار مشاهد العنف التي أدمت باريس والكثير من المدن السبت الماضي. وللمرة الأولى سيشاهد الباريسيون في شوارعهم مدرّعات قوى مكافحة الشغب في غير مناسبة احتفالات العرض العسكري الذي ينظم سنوياً يوم 14 يوليو (تموز). وبموازاة ذلك، عمدت السلطات إلى إغلاق المراكز السياحية الرئيسية، وعلى رأسها برج إيفل ومتحف اللوفر ومتحف أورساي. وحثّت بلدية باريس أصحاب المتاجر في منطقة الشانزليزيه والجادات المتفرعة عن ساحة «الإيتوال»، حيث قوس النصر، إلى اتخاذ تدابير وقائية، لا بل الإغلاق.
كل يوم سبت في فرنسا يأتي بجديد. وبعدما كان يوماً عاديا، ككل أيام السنة التي تشهد مظاهرات واحتجاجات في كل أنحاء البلاد، تحوّل شيئا فشيئاً إلى يوم «أسود»... بدا «داكناً» بعض الشيء في مستهل الأحداث، لكنه مع كل أسبوع تزداد «دكانته» حتى أصبح اليوم «حالكاً». وربما كان من الأدق الحديث عن «سبت أحمر»... نظراً لأعداد الجرحى بالمئات من المحتجين ورجال الأمن، أو بسبب الحرائق التي لفّت الأحياء الباريسية الراقية السبت الماضي.

صورة قوس النصر
كم هي بعيدة صورة قوس النصر يوم 11 نوفمبر (تشرين الثاني) عن صورته يوم السبت الماضي.
في التاريخ الأول، كان ملتقى قادة العالم الذين اجتمع منهم 75 ملكاً ورئيساً ورئيس حكومة... جاءوا كلهم للاحتفال بالمئوية الأولى لانتهاء الحرب العالمية التي أدمت بدايات القرن الماضي. أما السبت الماضي، فقد تحوّلت باريس ذاك اليوم الممطر إلى ساحة حرب حقيقية... قنابل مسيلة للدموع وقنابل صوتية من جهة، مقابل حجارة الأرصفة والعبوات وكل ما وقع تحت أيدي المحتجين، وخصوصاً، مجموعات المشاغبين من اليسار المتطرف «البلاك بلوك» أو اليمين المتطرف التي «تتسلق» كل القطارات الاحتجاجية وغرضها الاشتباك مع القوى الأمنية وزرع الفوضى.
باريس عادت مجدّداً لتتحول إلى «عاصمة العالم». والمشهد الباريسي تحوّل إلى حدث كوني نقلته القنوات الإخبارية دقيقة وراء دقيقة. العالم كله تسمّرت أنظاره على مجموعات من الشباب الذين يغطون رؤوسهم ووجوههم كيفما اتفق، ويضعون أقنعة واقية من الغاز الذي انهمر بكثافة على المحتجين. ويُحسب لهم أنهم نجحوا في إرباك القوى الأمنية التي وفّرت منها مديرية الشرطة في العاصمة ووزارة الداخلية أكثر من 5500 رجل أمن، بينهم كثيرون من وحدات مكافحة الشغب بمنظرهم الخارجي المخيف، ومئات السيارات وعشرات الشاحنات المجهّزة بخراطيم المياه.
لكن ذلك كله لم يكن ذا فائدة. وكانت الخطة الأمنية تقضي بمنع الوصول إلى «المربع الذهبي»، الذي قلبه القصر الرئاسي في شارع فوبور سانت هونوريه، لكنه يمتد جنوبا ليضم ساحة «الكونكورد»، بمسلتها الفرعونية وفنادقها الفخمة مثل فندق لو كريون الملاصق لمبنى السفارة الأميركية، إضافة إلى مبنى المجلس النيابي بأعمدته الإغريقية... ووصولا إلى مبنى رئاسة الحكومة.
غير أنه ما خلا هذه المنطقة البالغة الحماية، كان مسرحاً لأعمال عنف لم ينج منها قوس النصر الذي كان الإمبراطور نابوليون بونابرت قد أمر بتشييده لتخليد انتصاراته العسكرية وإنجازاته المدنية.
وخلال ثلاثة أسابيع من التحرّكات سجّل مئات التوقيفات وعشرات الجرحى. والحقيقة أن المحصلة تبدو ثقيلة للغاية: 820 جريحا في أوساط المحتجين و200 في صفوف رجال الأمن. والقبض على 1600 شخص منهم وأوقف ما لا يقل عن 100 شخص... حتى أن المحاكم في باريس وخارجها بدت عاجزة عن التعاطي مع هذه الأعداد الكبيرة من الموقوفين. وبجانب الخسائر المادية ومنها الممتلكات والسيارات المحروقة، فإن الخسارة الأكبر هي تدهور صورة باريس قبل أيام من أعياد الميلاد ونهاية السنة، وما لذلك من تأثير على المدى البعيد على جاذبية هذه المدينة.
يبقى سؤال يتعين طرحه: كيف انحدرت الأمور إلى هذا الدرك في بلد ديمقراطي كفرنسا، يكفل دستوره حق التظاهر والاحتجاج، بل كان البلد الأول في العالم الذي أوجد شرعة لحقوق الإنسان مباشرة بعد ثورة العام 1789؟
حقيقة الأمر أن الفرنسيين حائرون، ويبدون عاجزين عن فهم ما حصل للرئيس إيمانويل ماكرون، الشاب الطموح الذي قبض على الرئاسة وهو تحت سن الأربعين. وجاء ببرنامج إصلاحي «جذري» يريد بموجبه إحداث «تغييرات عميقة» في المجتمع الفرنسي... فشل سابقوه أو لم يرغبوا في القيام بها.


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.