دول الجوار الليبي تؤيد المبادرة الأممية وتتعهد بدعم العملية السياسية

«وكر الإرهابيين} في جنوب ليبيا يقلق غسان سلامة

دول الجوار الليبي تؤيد المبادرة الأممية وتتعهد بدعم العملية السياسية
TT

دول الجوار الليبي تؤيد المبادرة الأممية وتتعهد بدعم العملية السياسية

دول الجوار الليبي تؤيد المبادرة الأممية وتتعهد بدعم العملية السياسية

منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي، ومقتله في مدينة سرت عام 2011، وجدت ليبيا نفسها غارقة في صراعات دامية، وانقسامات عرقية ومذهبية، وتدخلات أجنبية، حوّلت البلاد إلى ساحة لتصفية «خلافات العالم». ولقد مرّت سبع سنوات على الحدث الأبرز في التاريخ الليبي المعاصر، ومع ذلك ما زالت الأطراف الليبية تعيش أزمتها السياسية والأمنية الطاحنة.
هذه الأزمة الطاحنة لا يقتصر تأثيرها السلبي على الداخل الليبي وحده، بل يمتد إلى الإقليم وبعيداً عبر المتوسط. والحقيقة، أن تداعياتها حوّلت هذا البلد العربي الثري، إلى وكر لشتى الجماعات الإرهابية، والمتطرفين، وعصابات الجريمة المنظمة وتجار البشر، وجعلت منه مركزاً للهجرة غير المنظمة.

نيران اللااستقرار الليبي تضرب في كل الاتجاهات؛ وهو ما دفع جهات كثيرة لتبني مبادرة تهدف إلى إعادة الاستقرار الذي افتقدته ليبيا طويلاً. وكان من آخر محاولات حل المأزق، اجتماع وزراء خارجية دول الجوار الليبي الذي عقد في الخرطوم الخميس 29 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، باعتباره إكمالاً لجهود إقليمية ودولية وانشغالات محلية، تسعى إلى إيجاد سبل لإنهاء الأزمة.
وكان قد سبق اجتماع الخرطوم هذا بأيام، عقد «مؤتمر بالرمو» يومي 12-13 من الشهر ذاته بجزيرة صقلية الإيطالية، وبدوره كان قد سبقه في شهر مايو (أيار) الماضي مؤتمر مثيل عُقد في العاصمة الفرنسية باريس، بالفكرة ذاتها... أي حل الأزمة الليبية.
لكن يبدو أن الجهود الثلاثة غرقت في «رمال الأزمة التي تهب من أنحاء الصحراء الليبية». وبحسب المراقبين، انغمس كل منها في طموحات ورغبات الدولة المضيفة، ما عدا اجتماع الخرطوم الذي غرق هو الآخر، لكن في «أزمة الجنوب» وأعمال العنف والعمليات الإرهابية التي تدور هناك منذ أشهر.
عملياً، لم يتوصل اجتماع الخرطوم، إلى أكثر من التوصية التقليدية بـ«ضرورة إيجاد حل سياسي للأزمة»، والبحث عن آلية أمنية تضع حداً لتمركز الجماعات الإرهابية التي نقلت عملياتها إلى هناك. إذ خيّمت عليه أجواء العمليات القتالية والإرهابية في الجنوب الليبي على مداولات «اجتماع وزراء خارجية دول الجوار» بالخرطوم، فأنهى جلساته باللازمة التقليدية «إيجاد حل سياسي للأزمة الليبية».

قلق غسان سلامة

في بداية اجتماع الخرطوم، أطلق الدكتور غسان سلامة، مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا، تصريحات قلقة بشأن مآلات الأوضاع هناك، وإعلانه دخول متطرفين عبر النيجر إلى منطقة جنوبي غرب البلاد، واعتبر ذلك تهديداً جدياً للعملية السياسية التي يقودها.
سلامة، قال للاجتماع: إن «عمليتين إرهابيتين كبيرتين» وقعتا أخيراً في جنوب ليبيا، وأن ثمة معلومات تشير إلى المنفذين لهاتين العمليتين «من القادمين الجدد». وأضاف: «وهذا مثار لقلقنا»، كما شكا من صعوبات لوجيستية تواجه المنظمة الأممية في «الوصول والتمركز» في المناطق الليبية الشاسعة، ولفت إلى أهمية «قرع ناقوس الخطر مجدداً بشأن الأوضاع في ليبيا».
الدول المجتمعة من جهتها، أبدت قلقها من حالة اللااستقرار التي تعيشها ليبيا، على الرغم من أن بعضها تواجه اتهامات بدعم متطرفين، وتقول أخرى إن حركات مسلحة تعمل ضدها تستغل حالة السيولة الليبية لتنطلق ضد بلادها. وإزاء هذا الوضع؛ قال سلامة: «أفهم القلق الذي يساور هذه الدول التي تجاور جنوب ليبيا؛ لوجود حركات مسلحة ليبية، وتشكيلات مسلحة غير ليبية، وتصاعد تمركز الحركات الإرهابية، ناهيك عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المزرية، وإجمالاً كلها عناصر لا تبعث على الارتياح». ومن بين العمليتين اللتين ذكرهما سلامة، فإن تنظيم داعش تبنى هجوماً على بلدة في الصحراء الجنوبية، أدى إلى قتل عدد من الأشخاص وخطف آخرين، بينهم رجال شرطة.
وزير الخارجية السوداني الدرديري محمد أحمد الدخيري، الذي تتهم بلاده جماعات متمردة مسلحة سودانية باستغلال التوتر في ليبيا، قال: إن الخرطوم «تمد يدها لكافة الفرقاء الليبيين، وهي تأمل من خلال عمليات أمنية مشتركة، القضاء على الخطر الذي تمثله بعض المجموعات المسلحة الوافدة إلى الجنوب الليبي». وشدد الوزير السوداني، الذي واجهت بلاده اتهامات من أطراف ليبية، بأنها تدعم مجموعات إسلامية متشددة بعينها في أوقات سابقة، على أهمية تحقيق المزيد من التفاهمات للوصول إلى تسويات سياسية ومجتمعية تعيد ليبيا إلى العالم مجدداً.
كذلك أوضح الدرديري، أن بلاده اختارت هذا التوقيت للاجتماع لاستغلال ما أطلق عليه: «الرياح المواتية التي تهب على المنطقة»، مثل السلام في جنوب السودان، والمصالحة الإثيوبية الإرترية، والمساعي التصالحية العربية. الدرديري شدد على أن التعاون لمجابهة أخطار الحركات المسلحة المتمركزة في ليبيا، وما تقوم به من جريمة منظمة وعمليات إرهابية «يوجب العمل على إعادة الاستقرار إلى ليبيا»، معيداً الاتهام الذي توجهه حكومته لحركات دارفورية متمردة مسلحة بأنها جعلت من ليبيا ملاذاً، تعمل فيه بصفة «مرتزقة»، إلى جانب الفصائل المتنازعة هناك.

البيان الختامي

بيان اجتماع الخرطوم الختامي أكد أن حل الأزمة جذرياً يكمن في «الخيار السياسي الذي يقرره الليبيون أنفسهم دون إقصاء»، وتأييد مبادرة الأمم المتحدة، ودعم دول الجوار من أجل مصالحة وطنية، تثمر مؤسسات وطنية قوية وذات مصداقية. وأعلن دعم دوله لـ«خطة العمل من أجل ليبيا» التي قدمها الممثل الخاص للأمين العام غسان سلامة، رافضين التدخل الأجنبي في الشأن الليبي.
كذلك، أعلن اجتماع الخرطوم أهمية إيلاء الأوضاع المتوترة في الجنوب الليبي الأهمية القصوى، وتكثيف التعاون الدولي والإقليمي لمواجهة الإرهاب والعنف والتطرف والجريمة المنظمة والأنشطة الإجرامية، كافة.
ومن جهته، أبلغ وزير الخارجية الليبي محمد طاهر سيالة، الصحافيين عقب نهاية الاجتماع، أن حكومته «تعتبره اجتماعاً مهماً لعودة الاستقرار إلى بلاده، وبمقدور ما توصل إليه المجتمعون الإسهام في مكافحة الحركات المتطرفة والإرهابية في ليبيا، وفي عوده الاستقرار وإقامة الانتخابات والحياة السياسية إلى طبيعتها».
ورغم الرأي الإيجابي من «حكومة الوفاق الوطني» الليبية الذي أبداه سيالة، فإن تقارير رأت أن التمثيل في اجتماع الخرطوم لم يكن بالمستوى المطلوب؛ إذ غاب عنه وزراء خارجية كل من تونس، والجزائر، وتشاد، والنيجر، ومثلهم موظفون ودبلوماسيون أقل كثيراً من صفة وزير، عدا تونس التي بعثت «وزير دولة».
وكان لافتاً كذلك من كلمات الوفود وجود «تنافس» مكتوم وتسابق دولي وإقليمي على الملف الليبي. فمن جهتها، فإن إيطاليا - الدولة المستعمرة السابقة لليبيا - اعتبرت الصراع الليبي «مسألة أمنية وطنية»، وقال السفير الإيطالي في الخرطوم فابريتزيو لوباسو: إن اجتماع الخرطوم يلعب دوراً «جيوسياسياً مهماً»، ويسير على نهج بلاده في بالرمو. وتابع: «بالنسبة لإيطاليا قضية ليبيا مسألة أمنية، وأكدنا على أن مصير المنطقة رهين بحقيق السلام في ليبيا»، مستطرداً: «تحوّلت هذه الجغرافيا الواسطة إلى مرتع للمجرمين والإرهابيين، وأصبحت تشكل مصدر خطر على الإقليم».
أما فرنسا، التي شاركت بمبعوثها إلى ليبيا فريديرك ديساغنيو، فقد أعلنت أنها تعتبر خطر الإرهاب والهجرة غير الشرعية وتجارة البشرة «قضية وطنية فرنسية»، ودعت إلى وضع خطة عمل لاستعادة الاستقرار، وأن أحداث الجنوب أظهرت أن العملية السياسية أساسية لحل الأزمة.
وغامزاً من قناة دول لم يحددها، قال المبعوث الفرنسي: «الأسرة الدولية ستحدث الفارق عندما تتحدث بصوت واحد ضد هؤلاء الناس الذين يعلمون ضد أمن ليبيا. دول الجوار لها نصيب الأسد في تحقيق ذلك حين تحارب الجماعات المسلحة الإرهابية وتجارة الأسلحة، والقوات الأجنبية في التراب الليبي». أما الاتحاد الأفريقي، فقد حذرت مبعوثته إلى ليبيا، أميرة الفاضل، في كلمتها للاجتماع، من التدخل الأجنبي في الملف الليبي، ودعت إلى حل المشكلة بعيداً عن الأجندات الدولية، وأعلنت عن رغبة الأفارقة في مبادرة ترعاها القارة، وتدعمها الأمم المتحدة لحل النزاع الليبي.

ملف معقّد ومتشابك

الخبراء يرون أن الملف الليبي معقد ومتشابك، وأنه يدار من خارج ليبيا. فالغربيون عينهم على «حقول النفط الغنية»، وقلوبهم على أيديهم من سيطرة الإرهابيين والعصابات عليها. ودول الإقليم لها أجنداتها ومطامعها، وتحالفاتها داخل الفسيفساء الليبية المتطاحنة، لكن خطر «التطرف والإرهاب يهدد الجميع».
لقد خلق استمرار الانفلات الأمني والانقسام السياسي، أزمة اقتصادية حادة فاقمت الأوضاع الكارثية في ليبيا، بينما ظل الليبيون يتنافسون ويتقاتلون «جميعهم ضد جميعهم»، لكن أبرز وجوه الانقسام الليبي تتمثل في الحكومتين اللتين تتنازعان الشرعية، كل على حساب الأخرى. ففي غرب البلاد تحاول حكومة «حكومة الوفاق الوطني» التي يترأسها فايز السراج، وتحظى باعتراف أممي ودولي، و«الحكومة الليبية المؤقتة» برئاسة عبد الله الثني، المدعومة من رجل الجيش القوي المشير خليفة حفتر بشرق البلاد، فرض سيطرتها دون جدوى. وإلى جانب هاتين الحكومتين، هناك العشرات - إن لم تكن المئات - من الميليشيات والجماعات المسلحة المتطرفة، والقوات المسلحة الأخرى التي توالي الأطراف العشائرية والعرقية المتنافسة. هذا الوضع القلق أدى إلى استمرار القتال والاشتباكات بين الأطراف الليبية، وتحوُّل ليبيا إلى ساحة معارك مستمرة، تهدأ لتشتعل من جديد لأسباب مختلفة، أو حتى دون أسباب معروفة. ولقد أنهك القتال والاضطراب الأمني اقتصاد البلد الغني بالنفط، وجعل سكانه يواجهون أزمات طاحنة اقتصادية وصحية، أدت هي والقتال العشوائي إلى قتل ونزوح وتشريد مئات الآلاف.

خريطة الصراع الليبي

> يقود فايز السراج «حكومة الوفاق الوطني» وهي حكومة معترف بها دولياً، تدعمها منظمة الأمم المتحدة والدول الكبرى، وتم تعيينها من قبل البرلمان المنتخب، الذي يعرف بـ«مجلس النواب»، لكنها تواجه بشكل أساسي تحديات الجماعات المسلحة. ويحاول «مجلس النواب» الذي انتخب في مدينة طبرق (شرق ليبيا) خلال يونيو (حزيران) 2014، بسط السلطة التشريعية بعدما حل مكان البرلمان السابق «المؤتمر الوطني العام».
> على الرغم من تسلم «مجلس النواب» مهامه، فإن الإسلاميين الذين كانوا يحتكمون على وجود مؤثر في «المؤتمر الوطني العام»، شككوا في شرعيته. وأعادوا «المؤتمر الوطني العام» المنحل للانعقاد، بطلب حكومة «فجر ليبيا» الإسلامية التوجه، ليعتبر نفسه «السلطة الشرعية والوحيدة». وهكذا تخلى عن اعترافه بـ«مجلس النواب»؛ وبناءً على ذلك ألّف حكومة تابعة له تدعمها الجماعات الإسلامية.
* يقود عبد الله الثني «الحكومة المؤقتة»، وهي الحكومة التي تشكلت من برلمان طبرق في سبتمبر (أيلول) 2014، وهي تمارس مهامها من مدينة البيضاء بشرق البلاد.
> يقف المشير خليفة حفتر خلف عملية «كرامة ليبيا»، التي أسسها خلال مايو (أيار) 2014. وتحارب قوات حفتر المجموعات والميليشيات الإسلامية باعتباره «الجيش الوطني الليبي»، ولقد دأبت هذه القوات على شن عمليات برية وجوية على تلك المجموعات والميليشيات. وللعلم، تتلقى هذه العمليات الدعم والمساندة من ميليشيا الزنتان، وقوات الصاعقة والصواعق في طرابلس، وهدف حفتر المعلن هو إعادة توحيد الجيش الليبي باعتباره قائداً له.
> في غرب ليبيا تنشط ألوية الزنتان والصواعق، وهي ميليشيات مناوئة للإسلاميين تدعم الحكومة المعترف بها دولياً. ولقد دخلت ميليشيا الزنتان القوية في اشتباكات مع ميليشيا «فجر ليبيا» الإسلامية، وهي الجهة التي تحتجز «سيف الإسلام القذافي».
> أطلقت الجماعات الإسلامية ميليشيا «فجر ليبيا» المدعومة من ميليشيات مدينة مصراتة، ويدعمها «المؤتمر الوطني العام»، وهي القوات التي يحاربها بشكل أساس الجيش الليبي.
> تتكون «ميليشيا مجلس شورى ثوار بنغازي» من تحالف بين ميليشيات إسلامية، قاتلت ضد قوات الجيش الليبي، ونفذت عمليات انتحارية ضد بعض معالقه، وأشهرها عملية تفجير مطار بنينة (بنغازي)، وهي تضم «جماعة أنصار الشريعة»، الجماعة الأشد تطرفاً والتي تصنف دولياً بأنها «جماعة إرهابية» مقربة من «القاعدة»، وكذلك «ميليشيا 17 فبراير»... وغيرها.
> أظهر تنظيم داعش في ليبيا عام 2015، وجوداً ميدانياً لافتاً. وتقول التقارير: إنه اعتمد على جماعات موجودة في مدينة درنة (شرق ليبيا) التي اشتهرت بمعقل الجماعات الإرهابية، والتي أعلنت ولاءها له. لكن التنظيم تكبد خسائر كبيرة في مواجهات مع «مجلس شورى المجاهدين» الموالي لتنظيم «القاعدة»، ومع ذلك شنّ هجمات ضد سفارات وفنادق وهجمات في طرابلس وبنغازي.
> تعد عملية «درع ليبيا» تجمعاً لميليشيات تنشط عبر البلاد، وهي تدعم «المؤتمر الوطني العام»، وهي بمثابة ذراعها العسكرية، ويقود فرعها في بنغازي محمد الزهاوي، ومقاتل سابق ضمن «جماعة أنصار الشريعة» التابعة لـ«القاعدة».

محاولات لحل الأزمة

> وقّعت أطراف ليبية في مدينة الصخيرات المغربية 17 ديسمبر (كانون الأول) 2015 اتفاقاً على تشكيل حكومة «وحدة وطنية»، لكنه لم يحظ بإجماع كافٍ.
> نظمت تونس في سبتمبر (أيلول) 2017 جولة مباحثات بين الأفرقاء الليبيين، هدفت لإجراء تعديلات على اتفاق الصخيرات، وشارك فيه ممثلون عن البرلمان ومجلس الدولة المتكون نتيجة لاتفاق الصخيرات.
> نظمت فرنسا في مايو (أيار) الماضي مؤتمراً للحوار الليبي، اتفقت خلاله الأطراف في العاصمة الفرنسية باريس على إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية حدد لها العاشر من ديسمبر الحالي، مع التزام بتهيئة الأجواء لجعلها حرة ونزيهة لتعتمد نتائجها. لكن الخطة الفرنسية في «مؤتمر باريس» فشلت بسبب رفض الجدول الزمني المحدد لتلك الانتخابات، من قبل الولايات المتحدة الأميركية وروسيا في مجلس الأمن.
> عقد في مدينة بالرمو، كبرى مدن جزيرة صقلية الإيطالية يومي 12-13 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي مؤتمر بشأن ليبيا توصل إلى نتائج مثيلة لما توصل إليه من قبل «مؤتمر باريس»، وكان اللافت كشفه وجود رغبة إيطالية في عزل تيار «الإسلام السياسي» وقص أجنحة الميليشيات المحسوبة عليه. ولقد أكد بيان بالرمو الختامي على «أهمية إجراء الانتخابات وفقاً لخطة الأمم المتحدة الجديدة ربيع العام المقبل»، لتعذر إجرائها الشهر الحالي، كما كان مقرراً في السابق. وشدد أيضاً، على أهمية وضع إطار دستوري للانتخابات. هذا هو الشيء نفسه الذي نادى به «اتفاق باريس» الذي لم ينص على وجوب إجراء الانتخابات بعد إجازة الدستور، وهو الشيء الذي تطالب به جماعات الإسلام السياسي وحلفائها الإقليميون.
التيار الإسلامي وخصومه، من جهتهم، يصرون على ضرورة إصدار الدستور أولاً، تحت ذريعة خشية «حدوث فراغ دستوري». أما التيار المناوئ لهم فيرى، أن بالإمكان إجراء الانتخابات بتعديل الإعلان الدستوري، وإجراء الاستحقاق الانتخابي وفقاً له، وهذا هو الطرح الذي يؤيده المشير خليفة حفتر و«حكومة الوفاق الوطني» المعترف بها دولياً برئاسة السراج وآخرين، «بمواجهة جماعات الإسلام السياسي المدعومين من قطر وتركيا عسكرياً ومالياً ضده»، بحسب اتهامات حفتر.
ومن المنتظر، بحسب مراقبين للوضع الليبي، أن يفقد «تيار الإسلام السياسي» وداعموه الإقليميون، في حال إجراء الانتخابات، الكثير من نفوذه... وذلك لأن صورته في الداخل الليبي، وكذلك صورته في الإقليم والعالم، ارتبطت طوال سنوات بالاضطراب الليبي، وبأنه «داعم للإرهاب والميليشيات» التي تقف ضد قيام الدولة.

مبادرة غسان سلامة

> قدم رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا الدكتور غسان سلامة، خطة عمل جديدة في جلسة الأمم المتحدة حول ليبيا في 20 سبتمبر (أيلول) الماضي.
وتتكون خطة سلامة من ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: يجري في هذه المرحلة تعديل الاتفاق السياسي الليبي استناداً على المادة 12 منه.
المرحلة الثانية: تبدأ بعقد «مؤتمر وطني» يرعاه الأمين العام للأمم المتحدة، ويفتح الباب أمام من سبق استبعادهم. ويصار إلى إدخال الأطراف المُحجمة عن المشاركة في العملية السياسية، ومجلسي النواب والأعلى للدولة، ومن يشتكون ضعف تمثيلهم أو غير الممثلين. وخلال المؤتمر تجرى عملية اختيار أعضاء الجهات التنفيذية وإعادة تشكيلها توافقياً؛ ليقوم مجلس النواب بمعاونة «هيئة صياغة» بإعداد الدستور، وإعداد تشريع لإجراء استفتاء دستوري وانتخابات رئاسية وبرلمانية.
المرحلة الثالثة والأخيرة: تعمل على الوصول للمراحل النهائية للعملية السياسية في غضون سنة، وإكمال الإجراءات التشريعية، بما في ذلك إجراء الاستفتاء الدستوري، وانتخاب برلمان ورئيس برلمان، بنهاية الفترة الانتقالية التي حددتها الخطة.
إضافة إلى مبادرات الحل السابقة، فإن الأزمة الليبية شهدت مبادرات كثيرة قدمها أطراف كثيرون، ومن بينها المبادرة المصرية، ومبادرة الاتحاد الأفريقي، والمبادرة «الجزائرية التونسية المصرية» - المعروفة بالمبادرة الثلاثية لدول الجوار -، والمبادرة الهولندية، ومبادرة الخرطوم الرامية إلى توحيد جهود المبادرة الرباعية التي تضم بلدان الجنوب الليبي «السودان تشاد النيجر ومصر».
لكن مع كثرة المبادرات و«أنياب المصالح» المخفية تحت «الإشفاق» على شعب ليبيا، ما زال «النفط الليبي» مثيراً للشهية بالنسبة للشركات الغربية، كما أنه يخيف كثيرين أيضاً؛ لأن «الإرهابيين» يحيطون به من كل الجهات.


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.