الحلقة الثانية: الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى: من الحياد الى مواجهة بريطانيا

حملة عسكرية مبكرة لحماية حقول النفط في الخليج.. ولندن أبلغت برلين بإعلان الحرب بخطاب من «التشريفات»

صورة تظهر نيقولا الثاني إمبراطور روسيا ودوق فنلندا وملك بولندا مرتديا زي أميرال بريطاني في مستهل الحرب العالمية الأولى حيث أمر القوات الروسية بدخول الحرب في 30 يوليو 1914 (أ.ف.ب)  , ممتلكات الأمير فرانز فرديناند تعرض في المتحف الحربي في فيينا (أ.ف.ب)
صورة تظهر نيقولا الثاني إمبراطور روسيا ودوق فنلندا وملك بولندا مرتديا زي أميرال بريطاني في مستهل الحرب العالمية الأولى حيث أمر القوات الروسية بدخول الحرب في 30 يوليو 1914 (أ.ف.ب) , ممتلكات الأمير فرانز فرديناند تعرض في المتحف الحربي في فيينا (أ.ف.ب)
TT

الحلقة الثانية: الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى: من الحياد الى مواجهة بريطانيا

صورة تظهر نيقولا الثاني إمبراطور روسيا ودوق فنلندا وملك بولندا مرتديا زي أميرال بريطاني في مستهل الحرب العالمية الأولى حيث أمر القوات الروسية بدخول الحرب في 30 يوليو 1914 (أ.ف.ب)  , ممتلكات الأمير فرانز فرديناند تعرض في المتحف الحربي في فيينا (أ.ف.ب)
صورة تظهر نيقولا الثاني إمبراطور روسيا ودوق فنلندا وملك بولندا مرتديا زي أميرال بريطاني في مستهل الحرب العالمية الأولى حيث أمر القوات الروسية بدخول الحرب في 30 يوليو 1914 (أ.ف.ب) , ممتلكات الأمير فرانز فرديناند تعرض في المتحف الحربي في فيينا (أ.ف.ب)

قبل قرن من الزمن، أعلنت الإمبراطورية النمساوية - المجرية الحرب على صربيا، لتنطلق سلسلة أحداث أدخلت العالم في الحرب العالمية الأولى وحددت ملامح القرن العشرين. ويصادف يوم غد الذكرى المئوية لاعلان روسيا انضمامها للحرب.
جاء إعلان الحرب على صربيا بعد شهر من اغتيال ولي عهد النمسا والمجر الأمير فرانز فرديناند في ولاية سراييفو في 28 يونيو (حزيران) 1914، لتمتد وتتسع كنار شرسة حصدت الملايين من الأرواح وغيرت خريطة العالم وتوازن القوى فيها. وجاء إعلان السلام بتوقيع معاهدة فرساي في 28 يونيو 1919، بعد خمس سنوات تماما من انطلاق الشرارة الأولى. ومع التطورات السياسية الخطيرة التي يشهدها العالم اليوم لا بد من العودة إلى الوراء والنظر في تفاصيل الحرب التي انعكست على ما نعيشه اليوم.
و«الشرق الأوسط» ترصد من خلال حلقات تنشر عبر الأيام المقبلة مجريات تلك الأحداث وتداعياتها في إعادة رسم خرائط قارات عدة.

* الدولة العثمانية
* أعلنت الدولة العثمانية في بداية الحرب العالمية الأولى يوم 3 أغسطس (آب) 1914 حيادها، وهو ما صرّح به الصدر الأعظم للسفير البريطاني على الرغم من وجود بعثة عسكرية لإعادة تنظيم قواتها المسلحة على مستوى مشابه للنسق الألماني، وأنيطت المهمة بالجنرال ليمان فون ساندرز عام 1913. وكانت نصيحة الإمبراطور (القيصر) فيلهلم (غليوم) الثاني له: «اجعله من أجلي جيشا قويا يطيع أوامري».
ولقد نتج عن ذلك معاهدة سريّة للتعاون العسكري بين الدولة العثمانية وألمانيا، وكان أنور باشا، وزير الحربية، من أوثق الزعماء الأتراك علاقة بألمانيا، وزادته انتصاراته في بدايات الحرب ثقة، ما شجّعه على إعلان الحرب على روسيا في أكتوبر (تشرين الأول) 1914. وفي المقابل أعلنت بريطانيا وفرنسا وروسيا دخولها الحرب في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 1914. وعندها أعلن العثمانيون النفير العام، وحشد في جميع أنحاء السلطنة ما يقارب ثلاثة ملايين متطوع قتل منهم خلال القتال نحو 300 ألف وقضى نحو نصف مليون جندي بأسباب مختلفة كالأمراض والإصابات وسوء التغذية ونقص العتاد ورداءة الألبسة وقلة ملاءمتها لجبهات الحرب الشمالية.
أما في منطقة الخليج، فقد أبرق المقيم السياسي الميجر ستيوارت نوكس يوم 20 أغسطس 1914 إلى اللورد هاردينغ، نائب الملك في الهند، يبلغه فيها بأن الوقت حان لإرسال حملة عسكرية للحفاظ على حقول النفط في مسجد سليمان ومستودعات تخزينه في عبادان بمنطقة شط العرب حسب الخطط المرسومة لذلك. وبالفعل أصدر نائب الملك أوامره يوم 6 يونيو (حزيران) بتعبئة قوة مشكّلة من الفرقة السادسة (مقرها في مدينة بونا الهندية) المكونة من الألوية 16 و17 و18، وكانت تشكّل الجزء الذي أطلق عليه الرمز «إيه» قوامها خمسة آلاف جندي، غادرت كراتشي (في باكستان اليوم) في طريقها إلى الخليج بتاريخ 16 أكتوبر (تشرين الأول) بقيادة البريغادير ديلامين ونقلتها أربع سفن مصحوبة بحراسة. ووصلت القوة إلى البحرين يوم 23 أكتوبر.
وفي مستهل شهر نوفمبر انتشرت الشائعات في البصرة وتأزّمت الأمور بين العثمانيين الأتراك والبريطانيين، ما دعا لمغادرة البريطانيين البصرة.
السفير البريطاني في الآستانة (إسطنبول) كان قد تقدم يوم 31 أكتوبر بطلب استرجاع جوازات السفر له ولعائلته وطاقم الوزارة، وجرى قطع العلاقات الدبلوماسية.
وكما سبقت الإشارة أعلنت بريطانيا الحرب على الدولة العثمانية يوم 5 نوفمبر، وتم إنزال للقوات البريطانية قرب الفاو في الساعة السادسة صباحا. وخاض البريطانيون ثلاث معارك صغيرة ضد العثمانيين وهم في طريقهم إلى البصرة هي السنية وسيحان وكوت الزين أيام 7 و15 و18 نوفمبر على التوالي.
في 13 نوفمبر وصلت تعزيزات بريطانية جديدة بقيادة الجنرال باريت كانت عبارة عن لواء مدفعية وفوج مشاة نورفولك وراجبوت ومهراتا وسريتي خيالة وفيلقي بغال وفيلق مواصلات مكون من 1200 جمل ومستشفى ميداني وسرية هندسة. وأدت المواجهات إلى انسحاب القوات العثمانية من البصرة يومي 21 و22 نوفمبر مخلفا فراغا أمنيا فيها شهد سرقة مخازن الجمارك وبعض الأسواق، وعمّت الفوضى، فسلّمت المدينة للقوات البريطانية التي دخلتها فعليا يوم 23 نوفمبر فعملت على ضبط الأمن وبدأت المدينة عهدا جديدا.
السير بيرسي كوكس كان قد تأهب للعب دور جديد حينما اقتربت نيران الحرب من الاندلاع، وذلك عبر الاتصال لاستمالة الشخصيات الحاكمة في شمال الخليج، وبمحاذاة جبهة جديدة تنوي بريطانيا فتحها والاستحواذ على مواردها وأسواقها، بالإضافة إلى استراتيجية مواقعها. وحقا جرى إبلاغ الشيخ مبارك الصباح عن إعلان الحرب، كما أبلغت القنصل البريطاني عن نشاط معادٍ لبريطانيا يقوم به بعض الكويتيين في البصرة، ووعدته بإعفاء جميع ممتلكاته من بساتين النخيل في البصرة من دفع مستحقات رسومها. يومذاك كان اللؤلؤ - غوصا وتجارة - عماد الحياة الاقتصادية وقوامها في الكويت، آنذاك. وكانت الهند تشكل لها منفذا وسوقا، لا سيما، في عاصمتها الاقتصادية بومباي (مومباي اليوم)، التي كانت من أكبر أسواق اللؤلؤ وأهمها في العالم. وحين بدأت أجراس الإنذار تقرع في أوروبا منذرة بقرب اندلاع حرب عالمية ستؤدي إلى إغلاق أسواق اللؤلؤ فيها، توجّس الشيخ جاسم آل إبراهيم، أحد كبار تجار اللؤلؤ الكويتيين، في أغسطس عام 1914، قرب حدوث أزمة اقتصادية عارمة ستعصف بالكويت، فأرسل برقية تحذيرية طلب فيها التوقف عن عمليات بيع اللؤلؤ وشرائه إلى أن تستقر الأمور.
المقيم السياسي في بوشهر (ساحل إيران) الكولونيل نوكس أبلغ الشيخ مبارك الصباح يوم 25 نوفمبر باحتلال البصرة - الذي حصل يوم 23 منه - كما سبق -. وفي مستهل عام 1915 بدأت جمعية سانت جون لرعاية جرحى الجيش البريطاني العمل، فتبرّع بها الشيخ بمبلغ 50 ألف روبية حولها على وكيله في بومباي محمد بن سالم السديراوي. وفي فبراير 1915 زار اللورد هاردينغ (نائب الملك في الهند) الكويت، غير أن الشيخ خزعل شيخ المحمّرة الحضور، وذلك بسبب عصيان قام به بعض القبائل من بني كعب وبادية ربيعة وبني لام وبني طرف تدعمها ثلة من متطوّعي الجيش العثماني ومجتهدي رجال الدين. وارتأى الشيخ مبارك الذي كان يزور المحمّرة مساعدة الشيخ خزعل فكتب لابنه الشيخ جابر طالبا إرسال قوة من الكويتيين لهذا الغرض. غير أن الكويتيين امتنعوا عن تنفيذ الأمر استجابة لدعوة الشيخ محمد أمين الشنقيطي وحافظ وهبة المدرّسين في المدرسة المباركية للوقوف ضد البريطانيين ومساندة العثمانيين. ومن ثم لما رجع الشيخ مبارك إلى الكويت تتبّع آثار مثيري العصيان ففرّوا للالتحاق بأرهاط المجاهدين الذين شاركوا مع العثمانيين في القتال ضد البريطانيين في معركة الشعيبة يوم 10 أبريل (نيسان) 1915.
كان الوضع العام في البصرة قبل الحرب العالمية الأولى قليل الاستقرار، تشوبه مشكلات معقّدة جمّة، وخلافات مستمرة مع النظام العثماني الجديد الذي أطاح بالسلطان عبد الحميد الثاني وعزله عام 1909، وبدأت الخلافات بإغلاق الصحف والاعتقالات ثم النفي، ومن ثم ساءت الأمور وتراجع الأمن وكثرت السرقات والاغتيالات العشائرية. وكان من أبرزها مقتل فريديريك القائد العسكري لحامية البصرة وكذلك متصرف لواء المنتفك بديع نوري الحصري - شقيق المفكّر العروبي ساطع الحصري -.
وتطوّر الأمر إلى اتهام البريطانيين بإثارة القلاقل والمشكلات، فأغلق البريد الهندي واعتقل مترجم القنصلية البريطانية واتهم أفراد من مسيحيي البصرة ويهودها بالتجسّس. وفي الوقت نفسه ارتفعت أسعار السلع وضعفت القوة الشرائية وتناقصت فرص العمل. وعلى المستوى العسكري غدت البصرة مفتوحة من دون تحصينات أو وسائل دفاع وهذه إن وجدت فقد كانت ضعيفة. وبالتالي، تخوّف سكان البصرة من تعرضهم لهجمات من العشائر القاطنة على تخومها، والانقضاض على المدينة نهبا وسلبا.
انتشرت الشائعات بعد اندلاع الحرب في أوروبا في أغسطس 1914 عن قرب إرسال حملة بريطانية لاحتلال البصرة، فقرّر أعيان الولاية ومعظمهم من وجهاء الزبير ذوي الأصول النجدية بالإمام (لاحقا الملك) عبد العزيز آل سعود تزعمهم عبد الوهاب المنديل وعبد العزيز المكينزي وعبد الكريم الدخيل وأحمد الإبراهيم الراشد، ثم انضم إليهم طالب النقيب، لكن اتصالاتهم مع البريطانيين لم تصل إلى نتيجة. وغادر وفد البصريين الزبير عن طريق الكويت يوم 5 نوفمبر متوجها إلى نجد، ووصل إلى بريدة يوم 18 منه وكان الإمام فيها. وهناك أقاموا بضيافته وتعهد من جانبه ببذل كل ما يستطيع بذله من جهد لحماية الأرواح والأموال إذا ما تعرضت البصرة لسوء، وعزم على شد الرحال إليها لنجدتها. غير أن أخبار احتلال البريطانيين للمدينة الذي جرى خلال يومي 21-22 نوفمبر غيّر كل الترتيبات وعاد الوفد أدراجه وسلّم النقيب نفسه للبريطانيين فنفي إلى الهند.
مع هذا لم تنته علاقة عبد العزيز آل سعود بتلك المنطقة بعد ذلك، بل كان دائم الاتصال لمعرفة ما يجري من أحداث، ويقدّم يد العون والتطمينات قدر الإمكان.

* بريطانيا
* في تمام الحادية عشرة من مساء الاثنين 4 أغسطس 1914 توقفت عربة تنقل أحد موظفي تشريفات وزارة الخارجية البريطانية أمام مبنى السفارة الإمبراطورية الألمانية في شارع كارلتون هاوس تراس بحي سانت جيمس الراقي في وسط لندن، القريب من قصر بكنغهام الملكي، وكان الأمير ليجنوفسكي يقيم في الطابق الأعلى من المبنى منذ تعيينه في أكتوبر (تشرين الأول) 1912 سفيرا لدى بريطانيا.
الموظف سلّم السفير طردا كبيرا مختوما بالشمع الأحمر يحتوي على رسالة من وزير الخارجية البريطاني السير إدوار غراي، فيما يلي نصها:
«وزارة الخارجية 4 أغسطس 1914»

* صاحب السعادة
* نتيجة للاتصال الذي أجراه في برلين سفير صاحب الجلالة (أي السفير البريطاني) استرجاع جوازات السفير، يشرّفني أن أبلغ سعادتكم بأنه حسب شروط الإبلاغ Terms of Notifications الذي قدّم إلى الحكومة الألمانية اليوم، فإن حكومة صاحب الجلالة اعتمدت أن حالة الحرب وقعت بين البلدين اعتبارا من الساعة الحادية عشرة مساءً (منتصف الليل بتوقيت برلين). ولي الشرف أن أرفق لكم جوازات السفر العائدة لسعادتكم وعائلة سعادتكم وطاقم السفارة».
من أشهر مقولات هارولد ويلسون، رئيس الوزراء البريطاني السابق، «أن أسبوعا في السياسة وقت طويل»، لكن الحقيقة أن «يوما في السياسة وقت طويل أيضا». وفيما يخص السفير الألماني المشار إليه والمعني بمغادرة لندن فورا كان قد تناول وجبة الإفطار في صباح يوم 2 يوليو (تموز) ملبيا دعوة رئيس الوزراء هربرت آسكويث بمكتبه في الدار الرقم 10 داونينغ ستريت.
تلك كانت أشهر الجنون التي سبقت الإعلان النهائي للحرب يوم 4 أغسطس، وكانت بوادرها قد خيمت لأمد غير قصير على أجواء السياسة في أوروبا وكانت مرشحة للانفجار، إلا أن ما عجّل بتفجيرها اغتيال ولي عهد النمسا الأرشيدوق فرانز فرديناند يوم 28 يونيو 1914، مع الإشارة إلى أن حدة ذلك التوتر ما كانت قد وصل إلى بريطانيا. أما السبب فكان اتفاق كل الأطراف المؤثرة في الحلبة السياسية، عموما، ممثلة بحكومة آسكويث الليبرالية (آسكويث من حزب الأحرار) والرأي العام والصحافة على التهدئة، يقابل ذلك بعض الأصوات التي تفضل نسبة ما من التدخل محدودة وكان في طليعتها غراي وزير الخارجية ووينستون تشرتشل (كان يومذاك من الأحرار) وزير الأسطول.
وفي نهاية المطاف استقر رأي الحكومة الليبرالية أنه ما لم تدخل بريطانيا الحرب فإن حزب الأحرار الحاكم سيخسر الانتخابات المقبلة، وكان هذا رأي رئيس الوزراء آسكويث، يدفعه الوزيران غراي وتشرتشل اللذان هددا بالاستقالة، في حال رفض دخول الحرب، يوم 2 أغسطس. ويذكر هنا أن وزير الداخلية ريجينالد ماكينا قد صرّح بأن وضع بلجيكا هو ما يقرّر الموقف لأنه سبق لبريطانيا ضمان حياد بلجيكا في «معاهدة لندن» الموقعة عام 1839، وكان هذا الغطاء القانوني يعطي بريطانيا الحق في التدخل. وكان مفهوما أنه في حال غزو بلجيكا فإن الرأي العام البريطاني سيقف داعما حكومته في نصرة الضعيف. كذلك كان مفهوما أن بريطانيا لا تستطيع الوقوف مكتوفة الأيدي في حال هزيمة فرنسا أمام ألمانيا وسيطرة الألمان على أوروبا وجميع موانئ بحر الشمال، وباختصار سقوط أوروبا كلها تحت سيادة دولة واحدة.. كما حدث إبان الحروب النابوليونية.
وبالفعل، يوم 4 أغسطس غزت ألمانيا بلجيكا، ثم فرنسا، وكانت فرنسا قد أعلنت التعبئة العامة وحشدت نحو 800 ألف جندي فعلي و2.8 مليون من جنود الاحتياط. وكانت ألمانيا قد أعلنت التعبئة العامة يوم 31 يوليو (تموز)، وهو ما فعلته أيضا روسيا من منطلق التحسّب والحذر.
في الواقع ما كانت بريطانيا، لا شعبا ولا حكومة، مهتمة جدبا بما يحدث بين صربيا والنمسا. وكانت تلك أمور، بنظر البريطانيين، شبه عادية سياسيا في منطقة البلقان وتخومها. كذلك كان الشعور الشعبي العام في بريطانيا غير معادٍ لألمانيا، التي تعود أصول العائلة المالكة البريطانية إليها.
وكانت تسعة من الأسماء البريطانية اللامعة في المجال الأكاديمي قد كتبت في صحيفة «التايمز» يوم 28 يوليو «نحن نعد ألمانيا دولة رائدة في مجالات الفنون والعلوم، ونحن طالما تعلمنا ونتعلم من أساتذتها. وإن الحرب ضدها من أجل روسيا وصربيا خطيئة بحق الحضارة. أما إذا تحتّم علينا أداء الواجب فإننا لا نجد أنفسنا سعداء لأدائه عبر المشاركة بحرب (.....) إننا في هذه الحالة نجد أنفسنا جاهزين للاعتراض على دفعنا لمحاربة دولة نتشارك معها بالكثير من المثال والقيم».
وحقا عبر عدد كبير من الصحف عن مشاعر مماثلة، وأنحت تلك الصحف باللائمة «على بلغراد وبطرسبورغ (أي سلطات كل من صربيا وروسيا)» وفق مجلة «الإيكونوميست» يوم 30 يوليو، التي عدت «أن التحرشات إنما بدأتها صربيا وأن استمرارها من عمل روسيا وما حالة التعبئة التي أعلنتها إلا سبب مشابه».
أما رئيس تحرير «الديلي نيوز» فكتب يوم 29 يوليو «إن أفضل ما يمكننا فعله لخدمة العلم أن نعلن على الملأ أنه ليس لبريطانيا أن تقدّم ولو ضحية واحدة من رعاياها من أجل خدمة المشروع الروسي الهادف لنشر الهيمنة السلافية في أوروبا»، وأضاف في افتتاحية للصحيفة بعنوان «لماذا يجب رفض الحرب؟» «أين في هذا العالم الفسيح اصطدمت مصالحنا بألمانيا؟ ليس في أي مكان. بينما مع روسيا فإن هناك أماكن كثيرة مهيأة للصدام بيننا مثل جنوب شرقي أوروبا وجنوب آسيا».
أضف إلى ما سبق أن غالبية أعضاء البرلمان، وخاصة من كتلة نواب حزب الأحرار الحاكم، كانت تحبذ بقاء بريطانيا على الحياد. وكتب السفير البريطاني لدى فرنسا يوم 27 يوليو تقريرا قال فيه «إنه لأمر غير قابل للتصديق أن تعمد روسيا إلى تدمير أوروبا في حرب طاحنة لكي تنصّب نفسها حامية للصرب». ومثله تساءلت شخصيات سياسية وفكرية مهمة كثيرة عن «الحكمة من تدمير السلام الأوروبي من أجل إنقاذ صربيا الضئيلة القدرة» على حد تعبيرهم.
كان قوام القوات المسلحة البريطانية عام 1914 سبع فرق عسكرية فقط، وهو حجم يعد صغيرا نسبيا بالمقارنة مع حجم جيوش ألمانيا وفرنسا وروسيا، غير أن بريطانيا كانت تتمتع آنذاك بميزانية طائلة ولديها أسطول ضخم. ولقد وصف شاهد عيان من طاقم البارجة «كريسنت» عن تجمّع للأسطول البريطاني، يوم 26 يوليو، برعاية الملك جورج الخامس، فقال إن «البحرية الملكية تجمّعت قرب الميناء الرئيس لها وهو بورتسموث، بجنوب إنجلترا، قبالة جزيرة وايت في مياه مضيق السولنت The Solent، بين ميناء بورتسموث وميناء كاوز في الجزيرة اللذين تفصل بينهما مسافة تبلغ نحو 15 كلم. وجمع هذا التجمع للقطع البحرية كل أنواع السفن من بوارج وطرادات ومدمرات وفرقاطات وقوارب طوبيد وغواصات وبواخر نقل وإسناد وإنزال حتى إنه ما كان بمقدور المرء أن يرى مياه البحر من كثرة عددها».
من جهة أخرى، كان ونستون تشرتشل، وزير الأسطول (أو البحرية) - الذي صار لاحقا رئيسا للحكومة بعدما ترك حزب الأحرار وانضم لحزب المحافظين - يظن خطأ بأن الحرب - التي كان من المتحمّسين لخوضها «ستكون قصيرة منخفضة الكلفة، يمكن خوضها وتحقيق النصر فيها بقوة الأسطول». وهذا هو الرأي الذي ساد لاحقا داخل مجلس الوزراء البريطاني وهو أنه لن تكون ثمة حاجة إلى إرسال جيوش برية إلى أوروبا. ولكن الإمبراطور الألماني فيليلهم الثاني علّق على هذا التوهّم بذكاء وسخرية «ليس لبوارج الدريدنوت عجلات» Dreadnoughts have no wheels.
في أي حال بمجرد إعلان بريطانيا الحرب شاع بين الناس أن الحرب ستنتهي خلال فترة قصيرة. وكان هذا توقع كثيرين على امتداد القارة الأوروبية، وبالأخص في شرقها، غير أن أحد المفكرين السلاف البارزين قال «الآن ستصلون إلى الله شاكرين إذا انتهت هذه الحرب بعد ثلاث سنوات». وفيما يخصّ فرنسا، التي فقدت قواتها لاحقا نصف مليون جندي خلال الأشهر الثلاثة الأولى من القتال وتراءى أمامها الانهيار الذي تعرضت لها عام 1870، فإنها كانت تأمل بأن تقف بريطانيا إلى جانبها فتدعمها وتقاتل معها، وبالفعل صار لبريطانيا قوة عسكرية كبيرة بحلول عام 1916 ما خفف الضغط كثيرا عن الفرنسيين. وكانت بريطانيا قد أرسلت قوة استكشافية إلى فرنسا تضم أربع فرق عسكرية بقيادة الجنرال دوغلاس هيغ لأخذ مواقعها في القطاع الشمالي من الجبهة التي تقاتل فيها القوات الفرنسية.
* مؤرخ وباحث كويتي

* فيينا تحيي ذكرى إعلان الحرب على صربيا
* فيينا - لندن: «الشرق الأوسط»
* في الثامن والعشرين من يوليو (تموز) 1914، أعلنت النمسا - المجر الحرب على صربيا وتحملت بذلك مسؤولية الشرارة الأولى للنزاع العالمي. لكن في عاصمة الإمبراطورية فيينا التي كانت واحدة من المنارات الثقافية في أوروبا مطلع القرن العشرين، سادت أجواء احتفالية. وبدأ الإمبراطور فرانز يوزف في إعلانه بالألمانية الذي ترجم بعد ذلك إلى المجرية والتشيكية ليعلق في جميع أنحاء هذه الأرض الشاسعة الموحدة منذ 1867، بالقول «إلى شعوبي».
أعلن النبأ في فيينا في الساعة 19.00. وانتزعت الحشود التي تجمعت لساعات أمام إدارات تحرير الصحف الأعداد الخاصة التي صدرت، بينما ساد الفرح شوارع المدينة التي كانت واحدة من كبريات مدن أوروبا بسكانها البالغ عددهم مليوني نسمة.
وسمعت هتافات فرح وأناشيد تمجد بالحكم الملكي وألقيت قبعات في الهواء. ومن نوافذ بيوتهم كان سكان يلوحون برايات. أما إجراءات تبديل الحرس أمام هوفبورغ أكبر قصور فيينا، فقد سادت خلالها احتفالات شعبية رافقتها موسيقى الفرقة العسكرية.
وتوالت التجمعات الوطنية التي شجعتها الدعاية الإعلامية منذ الثالث والعشرين من يوليو يوم وجهت النمسا - المجر إنذارها إلى صربيا.
ويقول مدير المتحف العسكري في فيينا كريستيان أورتنر لوكالة الصحافة الفرنسية إن الأجواء «كانت أقل فرحا» في القرى والأرياف.
وأضاف أن «الطبقات الوسطى والبرجوازية كانت وطنية جدا وتدعم الحرب لكن الفرح كان أقل في المناطق الريفية». وتابع: «في الريف كانوا يفكرون بالخيول والأبناء الذين سيرحلون والكارثة التي أعلنت للزراعة».
كل هذا، لم يظهر منه شيء في الصور التي نشرتها الصحف التي ركزت على صور جنود يضحكون ونساء يبدين إعجابهن بهم..
فالحرب كانت مقررة قبل الإنذار الذي يطالب بلغراد بالسماح للسلطات النمساوية بالتحقيق في صربيا في الاعتداء الذي أودى بحياة ابن شقيق فرانز يوزف وولي العهد الأرشيدوق فرانز فرديناند.
وهذا الاعتداء أقنع النمسا - المجر بأنه يجب القضاء على صربيا المستقلة التي يشتبه بأنها تغذي الاضطرابات القومية للشعوب السلافية في الإمبراطورية، وخصوصا في البوسنة التي ضمتها النمسا في 1908.
وكان من أسباب هذه الحرب قضية القوميات المتنوعة في إمبراطورية النمسا - المجر. وستؤدي هزيمة الإمبراطورية بعد أربع سنوات إلى تفككها إلى دول عدة بموجب المعاهدات التي وقعت في نهاية الحرب. وعاد الجنود والضباط إلى فيينا بين 1918 و1920 يملؤهم شعور بالهزيمة والمرارة.
وبالنسبة للضباط الذين ينتمون إلى الطبقة الأرستقراطية، تحول الأمر إلى دمارهم، إذ إن ممتلكاتهم وراء حدود أخرى جديدة.
وكل هؤلاء المنهكين أصبحوا فرائس سهلة للتشدد في اليمين أو اليسار في أوضاع اقتصادية كارثية. وفي الذكرى المئوية للنزاع، نظمت النمسا سلسلة نشاطات تاريخية وفنية ودشنت معرضا جديدا دائما في متحف الجيش في فيينا. وفي 28 يونيو (حزيران) أحيا نحو مائة من أحفاد عائلة هابسبورغ ذكرى اعتداء سراييفو في القصر الذي دفن فيه فرانز فرديناند وزوجته.



استقالة كبير موظفي رئيس الوزراء البريطاني على خلفية «ملفات إبستين»

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع السفير البريطاني لدى أميركا بيتر ماندلسون خلال حفل استقبال بمقر إقامة السفير في 26 فبراير 2025 (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع السفير البريطاني لدى أميركا بيتر ماندلسون خلال حفل استقبال بمقر إقامة السفير في 26 فبراير 2025 (رويترز)
TT

استقالة كبير موظفي رئيس الوزراء البريطاني على خلفية «ملفات إبستين»

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع السفير البريطاني لدى أميركا بيتر ماندلسون خلال حفل استقبال بمقر إقامة السفير في 26 فبراير 2025 (رويترز)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع السفير البريطاني لدى أميركا بيتر ماندلسون خلال حفل استقبال بمقر إقامة السفير في 26 فبراير 2025 (رويترز)

أعلن مورغان ماكسويني، كبير موظفي مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، استقالته، الأحد، في وقت تتصاعد فيه الضغوط على ستارمر بسبب قراره تعيين بيتر ماندلسون سفيراً لدى الولايات المتحدة.

ويواجه ستارمر أكبر أزمة خلال 18 شهراً من وجوده في السلطة، بعدما نشرت وزارة العدل الأميركية الأسبوع الماضي تفاصيل جديدة حول علاقة ماندلسون الوطيدة بجيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية. كما كشفت الأدلة الجديدة عن ⁠شبهة استعداد االسفير السابق لتسريب معلومات حكومية.

وقال ماكسويني، المستشار الأقرب لستارمر الذي يُعتبر على نطاق واسع أحد مهندسي نجاح الزعيم العمالي في انتخابات بريطانيا في يوليو (تموز) 2024، في بيان، إنه كان منخرطاً بشكل وثيق في قرار تعيين ماندلسون. وأضاف، وفق «رويترز»، أن «قرار تعيين بيتر ماندلسون كان خاطئاً. لقد ألحق ضرراً بحزبنا، وببلدنا، وبالثقة بالسياسة نفسها». وتابع: «عندما طُلب رأيي، نصحتُ رئيس الوزراء بإتمام هذا التعيين، وأتحمل المسؤولية الكاملة عن تلك النصيحة».

تعويضات ماندلسون

إلى ذلك، أعلنت الحكومة البريطانية أنها فتحت تحقيقاً في دفع حزمة تعويضات نهاية خدمة لبيتر ماندلسون بعد إقالته في سبتمبر (أيلول) 2025 من منصبه. ويخضع بيتر ماندلسون لتحقيق أمني حالياً، للاشتباه في تسريبه معلومات إلى جيفري إبستين بشأن البورصة قد تكون مؤثرة، لا سيما عندما كان وزيراً في حكومة غوردن براون بين عامي 2008 و2010. وجرى تفتيش عنوانين مرتبطين بماندلسون، الجمعة.

بيتر ماندلسون خلال فعالية بلندن يوم 18 يونيو 2025 (أ.ب)

ووفقاً للصحافة البريطانية، حصل السفير السابق على تعويض نهاية خدمة يتراوح بين 38.750 و55.000 جنيه إسترليني بعد أن أقاله كير ستارمر. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية، الأحد، إن عقد ماندلسون أنهي «وفق المشورة القانونية وشروط عمله»، لكنه أضاف: «جرى فتح تحقيق في ضوء المعلومات الجديدة التي ظهرت والتحقيق الجاري للشرطة».

واقترح وزير العمل، بات ماكفادن، وهو من أبرز الوزراء، أن «يُعيد» السفير السابق الأموال أو «يتبرع بها لجمعية خيرية». كما أكد مجدداً دعمه لرئيس الوزراء الذي وجهت إليه دعوات من داخل حزبه للاستقالة.

من جهته، صرح متحدث باسم بيتر ماندلسون لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأن الأخير «يشعر بالأسف، وسيظل يشعر بالأسف حتى آخر أنفاسه، لتصديقه أكاذيب إبستين بشأن أفعاله الإجرامية». وأضاف: «لم يكتشف الحقيقة بشأن إبستين إلا بعد وفاته في عام 2019. وهو يشعر بأسف عميق؛ لأن النساء والفتيات العاجزات والضعيفات لم يحصلن على الحماية التي كنّ يستحققنها».

ضغوط متصاعدة على ستارمر

وواجه وزير العمل بات ماكفادن أسئلة من وسائل إعلام، الأحد، حول مستقبل رئيس الوزراء، وأقر بوجود احتمال بعدم استمراره في منصبه.

وبدا أيضاً أن ديفيد لامي، نائب رئيس الحكومة، كان على خلاف مع ستارمر بشأن قراره تعيين بيتر ماندلسون سفيراً لدى الولايات المتحدة. وأقر ماكفادن باحتمال عدم بقاء ‌ستارمر في منصبه. وقال لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): «إذا بقي رئيس الوزراء في منصبه، فأعتقد أن ذلك لن يحدث فرقاً نهائياً». ونقلت صحيفة «تلغراف» عن مقربين للامي أنه حذّر ستارمر من ترشيح ماندلسون.

وكان لامي وزيراً للخارجية وقت ​تعيين السفير. ولدى سؤاله عما إذا كانت قيادة ستارمر تعاني مأزقاً كبيراً، أجاب ماكفادن قائلاً: ⁠إنه يتعين على حزب «العمال» دعم ستارمر، لأن تغيير رئيس الوزراء كل 18 شهراً أو عامين لن يعود بالنفع على البلاد. وأضاف: «أدرك أن هذا الأسبوع كان مليئاً بالأخبار السيئة».

ووفقاً لصحيفة «تايمز»، أخبرت النائبة السابقة لرئيس الوزراء أنجيلا رينر مقربين لها بأنها حذّرت ستارمر من تعيين ماندلسون في هذا المنصب.


استقالة مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني على خلفية الصلة بين ماندلسون وإبستين

مورغان ماكسويني مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يوم 1 ديسمبر 2025 (رويترز)
مورغان ماكسويني مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يوم 1 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

استقالة مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني على خلفية الصلة بين ماندلسون وإبستين

مورغان ماكسويني مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يوم 1 ديسمبر 2025 (رويترز)
مورغان ماكسويني مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يوم 1 ديسمبر 2025 (رويترز)

أعلن مورغان ماكسويني، مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم (الأحد)، استقالته من منصبه، كونه «نصح» رئيس الحكومة بتعيين بيتر ماندلسون سفيراً للمملكة المتحدة في واشنطن، رغم صلاته بالمتمول الراحل جيفري إبستين المدان بجرائم جنسية.

ويواجه ستارمر ما يعتبره كثيرون أخطر أزمة منذ توليه السلطة قبل نحو 18 شهراً، وذلك بسبب قراره تعيين ماندلسون سفيراً لدى واشنطن في 2024، بعد أن كشفت وثائق مدى عمق علاقة القيادي المخضرم في ‌حزب العمال بإبستين.

وتمثل ‌استقالة ماكسويني (48 عاماً) ضربة ‌أخرى للحكومة، وذلك ‌بعد أقل من عامين من فوز حزب العمال بأغلبية برلمانية، وهي واحدة من الأكبر على الإطلاق في تاريخ بريطانيا الحديث، وفقاً لوكالة «رويترز».

وتظهر استطلاعات الرأي تراجع شعبية ستارمر للغاية بين الناخبين، كما أن بعض أعضاء حزبه باتوا يشككون علناً في حُسن تقديره وفي مستقبله السياسي. ولم يتضح بعد ما إذا كان رحيل ماكسويني سيكون كافياً لإسكات منتقدي رئيس الوزراء.

مورغان ماكسويني مدير مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في داونينغ ستريت مقر رئاسة الوزراء في لندن (د.ب.أ)

وأظهرت أدلة ‌جديدة في الأيام العشرة الماضية وجود علاقة بين ماندلسون وإبستين، مما فتح جرحاً قديماً لستارمر وحزب العمال وأدى إلى فتح تحقيق للشرطة حول ماندلسون. وتشير الملفات الجديدة إلى أن السفير السابق سرب وثائق حكومية إلى إبستين في 2009 و2010.

تعيين ماندلسون كان «خطأ»

قال ماكسويني إنه فعل الشيء الصحيح بتقديم استقالته؛ لأن ستارمر عيّن ماندلسون بناء على نصيحته.

وأضاف ماكسويني، في بيان: «كان قرار تعيين بيتر ماندلسون خاطئاً. لقد أضر بحزبنا وبلدنا والثقة في السياسات نفسها».

وتابع: «عندما سئلت... نصحت رئيس الوزراء بتعيين (ماندلسون) وأتحمل المسؤولية الكاملة عن تلك النصيحة». وقالت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوك إن استقالة ماكسويني تأخرت وإن «كير ستارمر يجب أن يتحمل مسؤولية قراراته السيئة».

وقال نايجل فاراج زعيم حزب الإصلاح الشعبوي الذي يتصدر استطلاعات الرأي، إنه يعتقد أن وقت ستارمر أوشك على الانتهاء.

وشغل ماكسويني منصبه في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 بعد استقالة سو ‌غراي عقب خلاف حول الأجور والتبرعات. ولم يُحدد بعد من سيحل محل ماكسويني.


زيلينسكي يدعو لتشديد الضغط على روسيا بعد إطلاقها 2000 مُسيّرة خلال أسبوع

أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير (رويترز)
أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير (رويترز)
TT

زيلينسكي يدعو لتشديد الضغط على روسيا بعد إطلاقها 2000 مُسيّرة خلال أسبوع

أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير (رويترز)
أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير (رويترز)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الأحد، إن روسيا أطلقت أكثر من 2000 طائرة مُسيّرة و116 صاروخاً على أوكرانيا خلال الأسبوع الماضي فقط، مستهدفةً منشآت الطاقة والبنية التحتية اللوجيستية في المدن والقرى بشكل شبه يومي.

وأضاف زيلينسكي في منشور على «إكس»: «يجب على العالم ألا يغض الطرف عن الهجمات الروسية. فعندما يغيب الرد الدولي، تصبح الضربات أكثر تكراراً وأشد وحشية. ويمكن وقف ذلك عبر تقديم دعم حقيقي لأوكرانيا ولدفاعاتنا».

وأكد زيلينسكي: «نحن بحاجة إلى صواريخ لأنظمة الدفاع الجوي، وإلى أسلحة لمقاتلينا الذين يصدون هذا العدوان يومياً. ولكي تنجح الدبلوماسية، لا بد من ممارسة ضغط مستمر على روسيا، بحيث تصبح تكلفة هذه الحرب باهظة، إلى حدٍّ يجعلها غير قابلة للاستمرار بالنسبة لروسيا».

عقوبات على موردي أجزاء الصواريخ

أعلن الرئيس الأوكراني أنه سيفرض عقوبات ​على عدد من الشركات الأجنبية المُصنِّعة لمكونات الطائرات المُسيّرة والصواريخ التي تستخدمها روسيا في هجماتها على بلاده. وكتب زيلينسكي على «إكس»: «إنتاج هذه الأسلحة سيكون مستحيلاً دون المكونات الأجنبية الضرورية التي يواصل الروس الحصول ‌عليها عبر التحايل ‌على العقوبات». وأضاف: «سنفرض ‌عقوبات ⁠جديدة، ​تحديداً ‌على الشركات الموردة للمكونات ومصنعي الصواريخ والطائرات المسيّرة... وقَّعتُ على القرارات ذات الصلة».

دمار خلفته ضربات جوية روسية في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير (إ.ب.أ)

وبحسب مرسومَين أصدرتهما الرئاسة الأوكرانية، تستهدف العقوبات شركات صينية وشركات من الاتحاد السوفياتي السابق والإمارات وبنما. ورغم المفاوضات الرامية إلى ⁠إنهاء الحرب الدائرة منذ نحو 4 أعوام، فإن روسيا صعّدت ‌بشكل حاد من نطاق هجماتها بالصواريخ ‍والطائرات المسيّرة على أوكرانيا خلال الأشهر القليلة الماضية، وركّزت هجماتها على قطاعَي الطاقة والخدمات اللوجيستية.

وأدت الهجمات على محطات توليد الكهرباء والمحطات الفرعية إلى انقطاع التيار الكهربائي والتدفئة عن مناطق بأكملها في كييف، واستمرَّت بعض انقطاعات التيار في العاصمة الأوكرانية لمدة وصلت إلى 20 ساعة. وقال زيلينسكي إنه فرض أيضاً عقوبات على القطاع المالي الروسي وهيئات تقدم الدعم ‌لسوق العملات المشفرة وعمليات التعدين الروسية.

محاولة اغتيال جنرال روسي

في سياق متصل، أعلن جهاز الأمن الروسي (إف إس بي)، الأحد، أن المشتبه بتنفيذه محاولة اغتيال مسؤول روسي رفيع في موسكو نُسبت إلى أوكرانيا، أوقف في دبي وسُلّم لروسيا عقب فراره إلى الإمارات العربية المتحدة. واستهدف الجنرال فلاديمير أليكسييف، الجمعة، بعيارات نارية عدة ونُقل إلى المستشفى، بعد سلسلة اغتيالات في روسيا والأراضي الأوكرانية التي تسيطر عليها موسكو، طالت مسؤولين في الجيش وسياسيين محليين وآخرين يؤيدون الغزو الروسي لأوكرانيا. وأعلنت كييف مسؤوليتها عن بعض هذه العمليات.

الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية (أ.ب نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية)

وفلاديمير أليكسييف، الذي نجا، هو المساعد الأول لرئيس الاستخبارات العسكرية الروسية إيغور كوستيوكوف، الذي يترأس أيضاً الوفد الروسي إلى مفاوضات السلام مع أوكرانيا. وقال جهاز الأمن الروسي إن مواطناً روسياً يُعتبر «المنفذ المباشر للجريمة»، «أوقف وسُلّم لروسيا» بعدما فرّ إلى دبي.

وذكر جهاز الأمن الاتحادي الروسي، في بيان، أن روسياً اسمه ليوبومير وكراب اعتقل في دبي للاشتباه في تنفيذه للهجوم. وقال محققون روس إن كوربا، المولود في منطقة تيرنوبيل في أوكرانيا إبان العهد السوفياتي عام 1960، كلفته المخابرات الأوكرانية تنفيذ محاولة الاغتيال. واتهمت روسيا ⁠أوكرانيا بالوقوف وراء إطلاق النار، لكن كييف نفت ذلك. ورفض وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيها، في تصريح لـ«رويترز»، اتهام بلاده بالتورط في إطلاق النار على ‌أليكسييف. وقال: «لا نعرف ماذا حدث لهذا الجنرال تحديداً، ربما كان ذلك نتيجة صراع داخلي بين الروس أنفسهم».

وأظهرت وسائل الإعلام الروسية رجال أمن مقنعين ‌من جهاز الأمن الاتحادي يقتادون رجلاً معصوب العينين من طائرة صغيرة في روسيا في الظلام. وقال جهاز الأمن الاتحادي إنه حدد هويتي شريكين آخرين، وهما رجل ‍وامرأة روسيان أيضاً. وقال المحققون إن أحدهما اسمه فيكتور فاسين، وإنه اعتقل في موسكو، بينما فرت المرأة، واسمها زينايدا سيريبريتسكايا، إلى أوكرانيا.

جنود أوكرانيون على خط الجبهة في زابوريجيا يوم 7 فبراير (أ.ب)

وتظهر محاولة الاغتيال التي حدثت على بعد 12 كيلومتراً شمالي الكرملين مدى هشاشة الحماية المتوفرة للجنرالات الروس المشاركين في التخطيط ⁠لحرب أوكرانيا. وتساءل البعض في روسيا عن كيفية تعقب أليكسييف في مثل هذا المكان وعدم توفير حماية أفضل له. ولقي ثلاثة مسؤولين آخرين من رتبة أليكسييف حتفهم في موسكو أو بالقرب منها منذ ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وسبق أن فرضت الدول الغربية عقوبات على أليكسييف (64 عاماً) للاشتباه بدوره في هجمات إلكترونية نُسبت إلى روسيا، فضلاً عن اتهامه بتدبير هجوم استخدم فيه غاز للأعصاب وطال المعارض الروسي سيرغي سكريبال عام 2018 في المملكة المتحدة. وورد في نبذته الشخصية الرسمية أنه تميز في عمليات استخباراتية في سوريا، حيث تدخلت موسكو عسكرياً عام 2015 دعماً لنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.

واتهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف كييف بالوقوف خلف محاولة اغتيال أليكسييف، والسعي عبر ذلك إلى إفشال المباحثات الجارية بوساطة أميركية للتوصل إلى حل للنزاع في أوكرانيا.