الحوثيون يوصدون الأبواب أمام منظمات المجتمع المدني

يسعون إلى احتكار النشاط الإغاثي وتسخيره لأهدافهم

TT

الحوثيون يوصدون الأبواب أمام منظمات المجتمع المدني

أوقفت الميليشيات الحوثية في صنعاء كل الأنشطة الإنسانية المحلية التي تتبناها منظمات المجتمع المدني غير التابعة للجماعة الانقلابية في مسعى منها لاحتكار هذه الأنشطة وتسخيرها لأهدافها الطائفية.
وأصدر القيادي في الجماعة الموالية لإيران أحمد حامد، المعيّن مديراً لمكتب رئيس مجلس حكمها الانقلابي مهدي المشاط، توجيهاً إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل الخاضعة للجماعة في صنعاء يقضي بمنع منح أي تصريح جديد للعمل الطوعي الإنساني باستثناء المنظمات التابعة للجماعة.
ونشر ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي صورة من التوجيه الحوثي الذي أمر فيه وزير الجماعة بعدم التعاطي مع أي طلب جديد لإنشاء أي منظمة إنسانية أو مؤسسة أو جمعية خيرية إلى جانب عدم قيامها بتجديد أي تصاريح للعمل الإنساني.
وحصرت التوجيهات الحوثية الاستثناءات في السماح بالعمل الطوعي للمنظمات التابعة للأشخاص الموالين للجماعة الحوثية على أن يتم منح الترخيص مباشرة من قبل القيادي الحوثي أحمد حامد المعروف بهيمنته على عمل كل وزراء الميليشيات في حكومة الانقلاب غير المعترف بها، بتفويض من رئيس مجلس حكم الجماعة مهدي المشاط.
وفي حين ينحدر القيادي الحوثي أحمد حامد من منطقة مران في مديرية حيدان غربي صعدة، حيث المعقل الأول للجماعة الحوثية، أكدت مصادر مطلعة على ما يدور في أروقة حكم الميليشيات، أنه يحظى بصلاحيات مباشرة من زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي.
وكانت الجماعة الحوثية قد تعمدت خلال السنوات الثلاث الماضية إنشاء العشرات من المنظمات المحلية تحت لافتة العمل الإنساني، وأوكلت إليها السطو على أغلب المساعدات الإنسانية الدولية وتسخيرها لاستقطاب المجندين وخدمة الأهداف الطائفية للجماعة.
وتمنع الجماعة الانقلابية الموالية لإيران منذ انقلابها على الشرعية، أي أنشطة طوعية محلية من قبل المنظمات غير الخاضعة لها طائفياً، حتى لو كانت تمتلك تصاريح قانونية بالعمل، حسب ما أكده ناشطون وحقوقيون لـ«الشرق الأوسط».
وفي الآونة الأخيرة أقدمت الجماعة الحوثية على اختطاف عدد من الناشطين في المجال الإنساني في صنعاء وحجة، ووجهت إليهم تهماً ملفَّقة تستوجب الإعدام بموجب القانون اليمني، في حين أن كل ذنبهم أنهم يحاولون التخفيف من معاناة الأسر المحتاجة في مناطقهم.
وتحتكر الجماعة عبر منظماتها المحلية الوليدة الحق في الحصول على الدعم الدولي الإنساني المقدم من المنظمات الأممية، لتوزيعه على أتباعها الطائفيين، كما أنها فرضت تعيين المئات من أتباعها موظفين في مفاصل العديد من المنظمات الدولية العاملة في مناطق سيطرتها.
ويؤكد ناشطون حقوقيون في صنعاء أن الجماعة الحوثية تطلب من أي منظمة محلية تحاول تنشيط أدائها الإنساني الحصول أولاً على تصريح مسبق من جهاز الأمن القومي الخاضع للميليشيات يتضمن خط سير عمل المنظمة ومصادر تمويلها.
وتعقيباً على هذه الخطوة، أكدت الدكتورة ألفت الدبعي عضو لجنة صياغة الدستور، أن جماعة الحوثي تنتهج الاستبداد بحق المدنيين، مبيّنة أن إجراء الانقلابيين يهدف إلى كسر مواقف المنظمات غير التابعة لهم، معتبرة أنها أحد عوامل سقوط استبداد مثل هذا النوع من الأنظمة. كما قال محمد المقرمي رئيس مركز الدراسات والإعلام الإنساني، إن الحوثي استغل وجود مكاتب أغلب المنظمات الإنسانية في العاصمة صنعاء ومارس ضدها خلال السنوات الأربع كل أنواع الابتزاز، إضافة إلى ذلك، أغلقت الميليشيات جميع المنظمات المحلية والدولية التي لم ترضخ لسياستها في عملية التوزيع، مما فاقم المأساة الإنسانية في ظل وضع كارثي يشهده اليمن بسبب الحرب، وانهيار الوضع الاقتصادي، وتوقف مرتبات القطاع العام وارتفاع نسبة البطالة. وأشار إلى أن «القرار الحوثي الأخير جاء ليثبت ممارسة الانقلابيين العقاب الجماعي بحق المدنيين، حيث إن هذه المنظمات الإغاثية تسعى للتخفيف من الوضع الكارثي الذي يتجرع مرارته المدنيون الذين لا علاقة لهم بهذه الحرب ولا ذنب لهم سوى أنهم يمنيون فرضت عليهم الظروف البقاء في هذه المدن لتعذّز إمكانية اللجوء الإنساني، لا سيما ونحن على أعتاب نهاية عام 2018 الذي وثّقت فيه كل المنظمات العاملة في اليمن أسوأ أزمة إنسانية في العالم تنذر بحدوث مجاعة لو استمر التضييق على المنظمات العاملة في اليمن؛ وبالتأكيد فإن هذه المنظمات تسعى لرفع تقاريرها السنوية لتجديد التراخيص لمزاولة العمل مع بداية العام الجديد 2019.
أما الناشط الإعلامي عبد الرزاق العزعزي، فرأى أن إيقاف تراخيص المجتمع المدني ومنع تجديدها هي سياسة جديدة لتغييب الأصوات التي تعمل من أجل تنمية الإنسان وإغاثته، ومحاولة لرفد المزيد من أبناء اليمن إلى جبهات الحرب بأي طريقة، وتابع في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أنه منذ اقتحامهم صنعاء عمد الحوثيون إلى تضييق الخناق تجاه المنظمات، سواء من خلال منح التراخيص أو حرية ممارسة العمل المجتمعي أو إقصاء الكثير منها من مشاريع الإغاثة، مبررين تصرفاتهم بأن هذه المنظمات تتبع العدوان، على حد وصفهم، ولم يكونوا ليعترفوا أو ليسمحوا لها بممارسة نشاطها على غير المنظمات التي تتبع عناصرهم والتي تعمل بحرّية.
وأدان الناشطون الذين تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، سلوك الميليشيات القمعي، مطالبين منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ليز غراندي، بالتدخل للضغط على الجماعة من أجل رفع كل القيود المفروضة على التحركات الإنسانية والأنشطة الإغاثية سواء أكانت من قبل أفراد أو منظمات محلية. ويرجح مراقبون أن تؤدي هذه القيود الحوثية الجديدة على النشاط الإنساني الخيري في مناطق سيطرة الجماعة إلى مفاقمة الأوضاع الإنسانية للآلاف من الأسر التي باتت تعتمد على الجهود الإنسانية والإغاثية والمبادرات الفردية للبقاء على قيد الحياة.
وسبق للحكومة الشرعية أن طالبت المنظمات الدولية والأممية بنقل مقراتها الرئيسية إلى العاصمة المؤقتة عدن، لتجنب الضغوط الحوثية في صنعاء، كما طالبتها باعتماد مبدأ اللامركزية في تنفيذ أعمالها الإغاثية. وعادةً ما يستغل القادة الحوثيون أعمال توزيع المساعدات للترويج لأفكار جماعتهم الطائفية، وتحسين صورة حكمهم الانقلابي في أوساط السكان، وتحويل هذه الأنشطة إلى مواد إعلامية تخدم أهداف الجماعة.


مقالات ذات صلة

مستشفى العيون في مأرب... مشروع سعودي أعاد النور إلى عيون اليمنيين

خاص صرف المستشفى أكثر من 150 ألف نظارة طبية و342 ألف وصفة دوائية مجانية (الشرق الأوسط)

مستشفى العيون في مأرب... مشروع سعودي أعاد النور إلى عيون اليمنيين

تحوّل المستشفى التخصصي لطب وجراحة العيون الممول بالكامل من السعودية ويقدم خدماته مجاناً بنسبة 100 في المائة، إلى نافذة أمل لآلاف اليمنيين من مختلف المحافظات.

عبد الهادي حبتور (مأرب)
خاص أكد المدير العام التنفيذي أن «صافر» جاهزة لاستئناف تصدير الغاز الطبيعي المسال (الشرق الأوسط)

خاص كعيتي لـ«الشرق الأوسط»: «صافر» جاهزة لاستئناف تصدير الغاز المسال

كشفت شركة «صافر» عن خطط لاستخدام غاز الميثان وقوداً للسيارات والمنازل، إلى جانب دراسة استثمار احتياطات محتملة من النفط الصخري.

عبد الهادي حبتور (مأرب )
خاص السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر خلال المقابلة بفندق بلقيس بمأرب (الشرق الأوسط) p-circle

خاص شنايدر لـ«الشرق الأوسط»: مأرب تقدم نموذجاً مثالياً للتعاون الدولي في اليمن

عدَّ السفير الألماني لدى اليمن محافظة مأرب نموذجاً إيجابياً يُحتذى به في مجال التعاون بين الحكومة اليمنية وبين الدول المانحة والوكالات الأممية.

عبد الهادي حبتور (مأرب)
بروفايل سلطان العرادة... حارس الجمهورية الأخير (سبأ)

بروفايل سلطان العرادة... حارس الجمهورية الأخير

يرتبط اسم سلطان العرادة لدى مؤيديه بلقب «حارس الجمهورية الأخير»، فيما يعلّق هو على ذلك بالقول: «حراس الجمهورية الحقيقيون هم أبناء الوطن جميعاً من الشرفاء».

عبد الهادي حبتور (مأرب)
خاص أكد اللواء سلطان العرادة أن السعودية جنّبت اليمن حرباً أهلية جديدة (الشرق الأوسط) p-circle 01:33

خاص العرادة لـ«الشرق الأوسط»: السعودية جنّبت اليمن حرباً أهلية جديدة

قال اللواء سلطان العرادة، عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ مأرب، إن السعودية جنّبت اليمن وحمته من الانزلاق إلى حرب أهلية جديدة.

عبد الهادي حبتور (مأرب)

قيود حوثية تحرم اليمنيين أجواء كأس العالم

تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
TT

قيود حوثية تحرم اليمنيين أجواء كأس العالم

تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)

في الوقت الذي تتجه فيه أنظار ملايين المشجعين حول العالم إلى منافسات كأس العالم 2026، يواجه اليمنيون في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، قيوداً تحول دون متابعة الحدث الكروي الأبرز عالمياً؛ إذ منعت الجماعة عرض مباريات البطولة داخل الأندية الرياضية في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى، كما فرضت قيوداً على الاستراحات والمقاهي، في خطوة أثارت استياءً واسعاً بين الأوساط الرياضية والشبابية.

وتقول مصادر رياضية إن الجماعة مستمرة منذ انطلاق البطولة في منع إدارات عدد من الأندية الرياضية؛ من بينها «الوحدة» وأهلي صنعاء» و«22 مايو»، من تنظيم فعاليات جماهيرية لعرض مباريات كأس العالم عبر الشاشات داخل مقراتها، رغم الاستعدادات التي كانت قد أُنجزت لاستقبال المشجعين وتنظيم أنشطة مصاحبة للمونديال.

وبحسب المصادر، أوقفت قيادات حوثية تدير القطاع الرياضي، كل الترتيبات التي أعدتها الأندية لاستقبال الجماهير، بما في ذلك تجهيز الشاشات وتنظيم الفعاليات الرياضية والترفيهية المرتبطة بالبطولة.

أحد الملاعب الرياضية في العاصمة صنعاء الخاضعة للحوثيين (إكس)

وأكدت المصادر فشل كل المحاولات الرامية إلى إقناع السلطات التابعة للجماعة بالسماح بإقامة تلك الفعاليات، ما أدى إلى إلغاء البرامج التي كانت مخصصة لاستقبال المشجعين خلال مباريات البطولة.

ويؤكد ناشطون أن الخطوة الحوثية تمثل امتداداً لسياسة التضييق على الأنشطة الرياضية والترفيهية، وحرمان الشباب من متابعة أبرز الأحداث الكروية العالمية في أجواء جماهيرية اعتادوا عليها خلال السنوات الماضية.

استياء رياضي

على وقع هذا التضييق الحوثي، يقول عصام، وهو اسم مستعار لمدرب رياضي من صنعاء، إن متابعة مباريات كأس العالم في الأندية والمقاهي، تمثل متنفساً مهماً للشباب في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تمر بها البلاد.

وأضاف أن منع هذه الأنشطة يشكل ضربة جديدة لما تبقى من الفعاليات الرياضية والاجتماعية في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أن الأندية يفترض أن تكون فضاءات مفتوحة للشباب لممارسة الرياضة ومتابعة الأحداث الرياضية العالمية بعيداً عن القيود.

أما الشاب رمزي (27 عاماً) من ريف صنعاء، فيقول إن كثيراً من الشباب كانوا ينتظرون البطولة بوصفها فرصة للالتقاء بالأصدقاء ومتابعة المباريات في أجواء جماعية، إلا أن القرارات الأخيرة حرمتهم من هذه التجربة التي ارتبطت تقليدياً بالمناسبات الكروية الكبرى.

حشد في أكبر مساجد صنعاء لمتابعة خطبة زعيم الجماعة (أ.ف.ب)

وفي السياق ذاته، أوضح أحد ملاك المقاهي في صنعاء، طالباً عدم ذكر اسمه، أن الجهات التابعة للجماعة سمحت في البداية بعرض أولى مباريات البطولة، لكنها عادت لاحقاً وأبلغت أصحاب المقاهي بالتوقف عن ذلك، ما دفعهم إلى إلغاء الترتيبات الخاصة باستقبال الزبائن خشية التعرض للمساءلة أو العقوبات.

ويشير هؤلاء إلى أن بطولة كأس العالم 2022 شهدت إجراءات مشابهة، حيث تحدث ملاك استراحات ومقاهٍ في صنعاء آنذاك، عن إلزامهم بعرض مواد دعائية وخطب ومحاضرات ذات طابع تعبوي على الشاشات خلال فترات الاستراحة بين المباريات، مع التلويح بفرض عقوبات على المخالفين.

خوف من التجمعات

يؤكد ناشطون يمنيون في صنعاء أن الجماعة الحوثية دأبت منذ سنوات، على فرض قيود واسعة على الأنشطة الرياضية والشبابية، سواء المحلية أو المرتبطة بالبطولات الخارجية، الأمر الذي أدى إلى تقليص المساحات الترفيهية والاجتماعية المتاحة أمام الشباب.

كما يعتقد مراقبون أن الجماعة الانقلابية تنظر إلى التجمعات الرياضية والفعاليات الجماهيرية باعتبارها أنشطة تستقطب الشباب بعيداً عن البرامج التعبوية التي تروج لها، بما في ذلك حملات الاستقطاب إلى الجبهات تحت شعارات دينية ومذهبية مختلفة.

وتستحضر الأوساط الرياضية في صنعاء أجواء بطولات كأس العالم التي سبقت اندلاع الحرب، عندما كانت الشاشات العملاقة تنتشر في الملاعب والحدائق العامة والمدارس الفنية والصالات الرياضية والمتنزهات والمقاهي.

الحوثيون يسمحون فقط بالتجمعات الخادمة لأجندتهم السياسية والعقائدية (إ.ب.أ)

وخلال تلك السنوات، كانت مؤسسات حكومية؛ من بينها وزارة الشباب والرياضة وقطاع الاتصالات، تسهم في تنظيم فعاليات جماهيرية لمتابعة المباريات، فيما كانت آلاف الجماهير تتوافد إلى الملاعب والساحات العامة لمشاهدة الحدث الكروي العالمي.

ويقول المهتمون بالرياضة إن استمرار القيود الحوثية الحالية يعكس توجهاً متصاعداً للسيطرة على الفضاءات العامة والأنشطة الجماهيرية، بما في ذلك الفعاليات الرياضية التي تمثل متنفساً مهماً للشباب في ظل التحديات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة.


اليمن يستنفر الشركاء لمواجهة تفاقم أزمة الغذاء

نقص غير مسبوق في تمويل الاحتياجات الإنسانية باليمن (الأمم المتحدة)
نقص غير مسبوق في تمويل الاحتياجات الإنسانية باليمن (الأمم المتحدة)
TT

اليمن يستنفر الشركاء لمواجهة تفاقم أزمة الغذاء

نقص غير مسبوق في تمويل الاحتياجات الإنسانية باليمن (الأمم المتحدة)
نقص غير مسبوق في تمويل الاحتياجات الإنسانية باليمن (الأمم المتحدة)

في وقت تتسارع فيه مؤشرات التدهور الإنساني في اليمن، كثَّفت الحكومة الشرعية تحركاتها مع الأمم المتحدة والشركاء الدوليين لاحتواء أزمة الغذاء المتفاقمة، في حين تواصل الجماعة الحوثية حجب البيانات المتعلقة بأعداد المحتاجين للمساعدات في مناطق سيطرتها؛ الأمر الذي يزيد من صعوبة تقدير حجم الاحتياجات الفعلية ويعقّد جهود الاستجابة الإنسانية.

وتأتي هذه التحركات الحكومية بالتزامن مع تحذيرات أممية متزايدة من ارتفاع معدلات الجوع وسوء التغذية، في ظل تراجع التمويل الدولي المخصص للعمليات الإنسانية، واستمرار القيود المفروضة على الوصول إلى السكان المحتاجين في عدد من المناطق.

وأكدت مصادر عاملة في قطاع الإغاثة لـ«الشرق الأوسط» أن الوكالات الأممية لم تتمكن للعام الثالث على التوالي من تنفيذ مسوحات ميدانية شاملة لرصد مستويات انعدام الأمن الغذائي في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين؛ بسبب القيود المفروضة على أنشطتها.

ووفق المصادر، فإن المنظمات الدولية باتت تعتمد على مؤشرات جزئية وبيانات تقديرية توفرها بعض الجهات الإنسانية العاملة على الأرض؛ وهو ما يجعل صورة الاحتياجات الحقيقية غير مكتملة رغم وجود مؤشرات واضحة على تفاقم الأزمة.

متسولات في صنعاء بجانب صورة لخامنئي رفعها الحوثيون (إعلام محلي)

ويرى مختصون أن غياب البيانات الدقيقة لا يعني تراجع الاحتياجات الإنسانية، بل يزيد من صعوبة توجيه المساعدات إلى الفئات الأكثر تضرراً، خصوصاً في ظل اتساع رقعة الفقر وتراجع القدرة الشرائية للأسر اليمنية.

وقال مصطفى نصر، رئيس مركز الإعلام الاقتصادي (منظمة يمنية)، إن سكان مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون مزيجاً من الجوع والخوف نتيجة السياسات الاقتصادية التي ألحقت أضراراً كبيرة بالنشاط الاقتصادي خلال السنوات الماضية، مؤكداً أن آثار تلك السياسات باتت تنعكس بصورة مباشرة على مستوى معيشة المواطنين.

وأضاف أن الجماعة تواجه اليوم نتائج تراكمات اقتصادية طويلة، في وقت تستمر فيه بعض القيادات في إنكار حجم الأزمة رغم المؤشرات المتزايدة على اتساع المعاناة الإنسانية.

أوضاع معيشية صعبة

تحدث رجال أعمال يمنيون ومواطنون قدموا من مناطق سيطرة الحوثيين عن أوضاع معيشية بالغة الصعوبة، مؤكدين أن شريحة واسعة من السكان أصبحت تواجه تحديات يومية في توفير احتياجاتها الأساسية من الغذاء والدواء.

وأشار أحد رجال الأعمال إلى أن كثيراً من الأسر باتت تعتمد على المساعدات أو التحويلات المالية من الخارج لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، لافتاً إلى أن استمرار التدهور الاقتصادي قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية خلال الفترة المقبلة.

وحسب تقديراته، فإن كتلة الرواتب الشهرية للموظفين في مناطق سيطرة الحوثيين لا تتجاوز 30 مليار ريال شهرياً، وهو مبلغ لا يواكب الارتفاع المستمر في الأسعار وتكاليف المعيشة.

ويؤكد مراقبون أن اتساع فجوة الدخل وتراجع فرص العمل وفقدان مصادر الرزق أدت إلى زيادة معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي، خصوصاً في المناطق الحضرية التي كانت تعتمد في السابق على النشاط التجاري والخدمي.

لقاءات يمنية أممية لمناقشة أزمة الغذاء (الأمم المتحدة)

في المقابل، وصفت الحكومة اليمنية الوضع الغذائي في البلاد بأنه دخل مرحلة حرجة تتطلب استجابة استثنائية، داعية الأمم المتحدة والمانحين الدوليين إلى إعطاء ملفي الأمن الغذائي وسوء التغذية أولوية قصوى خلال الفترة المقبلة.

وخلال لقاء جمع نائب وزير التخطيط والتعاون الدولي نزار باصهيب مع المنسقة الوطنية لقطاع الأمن الغذائي والزراعة في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) أبيجيل نيوكوري، تمت مناقشة التحديات التي تواجه الاستجابة الإنسانية، وفي مقدمتها فجوة التمويل المتسعة.

وأكد الجانب الحكومي أهمية توجيه الموارد المتاحة نحو البرامج الأكثر تأثيراً واستدامة، بما يضمن الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المحتاجين، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالغذاء والتغذية وسبل كسب العيش.

وأوضحت المسؤولة الأممية أن التراجع الحاد في التمويل انعكس بصورة مباشرة على أعداد المستفيدين من المساعدات؛ إذ انخفض عدد الأشخاص الذين شملتهم تدخلات المنظمة خلال النصف الأول من العام الحالي إلى نحو 1.8 مليون شخص، مقارنة بـ3.4 مليون خلال العام الماضي.

واتفق الجانبان على عقد اجتماع طارئ مع الجهات المعنية لوضع خريطة طريق عاجلة لمعالجة أزمة نقص الغذاء وتعزيز فعالية التدخلات الإنسانية خلال المرحلة المقبلة.

تحذيرات أممية

من جهتها، أكدت الأمم المتحدة أن الأزمة الإنسانية في اليمن تتجه نحو مزيد من التدهور، مشيرة إلى ارتفاع نسبة الأشخاص غير القادرين على تلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية خلال فترة قصيرة.

وقال وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ توم فليتشر إن أكثر من 18 مليون يمني يعانون حالياً الجوع الحاد، محذراً من أن الأوضاع مرشحة لمزيد من التفاقم إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لتعزيز الاستجابة الإنسانية.

وأوضح أن نحو خمسة ملايين شخص في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، في وقت لا تزال فيه القيود المفروضة على الوصول الإنساني تحد من القدرة على تقييم الاحتياجات في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين.

الحوثيون منعوا جمع البيانات الإنسانية... لكن الاحتياجات كانت أكثر وضوحاً (إعلام محلي)

وشدد فليتشر على أن غياب البيانات لا يعني غياب المعاناة، مؤكداً أن ملايين اليمنيين ما زالوا في حاجة إلى دعم عاجل ومتواصل لتجنب الانزلاق نحو مستويات أشد خطورة من الجوع.

كما حذَّر من أن أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون سوء تغذية حاداً، وأن كثيرين منهم معرَّضون لآثار صحية طويلة الأمد ما لم يحصلوا على الرعاية والدعم اللازمين.


نبيل فهمي أميناً عاماً جديداً لجامعة الدول العربية

الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (رويترز)
الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (رويترز)
TT

نبيل فهمي أميناً عاماً جديداً لجامعة الدول العربية

الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (رويترز)
الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (رويترز)

اعتمد مجلس جامعة الدول العربية، بالإجماع، نبيل فهمي أميناً عاماً جديداً للجامعة خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب في عمان، الاثنين، حسب المكتب الإعلامي للجامعة.

ويأتي فهمي خلفاً لأحمد أبو الغيط، وتبدأ ولايته مطلع يوليو (تموز) المقبل وتستمر خمس سنوات.

وفهمي دبلوماسي مخضرم تولى منصب وزير الخارجية المصري بين عامي 2013 و2016، وسيكون ثامن أمين عام للجامعة التي تتخذ القاهرة مقرا لها.وطوال تاريخها، لم يقد الجامعة العربية سوى أمناء عامّين مصريين، باستثناء التونسي الشاذلي القليبي الذي تولى المنصب في ثمانينات القرن الماضي بعد تعليق عضوية مصر في المنظمة على خلفية توقيعها معاهدة سلام مع إسرائيل.وفي بيان الإجماع على ترشيحه وصف فهمي البالغ 75 عاما المنصب بأنه «مسؤولية كبيرة» نظرا إلى «ما تواجهه أمتنا من تحديات غير مسبوقة، ومخالفات صارخة للقانون الدولي من قبل أطراف معتدية غدرا على دولنا وسلامتنا، وأخرى طال احتلالها لأراضينا وتعرقل تمكين أشقائنا من ممارسة حقوقهم المشروعة، فضلا عن تعرض منطقتنا لمخططات تستهدف الهيمنة، والمساس بأمن واستقرار العالم العربي».