المخرجون الكبار، أياً كانت جنسياتهم، هم مدارس سينما متنقلة. تجلس وإياهم فتتابع ما فاتك من تاريخ مهنهم وما لم تكن تعرفه عن طريقة كل منهم في الإخراج والعمل. تقرأ طموحاتهم وتستعيد نشاطاتهم وتعاين ذروات حياتهم.
بِل أوغست هو أحد هؤلاء.
فاز مرتين بسعفة «كان» الذهبية. الأولى سنة 1987 عن «بيلي القاهر» والثاني سنة 1992 عن «أفضل النيات». «بيلي القاهر» فاز كذلك بأوسكار أفضل فيلم أجنبي، وهو و«أفضل النيات» فازا بجائزة غولدن غلوبس.
حط بِل أوغوست في مهرجان القاهرة رئيساً للجنة التحكيم ويشارك، خارج المسابقة، بفيلمه الجديد «رجل محظوظ» Fortunate Man)) نحيف البنية (لا يتناول الكثير من الطعام مطلقاً) ويبلغ من العمر 70 سنة ولو أنه يبدو أقل من ذلك بعشر سنوات. اللقاء التالي تم في إطار مهرجان القاهرة.
- قصص جاذبة
> كيف تعرّف كلمة «مخرج»؟
- إنها كلمة صعبة التعريف عموماً لكنها ليست معقدة كثيراً. بالنسبة لي المخرج هو سارد حكاية يريد إيصالها للجمهور. لكن ليس كل من يسرد حكاية هو مخرج جيد. على المخرج أن يعرف كيفية قيامه بإيصال الفيلم ورسالته إلى الجمهور بأسلوب تعمل كل عناصره في لُحمة واحدة.
> هل تعتقد أن هناك فارقاً بين كلمتي مخرج وصانع أفلام؟
- هما تسميتان متشابهتان لكن التفاصيل تختلف. أعتقد أن الكلمة الأولى أكثر مهنية من الثانية. تستخدم كلمة «صانع أفلام» لمخرجين مستقلين أو في مطلع سنوات مهنهم.
> بدأت مصوراً سينمائياً ثم كتبت السيناريوهات وفي عام 1978 بدأت الإخراج بفيلم «شهر عسل». هل القيام بمهام سابقة للإخراج ضروري لأجل تحقيق أفلام جيدة؟
- ليس بالضرورة لكني لا أستطيع إلا الحديث عن مهنتي. بدأت كما تقول في التصوير السينمائي وربما ساعدني هذا على تأسيس أسلوبي لأني ما زلت أهتم بالصورة وأعتبرها مدخلاً لكل شيء. إنها الوسيلة التي ستجذب المشاهد إلى الفيلم والتي ستساعد القصة على إبراز مضامينها.
كتابة السيناريو مهمة أيضاً لأنك تمضي فيها وقتاً تصيغ فيه أفكارك ومستقبل المشروع الذي يستقدم عليه. طبعاً هناك مخرجون جيدون ينتقلون مباشرة إلى الإخراج أيضاً.
> أي نوع من القصص جذبتك في مطلع مهنتك؟
- دائماً كنت ولا أزال أهتم بالقصص التي تتحدث عن شخصيات تختلف عني ومسار حياتي. ربما أكتبها برؤيتي لذلك قد لا تختلف كلياً لكنها بعيدة عن مشواري الخاص. أكتب عن الإنسان الذي يجد نفسه في بيئة جديدة عليه.
كما الحال في «بل القاهر»…
- صحيح.
> هل كنت قادراً على الاختيار منذ بداية مهنتك أم أنك في الفترة الأولى اضطررت للاستجابة إلى مطالب المنتجين؟
- عودت نفسي ألا أحقق إلا ما أريد تحقيقه. لست معنياً بتحقيق أفلام لا أشعر حيالها بعاطفة أو باهتمام. هذا بالتأكيد ضروري بالنسبة لي لأن جودة الفيلم تتوقف على ذلك أو دعني أقول أحد عناصر الجودة تتوقف على هذا العنصر.
- هوليوود
> للسينما الدنماركية تاريخ حافل من أيام السينما الصامتة وما بعد. هل أثر فيك مخرجون دنماركيون سابقون لك؟
- شاهدت الكثير من هذه الأفلام وما زلت أشاهد أفلاماً دنماركية قديمة من وقت لآخر. لكني بدأت تحقيق الأفلام في السبعينات وتأثري الأساسي هو موجة السينما الفرنسية الجديدة وخصوصاً فرنسوا تروفو. أيضاً بـ(المجري) ميلوش فورمان.
> «بل القاهر» كان ذروة أعمالك حتى ذلك الحين ونلت عليه جوائز كثيرة. هل ساعدتك هذه الجوائز على الفوز بمشاريع أكبر؟
- نعم. كان لها أثر جيد علي بلا شك. وجدت نفسي أواجه سيلاً من المشاريع لكنك لا تستطيع أن تقبل بها جميعاً. كان علي الاختيار.
> هل وصلتك مشاريع هوليوودية؟
- نعم. وصلتني الكثير من المشاريع الهوليوودية.
> إذا وجدت هوليوود أنها تستطيع إنجاز إيرادات كبيرة من خلال الاستعانة بك ستطلبك وهذا كان السبب في عروضها. أليس كذلك؟
- بلى. هذا صحيح. لكنني رفضت كل العروض.
> لماذا؟
- لأنني لم أُرِد أن أضع نفسي في مواجهة مع صناعة مختلفة. العمل في السينما الأميركية يعني تدخل المنتجين المنفذين في مشروعك. والعادة هناك أن يتدخل أهل الصناعة في السيناريو ويطلبون منك تغييره. إذا وافقت وبينما تقوم بإعادة الكتابة قد يتغير المنتجون ويُطلب منك تغيير السيناريو مرّة أخرى. في كل الحالات هي مواجهة لا تقوم على أساس منح المخرج كامل حقوقه. وأنا لم أكن ولا أزال غير مستعد لكي أفقد كرامتي المهنية لتحقيق عمل لا أقبل به. كما ذكرت قبل قليل لا أحقق إلا ما أريد تحقيقه كاملاً وهوليوود لن تمنحني أو تمنح آخرين هذا الخيار.
> استقبلت هوليوود الكثير من المخرجين الأوروبيين في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي ومعظم هؤلاء نجح في الاستمرار هناك. لكن هناك مخرجون يرفضون اليوم العمل في هوليوود للأسباب التي ذكرتها.
- نعم. الفارق أن المخرجين الأوروبيين ساهموا في التأسيس كما أن الكثيرين منهم لجأ إلى هوليوود هرباً من أوضاع سياسية خطرة أحاطت بهم في أوروبا ولم يكن لديهم مكان آخر يلجأون إليه.
> بعد نجاحك في الثمانينات ومطلع التسعينات مرّت بك فترة هدوء. أتحدث عن الفترة التي امتدت ما بين 2001 و2013 عندما عدت بقوّة إلى الساحة الدولية بفيلم «قطار ليلي إلى لشبونة». هل تعتبر هذا انحساراً؟ هل كانت لديك موانع حدت من نشاطك في تلك الفترة؟
- أي سنوات؟
> ما بين 2001 و2013
- نعم. مررت بفترة صعبة. داهمتني أسئلة حول عملي وما حققته ولماذا ووجدت صعوبة في اختيار خطواتي التالية.
> تباعدت المسافات الزمنية بين أفلامك؟
- صحيح.
> في كثير من أفلامك، ومن بينها «بل القاهر» وفيلمك الجديد «رجل محظوظ» تناولت قضايا المهاجرين والهجرة. طبعاً «بل القاهر» كان نموذجياً في هذا الاتجاه ودار حول هجرة أب وابنه من السويد إلى الدنمارك في مطلع القرن العشرين وما كابداه في سبيل البحث عن عمل هناك. الآن موضوع الهجرة ما زال قائماً ليس فقط لأسباب الفقر والبحث عن مستقبل أفضل بل هروباً من جحيم الحروب أيضاً. هل تفكر في فيلم عن هذا الموضوع؟
- الهجرة اليوم أصعب في رأيي مما كانت عليه سابقاً وللأسباب التي ذكرتها. هي مأسوية حقيقة لكن هناك الكثير من الأفلام الأوروبية حول هذا الموضوع. شخصياً أحب أن أحقق فيلماً عنه لكني لا أملك القصّة المناسبة.
> تكتب معظم أفلامك، هل صحيح ما قاله المخرج بيلي وايلدر ذات مرّة من أن على كاتب السيناريو أن يعرف ما هي نهاية السيناريو قبل أن يباشر الكتابة؟
- ربما قصد أن على الكاتب أن يعرف وجهة الفيلم. بذلك هو صحيح في رأيه، لكن على كاتب السيناريو أن يعرف على الأقل الوجهة التي يقصدها والرسالة التي يريد تقديمها وكيف سينتهي الفيلم وليس ما هو المشهد الختامي بالتأكيد. بالنسبة للسيناريست المواظب يأتي ذلك تلقائياً. الآخرون عليهم تلمس طريقهم بصعوبة كما أعتقد.

