مخاوف اجتماعية وسياسية في مصر إزاء بحث مبدأ «مجانية التعليم»

قلق كبير في الأوساط الشعبية والمتدنية الدخل

مخاوف اجتماعية وسياسية في مصر إزاء بحث مبدأ «مجانية التعليم»
TT

مخاوف اجتماعية وسياسية في مصر إزاء بحث مبدأ «مجانية التعليم»

مخاوف اجتماعية وسياسية في مصر إزاء بحث مبدأ «مجانية التعليم»

بحسب ما أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قبل نحو أربعة أشهر، فإن العام المقبل سيكون عاماً للتعليم في البلاد، غير أن العام الجاري الذي بدأ يُلملِم أسابيعه تحضيراً للرحيل، شهد خلال أيامه القليلة الماضية، تفاعلات وسجالات حكومية وبرلمانية وشعبية. السبب كان الدعوة لمراجعة مبدأ «مجانية التعليم»؛ إذ سرعان ما أطلقت هذه الدعوة في قطاع واسع من المواطنين، وكذلك نواب البرلمان وغيرهم من السياسيين، مخاوف سياسية واجتماعية. وعلى الرغم من أن انتقاد «مجانية التعليم» ليس مسألة جديدة في مصر؛ لأنها كانت دائماً مساحة رحبة للمناقشات والمنازلات بين أصحاب الآيديولوجيات اليمينية واليسارية في قطاعات المثقفين والسياسيين والحزبيين، فإن ما أجّجها هذه المرة، أن الانتقاد صدر عن مسؤول حكومي رسمي رفيع، هو وزير التربية والتعليم الحالي، طارق شوقي، وكان ذلك تحت قبة مجلس النواب (البرلمان).

مع أن تصريحات طارق شوقي، وزير التربية والتعليم المصري، الداعية إلى «مراجعة قضية المجانية»، أطلقت قبل نحو عشرة أيام، فإن أصداءها لا تزال تتردد في مساحات مختلفة اجتماعياً وسياسياً، على امتداد البلاد، ومعها تزداد باطّراد حالة الاشتباك بشكل تصاعدي ملحوظ.
حقيقة الأمر، أن انتقاد الوزير «المجانية» في قطاع التربية والتعليم، التي اعتبر أنها تحقّق «ظلماً وليس عدلاً اجتماعياً»، جاء صادماً لقطاعات شعبية ونخبوية، على حد سواء. ولقد رأى هؤلاء في موقف الوزير «تناقضاً» مع الدستور القائم في البلاد، وهو الذي ينص في مادته التاسعة عشرة على أن «التعليم حق لكل مواطن، هدفه بناء الشخصية المصرية، والحفاظ على الهوية الوطنية (...) وتكفل الدولة مجانيته بمراحله المختلفة في مؤسسات الدولة التعليمية، وفقاً للقانون. وتلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للتعليم لا تقل عن 4 في المائة من الناتج القومي الإجمالي، تتصاعد تدريجياً حتى تتفق مع المعدلات العالمية».

خلفية بالأرقام
وفي مصر التي يوجد فيها أكثر من 52 ألف مدرسة، بحسب الإحصائيات الرسمية لوزارة التربية والتعليم للعام الدراسي 2016 – 2017، تبدو مسألة الاقتراب من موضوع «مجانية التعليم» مُقلقة في الأوساط الاجتماعية الأقل دخلاً، وتحت المتوسطة كذلك، خاصة أن هناك - بحسب الإحصاء نفسه - أكثر من 45 ألف مدرسة حكومية يقصدها 18.5 مليون طالب، وهو ما يمثل 90 في المائة من إجمالي عدد الطلاب في مصر عموماً.
ما يُذكر أن الأسر ذات الدخل شبه المتوسط أو المرتفع في مصر، تتجه عادة إلى إلحاق أولادها بمدارس خاصة ودولية (غير حكومية) مقابل مصاريف تتصاعد تدريجياً وفق جودة التعليم ومستوى الخدمات المقدمة للطلاب. وتتركز معظم هذه المدارس في العاصمة القاهرة، ونطاقها المعروف باسم «القاهرة الكبرى»، الذي يضم محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية. وقُدر التعداد الرسمي لتلك المدارس في المحافظات كافة خلال العام الماضي، بأكثر من 7 آلاف مدرسة تضم نحو مليوني طالب.
وبالتالي، الآثار الاجتماعية إذن لمراجعة «التعليم المجاني» المتردّي المستوى (بحسب تقييمات محلية ودولية) الذي تقدّمه المدارس الحكومية بطبيعة الحال، تبدو ممتدة النطاق بشكل كبير، لكونها تمسّ نحو 18 مليون طالب، فضلاً عن أسرهم. وهو ما يفسّر، بالتبعية، المخاوف البالغة التي عبّر عنها البعض بصور عدة في مواجهة دعوات «إعادة النظر» في المجانية.

تلميحات السيسي... وتوضيحات عبد العال
من ناحية ثانية، إذا ما وضُعت مخاوف الاقتراب من «المجانية»، إلى جانب ترقّب «إجراءات تقشفية جديدة» لمح إليها الرئيس المصري، خلال الشهر الجاري، في سياق الحديث عن دعم المنظومة التعليمية، يمكن تفسير حالة الاهتمام المجتمعي من قطاعات معنية، بشكل مباشر أو غير مباشر، بقضية التعليم ومجانيته. وجميعها وجدت نفسها على تماسٍ وتأثر بالسياسات والمشروعات والخطط الحكومية المعتزم تنفيذها.
ولبيان التحديات المحيطة بعملية «إصلاح التعليم»، يُمكن مراجعة تصريحات للرئيس المصري، في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، أكد فيها أن مصر بحاجة إلى «توفير 250 ألف فصل دراسي بتكلفة 130 مليار جنيه (7.3 مليار دولار تقريباً) لمواكبة الزيادة السنوية في أعداد الطلاب». وعدّ السيسي أن «تحدي إصلاح التعليم كبير؛ لكن الأكبر منه عملية التشغيل». وأضاف متعهداً: «التحدي لا بد أن يكتمل حتى نهايته، والقضية (توفير الفصول الدراسية) يلزم حلها وتوفير تكلفتها... وهذا كلام صعب لكل الوزارات، وأقول لكم الأصعب، إننا لن نوفر علاوة سنوية للموظفين هذا العام (في سبيل تجاوز التحدي)».
الأثر السياسي كان أيضاً حاضراً في بؤرة المعالجة وردود الفعل، على الدعوة لمراجعة «المجانية». وهذا ما تنبّهت إليه السلطة التشريعية ممثلة في رئيس البرلمان علي عبد العال، الذي تحدث أمام الجلسة العامة لمجلس النواب، بعد يوم واحد من تصريحات وزير التعليم وبحضوره، عن محاذير الاقتراب من «المجانية». وفي محاولة لوقف عاصفة الانتقادات من بعض النواب للوزير، قال عبد العال، مخاطباً الأعضاء، إنه «لا يمكن المساس بمجانية التعليم من قريب أو بعيد»، واستطرد: «ولا يجرؤ أحد على الاقتراب منها (مبدأ المجانية) وفقاً للدستور». ومع ذلك واصل عبد العال: «تصريحات وزير التربية والتعليم حول مجانية التعليم، جرى اجتزاؤها من سياقها، من جانب أصحاب المصالح الذين يسعون لتعطيل مسيرة إصلاح منظومة التعليم في مصر»، وتابع: «لا أحد تطرّق إلى مجانية التعليم التي كفلها الدستور... المقدّسات معروفة... وأصحاب المصالح أرادوا أن يشوهوه (وزير التربية والتعليم) من أجل تعطيل مسيرة إصلاح منظومة التعليم».
في الواقع، ثمة من يشير إلى أن وزير التعليم كان منتبهاً لخطورة وحساسية الملف الذي أثاره لدى تصريحاته بشأن المجانية، فالرجل قال بالنصّ، إن الحكومة «لا تجد تمويلاً لتطوير التعليم، وإذا تحدثنا عن مجانية التعليم وضرورة إعادة النظر فيها، فالناس يمكن أن تُلقي بالطوب علينا». ولكن وعلى الرغم من إدراك شوقي مدى حساسية الملف، فإنه دعا إلى مواجهة ما وصفه بـ«الأفكار التقليدية القديمة التي أضرّت بالتعليم، مثل المجانية»، ورأى أنها أصبحت تُكرس «ظلماً اجتماعياً».

البعد الوطني
ولا تقتصر قضية «مجانية التعليم» في مصر على الجانب التربوي والاقتصادي والاجتماعي، وحسب؛ إذ إنها «قضية ترتبط بالنضال الوطني في تاريخ مصر الحديث»، على ما يرى كمال مغيث، الخبير التربوي والمتخصّص في شؤون التعليم. مغيث قال لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه، إن «تلك القضية ظلت لصيقة بمراحل مختلفة من الجهود الوطنية في عصور مختلفة، منذ عرفت البلاد التعليم الحديث المقدّم من الحكومة في عهد محمد علي، مؤسس الدولة الحديثة، الذي نظّم البعثات الخارجية للطلاب إلى الخارج بغرض بناء نهضة البلاد».
ويرصد مغيث ثلاث مراحل أخرى بعد انطلاقة عصر محمد علي، مرت بها مجانية التعليم في مصر، فيشرح قائلاً: إنها «جاءت التزاماً دستورياً بالنسبة للتعليم الأولي في أول دستور عرفته البلاد عام 1923. ثم كسب المصريون مساحة جديدة بالنص على مجانية التعليم في المدن، في أربعينات القرن الماضي. ثم زاد عميد الأدب العربي طه حسين، إبان توليه مهام وزارة التعليم، المزايا، فتمكن من تحقيق المجانية في التعليم الثانوي. ثُم توجت تجربة المجانية بإعلانها للجامعات وحتى درجة الدكتوراه، في الستينات، إبان عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر».
النتائج الإيجابية التي أثمرها «التعليم المجاني» في مصر؛ خاصة في عقدي الخمسينات والستينات، أقرّ بها وزير التعليم المصري طارق شوقي نفسه، خلال كلمات له في لقاءات عامة، منها تصريحه في فبراير (شباط) 2017، خلال مؤتمر صحافي عقد في مقر وزارته، بأنه «تلقى تعليماً حكومياً راقياً في الستينات، في وقت كان الالتحاق بالمدارس الخاصة عيباً (...)». وفي موضع آخر، عدّ أنه «إذا استطعنا الرجوع بالتعليم لما كان عليه فترة الخمسينات، فسيكون إنجازاً كبيراً»، على حد وصفه.
في المقابل، صحيح أن وزير التعليم أشاد بما أحرزه التعليم المجاني في منتصف القرن الماضي؛ لكنه كان يستدرك بأن «الزيادة في كثافة الطلاب» أصبحت عائقاً. لكن هذا الكلام لا يبدو مُقنعاً كحجة يقبلها الخبير التربوي مغيث، إذ شبه الأخير الوضع «بشخص جائع يطلب الطعام، فيضجر منه آخر، فيقدّم له طعاماً فاسداً، وعندما يتألم الأول يلومه الجميع لأنه هو من طلب الطعام بأي صورة». وتابع مغيث: «ببساطة الطلاب ليسوا مسؤولين عن فساد المنظومة التعليمية المجانية، على مستويات الجودة والكفاءة والملائمة لسوق العمل... إذ تردت هذه المنظومة منذ خمسة عقود. وهي ليست كذلك مسؤولية فردية لهذه الحكومة؛ لكن الحل لا يمكن أبداً أن يكون إلغاء الأمر بدلاً من إصلاح المنظومة، وكيف يستقيم ذلك مع إطلاق مشروع يقدمه لنا المسؤولون الحكوميون باعتباره خطة قومية لإصلاح التعليم، ومن المفترض أنها بنيت على أساس معلومات وحقائق، عن كثافة الفصول ومشكلات الأجور للمعلمين وقلة الفصول».
الجدير بالإشارة هنا، أن رئيس مجلس النواب، في سياق انتقاده أنماط الاستهلاك، أشار إلى أن «أولياء الأمور ينفقون نحو 120 مليار جنيه على تلقين أبنائهم دروساً خصوصية، في حين تنفق الدولة نحو 90 مليار جنيه أخرى». وعودة إلى وزير التعليم، فإنه سبق له، في سياق أزمة التصريح بضرورة مراجعة «مجانية التعليم» أن علّق ساخراً ومنتقداً في الوقت نفسه: «البعض لديهم استعداد لدفع أموال لأي مركز تعليم نصّاب... لكنهم لا يدفعون للحكومة، وحفلة (المطرب) عمرو دياب وصلت إلى 20 ألف جنيه للتذكرة، ونحن (الحكومة) لا نجد أموالاً لتطوير التعليم».

«اقتصاديات» السياسة التعليمية
وتُطل مشكلة تأزم اقتصاديات التعليم في مصر بشكل واضح خلال الحديث عن «المجانية». وفي حين ينص الدستور على أن «تلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للتعليم، لا تقل عن 4 في المائة من الناتج القومي الإجمالي»، تجد أن «وزارة التربية والتعليم لا تعمل بما يكفي للحصول على تلك المخصصات كاملة من الموازنة؛ بل إنها تفضل الاقتراض الخارجي لصالح مشروعاتها»، وفق ما يُقيم عضو لجنة التعليم بمجلس النواب المصري سمير غطاس.
غطاس الذي تحدث إلى «الشرق الأوسط»، قال موضحاً: «نحن في البرلمان وبعد مراجعة لمشروعات الموازنة العامة وقوانين ربطها الختامي، اكتشفنا أن المخصّصات الدستورية لوزارة التربية والتعليم كانت تقدّر في آخر موازنة بنحو 136 مليار جنيه؛ لكن المفاجأة أن ما تسلمته الوزارة واقعياً تراوح بين 80 و81 مليار جنيه». لا يعفي غطاس الوزير شوقي من المسؤولية عن «إحجامه عن الدفاع عن تحصيل مخصّصات وزارته الدستورية»؛ بل يشير إلى ما يصفه بـ«ممارسات تتّسم بالإهدار في سياق اقتراض نحو 150 مليون دولار لصالح دعم حضانات الأطفال، فضلاً عن شراء منهج تعليمي بقيمة ملياري جنيه (111 مليون دولار)».
ثم يلفت غطاس إلى أنه «ومع التشديد على عدم دستورية مناقشة الدعوة لمراجعة مجانية التعليم، فإن مواجهة الأمر لا تقتصر على دعاوى قضائية مضمونة يمكن أن تُرفَع حال أقدمت الحكومة على الخطوة؛ بل إنه يجب التحذير من تبعات في غاية الخطورة تتعلق بإلقاء مزيد من الأعباء على كاهل طبقات اجتماعية تعاني بطبعها، وترى في التعليم فرصة واحدة وأخيرة للترقي الاجتماعي، وتستثمر في أبنائها وفق هذا الاعتقاد الراسخ... وسيكون من شأن المساس بالمجانية حدوث هزة اجتماعية شديدة في المجتمع المصري»، بحسب قول غطاس.

مشكلة الأمية
بُعد آخر لطرح قضية «مجانية التعليم» للمناقشة، يرتبط بأثرها على نسبة الأمية في مصر، إذ يُقدر تعداد الأميين بنحو 18.4 مليون شخص، من إجمالي 104 ملايين مصري، وفق بيانات أعلنها الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عام 2017. وينبّه سمير غطاس إلى أن «دعوة وزير التعليم، أو من يناصره في الفكرة، للتخفيف من عبء المجانية، سيكون انعكاسها الفوري والمباشر هو زيادة معدّلات من لا يقرأون أو يكتبون... وهكذا سنجد أننا، تحت شعار تطوير التعليم، ساهمنا في استمرار المشكلة الأزلية الخطيرة، التي يسعى المجتمع المصري للتخلص منها منذ سنوات».
ويؤكد غطاس أنه وبصرف النظر عن المدن والمحافظات الكبرى، التي يقصد عدد غير قليل من طلابها مدارس خاصة ولغات ودولية، فإن السواد الأعظم ممن يقصدون المدارس الحكومية سيتأثرون بلا شك بأي محاولة للمساس بالمجانية، وبما يضطر بعضهم لإخراج أطفالهم من المنظومة التعليمية للعجز على الوفاء بالتزاماتها المادية.
واستطرد قائلاً: «هذه أزمة أخرى بلا شك تخصم من أي مساعٍ للتنمية وتطوير التعليم، ومحاولة الاستثمار الواعي في أجيال جديدة».

التعليم المصري في أرقام

- 20.6 مليون طالب في مراحل التعليم قبل الجامعي، يتلقون التعليم في المدارس الحكومية والخاصة في مصر.
- 10.6 مليون طالب ذكر، يتلقى التعليم في المدارس المصرية مقابل 10 ملايين أنثى.
- أكثر من 52 ألف مدرسة في مصر، منها 45 ألف مدرسة حكومية و7 آلاف خاصة.
- 482 ألف فصل دراسي في المدارس الحكومية والخاصة، وتقول الحكومة إنها بحاجة لبناء 250 ألف فصل دراسي لمواكبة الزيادة.
- 50 طالباً في الفصل الدراسي الواحد، بحسب الكثافة التي تعتمدها وزارة التربية والتعليم.
- 992 ألف معلم يعملون في المدارس المصرية بمختلف أنواعها.
- 918 ألف معلم في القطاع الحكومي، و74 ألفاً في المدارس الخاصة.
* بحسب أحدث بيانات رسمية متاحة من وزارة التربية والتعليم عن العام الدراسي 2016- 2017


مقالات ذات صلة

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع اوربان (آ ب)

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
حصاد الأسبوع مضيق هرمز.... شريان حيوي لصادرات العراق ((ايبا)

العراق: حكومة بلا صلاحيات حرب... واقتصاد أسير لـ«مضيق هرمز»

بالكاد تمكّنت القوى السياسية العراقية الأسبوع الماضي من إتمام ثاني استحقاق دستوري بعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي والمتمثل في انتخاب رئيس

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع مسعود بارزاني (آ ب)

الكتل «المكوناتية» العراقية... والتعايش مع كسر «التوافقية»

> وسط الأجواء المعقدة، فإنه مع عجز كل من القوى الشيعية والكردية العراقية عن حسم مصير منصبي رئيس الحكومة والجمهورية خلال المدة المقرّرة، وهي شهر بعد إجراء


قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.