بؤر لعصابات مسلحة تحت تسميات إسلامية في مخيمات فلسطينية

غياب القرار السياسي عطّل دخول الجيش اللبناني وسهَّل نمو التطرف إليها

فلسطينيون في مخيم عين الحلوة قرب صيدا بجنوب لبنان عام 2007 (غيتي)
فلسطينيون في مخيم عين الحلوة قرب صيدا بجنوب لبنان عام 2007 (غيتي)
TT

بؤر لعصابات مسلحة تحت تسميات إسلامية في مخيمات فلسطينية

فلسطينيون في مخيم عين الحلوة قرب صيدا بجنوب لبنان عام 2007 (غيتي)
فلسطينيون في مخيم عين الحلوة قرب صيدا بجنوب لبنان عام 2007 (غيتي)

في سبتمبر (أيلول) الماضي، نجحت استخبارات الجيش اللبناني في مخيم «عين الحلوة» للاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان، بتنفيذ عملية أمنية أدَّت إلى اعتقال «المفتي الشرعي» لكتائب عبد الله عزام، بهاء الدين حجير، المتورّط في تفجير السفارة الإيرانية قبل 5 سنوات.
قبل ذلك بعام، ألقى الأمن العام اللبناني القبض على أفراد شبكة إرهابية يتواصلون مع مشغليهم من مناطق لبنانية، لا سيما في مخيمات عين الحلوة وبرج البراجنة وشاتيلا، حيث كانوا يتلقون التوجيهات والمهمات المطلوب تنفيذها، ومن بينها عمليات انتحارية وانغماسية واغتيالات وتفجيرات، اعترف الموقوفون بها.
وفي عام 2016، صنَّفت مخابرات الجيش إلقاء القبض على أحد أهم الإرهابيين و«أمير داعش» الإرهابي عماد ياسين المطلوب بنحو 40 مذكرة قضائية، إنجازاً نوعياً حققته داخل مخيم عين الحلوة، دون سقوط نقطة دم واحدة.
وقبل ارتباط «الإرهاب الداعشي» في المخيمات الفلسطينية مع الحرب في سوريا، لم تخلُ سيرة هذه المخيمات من التطرّف الإسلامي، من «عصبة الأنصار» المتهمة باغتيال القضاة الأربعة في صيدا قبل نحو عشرين عاماً، إلى «فتح الإسلام» الذي فجَّر مخيم نهر البارد عام 2007، والأمثلة لا تنتهي منذ خروج الكفاح المسلح من لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1982.
يقول الباحث الفلسطيني هشام دبسي لـ«الشرق الأوسط»: «بعد عام 1982 مباشرة، لم ينشأ أي تنظيم فلسطيني إسلامي، إلا الحرب على المخيمات التي شنتها (حركة أمل) عام 1985، بتوجيه من النظام السوري، ومع حصار مخيم (برج البراجنة) في الضاحية الجنوبية لبيروت، كنتُ داخل المخيم، وعايشت رد الفعل الشديد للفلسطينيين على (حركة أمل)، مقابل تقدير كبير لدور السيد محمد حسين فضل الله الذي أصدر فتوى بتحريم قتال الفلسطينيين. ودأبت مجموعة من الشباب الفلسطيني على ارتياد مسجد فضل الله في حارة حريك، والاستماع إلى خطبة الجمعة التي كان يلقيها، وتأييد خطه. آنذاك كانت فكرة نشوء (حزب الله) تتبلور. ونشأت مجموعات صغيرة في مخيم برج البراجنة وغيرها من المخيمات تمايز نفسها عن الفصائل الموجودة. وتعتبر أن حل القضية الفلسطينية لن يكون إلا عن طريق المقاومة الإسلامية، وبقيت غالبية هذه المجموعات في إطار التنظيمات الموجودة، والأكثرية ضمن (فتح) حتى انتفاضة الحجارة في فلسطين في ديسمبر (كانون الأول) 1987».
ويشير دبسي إلى أن «المخيمات بدأت تشهد ظاهرة جديدة، وهي إقامة مصليات وبعدد كبير في أحيائها، لم تكن موجودة قبلاً. وانتشر الدعاة من مختلف المشارب الإسلامية».
ويضيف: «مع ثورة الحجارة، ولأول مرة، شكّل الإخوان المسلمون الفلسطينيون حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بقرار من (دولية الإخوان). وتم فرز الفلسطينيين في الإخوان المسلمين في دول اللجوء ليشكلوا تنظيمهم. في هذه المرحلة شهدت حركة فتح انسحاب العناصر الإخوانية في صفوفها لينضموا إلى (حماس). وبدأت مرحلة جديدة لها طبيعة تنظيمية خاصة وخالصة. بعد ذلك تشكلت حركة (الجهاد الإسلامي)، وهي ليست من أصول إخوانية، إنما من مجموعة إسلاميين كانوا طلاباً، وترأسهم فتحي الشقاقي ومعه زياد نخالة ود. محمد نجار، الذي كان ملاحَقاً من الأميركيين، وقد استقبل في ضاحية بيروت الجنوبية. وكانوا في بداياتهم على اتصال بإيران من خلال فتحي الشقاقي. وبعد طلب إيران منه التشيع، انفصل عنها».
يقول رئيس «الاتحاد العالمي لعلماء المقاومة» الشيخ ماهر حمود: «أتصور أن الكلام عن البؤر الإرهابية في المخيمات ليس دقيقاً، واتهام الفصائل الفلسطينية الإسلامية بكل الجرائم التي تُرتكَب فيه كثير من المبالغة، كأنها أصبحت مشجباً يعلقون عليه كل ما يحصل من جرائم واغتيالات وانفلات أمني في لبنان. صحيح أن كل أنواع التطرف وأشكاله ظهرت في المخيمات، لكنها تراجعت. وبشكل عام، كثير من المتطرفين يتم دعمهم من جهات متعددة، على أمل استيعابهم وردهم إلى الطريق المستقيم، على أي حال تراجع التطرف في البيئة الفلسطينية، بعد هزيمة أحمد الأسير وهزيمة (داعش) في سوريا».
ويقول مصدر من حركة «فتح»: «بعد اكتمال الحركات الإسلامية المسلحة في المخيمات بدأ التناحر مع حركة (فتح)، وبتمويل من المخابرات السورية. (الأحباش) و(عصبة الأنصار) باشرتا أعمالاً تخريبية مسلحة واغتيالات فردية. وبعد اغتيال الشريدي بقرار من مسؤول فتح آنذاك عصام اللوح، أخذت (عصبة الأنصار) منحى إرهابياً متطرفاً في الداخل اللبناني، وتم توظيف خدماتها. وقد ظهر ذلك مع اغتيال القضاة الأربعة عام 1999، وهي عملية تولى قيادتها أحمد عبد الكريم السعدي الملقب بـ(أبو محجن). وانشق عن (عصبة الأنصار) عبد الله الشريدي، وشكَّل (عصبة النور)، وبدأت تفرِّخ الجماعات الإسلامية المتطرفة، حسب الحاجة للاستخدام والمهام القذرة المطلوبة».
لكن الشيخ ماهر حمود يرفض إدانة «عصبة الأنصار». ويقول: «لم يثبت تورطها رسمياً، رغم فتح الملف من جديد مع اعترافات لأحد الموقوفين. فالعصبة باعتراف القاصي والداني والفعاليات الأمنية والاجتماعية في صيدا وبشهادة المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، انتقلت إلى ضفة أخرى وأصبحت تشكل صمام أمان، وأفرادها يتنقلون برعاية الجيش اللبناني، ودورهم انقلب إلى الإيجابية بنسبة كبيرة. و(جند الشام) و(عصبة النور) وغيرها من التنظيمات المتطرفة إنما هي رد فعل سلبي على الدور الإيجابي الحالي لـ(عصبة الأنصار)». ويضيف: «أفضل نموذج هو (عصبة الأنصار). ربما تطرفوا وقاموا باغتيالات من دون مبرِّر شرعي. لكنهم عادوا إلى الطريق المستقيم. كذلك تنبَّه آخرون إلى أخطائهم، 90 في المائة ممن شكلوا حالة التطرف إما عادوا إلى بيوتهم، وإما هاجروا، وإما سلَّموا أنفسهم للجهات الأمنية المختصة».
و«سبب رواج التطرف الإسلامي في فترة سابقة»، كما يقول حمود، «يعود إلى عدم وجود سلطة لبنانية وفلسطينية داخل المخيمات قادرة على فرض القانون. كذلك وجود السلاح بكثرة والاستغلال السياسي للسلاح المتفلت. مثلاً، حاول شاكر العبسي أن ينشئ (فتح الإسلام) بدايةً في مخيم برج البراجنة، لكن وجود اللجان الشعبية والفصائل الفلسطينية الرافضة، حال دون تنفيذه مشروعه، فذهب إلى مخيم نهر البارد الذي لم يكن للمنظمات الفلسطينية دور فعال فيه، لعدم الحاجة، ولم تكن السلطات اللبنانية تشعر بأنه مصدر خطر، لذا قام بتنفيذ مشروعه من دون أن يجد من يواجهه بداية».
عن تمويل الإسلاميين المتطرفين في المخيمات الفلسطينية، يعتبر المصدر الفتحاوي أن «تمويل هذه الحركات يرتبط بالجهات التي تريد توظيفها. وفي الحصيلة، لم يبقَ جهاز استخبارات إقليمي ودولي لم يتدخل في هذه الجماعات، إما للحصول على المعلومات أو لتنفيذ بعض الأعمال القذرة». ويشير إلى «الدور القطري الذي تراجع ثم توقف. وحالياً الفصائل الإسلامية المتطرفة تحظى بالرعاية من إيران وسوريا. كما أن مخابرات الدولة اللبنانية تستخدم هذه الجماعات بطرق مختلفة للحصول على المعلومات. باختصار هذه الفصائل يتم تمويلها وتشغيلها ضمن أجندات وفق الحاجة. وكل المجموعات مخترقة مخابراتياً».
عن تمويل الجماعات الإسلامية المتطرفة في المخيمات، يقول حمود: «مع الأسف، حسبما ظهر، واضح أن هناك من يدعون أنهم (إسلاميون) ابتعدوا كثيراً عن المصلحة الإسلامية والنصوص، واضح أن تمويلهم أميركي عربي، لا لغز في الأمر. تم استغلالهم لغايات أخرى. ولعل عدم جمع السلاح من المخيمات بعد (اتفاق الطائف) هو خطأ يُحسب على الدولة اللبنانية».
ويعتبر حمود أن «الهدف من استثمار الحالات الفلسطينية المتطرفة وتوظيفها، هو تشويه القضية الفلسطينية والتأثير مباشرة على حق العودة وإنهاء التعاطف مع هذه القضية انطلاقاً من تصوير فلسطينيي الشتات، لا سيما في المخيمات اللبنانية، كأنهم إرهابيين. والأمر يخدم إسرائيل، وتتورَّط فيه جهات دولية وعربية ومحلية لبنانية، وكلنا نعرف قدرة العدو الإسرائيلي على اختراق الجماعات، سواء في لبنان أو في غيره».



«يوم الولاية»... ثقب حوثي موسمي لاستنزاف اليمنيين

الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
TT

«يوم الولاية»... ثقب حوثي موسمي لاستنزاف اليمنيين

الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)

فرضت الجماعة الحوثية أعباء مالية جديدة على السكان والتجار في مناطق سيطرتها، تحت مبررات مرتبطة بالتحضير لإحياء ما تسميها «ذكرى يوم الولاية»، في وقت تعيش فيه غالبية الأسر اليمنية أوضاعاً معيشية صعبة نتيجة الانهيار الاقتصادي المستمر وتداعيات الحرب الممتدة منذ سنوات.

وأكدت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة صعّدت خلال الأيام الماضية حملات التحصيل المالي في العاصمة المختطفة صنعاء وعدد من المناطق الخاضعة لسيطرتها، مستهدفةً التجار وأصحاب الشركات والمنشآت الاقتصادية، إلى جانب إلزام مؤسسات حكومية بالمساهمة في تمويل الأنشطة والفعاليات المرتبطة بالمناسبة ذات الطابع العقائدي.

وحسب المصادر، تُنفذ هذه الحملات عبر ضغوط مباشرة وغير مباشرة، تتراوح بين التهديد بفرض عقوبات إدارية أو مالية وبين التعرض لمضايقات متكررة من المشرفين الحوثيين، مما يدفع كثيرين إلى الامتثال خشية التعرض لإجراءات تعسفية قد تؤثر في أعمالهم أو مصادر دخلهم.

وأفاد شهود بانتشار فرق ميدانية تابعة للجماعة في عدد من الشوارع والأسواق والأحياء السكنية في صنعاء وضواحيها، حيث تتولى جمع ما تصفها الجماعة بـ«المساهمات» أو «التبرعات» لدعم فعاليات «يوم الولاية»، بينما يؤكد السكان أن تلك الأموال تُفرض عليهم بصورة إلزامية.

وتحدث تجار وسكان عن فرض مبالغ مالية متفاوتة حسب حجم النشاط التجاري أو طبيعة الجهة المستهدفة، فضلاً عن إلزام بعض أصحاب المحال التجارية بالمشاركة في الفعاليات والأنشطة التعبوية المصاحبة للمناسبة، بما في ذلك تعليق الشعارات واللافتات وتقديم دعم لوجستي أو مالي للحشود المنظمة.

ويرى مراقبون أن هذه الممارسات أصبحت جزءاً من سياسة متكررة تعتمدها الجماعة لتمويل أنشطتها العقائدية والإعلامية، مستفيدةً من ضعف الرقابة وغياب المؤسسات الرسمية القادرة على حماية القطاع الخاص أو الحد من عمليات الجباية التي تتكرر مع كل مناسبة دينية أو سياسية تتبناها الجماعة.

ويشير هؤلاء إلى أن المناسبات الحوثية تحولت خلال الأعوام الأخيرة إلى مواسم موسمية لفرض الإتاوات واستنزاف ما تبقى من السيولة المالية لدى المواطنين والتجار، في ظل تراجع النشاط الاقتصادي وانكماش الأسواق وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

ازدياد الأعباء المعيشية

أعرب عدد من التجار اليمنيين عن استيائهم من تكرار فرض المساهمات المالية عليهم لمصلحة قادة الجماعة الحوثية، مؤكدين أن قدرتهم على الاستمرار في أعمالهم باتت مهدَّدة نتيجة تداخل عوامل عديدة، من بينها الركود الاقتصادي وارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع القوة الشرائية للمواطنين.

وقال أحد أصحاب المحال التجارية في صنعاء، فضّل استخدام اسم مستعار لأسباب أمنية، إن الجماعة تعود في كل مناسبة لفرض رسوم أو مساهمات جديدة، موضحاً أن الحركة التجارية تشهد تراجعاً كبيراً، في حين تزداد الالتزامات المالية المفروضة على التجار بشكل مستمر.

وأضاف أن رفض الدفع لم يعد خياراً متاحاً للكثيرين، نظراً لما قد يترتب عليه من زيارات متكررة للمشرفين الحوثيين أو مضايقات قد تعطِّل النشاط التجاري وتؤثر في سير العمل.

ولا تقتصر الشكاوى على التجار، إذ يقول موظفون في القطاع الحكومي إنهم يتعرضون أيضاً لضغوط للمساهمة في تمويل بعض الفعاليات، رغم استمرار أزمة الرواتب التي تعاني منها شريحة واسعة من الموظفين منذ سنوات.

في السياق ذاته، تؤكد أسر يمنية أن ازدياد الجبايات يفاقم معاناتها اليومية في ظل الارتفاع المستمر لأسعار المواد الغذائية والدوائية والخدمات الأساسية، الأمر الذي يجعل توفير الاحتياجات الضرورية أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

تكلفة اقتصادية مرتفعة

تُعد مناسبة ما يسمى «يوم الولاية» من أبرز المناسبات التي تحرص الجماعة الحوثية على إحيائها سنوياً، حيث تنظم خلالها فعاليات جماهيرية واسعة وحملات دعائية وإعلامية مكثفة، تتطلب إنفاقاً مالياً كبيراً.

ويؤكد منتقدون للجماعة أن جزءاً كبيراً من هذه النفقات يجري توفيره عبر جبايات تُفرض على المواطنين والقطاع الخاص تحت مسميات مختلفة، في وقت تشهد فيه مناطق سيطرة الحوثيين تراجعاً حاداً في النشاط الاقتصادي وضعفاً في فرص العمل ومصادر الدخل.

ويُحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار هذه السياسات يؤدي إلى تعميق حالة الركود الاقتصادي، وإضعاف قدرة القطاع الخاص على الاستمرار، فضلاً عن انعكاساتها السلبية على الأسعار وفرص التوظيف ومستويات المعيشة.

ويرى هؤلاء أن أي تعافٍ اقتصادي محتمل سيظل محدوداً ما دامت الأنشطة التجارية والاستثمارية تواجه بيئة غير مستقرة تتسم بفرض القيود والإتاوات والتدخلات المتكررة في عمل الأسواق.

ويزعم الحوثيون أن «يوم الولاية» هو اليوم الذي عهد فيه الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) قبل وفاته بالولاية لعلي بن أبي طالب ولمن ينتسبون إلى ذريته من بعده، والذي يوافق الثامن عشر من شهر ذي الحجة كل عام، وهو ما يعني -حسب عقيدتهم- الأحقية الدينية والسياسية لزعيم الجماعة عبد الملك الحوثي في الحكم والسلطة استناداً إلى مزاعم انتسابه إلى ذرية علي بن أبي طالب.

الطوارئ الغذائية

بالتوازي مع هذه التطورات، أطلقت منظمات دولية تحذيرات جديدة بشأن مستقبل الأمن الغذائي في اليمن، متوقعةً استمرار الأوضاع الحرجة في عدد من المحافظات الواقعة تحت سيطرة الجماعة الحوثية خلال الأشهر المقبلة.

وأفادت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة بأن مستويات الطوارئ الغذائية، المصنفة ضمن المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، مرشحة للاستمرار حتى نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل في محافظات الحديدة وحجة وتعز الواقعة تحت سيطرة الجماعة، بينما تسود حالة الأزمة الغذائية في معظم المناطق الأخرى الخاضعة لها.

وأرجع التقرير استمرار الأزمة إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، من أبرزها تدهور بيئة الأعمال، وفرض قيود على الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية، وتراجع فرص كسب الدخل، إلى جانب استمرار تداعيات الصراع وتدهور الأوضاع الاقتصادية العامة.

وتوقعت الشبكة أن يؤدي استمرار هذه الظروف إلى مزيد من التراجع في القدرة الشرائية للأسر اليمنية واتساع فجوات الاستهلاك الغذائي، مما سيدفع أعداداً أكبر من السكان إلى تبني آليات تكيف قاسية وغير مستدامة لتأمين احتياجاتهم الأساسية، الأمر الذي يُنذر بإطالة أمد الأزمة الإنسانية في واحدة من أكثر دول العالم معاناة من انعدام الأمن الغذائي.


تقلّبات المناخ تُفاقم هشاشة الزراعة والغذاء في اليمن

ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
TT

تقلّبات المناخ تُفاقم هشاشة الزراعة والغذاء في اليمن

ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)

على الرغم من أن التوقعات المناخية تشير إلى احتمال تسجيل اليمن خلال الأسابيع المقبلة معدلات أمطار أعلى من المعتاد، فإن المخاوف من التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية على القطاع الزراعي تزايدت مع الغياب شبه الكامل للأمطار في ذروة الموسم المطري مطلع الشهر الحالي.

وتوقعت تقارير مناخية وزراعية دولية أن تشهد أجزاء واسعة من اليمن خلال يونيو (حزيران) الحالي هطول أمطار أعلى من المعدلات الطبيعية، بالتزامن مع استمرار موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة في عدد من المناطق؛ وهو ما يثير مخاوف من انعكاسات متباينة على القطاع الزراعي والثروة الحيوانية، في ظل أزمة إنسانية متنامية ناجمة عن تراجع تمويل خطة الاستجابة الإنسانية التي تقودها الأمم المتحدة.

ومع تأكيد منظمات الإغاثة أن أكثر من 18 مليون يمني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال العام الحالي، أوضحت التقديرات المناخية أن يونيو يمثل عادة بداية موسم الرياح الموسمية الجنوبية الغربية، حيث تشهد المرتفعات الغربية والسهول الساحلية أمطاراً متفرقة تتراوح بين الخفيفة والمتوسطة، في حين تبقى المناطق الصحراوية في الشرق والوسط أكثر جفافاً.

وأشار تقرير مناخي حديث إلى أن الأيام العشرة الأولى من الشهر الحالي شهدت غياباً شبه كامل للأمطار أو هطولات محدودة للغاية في معظم المحافظات اليمنية؛ الأمر الذي أوجد ظروفاً غير مواتية لزراعة المحاصيل البعلية وتعافي المراعي الطبيعية.

نحو 73 % من اليمنيين يعتمدون على الزراعة (الأمم المتحدة)

وفي المقابل، سجلت أجزاء من محافظة إب أمطاراً غزيرة تراوحت بين 40 و60 مليمتراً؛ وهو ما أسهم بصورة مؤقتة في تحسين توفر المياه وتعزيز تغذية بعض المصادر المائية المحلية.

ورغم المخاوف المرتبطة باستمرار الجفاف في مناطق واسعة، أبرز التقرير الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) توقعات المعهد الدولي لأبحاث المناخ والمجتمع التي تشير إلى احتمال هطول أمطار فوق المعدلات الطبيعية في أجزاء كبيرة من البلاد خلال الفترة المقبلة؛ وهو ما قد ينعكس إيجاباً على الإنتاج الزراعي وتغذية المياه الجوفية إذا استمرت الأمطار بوتيرة منتظمة.

ضغط موجات الحر

في المقابل، حذَّر التقرير الأممي من استمرار الارتفاع الحاد في درجات الحرارة، لا سيما في المناطق الصحراوية الداخلية بمحافظتي حضرموت والمهرة، حيث قد تتجاوز درجات الحرارة 42 درجة مئوية، في حين يُتوقع أن تسجل المناطق الساحلية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن درجات حرارة تتراوح بين 35 و40 درجة مئوية.

وأوضح أن موجات الحر المتواصلة قد تؤدي إلى تسارع فقدان رطوبة التربة نتيجة زيادة معدلات التبخر والنتح؛ ما يقلل من الاستفادة الفعلية من مياه الأمطار ويؤثر سلباً في الزراعة البعلية والمراعي الطبيعية وإنتاج الثروة الحيوانية.

كما رجح التقرير أن تتسبب الظروف الجافة في تعطيل أو تأخير عمليات الزراعة في عدد من المناطق الزراعية الرئيسية، إضافة إلى الحد من نمو المحاصيل وخفض الإنتاجية الزراعية.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرفع الطلب على مياه الري، ويؤدي إلى استنزاف أسرع لرطوبة التربة؛ ما يزيد تكاليف الإنتاج على المزارعين ويضاعف التحديات الاقتصادية التي يواجهها القطاع الزراعي.

تأخر هطول الأمطار يثير مخاوف قطاع الزراعة في اليمن (الأمم المتحدة)

وتوقع معدّو التقرير أن يبقى تعافي المراعي محدوداً خلال الفترة المقبلة؛ الأمر الذي سيؤدي إلى تراجع توفر المراعي الطبيعية وزيادة الضغوط على سبل عيش الرعاة في مناطق واسعة من البلاد.

كما حذَّروا من أن الثروة الحيوانية قد تواجه مستويات أعلى من الإجهاد الحراري ونقصاً في مصادر المياه؛ وهو ما قد ينعكس على صحة الحيوانات وإنتاجيتها، خصوصاً في المناطق الأكثر تعرضاً للجفاف وارتفاع درجات الحرارة.

ودعا التقرير إلى تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتكثيف الإرشادات الزراعية والمناخية للمزارعين والرعاة، ودعم استخدام تقنيات الري الحديثة والطاقة الشمسية، إلى جانب التوسع في زراعة الأصناف المقاومة للجفاف وتحسين إدارة الموارد المائية.

وشدَّد على أهمية تخزين المدخلات الزراعية الأساسية والإمدادات البيطرية وأعلاف الطوارئ مسبقاً في المناطق عالية المخاطر؛ لضمان سرعة الاستجابة في حال تفاقمت الظروف المناخية أو تدهورت الأوضاع الإنسانية.

فجوات التمويل

على صعيد متصل، أكد برنامج الأغذية العالمي وجود فجوات تمويلية كبيرة تعيق قدرته على تلبية الاحتياجات الإنسانية المتزايدة وتوسيع نطاق الاستجابة الطارئة في محافظة مأرب، التي تستضيف أكبر تجمع للنازحين في اليمن.

التوسع في بناء الحواجز المائية باليمن للاستفادة منها خلال موسم الجفاف (الأمم المتحدة)

وقال القائم بأعمال رئيس مكتب البرنامج في مأرب، هابي غود جون، خلال لقائه وكيل المحافظة عبد ربه مفتاح، إن نقص التمويل بات يشكل عائقاً رئيسياً أمام استمرارية البرامج الإنسانية وتوسيع قوائم المستفيدين، خصوصاً بين النازحين داخلياً.

ودعا المسؤول الأممي المجتمع الدولي إلى حشد موارد إضافية لدعم العمليات الإنسانية وضمان استمرار تقديم المساعدات الغذائية والخدمات الأساسية للفئات الأكثر احتياجاً، محذّراً من أن اتساع الفجوة التمويلية قد يفاقم من معاناة ملايين اليمنيين في ظل التحديات المناخية والاقتصادية المتزايدة.


الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.