مصير ليبيا يُبحث على طاولة بالرمو

بين مخاوف المقاطعين وطموحات المشاركين

مصير ليبيا يُبحث على طاولة بالرمو
TT

مصير ليبيا يُبحث على طاولة بالرمو

مصير ليبيا يُبحث على طاولة بالرمو

تُبذَل يومي الاثنين (بعد غد) والثلاثاء المقبلين، محاولة جديدة لحل الأزمة الليبية من خلال مؤتمر يعقد في مدينة بالرمو، عاصمة إقليم صقلية الإيطالي، الذي هو إقليم سيئ السمعة بالنسبة لأجيال عاصرت الاحتلال الإيطالي لليبيا في النصف الأول من القرن الماضي.
وعلى الرغم من كثرة الأمراض التي يعاني منها الجسد الليبي، منذ 2011 حتى اليوم، ما بين فوضى واحتراب أهلي وانتشار للميليشيات المدجّجة بالأسلحة الثقيلة، تبدو إيطاليا متحمّسة لانعقاد المؤتمر وإنجاحه، وذلك، بعدما شعرت لبعض الوقت أن الفرنسيين يريدون الهيمنة على الملف الليبي.

يُعَد مؤتمر بالرمو حول ليبيا الأول من نوعه، بعد محاولة الرئيس الفرنسي الشاب إيمانويل ماكرون، جمع الأفرقاء الليبيين في باريس الصيف الماضي. وبين مخاوف المقاطعين، وطموحات المشاركين في المؤتمر المزمع عقده في عاصمة جزيرة صقلية الإيطالية، تمكن القادة الإيطاليون، على ما يبدو، من إقناع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بقدرتهم على إدارة الملف الليبي أكثر من أي طرف أوروبي آخر.
ووفقاً للقاءات بين مسؤولين نفطيين من ليبيا وإيطاليا، جرت في مطلع هذا الشهر في لندن، بعيداً عن الأضواء، ازدادت أهمية ليبيا أخيراً. أما السبب فهو ما كُشف عنه من وثائق تتعلّق بمخزونها النفطي، وتحديداً، إمكانية القفز بالإنتاج من 1.6 مليون برميل يومياً إلى 3 ملايين برميل يومياً، في المستقبل المنظور، وهو ما يساعد في التغلب على النقص في سوق النفط العالمية، بعد إعادة ترمب فرض العقوبات على الصادرات الإيرانية.
في هذه الأثناء، واجهت إيطاليا ودول أوروبية أخرى مشكلات قانونية تخص التعاقدات مع حكومة المجلس الرئاسي الليبي بقيادة فايز السراج، لأنها لم تحصل على مصادقة البرلمان، سواء فيما يتصل بتعاقدات النفط أو التعاقدات العسكرية والأمنية بشأن التصدي لوقف الهجرة غير الشرعية. ومعلوم أن زيادة إنتاج ليبيا من النفط يتطلب نوعاً من الاستقرار الأمني، وبُنية تشريعية وتنفيذية قادرة على حماية أي تعاقدات ترتبط بها الدولة مع الأطراف الخارجية.

- تسلم دعوات المؤتمر
مسؤولون وسياسيون ونشطاء ورموز قبلية من ليبيا ودول أخرى معنية، تلقوا أخيراً الدعوات لحضور مؤتمر بالرمو. وانقسم هؤلاء بين ثلاث فئات: الفئة الأولى وافق أفرادها على الحضور، وأفراد الثانية أعلنوا رفضهم المشاركة في المؤتمر من الأساس، أما أفراد الفئة الثالثة فوضعوا الدعوة جانباً، وباشروا إجراء الاتصالات والمشاورات قبل تحديد مواقفهم.
لقد وجهت إيطاليا دعوات لحضور مؤتمر بالرمو إلى «حكّام» طرابلس، وعلى رأسهم السراج وعدد من قيادات العاصمة، بمن فيهم أعضاء في «مجلس الدولة» الذي يعد امتداداً للبرلمان السابق الذي أسقط الليبيون معظم أعضائه من الإسلاميين في عام 2014. كذلك دُعيَت القيادات العسكرية والنيابية في شرق ليبيا، وزعماء في الجنوب أيضاً، وهو منطقة تعد ميداناً للتنافس التاريخي بين الإيطاليين والفرنسيين، وتوجد فيها مكوّنات ثقافية لها امتدادات قبلية في دول الجوار، مثل تشاد والنيجر وغيرهما.
أما على الصعيد الإقليمي، فمن المتوقع أن يكون هناك حضور لعدد من دول الجوار الليبي، منها مصر، وبلدان عربية شارك بعضها في مؤازرة زعماء التيارات الإسلامية ممن قادوا الانتفاضة المسلحة ضد حكم معمر القذافي عام 2011، بالتنسيق مع حلف شمال الأطلسي «ناتو».
وثمة اعتقاد على المستوى الدولي بأن ترمب يقف مع المحاولات الإيطالية لإنجاح الحل في ليبيا. إلا أن عدداً لا بأس به من الأطراف الأوروبية، في مقدمها فرنسا وألمانيا، غير متحمسين - كما يبدو - للدور الذي تريد إيطاليا أن تلعبه، منفردة، في هذا البلد الذي يحوي أكبر مخزون من النفط بين بلدان القارة الأفريقية.
أما بالنسبة للروس المعروفين ببحثهم الدؤوب عن أسواق لبيع السلاح، وعن مراسٍ دافئة على البحر المتوسط لحاملاتهم العسكرية، فما زالوا «يرتبّون» أمر المشاركة في مؤتمر بالرمو. وتجدر الإشارة هنا، إلى أن لدى الروس علاقة قوية مع «الجيش الوطني» الذي يقوده المشير خليفة حفتر، وأن حفتر زار موسكو أخيراً. ويقول مسؤول عسكري ليبي، إن الجنرال الذي حقق انتصارات لافتة على الجماعات المسلحة في مدينتي بنغازي ودرنة في الآونة الأخيرة، يشعر أن هناك «مؤامرة» يحيكها ضده الإيطاليون وقادة في «المجلس الرئاسي» وزعماء لجماعات إسلامية في الغرب الليبي.

- مشاورات... وذكريات
منذ الإعلان عن المؤتمر، انعقدت طوال الأيام الماضية مناقشات ساخنة في غرف للمشاورات بين أطراف ليبية في داخل البلاد، وفي فنادق وفيلات وشقق داخل مدن في دول بمنطقة الشرق الأوسط. ومن بيته على نيل العاصمة المصرية القاهرة، يقول أحمد قذّاف الدم، المسؤول السياسي في «جبهة النضال الوطني»، إن «الأطراف الليبية الفاعلة» جرى تغييبها عن هذا المؤتمر.
ويضيف الرجل، الذي كان يوماً من أكثر الشخصيات المقرّبة من العقيد القذافي، قائلاً إن «الغرب قوى استعمارية، ولا يريد أن يرى قوى وطنية ترفض محاولات هيمنته على ليبيا... القوى الوطنية الليبية هي التي تملك النفوذ على الأرض وتملك ثقة الناس، وغيابها يعني أن المؤتمر انتهى منذ بدايته، من حيث المكان والعنوان».
أيضاً في منتديات العاصمة المصرية، واصل الدكتور محمد زبيدة، القيادي في مؤتمر القبائل الليبية، مشاوراته بشأن حضور مؤتمر بالرمو أو التغيب عنه، بعدما تلقى دعوة للمشاركة فيه. وهو يقول معلقاً إن المؤتمر «ربما سيتضمن نتائج سلبية على مصر، ومحاولاتها التي تقوم بها منذ أكثر من سنة لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية». ثم يستطرد موضحاً: «توجد رسالة موجّهة من أحد قيادات المجلس الرئاسي إلى مؤتمر بالرمو، يطلب فيها أن يكون من ضمن مُخرَجات المؤتمر، سحب مهمة توحيد المؤسسة العسكرية من مصر لصالح الأمم المتحدة، بحيث تشرف الأمم المتحدة بنفسها على ذلك».
وفي مدينة الإسكندرية المصرية، حيث تكثر زيارات القادة الليبيين إلى هذه المدينة، كما كانت عليه الحال في التاريخ القديم، انعقدت مناقشات واسعة بين نواب ونشطاء وإعلاميين، بشأن إيجابيات المشاركة في مؤتمر بالرمو وسلبياتها. ويقول عيسى عبد المجيد، رئيس الكونغرس التباوي (من أقلية التبو) الليبي، أثناء وجوده في المدينة إنه لن يشارك في بالرمو... لأن «هذا المؤتمر ولد ميتاً». والحقيقة، أن بعض المشاركين في المناقشات من هذا النوع استحضروا التاريخ الاستعماري الإيطالي لليبيا، وتطرّق عدة نواب ونشطاء وعسكريين أيضاً، إلى ما سموه «النوايا غير الطيبة لروما». وحسب عبد المجيد، فإن إقليم صقلية، الذي سيستضيف المؤتمر «يرتبط بذكريات مريرة لدى الليبيين... إذ تعرض كثيرون من الليبيين في زمن الاحتلال الإيطالي لليبيا، إلى النفي إلى صقلية، ولم يعرف مصيرهم أبداً. هذا أمر رمزي خطير جداً. هذه رمزية تهدف لإذلال الليبيين».

- موقف مصر
تدعم مصر منذ سنوات المشير حفتر، ومعها في ذلك، بدرجات متفاوتة، دول عربية مثل الإمارات العربية المتحدة، وبلدان أوروبية على رأسها فرنسا، بالإضافة إلى التعاون الروسي في مجال المعلومات الاستخباراتية والأمنية. ويسيطر حفتر راهناً على المنطقة الشرقية من ليبيا المحاذية للحدود مع مصر. وكانت قد نشطت في هذه المنطقة، طوال أكثر من خمس سنوات، جماعات متطرفة مصرية وغير مصرية كانت تستهدف نظام الحكم في القاهرة، واتهمتها السلطات المصرية بتنفيذ عمليات إرهابية راح ضحيتها المئات من رجال الجيش والشرطة والمدنيين.
ولهذا، كما يقول الدكتور زبيدة - الذي شارك في السابق في اجتماعات لليبيين في القاهرة - «تقف مصر ضد محاولات الزج بجماعات الإسلام السياسي والميليشيات ضمن المنظومة العسكرية». ويضيف: «الموقف المصري يتعارض مع مصالح الميليشيات المتحكمة في طرابلس، والمتحكمة بالتالي في المجلس الرئاسي. أما المجلس الرئاسي فلا يستطيع فعل أي شيء من شأنه إغضاب الميليشيات والجماعات المسلحة الموجودة في العاصمة. ولذا يحاولون إبعاد مصر عن هذا الدور، وإيكال هذا الأمر إلى الأمم المتحدة، وبالتالي، إدماج كل قادة الميليشيات بما فيها جماعات الإسلام السياسي، ضمن المؤسسة العسكرية».
ومن جانبه، يرى قذّاف الدم أن الإيطاليين «اختاروا بعض الأسماء المحسوبة عليهم». ويتابع: «تريد (إيطاليا) أن تفرض بعض العملاء الليبيين في الواقع الجديد، كبديل لحكومة السراج التي انتهى عمرها الافتراضي، وبالتالي، فهم يريدون إدارة الفوضى في ليبيا وليس إنهاءها». ثم أردف قائلاً إن الدول الغربية، وعلى رأسها إيطاليا، «تريد، ممن ستجلبهم لحكم ليبيا، أن يوقّعوا لها عقوداً جديدة... الدول الغربية لا تنظر إلى ليبيا إلا كحقل نفط أو حقل غاز. ومثل هذه البروباغاندا بشأن مؤتمر بالرمو، للأسف، لن تصنع حواراً جاداً ولا نظاماً شرعياً».

- أنصار النظام السابق
ورداً على سؤال عما إذا كان أي من أنصار النظام السابق ممن يعوّل عليهم، سيشارك في مؤتمر بالريمو، قال قذّاف الدم «الاختيارات لم تكن من الليبيين، أو من الأحزاب، أو من التنظيمات الموجودة على الساحة السياسية، سواءً من المعارضة أو من القوى الحية الليبية. هم (منظمو المؤتمر) اختاروا أسماء هكذا، كغطاء ونوع من تغليف الحقائق، وتمرير لمسرحية بأن كل الليبيين موجودون. للأسف سيؤدي الليبيون الحاضرون في المؤتمر دور الكومبارس. ولن ينجح (المؤتمر)... أنا لست متفائلاً بما يحدث».
ثم أردف أن «الغرب ليس جاداً في حل المشكلة الليبية، بل ما يريده هو إدارة الصراع، والحصول على امتيازات لبعض الدول، تمهيداً لوضع ليبيا تحت الوصاية، وهذا أمر سيردّ عليه الشعب الليبي».
وكرّرنا السؤال... هل هناك أطراف من النظام السابق ستشارك في مؤتمر بالرمو؟ فأجاب قذّاف الدم بشكل قاطع: «طبعاً... طبعاً... رغم عدم قناعتهم بمثل هذه المؤتمرات، فإنهم لا يريدون أن يعطوا حجة للعالم بأنهم ضد السلام أو الحوار... لكنهم، كقيادات متمرسة في العمل السياسي، يرون أن هذه الخطوات عبارة عن ذر للرماد في العيون أمام الليبيين، وتغيير بعض الوجوه التي لم يعد لها أهمية في الوجود في المشهد، بعدما تورطت بالسرقة والنهب أمام الليبيين».

- «لجنة حكماء طرابلس»
على صعيد آخر، في طرابلس، لعبت لجنة تسمى «لجنة حكماء طرابلس» دوراً غير مباشر، على الأقل، في إقناع أطراف متصارعة على نبذ الخلافات استعداداً لمؤتمر بالرمو. ويقول أحد من وجهت لهم الدعوة للحضور: «ما قامت له لجنة الحكماء في العاصمة كان مؤشراً على محاولة لسحب البساط من تحت أقدام كل الأصوات التي تنتقد المجلس الرئاسي، أو تنتقد وجود ميليشيات في طرابلس... إن مشاركة هؤلاء الخصوم في بالرمو سيعطي انطباعاً للعالم بأن التوافق قد تم، وأن المؤسسة العسكرية (بقيادة حفتر) ليس لها من سبيل إلا الانصياع لإرادة المجتمع الدولي، وتولي السلطة المدنية للقيادة العسكرية».
ويعتقد أنصار نظام القذافي، من جهتهم، أن جماعة «الإخوان» و«الجماعة الليبية المقاتلة» (بعض قادة هذه الجماعات مدعوة لمؤتمر بالرمو) أقلية في الشارع الليبي. ويرون أن «الغرب يريد أن يفرض المجموعات التي أتى بها في 2011 تحت صواريخ (الناتو)، رغم أن الصواريخ لا تصنع شرعية لأحد». ويذهب أحد قادة النظام السابق إلى حد القول: «القبائل الليبية والجيش الليبي الحقيقي لن يسمحوا بعودة الاستعمار إلى ليبيا».

- شكوك بشأن «الإسلاميين»
وعودة إلى القاهرة، حيث يبدو في أروقة الدولة المصرية أن مصر ستشارك في المؤتمر، رغم كل المخاوف من الانحياز إلى خصومها من التيارات الإسلامية التي تعادي النظام المصري. وحتى ساعات قليلة مضت، كانت المشاورات داخل البيت المصري تدور حول مستوى المشاركة. وترى مصر أن وجودها، بأي مستوى، في مؤتمر بالرمو، بشكل عام، فيه قدر من الرغبة في الانخراط الإيجابي. وأن أي وفد مصري سيحضر إلى بالرمو «ستكون مشاركته إيجابية».
وللعلم، لم تتوقف الاتصالات بين الجانبين المصري والإيطالي حول الإعداد للمؤتمر والمخرجات المتوقعة منه. ولدى مصر محدّدات بعينها تخص القضية الليبية، من بينها «الحفاظ على وحدة التراب الليبي» و«السيادة الليبية على أراضيها» و«الحفاظ على مؤسسات الدولة للاضطلاع بدورها»، و«توحيد المؤسسة العسكرية الليبية». لكن القاهرة تؤكد على ضرورة أن تأتي «التسوية عبر حوار ليبي - ليبي، وليس من الخارج».
الدكتور زبيدة، القيادي في مؤتمر القبائل الليبية، يرى أن جماعات الإسلام السياسي تقف مع إيطاليا وراء مؤتمر بالرمو. ويقول إن قادة من «الإخوان» و«الجماعة الليبية المقاتلة»، بدعم من دول إقليمية أيضاً، عقدوا اجتماعاً في العاصمة الليبية، للوقوف ضد تحركات «الجيش الوطني» الذي يقوده حفتر، ويحظى بتأييد مصري، في الجنوب الليبي. ويضيف أن زعماء في «المجلس الرئاسي» يتعاونون في هذا المجال من أجل «قطع الطريق على الجيش الوطني الليبي في الجنوب، وذلك بأن يقوم المجلس الرئاسي بإرسال قوة للجنوب لبسط الأمن هناك قبل أن يتحرّك الجيش الوطني إليها».
وفي هذا الاتجاه يقول عيسى عبد المجيد، الذي يتركز وجود قبيلته (التبو) في الجنوب الليبي، أن لدى إيطاليا برامج، بالاتفاق مع بعض الأطراف، من أجل إعادة الإسلاميين إلى السلطة، كما كانت عليه الحال في 2012 و2013. ويضيف عبد المجيد: «لدى إيطاليا النية للتوغل في الجنوب الليبي، لكن من المستحيل أن ندع إيطاليا تتدخل في هذه المناطق... وإذا حاولت فعل ذلك، فستخسر ما لديها من مصالح في الوقت الراهن إلى الأبد. وكرئيس للكونغرس التباوي أقول إننا سنقف لها بالمرصاد».
وعن سبب انفراد إيطاليا بمحاولة وضع حل للأزمة الليبية، بعدما كان الملف الليبي كاملاً في يد البعثة الأممية إلى ليبيا، يقول عبد المجيد - الذي سبق له زيارة فرنسا وتشاد والنيجر - شارحاً: «هذا صراع إيطالي مع فرنسا. أنت تعرف أن الأميركيين هم مَن يسيطرون على الوضع، وهم مَن يعطون التعليمات للبعثة الأممية. إنهم يقولون إن الهدف من المؤتمر توحيد السلطة التنفيذية في ليبيا، وتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية، لكنني أرى أنه مجرد محاولة لتثبيت السراج في منصبه. ولهذا إيطاليا كانت دائماً ضد إجراء الانتخابات في ليبيا».
أخيراً، من الأحزاب السياسية يقول عز الدين عقيل، رئيس حزب «الائتلاف الجمهوري الليبي»، إنه لن يشارك في المؤتمر «لأسباب عدة»، منها أنه «مجرد محطة جديدة من محطات مط الأزمة الليبية التي يديرها الغرب ولا يحلها. ولأنه شأن إيطالي، لا علاقة لليبيين به إلا ككومبارس». وينهي كلامه بالقول إنه «من دون تدخل مجلس الأمن لإجبار الميليشيات على توقيع اتفاق سلام يفضي إلى تفكيكها ونزع أسلحتها، فإن كل هذا الذي يجري بباريس وبالرمو وغيرها سيظل مجرد حرث في البحر».

- مخاوف من تعديل «اتفاق الصخيرات»
ظهرت مخاوف من مؤتمر بالرمو بين قادة ليبيين كانوا قد ظهروا على المسرح السياسي بناءً على «اتفاق الصخيرات» الذي جرى توقيعه في المغرب عام 2015. وتوجد رغبة دولية في تحريك المياه في الداخل الليبي، من أجل توحيد السلطة التنفيذية.
ومن بين المقترحات المتداولة، التي تحظى باهتمام لدى البعثة الأممية في ليبيا بقيادة الدكتور غسان سلامة، تشكيل مجلس رئاسي جديد برئيس ونائبين، بدلاً من الوضع الحالي الذي ينص على رئيس وثمانية نواب. ومن شأن توصية بهذا الشأن تصدر عن مؤتمر بالرمو أن تقلب الأوضاع في ليبيا رأساً على عقب، إذ سيبدأ البحث عن الطريقة التي ستُدار بها المؤسسة العسكرية، ودور المشير خليفة حفتر في مثل هذه الترتيبات.
وما يزيد من صعوبة الأمر أن معظم القيادات المحسوبة على تيار الإسلام السياسي، ومدينة مصراتة ذات التسليح القوي، ضد أي وجود لحفتر في مستقبل ليبيا. وكان رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج قد زار مدينة مصراتة، بالأمس، كما أنه يحظى بدعم من قيادات محسوبة على تيار الإسلام السياسي. وحالياً، يسعى السراج جهده للبقاء على رأس هرم السلطة في ليبيا من خلال تحالفات شتى، يعمل على عقدها منذ أسابيع.
ومن جهة أخرى، يرى بعض ممن سيشاركون في مؤتمر بالرمو أن تلعب دول مثل روسيا وفرنسا ومصر دوراً للحفاظ على قيادة حفتر للجيش، والدفع في طريق استكمال توحيد المؤسسة العسكرية الليبية برعاية مصرية، وليس أي طرف آخر.


مقالات ذات صلة

لبنان يدخل مرحلة «إدارة الصراع» بدل إنهائه

حصاد الأسبوع آثار القصف في القطاع الشرقي من جبهات جنوب لبنان (أ.ب)

لبنان يدخل مرحلة «إدارة الصراع» بدل إنهائه

تثير المفاوضات الجارية حول تثبيت وقف إطلاق النار في جنوب لبنان، وما يرافقها من نقاشات بشأن مستقبل الجنوب ودور الجيش اللبناني والضمانات الدولية،

«الشرق الأوسط» (بيروت)
حصاد الأسبوع صدام حفتر... «صندوق رهانات» المرحلة الليبية

صدام حفتر... «صندوق رهانات» المرحلة الليبية

حلّق صدام خليفة حفتر على مستويات مرتفعة، قبل أن يهبط، في أول قفزة مظلية استعراضية، بدت في أعين العديد من الليبيين بمثابة باب يدلف منه إلى ما هو آتٍ.

جمال جوهر (القاهرة)
حصاد الأسبوع غرفة تبريد مجهزة بمكيف في باريس فتحت أمام العامة للتبرد خلال موجة الحر الشديد (رويترز)

موجات الحر الشديد تدفع أوروبا إلى حافة الهاوية

لم يستيقظ الأوروبيون بعد من وقع صدمة موجة الحر الشديد، التي لفت القارة، وتركت آثارها حتى بعد أن انجلت. فقد سجلت أوروبا أعلى درجات حرارة في تاريخها في شهر يونيو

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع طلبة في باريس يراجعون دروسهم في غرفة عامة مكيّفة قبل امتحانات شهادة البروفيه يوم 25 يونيو 2026 (رويترز)

مئات الفرنسيين يتدافعون لشراء مكيّفات هواء

تقاطر مئات الأشخاص هذا الأسبوع إلى متاجر «ليدل» في باريس وسط مشاهد من الفوضى ومناوشات لشراء مكيّفات هواء ميسورة التكلفة قبل أن تجتاح موجة الحرّ المقبلة البلد،

«الشرق الأوسط» (باريس)
حصاد الأسبوع الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

انتهت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن، الجمعة، بتوقيع اتفاق إطار قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إنه يمهد «لسلام دائم» بين

إيلي يوسف (واشنطن)

لبنان يدخل مرحلة «إدارة الصراع» بدل إنهائه

آثار القصف في القطاع الشرقي من جبهات جنوب لبنان (أ.ب)
آثار القصف في القطاع الشرقي من جبهات جنوب لبنان (أ.ب)
TT

لبنان يدخل مرحلة «إدارة الصراع» بدل إنهائه

آثار القصف في القطاع الشرقي من جبهات جنوب لبنان (أ.ب)
آثار القصف في القطاع الشرقي من جبهات جنوب لبنان (أ.ب)

تثير المفاوضات الجارية حول تثبيت وقف إطلاق النار في جنوب لبنان، وما يرافقها من نقاشات بشأن مستقبل الجنوب ودور الجيش اللبناني والضمانات الدولية، تساؤلات متزايدة حول ما إذا كان لبنان يتجه إلى إعادة إنتاج النموذج الذي أعقب حرب يوليو (تموز) 2006، أم أنه دخل مرحلة مختلفة كلياً فرضتها الحرب الأخيرة وما نتج عنها من وقائع ميدانية وسياسية جديدة. إذ بعد نحو عقدين على حرب عام 2006 التي أفضت إلى القرار 1701، وانتشار الجيش اللبناني جنوبي الليطاني، وانطلاق مسار طويل من ضبط الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»، تبدو الظروف الحالية مختلفةً سواءً لناحية حجم الدمار الذي أصاب الجنوب أو طبيعة المقاربة الدولية للمرحلة المقبلة.

خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، رأى الأستاذ الجامعي والمحامي الدكتور علي مراد أن الواقع الميداني في لبنان، بعيداً عن «خطابات تسجيل النقاط وإعلان الانتصارات»، يفرض مقاربة مختلفة لمسار الحرب ومستقبل الجنوب، مشيراً إلى أن الجنوب لا يزال محتلاً ويعاني دماراً غير مسبوق، بينما تبدو أزمة النزوح مرشحة للاستمرار لفترة طويلة.

مراد أردف: «إن الحديث عن إنهاء الصراع في لبنان لا يمكن أن يتحقّق إلا من خلال إنجاز مجموعة من الأهداف الأساسية، تتمثّل في وقف الحرب بصورة نهائية، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة، وإعادة الأسرى، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وتأمين عودة آمنة ومستدامة للنازحين إلى مناطقهم».

ومن ناحية ثانية، اعتبر مراد، وهو من أبناء بلدة عيترون الحدودية في الجنوب، أن «القلق الأساسي يتمثّل في محاولة إيران الإمساك بالملف اللبناني؛ لأن ذلك قد يقود إلى إدارة طويلة الأمد للصراع بدلاً من إنهائه، وهو ما يبقي أسباب التوتر قائمة ويحول دون الوصول إلى تسوية نهائية ومستقرة».

الاستهداف الإسرائيلي لمدينة صور (رويترز)

سلاح «حزب الله» والعقدة الأساسية

وشدّد مراد أيضاً على أنه «لن يكون هناك إنهاء فعلي لهذا الصراع من دون معالجة واضحة وحاسمة لملف سلاح (حزب الله)»، معتبراً أن «بقاء هذا الملف من دون حل سيجعل لبنان أمام نموذج مختلف تماماً عن مرحلة ما بعد حرب عام 2006»، معتبراً أن «المقارنة مع عام 2006 لم تعد واقعية في ظل المتغيرات الحالية، فالجنوب اليوم مدمّر بصورة غير مسبوقة، بينما تظهر الوقائع الميدانية والعسكرية بوضوح أن المعادلات القائمة يصعب قلبها في المدى المنظور».

ومن ثم، أكد الدكتور مراد أن هذا الواقع «يفرض البحث عن حلول سياسية مستدامة تعالج جذور الأزمة بدل الاكتفاء بإدارة الصراع... كما أن إنهاء الصراع لا يزال مرتبطاً بمعالجة الملفات الجوهرية العالقة، لا بالاكتفاء بوقف العمليات العسكرية أو إدارة التوتر القائم. وبالتالي، فإن أي مقاربة لا تعالج أسباب الأزمة ستقود إلى إعادة إنتاجها بصورة أو بأخرى».

الاستهداف الإسرائيلي لمدينة صور (أ.ف.ب)

... مرحلة ما بعد 6002 انتهت

من جهة أخرى، يشدد رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر أن الواقع القائم في جنوب لبنان «يختلف جذرياً عن مرحلة ما بعد حرب يوليو (تموز) 2006»، معتبراً أن الكلام عن العودة إلى معادلات القرار 1701 كما طُبقت، آنذاك، لم يعد واقعياً في ظل المتغيرات الميدانية والسياسية التي فرضتها الحرب الأخيرة.

وقال جابر لـ«الشرق الأوسط» موضحاً: «ما جرى بعد عام 2006 يختلف تماماً عما يجري اليوم. في ذلك الوقت انسحبت إسرائيل سريعاً من الأراضي اللبنانية التي احتلتها، وانطلقت مسارات سياسية ودبلوماسية بدعم عربي ودولي واسع، أما اليوم فإسرائيل متمسكة بالمناطق التي تحتلّها ولا تبدو مستعدة للتخلي عنها بسهولة». وتابع مشيراً إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يواجه ضغوطاً داخلية تدفعه إلى التمسك باستمرار الحرب وعدم تقديم تنازلات. وأردف: «نتنياهو لا يستطيع الظهور بمظهر مَن خاض حرباً طويلة انتهت من دون مكاسب واضحة. لذلك فإن استمرار الضغط العسكري يشكل بالنسبة إليه وسيلة لتحسين شروط التفاوض وإخضاع الموقف اللبناني».

آثار القصف في القطاع الشرقي من جبهات جنوب لبنان (آ ف ب)

وقف مؤقت... لا نهاية للحرب

جابر، وهو من مدينة النبطية، قال إن ما يجري حالياً لا يرقى إلى وقف شامل للحرب، بل إلى «وقف مؤقت لبعض العمليات العسكرية»، مشيراً إلى أن إسرائيل ما زالت تحتفظ بحق تنفيذ ضربات عسكرية متى شاءت وأينما شاءت ضد أهداف تعتبرها مرتبطة بـ«حزب الله». وأضاف: «الإسرائيليون يقولون بوضوح إنهم يحتفظون بحرية العمل العسكري في لبنان. لذلك لا يمكن الحديث عن نهاية للحرب بقدر ما يمكن الحديث عن إدارة للصراع وضبط لمستوى المواجهة».

وفي تقييمه للمشهد الحالي، شدد جابر على أن المقارنة مع عام 2006 لم تعد صالحة؛ إذ «انتهت مرحلة ما بعد 2006... نحن أمام واقع جديد مختلف كلياً، وإسرائيل لن تقبل بالعودة إلى المعادلات السابقة أو إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب الأخيرة».

واشنطن تدير الصراع

يرى جابر أن «الولايات المتحدة تدير الصراع أكثر مما تعمل على إنهائه. وهي لو كانت تريد إنهاءه بشكل كامل لمارست ضغوطاً كافية لوقف الحرب نهائياً. أما ما نراه اليوم فهو إدارة للصراع ومحاولة لمنع انفجاره، لا أكثر».

وهنا يشير إلى أن إسرائيل تتعامل مع الشريط الحدودي والقرى المدمرة باعتبارها «منطقة أمنية عازلة»، و«هناك عشرات القرى المدمرة بالكامل تقريباً، وسكانها لا يستطيعون العودة إليها بسبب حجم الدمار وغياب إمكانات إعادة الإعمار، ما يجعل الأزمة مرشحة للاستمرار لفترة طويلة».

تحديات أمام الجيش اللبناني

وعن دور الجيش اللبناني، رأى جابر أن المؤسسة العسكرية تواجه تحديات كبيرة تتجاوز قدراتها الحالية، موضحاً أن بعض الطروحات المتداولة في المفاوضات، ولا سيما ما يتعلق بإبعاد مقاتلي «حزب الله» عن جنوب الليطاني، لا يمكن تنفيذها بمعزل عن انسحاب إسرائيلي كامل وضمانات أمنية واضحة. وشرح: «لا يمكن مطالبة الجيش بتنفيذ إجراءات أحادية فيما يستمر الاحتلال الإسرائيلي وتبقى الاعتداءات قائمة. هذا أمر غير واقعي، والجيش لا يستطيع وحده معالجة المشكلة بهذه الطريقة».

واختتم جابر بالتأكيد أن المرحلة المقبلة ستبقى محكومة بمنطق الاستنزاف المتبادل، و«نحن أمام مرحلة إدارة صراع لا إنهائه... ولا أتوقع اختراقاً كبيراً في المدى المنظور. الحرب تحوّلت عملياً إلى حرب استنزاف منخفضة الوتيرة بين إسرائيل و(حزب الله)، لكن من يدفع الثمن الحقيقي هو الشعب اللبناني، ولا سيما أهالي الجنوب الذين استنزفتهم الحرب والنزوح والدمار».

مفاوضات مختلفة عن كل المحطّات السابقة

وإذا كانت قراءة العميد الركن الدكتور جابر تنطلق من الوقائع الميدانية والعسكرية التي فرضتها الحرب الأخيرة، فإن العميد الركن خالد حمادة، الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية، يربط مستقبل هذه المرحلة بمسار المفاوضات نفسه، معتبراً أن طبيعتها تختلف جذرياً عن جميع المحطات السابقة، وأن نجاحها يبقى رهناً بالتفاهم الأميركي - الإيراني.

حمادة رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل تختلف جذرياً عن كل المحطّات السابقة، سواءً كانت اتفاقات عام 2000 أو 2006 أو 2024 المرتبطة بالقرار 1701. وأضاف أن «الظروف العسكرية والسياسية والإقليمية تبدّلت بالكامل، بينما لا تزال نتائجها مرتبطة بمآلات الحوار الأميركي - الإيراني».

وتابع حمادة: «في عام 2000، جرت مفاوضات غير مباشرة بين (حزب الله) وإسرائيل بوساطة ألمانية لتطبيق القرار 425، وانسحبت إسرائيل من دون قيد أو شرط، وتم ترسيم الحدود. أما اليوم فالمشهد مختلف بالكامل؛ لأن الدولة اللبنانية هي التي تتولى التفاوض، وليس الحزب».

ثم أضاف: «بعد حرب عام 2006، صدر القرار 1701 الذي نص على انتشار قوات (اليونيفيل) إلى جانب الجيش اللبناني جنوب الليطاني، مع إنشاء آلية لمراقبة تنفيذ القرار ومنع أي وجود مسلح خارج إطار الدولة في تلك المنطقة. إلا أن هذه الآلية أثبتت لاحقاً أنها لم تكن فعالة، فعادت الحرب وتجدد القتال».

وأوضح حمادة أن «ما يجري اليوم ليس قراراً دولياً جديداً، بل تفاهمات تستند إلى القرار 1701، لكنها تقوم على مفاوضات مباشرة تقودها الدولة اللبنانية، مع انتقال مسؤولية الأمن تدريجياً إلى الدولة، بعدما ثبت فشل آليات المراقبة السابقة». وعليه، رأى أن «الفارق الأساسي اليوم هو أن المفاوضات تسير على طريق إنهاء الصراع... إذ إن المذكرة الأميركية الأخيرة تتحدث للمرة الأولى عن إنهاء حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل، وعن معالجة القضايا الحدودية بين الدولتين، وهو أمر لم يكن وارداً في القرار 1701».

من القرار 1071 إلى اتفاق الهدنة... ما الذي تغيّر؟

وقال الخبير الأمني والسياسي: «إذا قارنّا النصوص الحالية باتفاق الهدنة لعام 1949 نجد تشابهاً كبيراً؛ إذ قام اتفاق الهدنة على التزام لبنان كما إسرائيل بعدم استخدام القوات النظامية أو غير النظامية في أي عمل عسكري نحو الفريق الآخر، واليوم يجري تكريس مبدأ أن تتولى الدولة اللبنانية وحدها المسؤولية الأمنية، وألا يبقى أي سلاح خارج إطارها».

من جهة أخرى، لفت العميد الركن حمادة إلى أن «هناك اختلافاً جوهرياً أيضاً على المستوى الميداني بين الوضع الحالي وما سبق؛ ففي حرب 2006 كانت الإنجازات العسكرية الإسرائيلية محدودة، ولم تتوغل القوات الإسرائيلية إلى العمق اللبناني بالشكل الذي حصل اليوم. أما في المواجهة الأخيرة فقد تجاوزت القوات الإسرائيلية جنوب الليطاني ووصلت إلى مناطق أعمق، فيما تكبد (حزب الله) خسائر ميدانية كبيرة، ما يجعل ميزان القوى مختلفاً تماماً عما كان عليه عام 2006».

التفاهم الأميركي-الإيراني مفتاح نجاح المفاوضات

ثم أضاف: «الاتفاق الحالي يجري أيضاً في ظل تفاهم أميركي - إيراني، وهو عامل لم يكن موجوداً في السابق، كما أن الدور الإيراني في الملف اللبناني أصبح اليوم أكثر عمقاً وتأثيراً مما كان عليه في المراحل السابقة».

وعن فرص نجاح المفاوضات، شدد حمادة على أنه «من المبكر جداً الكلام عن إنهاء الصراع بصورة نهائية؛ لأن المفاوضات اللبنانية لا يمكن فصلها عن المفاوضات الأميركية - الإيرانية. لذا يجب انتظار ما ستؤول إليه تلك المحادثات، وعندها يمكن الحكم على انعكاساتها على لبنان... فإذا فشلت المفاوضات الأميركية - الإيرانية، قد تعود إيران إلى استخدام الساحة اللبنانية مجدداً. وبالتالي فإن العنصر الأكثر تأثيراً في المشهد لم يستقر بعد، ولا يمكن البناء على نتائج نهائية قبل اتضاح صورته».

واختتم بالقول: «إذا جرى تعطيل تنفيذ التفاهمات المطروحة، سواء لناحية تثبيت وقف إطلاق النار أو الانسحاب الكامل أو معالجة ملف سلاح (حزب الله)، فإن ذلك سيقود إلى جولة قتال جديدة؛ لأن أي اتفاق لا يكتمل بتنفيذ جميع مراحله لن يكون قابلاً للحياة».

خبراء لـ«الشرق الأوسط»: الجنوب دخل مرحلة جديدة وسط استبعاد العودة إلى معادلات قديمة


صدام حفتر... «صندوق رهانات» المرحلة الليبية

صدام حفتر... «صندوق رهانات» المرحلة الليبية
TT

صدام حفتر... «صندوق رهانات» المرحلة الليبية

صدام حفتر... «صندوق رهانات» المرحلة الليبية

حلّق صدام خليفة حفتر على مستويات مرتفعة، قبل أن يهبط، في أول قفزة مظلية استعراضية، بدت في أعين العديد من الليبيين بمثابة باب يدلف منه إلى ما هو آتٍ. وصدام، هو الابن الأصغر للمشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، ونائبه في القيادة العامة، من بين سبعة ذكور، ينخرط بعضهم داخل ليبيا في أعمال عسكرية ومدنية. والقفزة الجوية التي أقدم عليها صدام قبل قرابة عشرة أشهر تلتها ترقيته من رئيس أركان القوات البرية برتبة لواء، إلى فريق أول، ليصبح الرجل العسكري الأبرز في القيادة العامة، والقائم على إدارة المشهد العسكري راهناً، ومحور اهتمام القوى الدولية المتداخلة في ليبيا. الآن، ينخرط صدام - الذي يُنظر إليه على أنه وريث محتمل لأبيه لقيادة المؤسسة العسكرية - في توسيع الشراكات الدولية، ورسم استراتيجية جديدة تبسط قبضته على الحدود المترامية، وتطوي مساحات جغرافية تحت عباءة الجيش الذي أعيد بناؤه في بنغازي (شرقاً) بالعدّة والعتاد.

وسط ندرة المعلومات الموثّقة عن صدام، يرجح مقربون منه أنه وُلد عام 1987 في مدينة بنغازي، التي نشأ فيها بين سبعة أشقاء ذكور، وأربع شقيقات، وأطلق عليه والده هذا الاسم تيمناً بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

مع بداية 2016، بدأت تتبلور بوضوح ملامح شخصية صدام ومسيرته. ففي العام ذاته، شوهد خلال حفل عسكري في الأردن مرتدياً الزي العسكري في أثناء تخرج طلاب الكلية العسكرية من بينهم عناصر بـ«الجيش الوطني»، في أول ظهور له يحمل رتبة عسكرية على كتفيه، رقي حينها إلى «نقيب». وفي ذلك الحين رد المتحدث باسم الجيش أحمد المسماري على المنتقدين، وقال: «صدام كغيره من الشباب الليبي المنضمّ للجيش، حصل على دورة تسعة أشهر في الأردن؛ وهو في هذه المناسبة يحضر حفل تخرج زملائه».

عقب ذلك، ارتبط اسم صدام بشكل وثيق بـ«اللواء طارق بن زياد معزز»، ثم «اللواء 106 مجحفل»، وهو من القوى العسكرية التي ينظر إليها مؤيدو الجيش على أنها «الأكثر تنظيماً وتأثيراً في المنطقة الشرقية»، في مقابل انتقادات موازية من آخرين.

وبحلول مايو (أيار) 2023، حصل صدام على رتبة «عميد»، وفي مارس (آذار) عام 2024، حمل رتبة «لواء ركن»، ومنح درجة دكتوراه فلسفة في العلوم العسكرية من الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية بمصر، ليتولى في أعقابها منصب رئيس أركان القوات البرية. وفي أغسطس (آب) 2025، عُيّن نائباً للقائد العام للجيش برتبة فريق أول.

رهانات متقاطعة

فرض المنصب الرفيع الذي تولاه صدام حفتر في القيادة العامة - متجاوزاً قيادات عسكرية رفيعة شاركت والده في إعادة بناء الجيش - مسؤوليات عظمى، ووضعه في دائرة الاهتمام الدولي، وجعله محط أنظار ورهانات مؤيدين ومعارضين، محبين وكارهين. كلٍّ حسب معسكره وموقعه السياسي.

فمؤيدوه في شرق ليبيا وبعض مدن الجنوب، ولا سيما من يمتنّون لوالده، خليفة حفتر، لإعادة بناء الجيش الذي تفكك عقب مقتل العقيد معمر القذافي، يعقدون آمالهم عليه لقيادة مستقبل البلاد. أما مناوئوه، وخاصة في العاصمة، فتتباين نظرتهم إليه بين من يرونه «عدواً وخصماً»، ومن يرحبون بتصعيده شريطة أن يطرح نفسه عبر انتخابات «حقيقية وشفافة».

فكلما طال أمد الانقسام، واتسعت هشاشة الحدود، وتنامت الجريمة، ازداد تعلق شريحة واسعة من الليبيين بالمؤسسة العسكرية، واستعادت هيبة الزي العسكري حضورها باعتبارها عنواناً للأمن والانضباط.

وفي المحصلة، أسهمت حالة «اللا دولة» في تكريس حضور صدام وتعزيز حظوظه. لذا بات يتلاشى نسبياً في ليبيا وصف «الجيش الوطني»، من قبل مناوئين بأنه «جيش عائلي»، بلسان حال يقول: «أضحى لدينا جيش نظامي متماسك، بدلاً من تشكيلات مسلحة لا تكفّ عن الاقتتال».

غير أن هذا التحول في النظرة إلى صدام لم ينهِ الجدل المحيط بشخصه؛ إذ يواصل مناوئوه توجيه اتهامات إليه تتعلق بـ«انتهاكات لحقوق الإنسان»، بينما يتجاهل الرد عليها، ويتولى مقربون منه مهمة نفيها وتفنيدها والدفاع عنه.

وكلما حلا لبعض المؤيدين الإشادة بلغة جسد صدام في المناسبات الرسمية، ممتدحين ابتسامته الهادئة ونظرته المباشرة في أعين مستقبليه، وجدوا في المقابل من يرد عليهم بأنه «يفتقر إلى التدرج الطبيعي في المؤسسة العسكرية».

وفي أقل من عام على تعيينه نائباً للقائد العام، جاب صدام مناطق عدة في ليبيا، لا سيما جنوبها، والتقى أطيافاً مختلفة من المشايخ والأعيان والشباب. وعلى ندرة حديثه للجمهور، وظهوره صامتاً في غالبية الفعاليات، تحدث ذات مرة، بنبرة صوت تشبه والده، أمام قبائل براك الشاطئ، في نهاية العام الماضي، قائلاً: «أيها الأحرار، لقد كنتم وما زلتم الدرع الصامدة للوطن».

ولعل من أبرز المتغيرات التي لاحظها متابعون في خطاب صدام، استثماره استضافة ليبيا للتمرين الأميركي «فلينتلوك 2026» في مدينة سرت، منتصف أبريل (نيسان) الماضي؛ إذ عدّ ذلك «برهاناً على قدرة الشباب الليبي على التوحد، وتجسيداً لمدى مهنية واحترافية منتسبي المؤسسة العسكرية».

أكثر من مجرد نائب لأبيه

منذ أن قفز صدام مظلياً العام الماضي، لم يشاهَد في سماء ليبيا يكرر هذا الأمر، لكن لوحظ مراراً في العديد من الدول، منخرطاً في مباحثات أو لقاءات أو شراكات عسكرية، لا سيما مع روسيا وباكستان وتركيا ومصر وفرنسا.

فالعديد من الدول العربية والأوروبية، إلى جانب أميركا، لم تعد تنظر إلى صدام بوصفه قائداً عسكرياً في معسكر الشرق، أو نائباً لوالده فحسب، بقدر ما تراهن على دوره في نسج علاقات دولية مستدامة، وتهيئة آفاق أوسع للاستثمار، بما يسهم في ترسيخ الاستقرار في ليبيا، بحكم موقعها كبوابة لأفريقيا.

لذا، بعد أن كانت علاقات معسكر شرق ليبيا منحصرة في عدد محدود من الدول، من بينها مصر وروسيا والإمارات، باتت أكثر اتساعاً مع ترقّي صدام في هرم القيادة العامة، وامتدت إلى عواصم مؤثرة، من بينها واشنطن. من هنا - ووفقاً لمتابعين - بدأ صدام يدلف إلى «عالمه الجديد».

ومع الحديث عن «مبادرة أميركية» لحلحلة الأزمة الليبية ازدادت دائرة الضوء من حول صدام. وتقضي المبادرة بتوليه رئاسة المجلس الرئاسي خلفاً لمحمد المنفي رئيسه الحالي، وتنصيب عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة رئيساً لحكومة موحدة.

وتميل أطراف موالية لـ«الجيش الوطني» إلى دعم هذه المبادرة، لكن أطيافاً عديدة في غرب ليبيا ترفضها بشدة، وترى أن دخول صدام إلى العاصمة طرابلس «لن يتم إلا على أجسامهم».

ولا يقتصر نفوذ صدام على الجانب العسكري فحسب، بل يمتد لعمق المشهد السياسي بفضل ظهير برلماني قوي وتأييد شعبي وازن. ويتجلى هذا الدعم في تصريحات عضو مجلس النواب عن مدينة الكفرة، جبريل أوحيدة، الذي اعتبر أن صعود صدام إلى سدة المجلس الرئاسي يمثل مكسباً سياسياً، وقال: «نحن رابحون إذا وصل إلى رئاسة المجلس الرئاسي».

«صندوق مغلق»

يظل صدام لمن هم خارج دائرته كـ«صندوق مغلق» لم يبح بكل أسراره بعد. فقوى دولية فاعلة في الملف الليبي في مقدمتها الولايات المتحدة تضعه في حساباتها وترى فيه «البديل المناسب» - ولو مؤقتاً - لتجاوز الانقسام العسكري والأمني والاقتصادي.

وفي المشهد الليبي، تظل القوة العسكرية هي الورقة الرابحة والأقوى لإدارة اللعبة السياسية؛ وهو ما يفسر التهافت الدولي والإقليمي على بناء شراكات مع القيادة العامة. ويتجسد هذا الحراك في إبرام اتفاقيات عسكرية استراتيجية، أبرزها التعاون مع باكستان لتزويد الجيش بـ16 مقاتلة من طراز «JF - 17» ضمن صفقة قُدّرت بنحو 4.6 مليار دولار، مما يعكس اعتراف عواصم كبرى بثقل القوة العسكرية التي يقودها المشير خليفة حفتر باعتبارها بوابة أساسية لأي تفاهمات.

«صدام العرب»

التغني بصدام، الذي يُطلق عليه مؤيدوه في بنغازي وما حولها «صدام العرب»، تجاوز «الأوبريتات» الغنائية، وما تنتجه الطبقة الشعبية البسيطة الحالمة بالأمان الذي يوفره الشرطي والعسكري، ووصل إلى أطياف قبائلية عديدة وقوى موالية ترى فيه «المُخلّص».

فكثيرون من سياسيين ونشطاء ومدونين وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي موالون لـ«الجيش الوطني» زادوا من الحديث خلال الأسابيع الماضية عن صدام، و«أنه القادر على قيادة ليبيا».

ولجهة الرهان على صدام، ذهب محمد بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام في بنغازي، إلى أن «أميركا إذ تراهن على الفريق الشاب ليكون شريكاً أساسياً في الحل، فإنها تختار الطريق الصحيح؛ وتعرف أنها تراهن على من يعرف».

وكثيرون غير بعيو تصدوا بالتحليل للصورة التي نشرها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو للقائه حفتر في واشنطن، وعدوها دلالة على كيفية رؤية البيت الأبيض لنجل حفتر، الذي بات وشيكاً من خلافة والده في القيادة العامة.

وحلّل مصطفى الفيتوري، الكاتب الليبي، الموالي لنظام القذافي صورة صدام وروبيو، وقال: «تعني أن الضيف ليس فقط مقبولاً أميركياً، بل قد يكون مدعوماً، ولو مؤقتاً... هذه الصورة توحي بتأييد حفتر الابن في سعيه للوصول إلى طرابلس؛ ولكن سلماً لا حرباً».

وتبقى «الأوبريتات» والأغاني الشعبية التي تُنتج في شرق ليبيا راهناً للتغنّي بصدام، مقدمة لترسيخ صورته القيادية، وبداية لما هو آتٍ، في قابل الأيام، فور صدور قرار - يراه مقربون منه قريباً - بتنازل والده المشير حفتر عن قيادة الجيش له.

وفي أحدها يغني الفنانون خالد الزروق، وعبد الرحمن العوامي، وصفاء سعد: «اليوم عامرة يا دار ما تنضامي/ جاك الفرج والفرح والتشييد... اليوم ليبيا جالت/ هذا صدام، صدام العرب صنديد من صناديد... زغرتي يا صابرة/ صدام مستقبل الوطن أكيد».

صدام حفتر نائب القائد العام لـ"الجيش الوطني" الليبي (القيادة العامة)

حسابات و«جهوية» و«تدخلات خارجية»... تشابكات الأزمة الليبية

> لا تبدو الأزمة الليبية مجرد خلاف سياسي بين أطراف تتنافس على السلطة، بقدر ما تحولت، خلال السنوات الماضية، إلى شبكة معقدة من الحسابات الداخلية الممتزجة بـ«الجهوية»، و«الأجندات الخارجية»، والمصالح الاقتصادية، الأمر الذي جعل أي مسار نحو التسوية يصطدم بعقبات حادة. في الداخل، لا يزال الانقسام المؤسسي أحد أبرز أسباب استمرار الأزمة؛ فوجود سلطات متنافسة، وانقسام أمني وعسكري، وظهور نزوع جديد نحو الجهوية، بإعلان 9 بلديات من غرب ووسط إلى شمال غربي ليبيا عن تدشين «إقليم الوسطى»، يعد كاشفاً لتجذر الخلاف. كما أن غياب الثقة بين الأطراف المتنازعة يدفع كل طرف إلى التعامل مع أي مبادرة سياسية بحذر شديد، خشية أن تمنح خصومه مكاسب جديدة على حسابه، وبالتالي يتم عرقلة الوصول إلى صيغة توافقية لإدارة المرحلة الانتقالية. وتبقى الانتخابات، رغم الاتفاق الواسع على أنها المخرج الطبيعي للأزمة، إحدى أكثر القضايا تعقيداً... فالخلاف لا يقتصر على موعد إجرائها، بل يمتد إلى القوانين المنظمة لها، وشروط الترشح، وضمانات قبول النتائج، فضلاً عن تأمين العملية الانتخابية في مختلف أنحاء البلاد. لذلك، كثيراً ما تتحول المبادرات السياسية في ليبيا إلى جولات جديدة من الخلاف، بدلاً من أن تكون جسوراً نحو الحل. وفي موازاة ذلك، يحتل النفط موقعاً محورياً في المشهد الليبي. فالثروة النفطية ليست مجرد مورد اقتصادي، بل أصبحت ورقة نفوذ يستخدمها طرفا الأزمة في طرابلس وبنغازي، لتعزيز مواقعهما السياسية والمالية. وعليه، فإن الجدل المتكرر حول إدارة الإيرادات النفطية وآليات توزيعها يؤدي إلى زيادة حدة التوتر، خصوصاً مع ارتباط هذه العائدات بتمويل مؤسسات الدولة والإنفاق العام، وهو ما يجعل أي خلاف بشأنها يتجاوز البعد الاقتصادي إلى أبعاد سياسية وأمنية. ويرى متابعون أن جانباً كبيراً من الصراع يرتكز على السيطرة على المؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي في طرابلس؛ إذ إن الجهة التي تسيطر على هاتين المؤسستين تتحكم في تدفقات النقد الأجنبي وعائدات النفط. أما العامل الخارجي، فلا يقل تأثيراً عن العوامل الداخلية. فما زالت ليبيا ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية، لكل منها أولوياتها ورؤيتها لمستقبل البلاد. وبينما تعلن هذه الأطراف دعمها للحل السياسي، فإن تباين مصالحها ينعكس أحياناً على مواقف القوى المحلية نفسها، ما يُبقي حالة الاستقطاب قائمة. وفي المحصلة، فإن تعقيد الأزمة الليبية لا يعود إلى سبب واحد، بل إلى تداخل السياسة بالأمن والاقتصاد، وامتزاج الحسابات المحلية بالمصالح الخارجية. وينتهي متابعون إلى أن أي حل قابل للتطبيق يحتاج إلى توافق ليبي واسع، تدعمه إرادة دولية منسجمة تحترم سيادة البلاد، مع معالجة الملفات الاقتصادية والأمنية بالتوازي مع المسار السياسي بعيداً عن أي «جهوية أو حسابات دولية».


موجات الحر الشديد تدفع أوروبا إلى حافة الهاوية

غرفة تبريد مجهزة بمكيف في باريس فتحت أمام العامة للتبرد خلال موجة الحر الشديد (رويترز)
غرفة تبريد مجهزة بمكيف في باريس فتحت أمام العامة للتبرد خلال موجة الحر الشديد (رويترز)
TT

موجات الحر الشديد تدفع أوروبا إلى حافة الهاوية

غرفة تبريد مجهزة بمكيف في باريس فتحت أمام العامة للتبرد خلال موجة الحر الشديد (رويترز)
غرفة تبريد مجهزة بمكيف في باريس فتحت أمام العامة للتبرد خلال موجة الحر الشديد (رويترز)

لم يستيقظ الأوروبيون بعد من وقع صدمة موجة الحر الشديد، التي لفت القارة، وتركت آثارها حتى بعد أن انجلت. فقد سجلت أوروبا أعلى درجات حرارة في تاريخها في شهر يونيو (حزيران)، مع تخطيها عتبة 40 درجة مئوية في كثير من الدول. وإذا كانت دول جنوب أوروبا أكثر اعتياداً على موجات الحر الشديد واستعداداً لها، فإن هذه الظاهرة جديدة على دول غرب ووسط أوروبا غير المؤهلة للتعامل مع درجات حرارة بهذه الحدة. وكان هذا ظاهراً في الآثار الفورية لموجة الحر وعدد الوفيات الذي قارب 1300 وفاة، بحسب منظمة الصحة العالمية، منذ 21 يونيو، قرابة الألف منها في فرنسا وحدها.

كشفت موجة الحر الأخيرة ضعف البنى التحتية في أوروبا، خاصة في قطاعي الصحة والنقل، وعدم استعدادها أو قدرتها على التأقلم مع درجات حرارة مرتفعة بهذا الشكل. وكادت المستشفيات في فرنسا تنهار بسبب ضغط المرضى المصابين بضربات حرّ، فيما توقفت القطارات عن العمل في ألمانيا وأغلقت طرقات سريعة بعد ذوبان الأسفلت والأضرار التي لحقت بسكك الحديد وإشارات المرور. واضطرت مدارس في بريطانيا وألمانيا وفرنسا وعدد آخر من الدول الأوروبية إلى إغلاق أبوابها أمام الطلاب لعدم جاهزية المباني للتعامل مع الحر الشديد. ورغم تكرر موجات الحر سنوياً في أوروبا منذ أعوام، فقد كانت موجة الحر الأخيرة الأقسى، وكان «من المستحيل حدوثها لولا التغير المناخي» بحسب دراسة أجرتها مبادرة «إسناد أحوال الطقس العالمية».

القبة الحرارية

كانت فرنسا المركز الرئيسي لموجة الحر الشديد في أوروبا، التي بدأت في 20 يونيو الماضي، والدولة الأكثر معاناة، وشهدت أكبر عدد من أيام الحر مقارنة بالدول الأخرى. فقد تشكلت «القبة الحرارية» فوق أجوائها ومكثت فيها 7 أيام تقريباً، توسعت خلالها لتشمل دولاً أخرى في جنوب أوروبا، مثل إسبانيا والبرتغال وإيطاليا، لتمتد بعدها إلى بلجيكا وهولندا وبريطانيا، ثم وصلت إلى وسط وشرق أوروبا، في ألمانيا وبولندا وتشيكيا والنمسا والمجر. ورغم أن ظاهرة «القبة الحرارية» ليست جديدة، فإنها لم تكن يوماً بهذه الحدّة في أوروبا. وتحدث هذه الظاهرة الجوية عندما يتمركز مرتفع جوي قوي فوق منطقة واسعة لعدة أيام، فيصبح أشبه بغطاء أو قبة تحبس الهواء الساخن بالقرب من سطح الأرض. وتكمن خطورة هذه الظاهرة في بقاء درجات الحرارة مرتفعة حتى الليل، ما يمنع الأشخاص والأبنية من التخلص من الحرارة التي تتكدس طوال اليوم. وقد وصلت بالفعل درجات الحرارة خلال موجة الحر إلى درجات قياسية في الليل، ولم تنخفض أحياناً عن 30 درجة مئوية، ما دفع خبراء للحديث عما يشبه «الليالي الاستوائية» في أوروبا.

ولا يتسبب التغير المناخي بهذه الظاهرة إلا أنه يساهم بجعلها أكثر تكراراً وأشد حرارة وأطول مدة. وبحسب خبراء أرصاد جوية في جامعة ريدينغ البريطانية، فإن عاملين يجعلان من «القبب الحرارية» أزمة صيف متكررة في أوروبا؛ العامل الأول أن التغير المناخي أدى إلى رفع درجات الحرارة على الأرض، ما يعني أنه عندما تتشكل «قبة حرارية» تبدأ من درجات حرارة أعلى من السابق، ما يسرع الوصول إلى درجات الحرارة القصوى. والعامل الثاني يتعلق بحركة الرياح المرتفعة أو «التيار النفاث»، وهذا العامل تغيّر بسبب ارتفاع درجات حرارة القطب الشمالي.

وبسبب قرب القارة الأوروبية من القطب الشمالي، الذي ترتفع درجة الحرارة فيه بمعدل 3 إلى 4 مرات المتوسط العالمي، فإن هذا يسرع من ارتفاع درجات الحرارة في أوروبا كذلك. وبحسب خبراء مناخ، فإن القارة الأوروبية تشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة بمعدل يبلغ ضعف المتوسط العالمي، ما يجعلها عرضة لأنظمة «القبة الحرارية».

وتعي الحكومات الأوروبية ارتباط التغير المناخي بتزايد حدة موجات الحر الشديدة، التي تشهدها القارة، وقد أقرت الحكومات والاتحاد الأوروبي خططاً لتخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، لكن الالتزام بها غير متوازٍ لدى كل الدول الأوروبية. وتحاول أوروبا زيادة اعتمادها على الطاقة البديلة وزيادة المساحات الخضراء، من بين عدة خطوات، لكن الحرب في أوكرانيا والمخاوف المتعلقة بأمن الطاقة دفعتا بكثير من الدول إلى تأجيل خطط بإغلاق مناجم الفحم الحجري الشديد التلوث. كما أن الأزمات الاقتصادية المتتالية من أزمة «كورونا» إلى الحرب في أوكرانيا زادا من الضغوط على الاقتصادات الأوروبية، ما دفع بكثير من الحكومات لتأجيل خطط مناخية مكلفة خوفاً من زيادة النقمة الشعبية.

شقة علية في باريس أغلقت نوافذها بقماش لإبقاء الحر خارجاً خلال موجة الحر الشديد في يونيو 2026 (أ.ف.ب)

آثار اقتصادية

ولكن موجات الحر الشديد تحمل بدورها آثاراً اقتصادية مدمرة على الدول الأوروبية. فغياب ثقافة المكيفات ونقص البنية التحتية القادرة على التكيف مع درجات حرارة مرتفعة، سيؤديان إلى تقليص الإنتاجية وزيادة الأعباء المالية على الأفراد، بحسب عدد من الدراسات. وبحسب دراسة لمجموعة «أليانز» الألمانية، فإن موجات الحر يمكن أن تكلف ألمانيا أكثر من 130 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030. وأضافت الدراسة أن ارتفاع درجات الحرارة تقلص من الإنتاجية وتؤدي إلى رفع أسعار الطاقة، ما يؤثر على الشركات والاستثمارات. واعتبرت الدراسة أن الإنتاجية يمكن أن تنخفض بـ3 في المائة عن كل درجة حرارة تزيد على 30 درجة مئوية. واعتبرت الدراسة أن «تكييف الاقتصادات مع الحرارة الشديدة سيصبح عاملاً رئيسياً في التنافسية».

الشرطة الألمانية ترش المياه أمام ملعب أولمبيك في برلين للسماح لرواد حفل المغني الأميركي برونو مارس بالترطب يوم موجة الحر الشديد 28 يونيو (أ.ف.ب)

ضرورة التأقلم مع الحر الشديد

وتعدد الدراسة 4 محاور يجب العمل عليها لتصبح الاقتصادات الأوروبية قادرة على التأقلم مع الحر الشديد، في طليعتها تنظيم العمل، ثم تجهيز المباني، وإدارة الإنفاق العام، ودعم أفضل للأسر. وفي النقطة الأولى، يشير التقرير إلى أنه لا توجد قواعد قوية في كل الدول تحدد متى يجب التوقف عن العمل بسبب الحرّ، وهذا يجعل كثيراً من العمال غير محميين. ويوصي التقرير بتحديد درجات حرارة إلزامية يتم عندها تقليل العمل أو إيقافه، وتعويض العمال عن ساعات العمل الضائعة.

ويتحدث التقرير في المحور الثاني عن الأبنية، ويشير إلى أن معظم الأبنية الأوروبية غير مصممة لتحمل الحرّ، بل على العكس، هي مبنية لكي تحصر الحرارة في الداخل. وهذا يتطلب بحسب الدراسة تصميم مبانٍ جديدة لا تسخن بسهولة، وتحسين المباني القديمة لتبقى أكثر برودة وتوفير تبريد للفئات الضعيفة. ويشار إلى أن قرابة 20 في المائة فقط من الأبنية في أوروبا مجهزة بمكيفات، ومعظم هذه هي مبانٍ عامة، وليست منازل خاصة. حتى المستشفيات ودور العجزة والروضات والمدارس غير مجهزة بمكيفات، ما يجعل المرضى والكبار في السن والأطفال من الفئات الأكثر عرضة للخطر في أوقات الحرّ الشديد.

ويدعو التقرير في المحور الثالث الحكومات إلى وضع خطط بعيدة المدى للتكيف مع الحرّ عوضاً عن الاستجابة في أوقات الأزمات فقط، لأن هذا يعني أن كل موجة حر «تقضم» من الميزانية عوضاً عن أن تكون هناك استثمارات لحلول مسبقة. وبالفعل كان هذا ظاهراً، خاصة في البنى التحتية التابعة للمواصلات، سواء الطرقات أو السكك الحديد التي تعرضت للذوبان.

ويتطرق التقرير في المحور الرابع إلى المساعدات المقدمة للأسر. ويشير إلى أن الأشخاص الأكثر عرضة للحر يكونون غالباً من الأفقر، ومن غير القادرين على شراء أجهزة تبريد أو تجمل تكلفة الطاقة لاستخدام الأجهزة. ويدعو التقرير إلى زيادة الدعم الحكومي المخصص لهؤلاء.

درجة حرارة 41 درجة مئوية سجلت في وسط برلين يوم السبت الماضي 27 يونيو 2026 (رويترز)

تأثير على مدخول الأفراد

وتدعم ذلك دراسة، أجراها علماء في مجموعة «تحليلات المناخ»، تستنتج أن موجات الحرّ المصحوبة بالجفاف تقلص من المدخول الفردي بقرابة 3 في المائة في أنحاء أوروبا، مع خسائر أكبر للمناطق الأكثر تأثراً. وبحسب الدراسة، فإن ارتفاع معدل درجات حرارة الأرض ستعمق من عدم المساواة، وتدخل ملايين من الأوروبيين في خطر الفقر. ويحذر العلماء من أنه لو ارتفعت درجة الحرارة بـ2.7 درجة مئوية بحلول عام 2100، وهو المرجح في ظل السياسات المناخية العالمية الحالية، فإن متوسط الدخل الفردي الأوروبي سينخفض بنسبة 27 في المائة. أما في حال الالتزام باتفاقية باريس للمناخ التي تحد الارتفاع الحراري بـ1.5 درجة مئوية بحلول عام 2100، فإن انخفاض الدخل الفردي ينخفض بنسبة 7 في المائة. والأكثر تأثراً بذلك هم الـ20 في المائة الأفقر في أوروبا.

وتعدد الدراسة بعض العوامل التي تلعب دوراً في تراجع متوسط الدخل الفردي، منها الأوضاع الصحية السيئة وانخفاض الإنتاجية وانخفاض الإنتاج الغذائي وتراجع الخدمات الحيوية المرتبطة بالمياه، مثل النقل وتوليد الطاقة. وقياساً إلى أرقام جمعها العلماء من موجات الحر والجفاف بين عامي 2004 و2022، فإن أكثر الأشخاص تأثراً بذلك هم من يعيشون في إسبانيا والمجر واليونان ورومانيا وبلغاريا وقبرص.

ورغم الدراسات العملية منذ عقود التي تحذر من آثار التغير المناخي وارتفاع درجات حرارة الأرض، فإن الدول الأوروبية ما زالت غير مستعدة للتعامل مع آثارها. ففي بريطانيا، استنتجت لجنة تغير المناخ، وهي هيئة استشارية قانونية للحكومة البريطانية، أن خطط التكيف لدى الحكومة تعود إلى عام 2008، و«هي لم تعد ملائمة». أما في فرنسا، فقد انتقد المجلس الأعلى للمناخ، وهو أيضاً جهة استشارية للحكومة، الإجراءات المتخذة للتكيف مع موجات الحر، قائلاً إن «الفجوة تتسع» بين احتياجات التكيف والإجراءات. وفي ألمانيا خلصت دراسة مجموعة «تحليلات المناخ» إلى أن البلاد «تفتقر إلى حلول شاملة» لحماية السكان من آثار الإجهاد الحراري، وأنه «رغم إحراز بعض التقدم البطيء... فإن تنفيذ الخطط ما زال متعثراً إلى حد كبير».

ردّ فعل لا خطط بعيدة المدى

حتى الآن، فإن تصرفات معظم الحكومات الأوروبية تأتي كردة فعل على موجات الحر الشديد عند حدوثها، عوضاً عن إقرار خطط مدروسة طويلة المدى. فخلال موجة الحر الأخيرة، حول كثير من الدول الأوروبية المباني العامة المزودة بمكيفات لمناطق «للتبرد». في برشلونة بإسبانيا مثلاً، حددت الحكومة قرابة 500 ملجأ للتبرد معظمها مكتبات عامة وصيدليات ومراكز عامة. وفي أمستردام بهولندا حددت الحكومة مناطق مخصصة للتبرد تحوي على مياه للشرب وأماكن استراحة. وفي إيطاليا وعدد من الدول الجنوبية، منعت الحكومة العمل الخارجي مثلاً في قطاعات البناء والزراعة في أوقات ذروة الحرّ، وعوّضت العمال من صندوق حكومي مخصص كي لا يخسروا دخلهم. وفي فرنسا، حدّت الحكومة بيع المشروبات الكحولية خلال اليوم لتقليص الضغط على المستشفيات، وألغت نشاطات وحفلات خارجية. وفي ألمانيا، دعت شركة دويتشه بان المشغّلة للقطارات السريعة بين المدن إلى عدم السفر إلا للضرورة، وسمحت بإلغاء التذاكر من دون غرامة، واستخدمت الشرطة في برلين شاحنات ضخ مياه، تستخدم في المظاهرات، لرشّ المارة بالمياه وتبريدهم.

لكن الخبراء يحذرون من عدم كفاية «ردّ الفعل» على موجات الحرّ المتكررة، ويطالبون بضرورة تأقلم الدول الأوروبية كي تبقى قادرة على المنافسة. وهذا يتطلب تغييراً في ثقافة عدم قبول المكيفات، وهي الثقافة السائدة حالياً في معظم أوروبا، باستثناء الدول الجنوبية مثل إيطاليا واليونان وإسبانيا، حيث المكيّفات أكثر انتشاراً. ولكن في دول مثل فرنسا وألمانيا ما زالت مقاومة تركيب المكيفات كبيرة، والتبرير بأن المكيفات ستزيد من استهلاك الطاقة، وهو السبب الرئيسي في التغير المناخي الذي يساهم في رفع درجات حرارة الأرض. ولكن هذه الثقافة قد تكون بدأت تتغير اليوم؛ حتى حزب الخضر في ألمانيا بدأ يطالب بزيادة تجهيز الأبنية الأساسية، أي المستشفيات ودور العجزة والروضات والمدارس، بأجهزة تكييف، وفي الوقت نفسه توسيع مشاريع الطاقة البديلة، خاصة الشمسية، التي تستفيد من موجات الحر، ما يقلص الاعتماد على الطاقة التقليدية المضرة بالبيئة.

ثقافة المكيفات

ولكن مشكلة أوروبا أبعد من مجرد ثقافة عدم القبول بالمكيفات، فكثير من الدول تمنع بالقانون تركيب أجهزة تكييف ظاهرة خارج المباني التقليدية التاريخية للحفاظ عليها. كما أن الأبنية القديمة صممت لكي تحفظ الحرارة في الداخل لا العكس، لمواجهة الصقيع الذي يجلبه فصل الشتاء والخريف، في وقت كان الحرّ فيه معتدلاً في الصيف. حتى الأبنية الحديثة، شيّدت بواجهات زجاجية ضخمة لإدخال النور، وشيّدت لتكون مقابل الشمس من دون عوازل خارجية على النوافذ. هذه الأبنية التي بنيت كي تجذب السكان إليها بأنوارها ودفئها باتت اليوم هي المشكلة الرئيسية. وفي باريس وبرلين والمدن الأوروبية الكبرى، تعدّ الشقق المرتفعة المبنية على سطح المبنى الأكثر جاذبية بسبب مناظرها والنور الذي يدخلها. لكن هذه الشقق تحديداً تعدّ اليوم الأكثر خطراً. وقد أظهرت دراسة قديمة أجريت بعد موجة الحرّ القاسية التي ضربت أوروبا عام 2003، وتوفي خلالها قرابة 70 ألف شخص، 15 ألفاً منهم في فرنسا، بأن العيش في شقق العلية تحت السطح مباشرة، يزيد من خطر الموت بالحرّ 4 مرات، ووجدت الدراسة التي نشرت في مجلة «ذا لانسيت بلانيتيري هيلث» عام 2023، أن باريس سجّلت أعلى معدلات المخاطر للوفيات المرتبطة بالحرارة بين 30 عاصمة أوروبية شملتها الدراسة.

عاجل مونديال 2026: سويسرا إلى ربع النهائي على حساب كولومبيا بركلات الترجيح