تأهب أميركي ـ تركي لـ«ترتيبات ما بين النهرين» شمال سوريا

مسؤول في إدارة ترمب لـ«الشرق الأوسط»: ملتزمون أمن حلفائنا في «ناتو»

مقاتلون أكراد في «قوات سوريا الديمقراطية» في عين العرب (كوباني) خلال تشييع زميل لهم أول من أمس (أ.ف.ب)
مقاتلون أكراد في «قوات سوريا الديمقراطية» في عين العرب (كوباني) خلال تشييع زميل لهم أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

تأهب أميركي ـ تركي لـ«ترتيبات ما بين النهرين» شمال سوريا

مقاتلون أكراد في «قوات سوريا الديمقراطية» في عين العرب (كوباني) خلال تشييع زميل لهم أول من أمس (أ.ف.ب)
مقاتلون أكراد في «قوات سوريا الديمقراطية» في عين العرب (كوباني) خلال تشييع زميل لهم أول من أمس (أ.ف.ب)

مع زيادة الضغط العسكري التركي على منطقة ما بين نهري دجلة والفرات شمال سوريا، تسعى واشنطن إلى المواءمة بين أمرين: هزيمة «داعش» وتحقيق الاستقرار في هذه المنطقة التي تشكل ثلث مساحة سوريا من جهة، والحفاظ على العلاقة مع تركيا باعتبار أن البلدين عضوان في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو) من جبهة أخرى. وقال مسؤول في الإدارة الأميركية لـ«الشرق الأوسط»، أمس: «نحن من جانبنا ملتزمون بشكل كامل بأمن حدودها. وتستحق مخاوف تركيا المتعلقة بأمن شرق الفرات عقد مناقشة تفصيلية وجادة بيننا، مثلما يليق بحليفين مقربين».
كان الجيش التركي قصف مواقع لـ«وحدات حماية الشعب» التركية في عين العرب (كوباني) شمال سوريا. وتشكل «الوحدات» المكون الرئيسي لـ«قوات سوريا الديمقراطية» حليف التحالف الدولي بقيادة أميركا لقتال «داعش».
وكان رد التحالف في أن سيّر دوريات شمال سوريا قرب حدود تركيا في محاولة لـ«ردع» أنقرة، وإرسال إشارات إلى احتمالات المرحلة المقبلة. وهذا بمثابة تكرار لما حصل بداية العام عندما سيّر التحالف، وخصوصاً القوات الفرنسية والأميركية، دوريات في منبج شمال حلب بعدما بدأ الجيش التركي بضوء أخضر روسي على عفرين ذات الغالبية الكردية.
ومع أن العلاقات بين واشنطن وأنقرة كانت متوترة وقتذاك، توصل الطرفان إلى «خريطة طريق» حول منبج في بداية يونيو (حزيران) الماضي، تضمنت تسيير دوريات مشتركة في خطوط التماس بين فصائل «درع الفرات» المدعومة من أنقرة و«قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من واشنطن، إضافة إلى إخراج «الوحدات» من منبج وتشكيل مجلس محلي مقبول من السكان المحليين والأميركيين والأتراك.
حالياً، تبدو العلاقات الأميركية - التركية أفضل من السابق، حيث جرت سلسلة خطوات في المسار الثنائي، لكن الجيش التركي بدأ في تصعيد الضغط العسكري على شمال شرقي سوريا، حيث ينتشر ألفا جندي أميركي مع مئات من قوات التحالف الدولي. كما بدأت أنقرة في حشد فصائل سورية لاحتمال القيام بعمل بري ضد «الوحدات».
المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري، الذي عمل سفيراً سابقاً في أنقرة وأحد المدافعين عن تحسين العلاقات مع تركيا، قال أول من أمس: إن لواشنطن موقفاً واضحاً من «حزب العمال الكردستاني» بزعامة عبد الله أوجلان وتعتبره تنظيماً إرهابياً وتتفهم موقف أنقرة منه، وتتفهم موقف أنقرة من «الروابط» بين «حزب العمال» و«وحدات الحماية»، لكنها لا تعتبر «وحدات حماية الشعب» الكردية تنظيماً إرهابياً.
بحسب المعلومات، فإن واشنطن قامت بسلسلة من الإجراءات لبناء الثقة تجاه أنقرة، بينها ضبط تسليم السلاح الثقيل إلى «الوحدات» وإدراج ثلاثة من قادة «حزب العمال» على قوائم الإرهاب، لكنها لم تصل إلى حد تلبية جميع المتطلبات بانتظار نتائج المفاوضات.
وأفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» أمس، بأن وفدين فرنسياً وأميركياً زارا منطقة عين عيسى في ريف الرقة واجتمعا بقادة «قوات سوريا الديمقراطية» لبحث مستقبل ومصير شرق الفرات. وقال: «من المرتقب أن يخرج الطرفان بتفاهمات جديدة، حول المنطقة الواقعة في الشريط الحدودي ما بين نهري دجلة والفرات».
وسألت «الشرق الأوسط» مسؤولاً أميركياً، ما إذا كانت واشنطن وأنقرة تبحثان في خريطة طريق في تل أبيض على غرار منبج، فأجاب: «تعد تركيا دولة حليفة داخل حلف ناتو وشريكاً محورياً في التحالف الدولي لهزيمة (داعش). ونحن من جانبنا ملتزمون بشكل كامل بأمن حدودها. وتعتبر خريطة طريق منبج مثالاً واحداً حول كيفية عقدنا مشاورات وتنسيقاً مع تركيا لتناول مخاوفها الأمنية. وتستحق مخاوف تركيا المتعلقة بأمن شرق الفرات عقد مناقشة تفصيلية وجادة بيننا، مثلما يليق بحليفين مقربين. وسنستمر في العمل مع تركيا لتناول مخاوفها في الوقت ذاته الذي نشدد على الحاجة إلى الاستقرار في شمال شرقي سوريا لضمان الهزيمة الكاملة لـ(داعش)».
وكانت «قوات سوريا الديمقراطية» علّقت الهجوم على الجيب الأخير لـ«داعش» في ريف دير الزور قرب العراق اعتراضاً على القصف التركي، وللضغط على واشنطن لحماية «وحدات الحماية» قرب الحدود، خصوصاً أن عائلات المقاتلين من هناك. وأوضح المسؤول الأميركي، أمس، رداً على أسئلة عبر البريد الإلكتروني: «الحملة ضد (داعش) لم تنته بعد، ولا يزال القتال صعباً للغاية. وتعمل قوات التحالف بصورة وثيقة مع (قوات سوريا الديمقراطية) التي تشنّ عمليات هجوم ضد (داعش) في قلب وادي نهر الفرات. ولا تزال (قوات سوريا الديمقراطية) شريكاً ملتزماً في مواجهة (داعش)، ولا نزال من جانبنا ملتزمين بالعمل ضد (داعش)، كما أننا ملتزمون بالعمل مع (قوات سوريا الديمقراطية) لضمان هزيمة كاملة لـ(داعش)».
وربما يكون أحد الاحتمالات المتوقعة إقامة شريط أمني على طول الحدود يتم فيه إبعاد «الوحدات» وتسيير دوريات بين عرب من «قوات سوريا الديمقراطية» والتحالف الدولي لتلبية متطلبات تركيا وسط جهود غربية لردم الفجوة بين المكون العربي والأكراد في الجزيرة بعد تحريرها من «داعش»، خصوصاً بعدما ظهر توتر هناك بعد اغتيال لبشير فيصل الهويدي، شيخ عشيرة العفادلة، كبرى عشائر الرقة الجمعة الماضي.
وقال مسؤول دولي: إن حلفاء واشنطن شرق الفرات في المرحلة المقبلة تحت ضغط من اتجاهين: تركيا عبر قصف مناطق «الوحدات» من جهة والعشائر العربية التي ستتحرك ضد حلفاء واشنطن من جهة أخرى.
لكن واشنطن تضع السيطرة على هذه المنطقة ضمن استراتيجيتها للشرق الأوسط، التي تتضمن مواجهة إيران لقطع طريق الإمداد بين طهران - بغداد ودمشق - بيروت. وسئل المسؤول الأميركي، أمس، عن أن السفير جيفري، قال أول من أمس: إن «إيران جزء من المشكلة، وليست جزءاً من الحل»، وإن واشنطن ستواجه «نشاطات إيرانية» وما إذا يعتقد وجود 2000 جندي في شمال شرقي سوريا كافياً لتحقيق ذلك، وإلى أي مدى يمكن للجيش الأميركي المضي في الاستجابة لأي اختبار إيراني في مواجهة قوات أميركية في شمال شرقي سوريا؟
أجاب المسؤول: «تتمثل مهمة القوات العسكرية الأميركية في سوريا في ضمان إنزال هزيمة كاملة بتنظيم داعش. كما تعتمد الولايات المتحدة أيضاً على استغلال الكثير من عناصر القوة الوطنية لتحقيق هدفين استراتيجيين إضافيين على الدرجة ذاتها من الأهمية في سوريا: ضمان انسحاب القوات العاملة تحت قيادة إيران من كامل الأراضي السورية، وتعزيز جهود التوصل لحل سياسي سلمي للصراع القائم بما يتوافق مع قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2254. ويعتبر التخلص من جميع القوات الإيرانية من داخل سوريا أولوية استراتيجية تتطلب مجموعة واسعة من الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية وغيرها». وتابع: «ينصبّ جل تركيزنا على إقرار حل سياسي تصيغه وتقوده سوريا، بما يتماشى مع قرار مجلس الأمن رقم 2254، الذي يجب أن يتضمن التمثيل الكامل لجميع السوريين من أجل بناء سوريا أكثر سلماً ووحدة».
بوابة الحل السياسي حالياً، هي اللجنة الدستورية وتشكيلها قبل نهاية العام. وأوضح المسؤول، أن قادة تركيا، وروسيا، وفرنسا، وألمانيا أصدروا بعد قمة إسطنبول «بياناً دعوا خلاله إلى تشكيل لجنة دستورية قبل نهاية العام. ونشعر بالتفاؤل إزاء هذا الإعلان».



8 هجمات ليلية بالصواريخ والمسيّرات على «مجمع مطار بغداد الدولي»

واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)
واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)
TT

8 هجمات ليلية بالصواريخ والمسيّرات على «مجمع مطار بغداد الدولي»

واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)
واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)

تعرَّض «مجمع مطار بغداد الدولي»، الذي يضمّ «مركزاً للدعم اللوجيستي» يتبع السفارة الأميركية في العاصمة العراقية، إلى 8 هجمات بالصواريخ والمسيَّرات ليل السبت - الأحد، وفق ما قال مسؤول في «قيادة العمليات المشتركة العراقية» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتحدث مسؤول أمني عن «8 هجمات في أوقات متفرقة استمرّت حتى فجر اليوم (الأحد) بالصواريخ والمسيَّرات، وسقط قسم من الصواريخ في محيط وقرب (مركز الدعم اللوجيستي)، دون أن تسفر عن إصابات». وأشار إلى أن إحدى المسيَّرات «سقطت على منزل مدني بمنطقة السيدية» القريبة من المطار، مما خلَّف «أضراراً مادية».

من جهته، تحدَّث مسؤول أمني آخر عن وقوع 6 هجمات على الأقلّ. وعُثر في منطقة حيّ الجهاد القريبة من المطار، فجر الأحد، على «مركبة تحمل قاذفة صواريخ استُخدمت في هجوم» على «مركز الدعم اللوجيستي»، وفق مسؤول في الشرطة أكَّد أن المركبة كانت «متروكة في موقف خالٍ للسيارات».

إلى ذلك، أكد رئيس مجلس الوزراء العراقي القائد العام للقوات المسلحة محمد شياع السوداني، الأحد، أن الحكومة لن تقف مكتوفة الأيادي أمام جريمة استباحة الدم العراقي والتجاوز على المصالح العليا للبلد.

وقال السوداني ، خلال زيارة أجراها اليوم إلى مقر جهاز المخابرات الوطني في العاصمة بغداد حيث اطلع ميدانياً على تفاصيل الاعتداء الذي تعرض له مقر الجهاز يوم أمس وأدى الى إرتقاء أحد المنتسبين، إن «من ارتكب هذه الجريمة الغادرة، هم مجموعة جبانة استباحت الدم العراقي، وتجاوزت على مؤسسات الدولة».

وأضاف أن «من يتجرأ على الدم العراقي لا يمثل العراق، ولا تبرر أي عقيدة هذه الجريمة، ولو كانت هناك عقيدة وراء الجريمة، فهي بلا شك مشوهة وهدامة»، مؤكداً أن الحكومة تتصرف وفق منطق الحكمة والمسؤولية، لكنها لن تقف مكتوفة الأيادي أمام جريمة استباحة الدم العراقي والتجاوز على المصالح العليا للبلد.

ودعا القوى السياسية الوطنية إلى الاضطلاع بدورها، واتخاذ موقف واضح وصريح مما يحصل من اعتداءات تستهدف الدولة ومؤسساتها، وتغامر بمستقبل البلد ، مشيراً إلى أن «هناك من أعطى لنفسه الحق بتحديد قرار الحرب والسلم، لكننا نؤكد أن هذا القرار هو للدولة وحدها، وهي من تحدد وتحمي مصالح العراق».
ووفق بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزارء، «أمر السوداني الجهات المعنية في الجهاز وبالتعاون مع باقي الجهات الأمنية بالاستمرار في
التحقيق الدقيق بملابسات الاعتداء، والكشف عن النتائج والإعلان للشعب العراقي عن الجهة التي تقف وراء هذا الفعل الإرهابي المشين، وعدم التردد في فضحها وتقديمها الى العدالة».

كما اجتمع السوداني برئيس الجهاز والكادر المتقدم والمسؤولين، واستمع إلى عرض أمني شامل، تضمن معطيات العمل المعلوماتية والميدانية، في إطار المهام والواجبات المناطة.

ومنذ الهجوم الذي بدأته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، أصبح العراق إحدى الدول التي امتدت إليها الحرب، إذ تتوالى غارات على مقار لفصائل عراقية مسلحة موالية لطهران، فيما تستهدف هجمات المصالح الأميركية، كما تنفّذ إيران ضربات ضد مجموعات كردية معارضة في شمال البلاد. وتتبنى فصائل عراقية موالية لإيران منضوية ضمن ما تُعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق»، يومياً هجمات بمسيّرات وصواريخ على «قواعد العدو» في العراق والمنطقة، من دون أن تحدد أهدافها في معظم الأحيان.

تصاعد ألسنة اللهب والدخان من منشأة دبلوماسية أميركية قرب مطار بغداد يوم 20 مارس 2026 (رويترز)

وفي بيانها اليومي، قالت «المقاومة الإسلامية في العراق»، فجر الأحد، إنها نفذت خلال 24 ساعة «21 عملية بواسطة عشرات الطائرات المسيّرة والصواريخ». في المقابل، أقرّ البنتاغون، الخميس الماضي، لأول مرة بأن مروحيات قتالية نفذت غارات ضد فصائل موالية لطهران.

ومنذ بدء الحرب، هاجمت فصائل مسلحة موالية لإيران السفارة الأميركية في بغداد و«مركز الدعم اللوجيستي» التابع لها في المطار. واعترضت الدفاعات الجوية معظم تلك الهجمات التي نُفّذت بصواريخ أو مسيّرات.

كذلك تعترض منذ بدء الحرب الدفاعاتُ الجوية في أربيل؛ عاصمة إقليم كردستان شمال العراق، مسيّرات في أجواء المدينة التي يستضيف مطارها قوات «التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب» الذي تقوده واشنطن منذ عام 2014، وقنصلية أميركية ضخمة.

وكانت «كتائب حزب الله» العراقية الموالية لإيران تعهّدت فجر الخميس وقف استهداف سفارة واشنطن «لمدة 5 أيام» بموجب شروط، هي «كفّ يد الكيان الصهيوني عن تهجير وقصف الضاحية (الجنوبية) في بيروت، والالتزام بعدم قصف المناطق السكنية في بغداد والمحافظات، وسحب عناصر (وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية - CIA) من محطاتهم وإيقافهم داخل السفارة».

وأكّدت أنه «في حال عدم التزام العدو، فسيكون الرد مباشراً، وبشكل مركز مع رفع وتيرة الضربات بعد انتهاء المدة». ومنذ ذاك الإعلان، لم ترصد «وكالة الصحافة الفرنسية» أي هجوم على السفارة الأميركية.

Your Premium trial has ended


مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.