تأهب أميركي ـ تركي لـ«ترتيبات ما بين النهرين» شمال سوريا

مسؤول في إدارة ترمب لـ«الشرق الأوسط»: ملتزمون أمن حلفائنا في «ناتو»

مقاتلون أكراد في «قوات سوريا الديمقراطية» في عين العرب (كوباني) خلال تشييع زميل لهم أول من أمس (أ.ف.ب)
مقاتلون أكراد في «قوات سوريا الديمقراطية» في عين العرب (كوباني) خلال تشييع زميل لهم أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

تأهب أميركي ـ تركي لـ«ترتيبات ما بين النهرين» شمال سوريا

مقاتلون أكراد في «قوات سوريا الديمقراطية» في عين العرب (كوباني) خلال تشييع زميل لهم أول من أمس (أ.ف.ب)
مقاتلون أكراد في «قوات سوريا الديمقراطية» في عين العرب (كوباني) خلال تشييع زميل لهم أول من أمس (أ.ف.ب)

مع زيادة الضغط العسكري التركي على منطقة ما بين نهري دجلة والفرات شمال سوريا، تسعى واشنطن إلى المواءمة بين أمرين: هزيمة «داعش» وتحقيق الاستقرار في هذه المنطقة التي تشكل ثلث مساحة سوريا من جهة، والحفاظ على العلاقة مع تركيا باعتبار أن البلدين عضوان في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو) من جبهة أخرى. وقال مسؤول في الإدارة الأميركية لـ«الشرق الأوسط»، أمس: «نحن من جانبنا ملتزمون بشكل كامل بأمن حدودها. وتستحق مخاوف تركيا المتعلقة بأمن شرق الفرات عقد مناقشة تفصيلية وجادة بيننا، مثلما يليق بحليفين مقربين».
كان الجيش التركي قصف مواقع لـ«وحدات حماية الشعب» التركية في عين العرب (كوباني) شمال سوريا. وتشكل «الوحدات» المكون الرئيسي لـ«قوات سوريا الديمقراطية» حليف التحالف الدولي بقيادة أميركا لقتال «داعش».
وكان رد التحالف في أن سيّر دوريات شمال سوريا قرب حدود تركيا في محاولة لـ«ردع» أنقرة، وإرسال إشارات إلى احتمالات المرحلة المقبلة. وهذا بمثابة تكرار لما حصل بداية العام عندما سيّر التحالف، وخصوصاً القوات الفرنسية والأميركية، دوريات في منبج شمال حلب بعدما بدأ الجيش التركي بضوء أخضر روسي على عفرين ذات الغالبية الكردية.
ومع أن العلاقات بين واشنطن وأنقرة كانت متوترة وقتذاك، توصل الطرفان إلى «خريطة طريق» حول منبج في بداية يونيو (حزيران) الماضي، تضمنت تسيير دوريات مشتركة في خطوط التماس بين فصائل «درع الفرات» المدعومة من أنقرة و«قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من واشنطن، إضافة إلى إخراج «الوحدات» من منبج وتشكيل مجلس محلي مقبول من السكان المحليين والأميركيين والأتراك.
حالياً، تبدو العلاقات الأميركية - التركية أفضل من السابق، حيث جرت سلسلة خطوات في المسار الثنائي، لكن الجيش التركي بدأ في تصعيد الضغط العسكري على شمال شرقي سوريا، حيث ينتشر ألفا جندي أميركي مع مئات من قوات التحالف الدولي. كما بدأت أنقرة في حشد فصائل سورية لاحتمال القيام بعمل بري ضد «الوحدات».
المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري، الذي عمل سفيراً سابقاً في أنقرة وأحد المدافعين عن تحسين العلاقات مع تركيا، قال أول من أمس: إن لواشنطن موقفاً واضحاً من «حزب العمال الكردستاني» بزعامة عبد الله أوجلان وتعتبره تنظيماً إرهابياً وتتفهم موقف أنقرة منه، وتتفهم موقف أنقرة من «الروابط» بين «حزب العمال» و«وحدات الحماية»، لكنها لا تعتبر «وحدات حماية الشعب» الكردية تنظيماً إرهابياً.
بحسب المعلومات، فإن واشنطن قامت بسلسلة من الإجراءات لبناء الثقة تجاه أنقرة، بينها ضبط تسليم السلاح الثقيل إلى «الوحدات» وإدراج ثلاثة من قادة «حزب العمال» على قوائم الإرهاب، لكنها لم تصل إلى حد تلبية جميع المتطلبات بانتظار نتائج المفاوضات.
وأفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» أمس، بأن وفدين فرنسياً وأميركياً زارا منطقة عين عيسى في ريف الرقة واجتمعا بقادة «قوات سوريا الديمقراطية» لبحث مستقبل ومصير شرق الفرات. وقال: «من المرتقب أن يخرج الطرفان بتفاهمات جديدة، حول المنطقة الواقعة في الشريط الحدودي ما بين نهري دجلة والفرات».
وسألت «الشرق الأوسط» مسؤولاً أميركياً، ما إذا كانت واشنطن وأنقرة تبحثان في خريطة طريق في تل أبيض على غرار منبج، فأجاب: «تعد تركيا دولة حليفة داخل حلف ناتو وشريكاً محورياً في التحالف الدولي لهزيمة (داعش). ونحن من جانبنا ملتزمون بشكل كامل بأمن حدودها. وتعتبر خريطة طريق منبج مثالاً واحداً حول كيفية عقدنا مشاورات وتنسيقاً مع تركيا لتناول مخاوفها الأمنية. وتستحق مخاوف تركيا المتعلقة بأمن شرق الفرات عقد مناقشة تفصيلية وجادة بيننا، مثلما يليق بحليفين مقربين. وسنستمر في العمل مع تركيا لتناول مخاوفها في الوقت ذاته الذي نشدد على الحاجة إلى الاستقرار في شمال شرقي سوريا لضمان الهزيمة الكاملة لـ(داعش)».
وكانت «قوات سوريا الديمقراطية» علّقت الهجوم على الجيب الأخير لـ«داعش» في ريف دير الزور قرب العراق اعتراضاً على القصف التركي، وللضغط على واشنطن لحماية «وحدات الحماية» قرب الحدود، خصوصاً أن عائلات المقاتلين من هناك. وأوضح المسؤول الأميركي، أمس، رداً على أسئلة عبر البريد الإلكتروني: «الحملة ضد (داعش) لم تنته بعد، ولا يزال القتال صعباً للغاية. وتعمل قوات التحالف بصورة وثيقة مع (قوات سوريا الديمقراطية) التي تشنّ عمليات هجوم ضد (داعش) في قلب وادي نهر الفرات. ولا تزال (قوات سوريا الديمقراطية) شريكاً ملتزماً في مواجهة (داعش)، ولا نزال من جانبنا ملتزمين بالعمل ضد (داعش)، كما أننا ملتزمون بالعمل مع (قوات سوريا الديمقراطية) لضمان هزيمة كاملة لـ(داعش)».
وربما يكون أحد الاحتمالات المتوقعة إقامة شريط أمني على طول الحدود يتم فيه إبعاد «الوحدات» وتسيير دوريات بين عرب من «قوات سوريا الديمقراطية» والتحالف الدولي لتلبية متطلبات تركيا وسط جهود غربية لردم الفجوة بين المكون العربي والأكراد في الجزيرة بعد تحريرها من «داعش»، خصوصاً بعدما ظهر توتر هناك بعد اغتيال لبشير فيصل الهويدي، شيخ عشيرة العفادلة، كبرى عشائر الرقة الجمعة الماضي.
وقال مسؤول دولي: إن حلفاء واشنطن شرق الفرات في المرحلة المقبلة تحت ضغط من اتجاهين: تركيا عبر قصف مناطق «الوحدات» من جهة والعشائر العربية التي ستتحرك ضد حلفاء واشنطن من جهة أخرى.
لكن واشنطن تضع السيطرة على هذه المنطقة ضمن استراتيجيتها للشرق الأوسط، التي تتضمن مواجهة إيران لقطع طريق الإمداد بين طهران - بغداد ودمشق - بيروت. وسئل المسؤول الأميركي، أمس، عن أن السفير جيفري، قال أول من أمس: إن «إيران جزء من المشكلة، وليست جزءاً من الحل»، وإن واشنطن ستواجه «نشاطات إيرانية» وما إذا يعتقد وجود 2000 جندي في شمال شرقي سوريا كافياً لتحقيق ذلك، وإلى أي مدى يمكن للجيش الأميركي المضي في الاستجابة لأي اختبار إيراني في مواجهة قوات أميركية في شمال شرقي سوريا؟
أجاب المسؤول: «تتمثل مهمة القوات العسكرية الأميركية في سوريا في ضمان إنزال هزيمة كاملة بتنظيم داعش. كما تعتمد الولايات المتحدة أيضاً على استغلال الكثير من عناصر القوة الوطنية لتحقيق هدفين استراتيجيين إضافيين على الدرجة ذاتها من الأهمية في سوريا: ضمان انسحاب القوات العاملة تحت قيادة إيران من كامل الأراضي السورية، وتعزيز جهود التوصل لحل سياسي سلمي للصراع القائم بما يتوافق مع قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2254. ويعتبر التخلص من جميع القوات الإيرانية من داخل سوريا أولوية استراتيجية تتطلب مجموعة واسعة من الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية وغيرها». وتابع: «ينصبّ جل تركيزنا على إقرار حل سياسي تصيغه وتقوده سوريا، بما يتماشى مع قرار مجلس الأمن رقم 2254، الذي يجب أن يتضمن التمثيل الكامل لجميع السوريين من أجل بناء سوريا أكثر سلماً ووحدة».
بوابة الحل السياسي حالياً، هي اللجنة الدستورية وتشكيلها قبل نهاية العام. وأوضح المسؤول، أن قادة تركيا، وروسيا، وفرنسا، وألمانيا أصدروا بعد قمة إسطنبول «بياناً دعوا خلاله إلى تشكيل لجنة دستورية قبل نهاية العام. ونشعر بالتفاؤل إزاء هذا الإعلان».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.