قصص تقاوم الخراب باكتشاف جمال الحياة

«نهار بطيء» للعراقي حيدر عبد المحسن

قصص تقاوم الخراب باكتشاف جمال الحياة
TT

قصص تقاوم الخراب باكتشاف جمال الحياة

قصص تقاوم الخراب باكتشاف جمال الحياة

عندما ينتهي المرء من قراءة «نهار بطيء»، سيكتشف مستغرباً أن قصصه القصيرة تدور في فضاء متحرر تماماً من الوضع السياسي - الاجتماعي السائد في بغداد، كأن هناك إمكانية للعيش السوي في عالم يتخلله العنف واختلال الأمن والاستقرار، وهذه نقطة مضيئة تحسب لصالح القاص والشاعر حيدر عبد المحسن، فمقاومة قوى الخراب اليومية باكتشاف جماليات الزمن الإنساني المُعاش ضمن شروط حياتية كالتي يعيشها العراق منذ سقوط النظام السابق هو بحد ذاته إنجاز كبير. وحين يترافق ذلك مع تقديم قصص قصيرة تمتلك كل الخصائص الأساسية في هذا الصنف الأدبي المعقد فإن الإنجاز يصبح معلماً متميزاً ضمن تاريخ الأدب العراقي الذي يمتلك آليته الخاصة بالنمو والتطور بشكل متخارج عن الشروط المادية التي يعيشها المجتمع.
يضم الكتاب بين دفتيه تسع قصص قصيرة تحتل خمساً وتسعين صفحة و35 قصة قصيرة جداً تحتل ما يقرب من عشرين صفحة. وكان الأجدر بالكاتب الاكتفاء بالقصص القصيرة التسع التي تمتلك تقنيات وثيمات مترابطة وإصدارها لوحدها بدلاً من حشر جنس أدبي آخر له خصائصه المختلفة وأعني به القصة القصيرة جداً، فكأنما وضع القاص عبد المحسن مجموعتين قصصيتين معاً على الرغم من اختلاف مناخيهما وتقنياتهما تماماً.
في قصصه القصيرة ينجح عبد المحسن بإقامة معمار كل منها على المشهد الواحد، لكن هذا المشهد غني بالآلات الموسيقية التي تظل تتناوب على تلوين لحنه ذي المقام الواحد، مثلما هو الحال عند الاستماع إلى قطعة جاز موسيقية. التناوب الذي يجري هنا بين الرصد المستمر للعالم المادي المحيط بالأفراد بتفاصيله الدقيقة من ألوان وأشكال، وبروائحه وأصواته المختلفة، وبالرصد المتواصل للعالم الداخلي للبطل عبر المونولوج المتفاعل مع تفاصيل العالم الخارجي، فكأننا نسير فوق سجادة مُحاكة بطريقة بارعة.
لعل القصة القصيرة الوحيدة التي لم تُطبخ على نار هادئة هي «جرح غائر» ،وهي النص الوحيد الذي لا يستخدم الكاتب تقنية المشهد الواحد، ويبدو مسار الأحداث فيه مفتقداً لوحدة الزمان والمكان في بناء المشهد، وفي الوقت نفسه يقع في مطب «تربوي» بشكل ما أو هكذا بدا لي.
الخاصية الثانية التي قد يتلمسها القارئ في كثير من هذه القصص هو التحول المفاجئ في إحدى الشخصيات الرئيسية، وهذا التحول يكشف عن وجود إنسان آخر داخل الإنسان نفسه، ففي قصة «قناع»، المكتوبة بصوت ضمير المتكلم (الشخص الأول) نتابع زيارة شاب لبيت ابن عمه المعاق، باسل، ومحاسن زوجة عمه المتوفى قبل أشهر، وإذ يتعرف المتلقي على الحالة الصحية المؤلمة التي يعاني منها المريض المقعد على كرسيه بسبب إصابته القديمة بالتدرن، والتي تجعله قريباً من حالة الاحتضار، فهو قد يلمس ذلك الانجذاب الخفي بين الزائر ومحاسن من دون أن يكون هناك أي إفصاح مباشر له، ثم يأتي التحول في ابن العم باسل الذي ينهض من سريره، مهدداً ابن عمه وأمه بعد فقدان قصير لذاكرته: «من أنت؟ ماذا تفعل بجوار أمي؟.
يتكرر هذا التحول المفاجئ واستيقاظ شخص آخر نقيض لشخصية البرسونا (القناع) في قصة «حارسان». هنا يتقاسم حارسان غرفة صغيرة على الحدود، وحولهما تعوي الذئاب وفي أعماق أحدهما يسكن خوف عميق، بينما يبدو الآخر الضخم الذي يطلق عليه الراوي اسم (الفيل) في حالة انسجام مع نفسه، شجاعاً ومتطامناً وقادرا على النوم دون خوف في سريره.
هذه القصة هي الأكثر تألقاً بين النصوص التسعة، فكأننا نتابع مونولوجين يتداوران مع صوت الراوي الذي يجعلنا بين لحظة وأخرى نتلمس ونسمع صوت الرعد والذئاب والرياح ونشعر بالبرد القارس والخوف من المجهول في تلك الحجرة الباردة الموحشة. لكن هذه الحال تنقلب عند الفجر، إذ يكشف اللاشعور لدى «الفيل» شخصاً آخر مسكوناً بشعور بالعار، وحالما يرى أمامه الجندي الآخر يطلب منه أن يقتله، وحال رفض الأخير ذلك يقرر هو قتله.
في ذلك الفضاء الغريب الذي ينقلنا القاص عبد المحسن إليه (حيث الجندي الأضعف ينطلق فيه هرباً من رفيقه الذي راح يطلق النار صوبه) ثم يتركنا معه دون معرفة ما سيحل به، هل سينجو أم ستصرعه طلقة طائشة: «شعر بالخوف يشل أطرافه، شحرور كان يتقافز على غصنٍ عارٍ، كأنما يرسل إليه إشارات أنه سوف لا يرى ذئباً في المكان، ولم يكن متأكداً تماماً من ردة فعله فيما لو هاجمه ذئب أو قطيع من الذئاب».
في قصة «نهار بطيء» التي تحمل عنوان الكتاب، يتغير الإيقاع والحبكة عن القصص الأخرى، فهنا ترصد القصة نهاراً عادياً يعيشه عاشقان في شقة لوحدهما، ونحن من خلال شعرية المناخ نتلمس تلك السعادة الداخلية التي عبر عنها الراوي باتباع صوت ضمير المخاطب، فكأننا أمام بانوراما الاحتفال بالحياة بتفاصيلها الصغيرة: «على المائدة ثلاثة صحون من البسكويت المملح، والبيض مع الزبدة ومربى التين، بالإضافة إلى كوبين من الحليب المحلى، وسلة الخبز المحمص، ومفرش المائدة بلون المولاس الخفيف الذي انتشرت عليه نتف صغيرة من نبات الخشخاش الأصفر، تتلألأ مشعة بهجة في النفس».
قصص هذه المجموعة تكشف عن براعة فنية متميزة حيث التمويه والكشف يتداخلان بشكل متوازن، وحيث الإيحاء هو الطريقة للتعبير أكثر من الإعلان.
إنها قصص تحتفل بالحياة: بالكشف الممتع عن خبايا لحظاتها بين الضوء والعتمة، بين الغيوم والرعد والبرق والنباتات والحيوانات وغيرها، وتحقيق ذلك في ظروف العراق الحالية مهمة شاقة ومعقدة.
حيدر عبد المحسن في مجموعته القصصية «نهار بطيء» يترك بصمة متميزة لهذا الفن الصعب.
يشبِّه الناقد الفرنسي ميشيل بوتور القصة القصيرة بالغرفة التي تتطلب أعلى درجات الترتيب والتوازن مقارنة بالرواية التي يشبِّهها بالبيت القابل لتوزيع الأشياء على غرفه الكثيرة وإخفاء الزوائد بينها، وفي قصص هذه المجموعة يتحقق هذا الشرط بشكل متقن وأنيق.


مقالات ذات صلة

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ثقافة وفنون غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ليس كل كتاب نقتنيه موجهاً إلى القارئ الذي نحن عليه الآن، ولربما يمضي في طريقه إلى قارئ آخر نتخيله في داخلنا: أكثر معرفة، وأوسع فضولاً...

ندى حطيط
ثقافة وفنون «خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

عن الحياة ومفارقاتها والخوف من الحرب، والشعور بالوحدة والعزلة، يدور ديوان «خط متقطع» الصادر أخيراً عن دار النهضة العربية ببيروت للشاعرة اللبنانية ليندا نصار

جمال القصاص
ثقافة وفنون بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين

في رواية «ثلاثية أنجمينا»، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» بالقاهرة، يرسم الكاتب التشادي روزي جدّي ملامح بطل عاش في الغرب ونهل من نهر التحضر الأوروبي

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب لطفية الدليمي

«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

يصدر كتاب «التحوّل الكبير: أفكار لعالم آتٍ» بعد رحيل مترجمته ومقدمته الروائية والكاتبة والمترجمة العراقية الكبيرة لطفية الدليمي، فكأنه كتابها الأخير ورسالتها...

فخري كريم
كتب إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

يُعدّ كتاب توفيق الغصين «إدارة فلسطين: مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم»، الصادر عن «مشروع بريطانيا وفلسطين» (Britain Palestine Project)، مهماً في البحث التاريخي

رانية حمّاد

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها
TT

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ليس كل كتاب نقتنيه موجهاً إلى القارئ الذي نحن عليه الآن، ولربما يمضي في طريقه إلى قارئ آخر نتخيله في داخلنا: أكثر معرفة، وأوسع فضولاً، وأكثر شبهاً بالشخص الذي تمنينا أن نصير إليه. وقد تنطوي رفوفنا الشخصية على مفارقة خفية، فنحن نستبق بالكتب زمناً لم نعشه بعد، ونراهن بها على مستقبل نأمل أن يمنحنا فرصة العودة إليها، ليصير شراء الكتاب ليس اقتناءً لنص فحسب، بل استثماراً رمزياً في ذات مؤجلة.

تمثل ظاهرة الهوس بشراء الكتب ومراكمتها قبل الوصول إلى قراءتها سلوكاً إنسانياً عابراً للجغرافيا، فتكتظ بها رفوف عشاق الورق في مدن العالم وبيوتاته. تبدو هذه العادة للوهلة الأولى نوعاً من الترف أو ضعفاً أمام إغراء العناوين والأغلفة، لكنها تخفي شبكة معقدة من الدوافع النفسية والجذور التاريخية، حيث يتقاطع فضول المعرفة مع الرغبة في امتلاكها بوصفها مصدراً للقوة، ويتجاور الرضا عن الذات مع إحساس بالانتماء إلى ذاكرة البشرية، في علاقة تتجاوز المنطق النفعي المباشر للكتاب.

قديماً اعتبر الملوك والأباطرة السيطرة على الفكر المكتوب ركيزة لتثبيت أركان الدولة واستعراض التفوق الحضاري أمام المنافسين. فأرسل آشوربانيبال رسله إلى أطراف الممالك المجاورة لجمع المعارف ونسخها وضمها إلى مكتبته في نينوى بالعراق القديم، التي احتوت آلاف الألواح الطينية المسمارية الموثقة للعلوم والسحر والمعتقدات الدينية، في تعبير واضح عن طموح السلطة إلى احتكار الحكمة والمعرفة والذاكرة الإنسانية. وفي العصر الهيلينستي ذاعت أخبار التنافس بين مكتبة الإسكندرية ومكتبة برغاموم على تجميع المخطوطات ولفائف البردي. وفي الحضارة الإسلامية اتسعت الظاهرة بفضل انتشار صناعة الورق، فتحول جمع الكتب إلى ممارسة مجتمعية وفردية واسعة، وتأسس «بيت الحكمة» في بغداد كصرح علمي ضخم، واشتهرت مجموعات خاصة كبرى، بينها مكتبة الفتح بن خاقان ومكتبات بعض أعيان قرطبة التي أدهشت الرحالة والمؤرخين. ويُروى عن الجاحظ أنه كان يستأجر دكاكين الوراقين للمبيت فيها وقضاء الليالي في مطالعة ما تيسر من كتبهم، كما ارتبطت وفاته في الرواية التراثية بسقوط مجلدات مكتبته عليه.

مكتبة أومبرتو إيكو ضمت عشرات آلاف المجلدات

أحدث اختراع يوهان غوتنبرغ للمطبعة في القرن الخامس عشر تحولاً جذرياً في تاريخ العلاقة بالكتاب، بعدما انتقل الأخير من تحفة نادرة محصورة في دوائر الملوك والمتنفذين والرهبان إلى مادة قابلة للاقتناء والتجميع الفردي على نطاق أوسع. وتطورت حينها فكرة جمع الطبعات الأولى، أو ما عُرف بـ«الإنكونابولا»، لتصبح هاجساً جديداً لدى الأثرياء والمثقفين. وفي مطلع القرن التاسع عشر، صاغ الطبيب الإنجليزي جون فيريار والمؤلف توماس ديبدين مصطلح «البيبلومانيا» لوصف الهوس القهري بجمع الكتب الذي اجتاح أوساطاً أرستقراطية في أوروبا، وشهدت تلك المرحلة مزادات صاخبة وتأسيس أندية متخصصة لهواة الكتب النادرة، من بينها «نادي روكسبيرغ» في بريطانيا.

تتداخل عوامل نفسية وفلسفية كثيرة في تفسير هذا السلوك القريب من الإدمان، ويأتي في مقدمتها مفهوم «المكتبة المضادة» الذي طرحه نسيم نيكولاس طالب متأملاً مكتبة الأديب الإيطالي أومبرتو إيكو، التي ضمت عشرات آلاف المجلدات. تقوم الفكرة على أن قيمة المكتبة تتجسد بدرجة كبيرة في الكتب التي تنتظر القراءة؛ لأنها تذكّر صاحبها باتساع المجهول أمامه، وتدفعه إلى التواضع الفكري واستمرار التعلم. هكذا تتحول الرفوف الممتلئة إلى خريطة مرئية لما بقي خارج دائرة المعرفة الشخصية.

وطور اليابانيون مصطلحاً بالغ الدلالة هو «تسوندوكو»، اشتقاقاً من ثلاثة تعابير تضيف شراء المطبوعات إلى مراكمتها في المنزل وتأجيل قراءتها. ومن منظور علم السايكولوجيا، يمنح اقتناء الكتب صاحبه إحساساً بالراحة المرتبطة بمعرفة موعودة، فكأن شراء الكتاب يمثل خطوة أولى نحو امتلاك الأفكار والمفاهيم التي يحملها بين دفتيه. وقد يؤدي فعل الاختيار ذاته دوراً مهماً: التجول بين الرفوف، ولمس الأغلفة، ومقارنة الطبعات، ثم العودة إلى المنزل بكتاب جديد، كلها تفاصيل تصنع طقساً شخصياً يربط المعرفة بالمتعة والتوقع.

المكتبة تذكّر صاحبها باتساع المجهول أمامه وتدفعه إلى التواضع الفكري

على مستوى آخر، يتجاوز الكتاب كونه نصاً مجرداً ليصبح كائناً مادياً متكاملاً. فرائحة الورق القديم الناتجة عن تحلل مركبات كيميائية مثل «اللجنين» تستثير الذاكرة العاطفية، فيما تصنع رسوم الغلاف ونوعية التجليد والملاحظات المدونة على الهوامش تجربة بصرية ولمسية ذات طابع خاص. هنا ترتقي علاقة الإنسان به من تلقي المعلومات إلى التفاعل الجمالي والحميمي مع أثر مادي يرافق صاحبه عبر مراحل حياته. لذلك ينظر بعض مالكي المكتبات الشخصية إلى رفوفهم بوصفها سيرة ذاتية موازية، تعكس اهتماماتهم وانتماءاتهم الثقافية وتحولات ذائقتهم ورحلتهم المعرفية عبر الزمن، ويأخذ ترتيب الكتب وإعادة تنظيمها معنى قريباً من إعادة ترتيب الذاكرة والذات، كما تمنح مادته القارئ علاقة مختلفة أوثق بالمعرفة: ثمة صفحة طويت هنا، وهامش ترك هناك، وأثر يد أمسكت الكتاب مطولاً يبقى على الورق، ومجلد قد ينتقل من جيل إلى آخر حاملاً تاريخ قرائه السابقين.

يحمل هذا الشغف أيضاً وجهاً مظلماً حين يتحول الاقتناء إلى اندفاع مرضي يفضي إلى السرقة، وهو ما يُعرف بـ«الببليوكليبتومانيا». ومن أشهر الحالات حكاية ستيفن بلومبرغ الذي سرق أكثر من عشرين ألف كتاب نادر ومخطوطة من مئات المكتبات في الولايات المتحدة، وقدرت قيمة مجموعته بملايين الدولارات. وكشفت قضيته عن رغبة استحواذيّة محضة، فالمجلدات المسروقة كانت بالنسبة إليه كنوزاً يرغب في أن تحيط به في عالمه الخاص، أكثر من كونها سلعة قابلة للتداول.

تكتسب الحيازة المادية للكتب المطبوعة أبعاداً وجودية متجددة في ظل الهيمنة المتصاعدة لتقنيات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات التوليدية؛ إذ قد تكون المكتبات الورقية ملاذاً حصيناً أخيراً لصون الفكر البشري في مواجهة سيل النصوص الفائقة السرعة والآلية التوليد. ويمثل الكتاب الورقي في هذا العصر الرقمي الشديد التسارع وثيقة تاريخية ثابتة تحفظ الأفكار البشرية في هيئتها الفيزيائية الملموسة محصنة أمام احتمالات التعديل البرمجي المستمر والتحوير الخوارزمي، معززة رغبة الإنسانية في التمسك برموز للأصالة والأثر الإنساني النقي. ولهذا قد يتحول الشغف باقتناء المجلدات وتكثيرها في عصر الشاشات من هواية جمالية محضة إلى فعل مقاومة ثقافية واعية تؤكد قيمة التواصل البشري المباشر مع المعرفة، صائنة طقوس القراءة البطيئة التي تمنح للعقل البشري فرصة الابتكار الحر والشعور بذاتيته المتفردة في عالم يغرق سريعاً في الأتمتة الشاملة.


«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً
TT

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

عن الحياة ومفارقاتها والخوف من الحرب، والشعور بالوحدة والعزلة، يدور ديوان «خط متقطع» الصادر أخيراً عن دار النهضة العربية ببيروت للشاعرة اللبنانية ليندا نصار... تهدي الشاعرة ديوانها إلى «اللاأحد»، وتستحضر الخريف في دورة التحول من الجدب إلى الإثمار، ليصبح معادلاً رمزياً لمعاناتها مع الكتابة... تقول: «في كل لحظة كتبــتُ فيهــا بإنصــات، اختــارني الخريــف ليفــكّ عنّــي حبســة الكتابــة، فكنــتُ أراقــب الأشــياء المتســاقطة وأكتبها، كأنّهــا وحدهــا تعــرف كيــف تمنــح الكلــمات معناهــا. ولعــلّ الانقطاع، في بعــض الأحيــان، ليــس إلا الوســيلة الوحيــدة لاســتعادة الأنفــاس، والعــودة إلى الكتابــة».

بهذه المكاشفة تفتتح الشاعرة ديوانها، كاشفة عن مأزق وجودي استمر نحو ست سنوات من الإنصات، ومحاولة التصالح مع الكتابة والوحدة والواقع والعالم والأشياء من حولها. ولعلها بهذا الإنصات اختارت «الحياة في الظل»، ظل الوحدة، ظل الكتابة، ظل الأمل، والحب، فلا أحد يكسر أجواء هذه البقعة المريحة، التي يرتاح لها الكثير من الشعراء والفنانين، ربما لأنهم لا يستعجلون قطف الثمرة، حتى تأخذ دورتها في النمو، ويكتمل مذاقها بشكل طبيعي. وأيضاً لأنهم ينفرون من ضجر الحياة وإيقاعها الصاخب المربك، ويفضّلون الجلوس على مقربة من أنفسهم، يـتأملون ما يجري حولهم بعمق، ويصقلون وجدانهم بالمزيد من المعارف والخبرات والرؤى الخاصة. من هنا نفهم أن الإهداء إلى «اللاأحد»، ليس نفياً مطلقاً ـ إنما فعل إثبات لوجود معطل، يستعيد الحياة في مرايا الشعر والحياة، ويتصالح معها بروح وإيقاع جديدين.

يتناثر هذا الهم في قصائد الديوان الذي ينتمي إلى قصيدة النثر، ويقع في 60 صفحة من القطع الصغير، وتركز الشاعرة فيه على الإيقاع الخاطف، في بناء الصورة الشعرية واصطياد المعنى، من تراكمات اليومي المعيش، والمهمش النافر من سكونية المتن ورتابة الخيال... تقول في النص الذي وسم عنوان الديوان «خط متقطع»:

«أشياء كثيرة تُمحى،

كيف تنجو قليلاً،

ظل الوقت يترقب طيفاً لا يشبهني

زاوية مضاءة في الأربعين

حالفها حظ مؤقّت

لا يخطئ الحدسَ والعدَّ

ولا قوانين الترتيب

وأنا عالقة بين قرنين لم يكتملا.

في الجهة الأخرى كنت

طفلة تراقص أحلامها

محمولة على إيقاع «جاز»

محمولة بضفيرتين

الراقصة لا أعرفها تصرخ بلا صوت،

عجلات تدور مع مجرات العظام

المحنطة ورأس ثقيل بين يديّ».

يدور النص في فلك مشهد تبدو فيه الذات الشاعرة وكأنها تبحث عن حكمة ضالة، أو حقيقة هاربة، تواجه في مرآتها وعيها بذاتها وبالوجود. يتبدى ذلك من خلال المزج ما بين الخاص والعام، وكسر العلاقة الصلدة النمطية ما بين الأنا والموضوع؛ لإبراز يقين الذات المنهكة، والتي تتمسك به حتى الرمق الأخير، وتعلن عنه على نحو حاد ومتوتر أحياناً، فلا بأس من أن تصرح: «الحب جدار للعزلة»، «أختار موتي بالتقسيط»، «كأس للروح ووردة لقناص يتوارى خلف أروقة الحرب»، «يصيبني بالهلع».

يعزز هذا المشهد أن الحلم والذاكرة يتبادلان الأدوار في الكثير من قصائد الديوان؛ فالحلم باب للذاكرة، والعكس صحيح أيضاً. وكلاهما يتلامس مع الواقع، يصبّ فيه ويأخذ عنه، في محاولة لتجديد الوعي بالوجود والشعر والحياة، نرى ذلك في نص بعنوان «حلم البارحة»... تقول فيه:

«كان الليل طويلاً يتمدّد في الشوارع،

الوقت ضائعٌ بين رفوف الذاكرة

يضيق الفجرُ

نور أنفاسي متقطّعٌ

وحدها العجوز شبه نائمة

تحركها أغصانُ شجرةٍ

لم يتبقَّ منها سوى كرسيٍّ هزاز

ما أجمل بياضُ شَعرها الرمادي

الزمن عائم هنا

والذاكرة تعيش فوضاها، العجوز نائمة في حلمي

وطفلة تستيقظ من بعيد

تجري مع الريح».

ببدو الخريف وكأنه الملاذ الأخير للذات، لتتخلص من محنتها؛ لذلك تتكرر رمزيته في أكثر من قصيدة، منها،«خريف وشاعر» صفحة 32، «الخريف ممكن» صفحة 34.، وهذه الرمزية من العناصر الأساسية المغوية في الديوان؛ لارتباطها بالحلم، وتنوع دلالتها، وجمعها ما بين الشيء ونقيضه في الوقت نفسه؛ فالأوراق لا تتساقط من الشجرة في الخريف، لتعلن ضمورها وذبولها، إنما لتجدد نموها وتضح في شرايينها حياة جديدة.

أضف إلى ذلك، أن دلالة الحلم تبدو أكثر فاعلية، وقدرة على فك عقدة الحبل المشدود بين الإمكانية والاستحالة، التي تشكل أيضاً بتضادها المعرفي أحد المعاول الفنية في الديوان. وهو ما يطالعنا في قصيدة بعنوان «الحياة ممكنة» تقول فيها:

«تتمدد الشوارع

يضيق الوقت

برغبة تلفظ أنفاسها

عند فجر أبيض

لعجوز تجهز قهوتها

وغانية عائدة تنفض غبارَ رجل

عن فستانها، وطفلة تستقبل يوماً جديداً على هذا الكوكب.

وذاكرة المرايا

حروف ابتلعها طفل

يمارس النطق كما تمارس الأحلام.

الحياة ممكنة

الحب ممكن أيضاً

ما لم تكتمل الرسالة

وسط ضجيج العالم

النوم بهدوء

يحتاج إلى أحلام محترقة».

تنحو اللغة في الديوان نحو البساطة، وعدم التكلف، والوصول إلى الفكرة من أقرب الطرق المتاحة، تحافظ الذات على هذه الطرق، ولا تسعى للبحث عن طرق أخرى بديلة، قد تجعل الفكرة أكثر إثارة للدهشة والأسئلة؛ ما يضفي على الصورة الشعرية ملمحاً جمالياً مغايراً للسائد والمألوف. ومن ثم، من الصعب أن نتأمل نصوص الديوان، في إطار بنية خاصة، بعيداً عن المرجعيات المعروفة، بخاصة في العلاقة المتلازمة بين الدال والمدلول، أو بين الرمز ومرموزه، كما أن حضور النص يظل مرهوناً بها، رغم أنه في الكثير من النصوص يملك العناصر والخبرة التي تساعده على كسر هذا الإطار، ليكون حراً ومستقلاً، من أبرز هذه العناصر البراح الفني الذي توفره قصيدة النثر، واللعب على الخارج والداخل بروح من التجريب والمغامرة. ورغم ذلك، نحن أمام ديوان شيق يستحق التأمل من زوايا متعددة سواء على مستوى الرؤية، أو علاقة الشكل بالمضمون، التي يتعامل معها ككيان واحد، ينتصر للشعر في أبسط مفردات علاقته بالإنسان والواقع والحياة.


بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين
TT

بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين

في رواية «ثلاثية أنجمينا»، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» بالقاهرة، يرسم الكاتب التشادي روزي جدّي ملامح بطل عاش في الغرب ونهل من نهر التحضر الأوروبي، لكنه لم يشف بعد من داء الحنين فيقرر بعد سنوات من الإقامة في فرنسا أن يعود إلى بلاده، وتحديداً إلى العاصمة أنجمينا التي هرب منها ذات يوم، كأنه يعود إلى جرح قديم لم يندمل.

إنه أبكر بركاى الذي يستقبله صديقه جنكيز بين أزقة سوق دقيل ومقاهي شارع الثلاثين ورائحة حلوى «الفنقاسو» وأغاني أحمد بيكوس وغبار مدينة تعرف كيف تمنح أبناءها مزيجاً غريباً من الحنين والخيبة. تفتح الرواية أبواب عاصمة تشاد لنرى كيف يعيش أبناؤها في غبارها وأسواقها وعنفها وفي ذاكرتها الشعبية، حيث تتجلى أنجمينا كمدينة مثقلة بالحروب الأهلية والبطالة والموت المجاني لكنها لا تكف عن إغواء أبنائها حتى وهم يعرفون أن العودة إليها قد تكون بداية سقوط جديد.

قام البناء الفني للعمل على تقسيم الرواية إلى ثلاثة أقسام هي؛ الكتاب الأول: «الشتاء» والثاني: «الصيف» والثالث: «الخريف»، بحيث يتضمن كل باب عدداً من الفصول الداخلية تحمل أسماء عدد من الشخصيات الفاعلة في النص. تتميز لغة المؤلف بالصفاء والطابع الرائق، ويعكس النص حالة من المقارنة بين الشرق والغرب، ولكن عبر طرفي نقيض محددين هما باريس وأنجمينا، فالرفاهية الأوروبية يقابلها التوتر الأفريقي، لكن الشخصية الرئيسية تجد نفسها منجذبة إلى هذا التوتر برغم خطورته، بسبب ما تحمله من حنين وذكريات.

وروزي جدّي روائي تشادي يقيم في أنجمينا ويعمل في السلك القضائي، صدرت له أربع روايات وكتاب في أدب الرحلة. فازت روايته «زمن الملل» بجائزة غسان كنفاني كما نال جائزة التميز الأدبي عن روايته «ارتدادات الذاكرة»، وهي أرفع جائزة تمنحها وزارة الثقافة في تشاد. وفي عام 2016 تُوّج بجائزة «ابن بطوطة» لأدب الرحلة عن مخطوطته «فوق الأهرامات وتحت القباب: يوميات بين القاهرة وإسطنبول».

من أجواء الرواية نقرأ: «في ذلك الزمن البعيد قبل أن يغادر إلى فرنسا، كنا صغيرين ولم تكن السعادة أكثر من عشرة ريالات في الجيب لتشتري فنقاسو أو مارشميلو لنفسك ولصديقك وتتجولان في أزقة سوق دقيل بكل فخر، بل كنت سعيداً حتى حين صارت السعادة زجاجة «كوكا كولا»، أو العودة غانماً بعد ضرب أحد أبناء الطبقة الوسطى على قفاه وأخذ ماله، لكن الحياة تغيرت ولم تعد الأمور بسيطة كما كانت. لابد أن أعترف بأن صديقي قد تغير كثيراً، كان قصيراً ونحيفاً رغم أنه أكثر وسامة، لكنه عاد الآن رجلاً متوسط الطول وأضخم ولديه عضلات مفتولة كعضلات مرتادي (الجيم).

بعد الآن لن يشعر بالحرج وهو يمشي إلى جانبي كما فعل وقت كنا صغيرين، كنت طفلاً ضخماً وطويلاً وذا كرش عظيم. شكلي لم يتغير كثيراً عدا أنني صرت أطول».