العراق.. لعبة تقسيم أمة

صدور وإعادة إصدار مجموعة من الكتب الغربية في ظل أزمة البلد الحالية

غلاف «عندما حكمت بغداد العالم الإسلامي»  -  غلاف «سهام الليل»  -  غلاف «العراق ماذا يحدث خلف الكواليس؟»  -  غلاف «العراق من الحرب إلى طغيان جديد»
غلاف «عندما حكمت بغداد العالم الإسلامي» - غلاف «سهام الليل» - غلاف «العراق ماذا يحدث خلف الكواليس؟» - غلاف «العراق من الحرب إلى طغيان جديد»
TT

العراق.. لعبة تقسيم أمة

غلاف «عندما حكمت بغداد العالم الإسلامي»  -  غلاف «سهام الليل»  -  غلاف «العراق ماذا يحدث خلف الكواليس؟»  -  غلاف «العراق من الحرب إلى طغيان جديد»
غلاف «عندما حكمت بغداد العالم الإسلامي» - غلاف «سهام الليل» - غلاف «العراق ماذا يحدث خلف الكواليس؟» - غلاف «العراق من الحرب إلى طغيان جديد»

في ظل أحدث أزمة أعادت العراق مرة أخرى إلى صدارة عناوين الأخبار العالمية، ليس من المفاجئ أن يصدر عدد من الكتب التي تتناول السياسة والتاريخ العراقيين أو يعاد إصدارها في الغرب. ويمكن تصنيف هذه الكتب وفقا لثلاث مجموعات.
في المجموعة الأولى نجد الكتب التي تتعامل مع قضية العراق بوصفها واحدة من مسائل السياسة الداخلية الأميركية والأوروبية الغربية. ومن المعروف، أنه في العقود الأخيرة لم تتسبب قضية في انقسام آراء النخبة الغربية مثلما فعلت الإطاحة بصدام حسين في عام 2003؛ فبالنسبة للبعض كان سقوط الطاغية يمثل النسخة السياسية من المفهوم المسيحي «الخطيئة الأصلية». وتكفيرا عن تلك «الخطيئة» يجب علينا جميعا أن نفعل ما في وسعنا للتأكد من أن العراق فشل في صنع مستقبل أفضل لذاته وبذاته.
وتعتبر بعض الكتب المصنفة وفقا لهذه المجموعة أن حرب العراق ثمرة مؤامرة بين المحافظين الجدد في أميركا الذين رغبوا في تدمير نظام صدام حسين «الاشتراكي» المفترض في بغداد. وكان أحدث من دفع بتلك النظرية هو كتاب تشارلز إيه. كويوت «حرب العراق: ماذا حدث خلف الكواليس؟» (Iraq War: What Happened Behind the Scenes)، الذي اعتمد على تل من الوثائق الحكومية والتصريحات المأخوذة من شخصيات بارزة في إدارة جورج دبليو بوش.
ويقدم كتابان آخران نطاقا أكثر محدودية، الأول هو «سهام الليل» (Arrows of the Night) من تأليف ريتشارد بونين (320 صفحة)، ينسب فيه إلى السياسي العراقي والخصم السياسي القديم لصدام حسين، أحمد الجلبي، دفع الولايات المتحدة إلى الحرب. هنا أيضا يمكن أن يلتقط القارئ شعورا بالحنين إلى الديكتاتور المطاح به. في هذه الكتب وغيرها ذات الفكرة المشابهة، يحاول الكُتاب أن يدعموا فرضيتهم بأن الإطاحة بصدام كانت خطأ وذلك بتوقع مستقبل عصيب في العراق. وكان التنبؤ الأساسي هو أن العراق سوف يتفكك على الأقل إلى ثلاث دويلات صغيرة: شيعية وسنية وكردية. وكانت الفكرة الضمنية وراء ذلك التحليل هي أن الديكتاتور الذي لا يعرف الرحمة ويحكم بقبضة حديدية هو الوحيد القادر على الحفاظ على وحدة العراق.
تضم المجموعة الثانية الكتب التي أيدت حرب 2003، ولكنها توقعت مستقبلا مظلما للعراق بعد صدام. وأفضلها كتاب توبي دودج «العراق: من الحرب إلى استبداد جديد» (176 صفحة) (Iraq: From War to a New Authoritarianism). يعترف دودج بأن التخلص من صدام كان خطوة جيدة، ولكنه كان يحذر من أن خلفاء الطاغية، وأبرزهم رئيس الوزراء نوري المالكي، يحاولون إقامة ديكتاتورية جديدة، وأن العراق قد يتجه كلية إلى التفكك.
وتحتل إمكانية تقسيم العراق الفكرة الرئيسة في كتاب «مستقبل العراق: الديمقراطية أم التقسيم؟» (The Future of Iraq: Democracy or Division) من تأليف ليام أندرسون وغاريث ستانسفيلد (288 صفحة). ويحمل الكتاب رسالة مفادها أن العراق سوف ينقسم إلى ثلاثة أقاليم تاريخية.
في المجموعة الثالثة، نجد كتبا تعلن أن حرب عام 2003 كانت انتصارا أميركيا بددته «لا مبالاة» أوباما. وأفضل تلك الكتب هو «نهاية اللعبة: القصة الداخلية للصراع من أجل العراق، من جورج دابليو بوش إلى باراك أوباما» (The Endgame: The Inside Story of the Struggle for Iraq، from George W Bush to Barack Obama) من تأليف ريتشارد جوردون وبرنارد إيه ترينور، والمكون من 832 صفحة.
هنا أيضا يتفق المؤلفان على «تحرير» العراق، ولكن يحذران من تقسيمه الذي يلوح في الأفق.
تتسلل فكرة التقسيم أيضا في كتب تتناول صناعة النفط العراقية. وأقوى ما صدر في هذا الصدد هو كتاب غريغ موتيت «وقود على النار: النفط والسياسة في العراق المحتل» (432 صفحة) (Fuel on the Fire: Oil and Politics in Occupied Iraq). ويشير ضمنيا إلى أن شركات النفط الكبرى قد تجد أن العراق المنقسم أسهل في التعامل معه نظرا لأن «الدولة النفطية المثالية» هي الدولة التي تملك كثيرا من النفط وعددا أقل من السكان. وفي عام 2003، ادعى الكثير من المعارضين للولايات المتحدة أنها أطاحت بصدام من أجل «سرقة النفط العراقي». ويوضح موتيت أن هذا لم يحدث. في الواقع، وتجنبت شركات النفط الأميركية العملاقة بحذر التورط في العراق. ولكن هل السبب وراء ذلك أنها تنتظر أن ينقسم العراق إلى دويلات صغيرة؟
تستعين الجماعة التي تتنبأ بـ«تقسيم العراق» بثلاثة براهين لدعم حجتها، الأول هو أن العراق دولة «مصطنعة». ويدعي ستانسفيلد، على سبيل المثال، أن البريطانيين «صنعوا» العراق عام 1921 ليكون منطقة عازلة ضد كل من تركيا وروسيا، وأن «هيكل العراق المركزي الجديد كان معقولا فقط من وجهة نظر البريطانيين». علاوة على ذلك: «جلب» البريطانيون ملكا من الخارج إلى العراق ومعه كثير من النخبة الحاكمة الجديدة».
إن الحجة القائلة بأن العراق مناسب للتقسيم بسبب أنه «مصطنع» هي حجة ساذجة تماما؛ فجميع الدول القومية مصنوعة، ولم تهبط أي منها من السماء بالصورة التي هي عليها. على سبيل المثال، بدأت الولايات المتحدة الانفصال عن الإمبراطورية البريطانية، وتشكلت تدريجيا بالاستيلاء على أراض من سكانها الأصليين وشراء أراض من الفرنسيين والروس، والاستيلاء على مناطق من الإمبراطوريتين الإسبانية والمكسيكية.
كذلك، لا يعد كون الدولة العراقية الجديدة أقيمت بمساعدة من البريطانيين مبررا لنزع الشرعية عنها.
ولعب الفرنسيون دورا فعالا في قيام الولايات المتحدة نكاية في أعدائهم البريطانيين. وزودت الأجهزة السرية الفرنسية الثوار الأميركيين بالسلاح والمال بينما ساعدتهم البحرية الفرنسية على كسر الحظر البحري البريطاني. وساعد جنرالات فرنسيون مثل آرشامبو ولافايت على تدريب وتنظيم الثوار الأميركيين.
وقامت فرنسا أيضا بدور في قيام دولة إيطاليا عام 1870؛ إذ قامت الدولة الإيطالية الموحدة من أجزاء منفصلة من الأراضي بمساعدة الفرنسيين والبريطانيين والبابا لتحقيق توازن مقابل الرايخ الألماني الذي تأسس حديثا في ذلك الوقت.
إن كون الدولة العراقية الجديدة قد أقيمت بمساعدة من البريطانيين مبررا لنزع الشرعية عنها؛ فعندما تأسست الدولة لم يكن تعداد سكان العراق يتجاوز 1.2 مليون نسمة، واليوم، يصل تعداد سكان العراق إلى 32 مليون نسمة. وكما في حالة جميع الدول ذات القوميات، المهم هو الواقع الوجودي للعراق بوصفه وطنا لشعب يشعر أنه شعب عراقي، رغم كل شيء.
آخر حجة تدافع عن تقسيم العراق هي الأكثر غرابة: من دون التقسيم، قد يحول نوري المالكي العراق إلى ديكتاتورية أخرى.
ففي الحقيقة، إن المالكي، أو أي شخص غيره، لا يمكنه، حتى لو أراد، أن يقيم ديكتاتورية جديدة لأنه لا يمتلك الوسائل اللازمة لفعل ذلك. مشكلة العراق تكمن في مكان آخر. وكما أظهر الفشل الذي وقع في الموصل، فإن الدولة العراقية ما تزال ضعيفة. ليست المشكلة، إذن، في أن الحكومة العراقية الحالية شديدة القوة؛ بل المشكلة في أنها شديدة الضعف وتعاني من الفوضى بما لا يُمكّنها من مواجهة الخصوم في الداخل والأعداء في الخارج، الذين يريدون، ولكل منهم سبب مختلف، تقسيم العراق إلى عدة دويلات صغيرة.
في تقديري، يتسم الشعور بـ«العروقة» بالقوة الكافية لتجاوز موجة تسونامي الراهنة من نزاع طائفي وفساد وانعدام كفاءة وإرهاب. العراق يستطيع أن يتعافى، ويستعيد مكانه المناسب في الشرق الأوسط.
ولكي نتذكر المخزون العراقي المذهل من القوة الأخلاقية والقدرة على البقاء، أوصي بقراءة كتاب هيو كنيدي «عندما حكمت بغداد العالم الإسلامي» (When Baghdad Ruled the Islamic World) (326 صفحة). ويجب أن أعترف بأنني من أشد المعجبين بالبروفسور كنيدي نظرا لحسه في كتابة التاريخ الذي لا ينازعه فيه أحد.
ولكن سيكون من الأفضل أن تقرأ كتابه بنفسك.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.