غراس... موسم قطف الياسمين في عاصمة العطور الفرنسية

عندما يتحول الاحتكار إلى أجمل شكل من أشكال الإبداع

أوليفييه بولج..عطار دار «شانيل» في إحدى زياراته للمنطقة - سيدة تقطف الياسمين في الصباح الباكر
أوليفييه بولج..عطار دار «شانيل» في إحدى زياراته للمنطقة - سيدة تقطف الياسمين في الصباح الباكر
TT

غراس... موسم قطف الياسمين في عاصمة العطور الفرنسية

أوليفييه بولج..عطار دار «شانيل» في إحدى زياراته للمنطقة - سيدة تقطف الياسمين في الصباح الباكر
أوليفييه بولج..عطار دار «شانيل» في إحدى زياراته للمنطقة - سيدة تقطف الياسمين في الصباح الباكر

هناك أماكن تفرض نفسها على الذاكرة والوجدان ولا يمكن أن تُنسى. إن لم تُخلف صوراً لا تمحوها السنون، فإنها بروائحها التي تتغلغل في الحواس، تبعث الحياة في ذكريات بعيدة جدا ترتبط بمكان أو شخصية ما. هكذا الحال بالنسبة لغراس، عاصمة العطور الفرنسية، التي تقع على بعد 15 كيلومترا من مدينة «كان» بشواطئها اللازوردية. الطريف أنه عند ذكرها قلما يتبادر إلى الذهن أهميتها السياحية أو اسم ابنها الرسام الشهير «فراغونار»، بقدر ما يقفز اسم عطر «شانيل نمبر 5» إلى الأذهان. ففيها وُلد هذا العطر الأسطوري، الذي لا بد أن تكون كل امرأة قد جرّبته في مرحلة من مراحل حياتها.
عندما تصل إلى غراس، فإنك ستشعر كما لو أن الكون يرقص على سيمفونية من الألوان المختلفة والروائح المدغدغة للحواس. يقوى هذا الإحساس في فصل سبتمبر (أيلول) موسم قطف الياسمين. فالحقول تبدو من بعيد وكأنها لوحة فنية مرسومة بالأبيض والأخضر. تقترب أكثر فتتراءى لك رؤوس تُغطيها قبعات واسعة لسيدات من جنسيات مختلفة خصورهن مشدودة بأكياس يضعن فيها ما يقطفنه بحركات دقيقة ومحسوبة وكأنهن ينقرن على آلة موسيقية. تبدأ العملية بالنسبة لهن في الصباح الباكر؛ «لأن الوقت من ذهب، وأي تأخير من شأنه أن يؤثر على جودة الزهرة ورائحتها» حسب شرح جوزيف مول، صاحب هذه المزارع، الذي أصبح شريكا لـ«شانيل» منذ عقود. يقول هذا وهو يستعرض طريقة القطف بنفسه. يقطف كل زهرة بإصبعين بعد أن يثنيها من العنق بخفة. بعد ذلك يشير إلى الجذور حيث تظهر براعم صغيرة جدا تتأهب للتفتح، شارحا بأن الدور سيكون عليها في اليوم التالي حين تبدأ العملية من جديد. على مقربة من هذه المزارع يوجد معمل التقطير. ويعيد مول قوله إن الوقت من ذهب، إذ يجب أن تبدأ عملية التقطير بسرعة ومباشرة بعد القطف. كل شيء يسير بانتظام داخل المعمل من الألف إلى الياء، أي إلى أن تتم تعبئة خلاصة الياسمين في قارورات صغيرة جدا مركزة لا يحتاج منها العطار سوى إلى نقط قليلة للحصول على تركيبة غنية.
تحت تأثير الروائح والألوان الغنية التي تغطي الحقول، ألتفت لأسأل أوليفييه بولج، عطار «شانيل»، إن كان المكان لا يزال يثير بداخله كل الأحاسيس التي يثيرها في نفوس زواره لأول مرة. يرد مبتسما: «يمكنك القول إنها إثارة من نوع يختلف. لست معميا عن جمالها، لكني ربما لم أعد أراها بالحماس الشاعري نفسه. فهي جزء مهم من حياتي الخاصة والمهنية على حد سواء. لقد وُلدت هنا، كما أحضر إليها بشكل منتظم بحكم عملي، بحثا عن خلاصات ومكونات جديدة... لهذا يمكنني القول إني أراه من زاوية مختلفة».
أوليفييه بولج ينتمي إلى الجيل الرابع في دار «شانيل». تسلم المشعل من والده جاك بولج، الذي تسلمه من هنري روبير، علما بأن أول من قام بهذا الدور كان إرنست بو. يعيش أوليفييه حاليا في باريس، وفيها يستلهم أفكاره وتتبلور عطوره، لكن الأفكار، كما يقول: «لا تكتمل من دون زيارة غراس للبحث أو التأكد من المكونات واختيار الأنسب منها ثم تقطيرها وتحضيرها للمزج».
ويشير إلى أن نكهة الزيارة تختلف من موسم إلى آخر، فمواسم قطف وردة أيار أو المسك الرومي مثلا تختلف ألوانا، لكنها لا تقل إثارة ولا جمالا. لكن يبقى لموسم الياسمين أهميته الجمالية والعطرية والتاريخية. فهو أكثر ما يرتبط بالدار، كما أنه فريد من نوعه هنا، نظرا لتربة ومناخ المنطقة. إنه ملكية خاصة لـ«شانيل» أو بالأحرى لعطر «شانيل نمبر 5»، حسب توضيح أوليفييه: «من المستحيل أن تُستعمل غلته هذه في أي عطر سواه. إن أردت إدخاله في أي عطر آخر، عليّ أن أستورده إما من مصر أو مدغشقر أو الهند». السبب أن الطلب كبير على العطر بينما الغلة قليلة.
والحقيقة أن تاريخ العطر وكيف وُلد وما يحققه من نجاح منذ عام 1921، يُبرر هذا الاحتكار. فما عدا أنه في كل 30 ثانية تباع قارورة منه، حسبما يُشاع، فإنه غيّر مفهوم صناعة العطور إلى حد كبير. لم يكن أول عطر بمفهوم جديد وعصري أبدعته مصممة أزياء فحسب، بل وُلد من فكرة قد تكون رائجة حاليا، إلّا أنها كانت ثورية في زمنها، ألا وهي تمكين المرأة ومنحها الثقة والقوة من خلال عطر أو قطعة أزياء أو إكسسوار. فلسفة أو استراتيجية لا تزال سارية إلى الآن. فهدف «كوكو شانيل» كان ابتكار عطر يتحدى الزمن ويعزز قوة المرأة، وهو ما نجحت فيه.
بدأت قصة هذا النجاح في العشرينات من القرن الماضي. حقبة كانت روائح الجلد والبنفسج هي الغالبة، بينما كانت الآنسة كوكو شانيل تطمح إلى عطر مفعم بالنعومة والأنوثة تلعب فيه الأزهار والورود دور البطولة. طلبت من العطار الشهير إرنست بو أن يجسد رؤيتها. كان لقاؤهما لقاء بين عملاقين، إذ كان إرنست بو المفضل لقياصرة روسيا، وله باع طويل في هذا المجال، الأمر الذي جعله أفضل من يترجم رؤيتها الثورية. تقول القصة إنه ابتكر 5 تركيبات عطرية، لم تشعر بالرضا سوى عندما قدم لها الخامسة. كانت مزيجا من الياسمين وباقة مشكلة من الأزهار والورود المختلفة، لكن الأهم أنه استعمل، لأول مرة في تاريخ صناعة العطور، مادة الألدهيد أو الغوليد.
يشرح أوليفييه بولج أن التقنيات التي استعملت فيه كانت سابقة لأوانها في 1921، و«الدليل أنها لا تزال تُستعمل إلى اليوم مع بعض التطويرات الطفيفة، كذلك الأمر بالنسبة للخامات التي كانت جديدة آنذاك، ولا نزال إلى الآن نحرص عليها بحمايتها من عوامل المناخ وتغيرات البيئة وغيرها».
لا ينكر أوليفييه أن مهمته سهلة، لأن سيناريو عطور «شانيل» مكتوب بوضوح، «فالياسمين شكل شخصية عطور الدار منذ عشرينات القرن الماضي بحيث لا يكتمل أي منها من دون خلاصات الورد، خصوصا من مدينة غراس». وعندما شعرت الدار أن مزارعها أصبحت مهددة بسبب زحف العقارات وما شابه في الثمانينات من القرن الماضي، تدخلت بربط شراكة مع عائلة «مول» التي تملكها حتى تضمن بقاءها، ومن ثم حصولها على أجود الأنواع.
يُذكر أن زهرة الياسمين استوردت إلى فرنسا في القرن السادس عشر، ورغم أنها متوفرة في بلدان أخرى فإنها في جنوب فرنسا تحديدا تكتسب خصوصية فريدة تغلب عليها نفحات من شاي المتة. زهرة الياسمين المصريّة يغلب عليها الجانب الحيواني ما يمنحها دفئا أكبر.
السرّ في ذلك يكمن في تربة بيغوما الغنيّة وخبرة عائلة مول Mule التي تتولّى زراعة هذه الزهرة منذ أجيال، وأصبحت شريكة لدار شانيل، تعمل معها حصريا منذ 1987.
ومع ذلك لا بد من القول إن لكل عطار بصمته ووردته المفضلة. فرغم أن أوليفييه يعرف أهمية الياسمين ويُقدرها فإنه شخصيا يفضل مسك الروم، بدليل أنه كان من أوائل من أدخلوه إلى الدار في عطر «غابرييل».
يشرح أن العطار مثل الرسام يجرب ويمزج المواد والخامات إلى أن يتوصل إلى النتيجة التي ترضيه، «وأنا شخصيا أحب التركيز على الورود البيضاء ومزجها مع بعض. قد يبدو الأمر تناقضا بحكم أن الرسم يعتمد على الألوان المتنوعة، لكني أمنح نفسي رخصة شاعرية في هذا الوصف. فالعطر يتكون بداية في الخيال، والكثير من هذه الورود البيضاء أتخيلها بألوان، مثل الأصفر في الـ(إيلانغ إيلانغ)... هذه الرخصة الشعرية يتمتع بها أي فنان، رساما كان أم موسيقيا أم عطارا وهي التي تمنحه مساحة للإبداع».
الطريف أن قصة «شانيل» والياسمين لا تكتمل من دون الفصل الذي يرويه جوزيف مول، الذي يقول إن مدينة غراس لم تكن دائما معطرة بالياسمين والورود، وإن بداية صناعة العطور فيها بدأت من حاجة ملحة للتخلّص من رائحة دباغة الجلود النفاذة التي كانت هي السائدة. كان السكان يستعملون خلاصة زهر البرتقال للتخلص من رائحة الجلود الكريهة، ومع الوقت بدأت هذه الصناعة تتبلور لتُصبح هي الأساس. وصل عدد العائلات التي كانت تزرع الورود والأزهار في عام 1925 إلى 2000 عائلة تقريبا. لكن هذا العدد تقلص بشكل كبير في الستينات، بسبب زحف العقارات وصناعات أخرى تمددت على حساب المدى الأخضر الذي يحتضن شتلات الميموزا الصفراء والورد والياسمين. الأمر الذي استدعى تدخلا لحماية هذه الصناعة. كانت عائلة مول من أكبر المزارعين في المنطقة، حيث توارثوا أراضيهم أبا عن جدا، لهذا كانوا أفضل من يمكن لـ«شانيل» التعاقد معهم بهذا الشأن. بموجب الاتفاقية أو الشراكة، فإن كل ما تنتجه عائلة مول هو ملك للدار الفرنسية. وبهذا ضمنت العائلة الأمان المادي والاستمرارية، وضمنت «شانيل» الحرفية وجودة الياسمين والورود الأخرى.
يعلق أوليفييه بولج أن زراعة الورود عموما والياسمين خصوصا أصبحت مهددة في تلك الفترة، الأمر الذي استدعى التدخل وربط شراكة مع عائلة مول، «من دون ذلك لا يعرف أحد ما كان سيئول إليه مصير الياسمين في المنطقة».
الآن ونظرا لندرته، يُزرع سنوياً بواسطة طريقة التطعيم، ويحتاج الكيلو الواحد من الياسمين إلى 8000 ياسمينة تقريبا.


مقالات ذات صلة

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

لمسات الموضة إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

خرجت دوقة ساسيكس من المؤسسة الملكية البريطانية بدرس مهم عن الموضة وكيف يمكن استعمالها لغةً صامتة... لكن بليغة.

لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
لمسات الموضة «برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان».

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

«ميسيكا» تقدم إصدارها الجديد من خاتم «ماي توين توي آند موي My Twin Toi & Moi» بالألماس بمطعم «لابيروز» التاريخي حيث يلتقي الفن الباريسي بالتاريخ والجمال الخالد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على إرباك المتلقي ودفعه لإعادة النظر فيما اعتاده؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد.

جميلة حلفيشي (لندن)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.


كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».


«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
TT

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان». هذا السباق؛ الذي كان إلى عهد قريباً سباقاً تجارياً بحتاً يتودد إلى زبونة لا تبخل على نفسها وأحبتها بالغالي والرخيص في هذه المناسبة، أصبح مع الوقت سباقاً على كسبها بما يُرضيها. لم يعد من الأولويات طرحُ إكسسوارات جلدية فاخرة بلمسات لامعة وزخرفات غنية، وأزياء بتصاميم طويلة تطبعها ألوان مستوحاة من رمال الصحراء الذهبية أو من الأخضر الزمردي الذي تربطه بالمنطقة حالة عشق ممتدة.

ألوان هادئة وتصاميم راقية تهمس أكثر مما تصرخ (برونيلو كوتشينيلّي)

فهذه الزبونة باتت تُدقق في كل شيء، ولم يعد همّها الصرعات التي تنتهي بانتهاء موسم واحد. أصبحت أعمق وعياً بأهمية الاستدامة من خلال الاستثمار في قطع بجودة عالية تغذي الرغبة في التألق والتميز، وفي الوقت ذاته تستمر مدة أطول.

والنتيجة كانت أن بيوت الأزياء الكبيرة وسعت الخيارات، وكسرت المتوقع أو تلك الصورة النمطية التي رسموها في أذهانهم عن هذا الشهر ومتطلباته. تنوعت الألوان لتشمل كل ألوان الموضة، مثل الأبيض والعنابي، كما تخففت الإكسسوارات والأزياء المقترحة من التطريزات الكثيرة.

صورة رسمتها دار «برونيلو كوتشينيلّي» للمرأة العربية لا تحتاج إلى تسويق (برونيلو كوتشينيلّي)

في المقابل، قدم معظمهم تصاميم تهمس بالرقي بدل الصراخ، وليس أدلّ على هذا من دار «برونيلو كوتشينيلّي» التي قدمت تصاميم تنبض رقياً وأناقةً، من خلال عبايات تأخذ في كل تفاصيلها ثقافة المنطقة من جهة؛ وموسم الخريف والشتاء من جهة ثانية... معاطف وفساتين طويلة بأكمام وكنزات من الكشمير ناعمة، وبنطلونات مستوحاة من عالم الفروسية، وأوشحة رأس تحولت زينةً نظراً إلى جمالها وتناسقها مع البشرة العربية... كل ما في هذه التشكيلة مرسوم لامرأة تريد خيارات عملية وعقلانية تتعدى ما تتطلبه اللحظة أو المناسبة، بل تريدها استثماراً طويل المدى، أو على الأقل تستفيد منها سنوات بدل شهر واحد.

من مقترحات دار «بيربري» للشهر الفضيل (بيربري)

كذلك دار «بيربري» التي تقدم مجموعة رمضانية بأسلوب يعكس هويتها بشكل واضح، وذلك من خلال نقشات المربعات اللصيقة بها، وظهرت في معاطف واقية من المطر خفيفة تناسب أجواء المنطقة الدافئة، وأوشحة من الكشمير. وتتضمن التشكيلة أيضاً أحذية «سلون (Sloane)» المفتوحة من الخلف، وحقائب «برايدل (Bridle)» المطرزة بأحجار الراين الشفافة والمزينة بنقشة الدار الكلاسيكية المتقاطعة باللون البيج، بالإضافة إلى نظارات شمسية بمفصل معدني على شكل شعار الفارس «نايت (Knight)» الخاص بالعلامة؛ مزينٍ بأحجار الكريستال.

في أول تشكيلة رمضانية له وضع جوناثان آندرسون لمساته على حقيبة «لايدي ديور» بشكل زادها أناقة (ديور)

«ديور» لم تخرج من السباق، بل دخلته بقوة أكبر هذه المرة؛ فجوناثان آندرسون، الذي قدم أول مجموعة من خط الـ«هوت كوتور» منذ فترة قصيرة أبهر بها عالم الموضة، يقدم هنا أول مجموعة رمضانية له أيضاً. بحسه الفني، فتح فصلاً جديداً احترم فيه ذوق المرأة العربية، مدركاً أنها لا تريد تغيير رموز الدار الأساسية: فهي تعشقها.

«لايدي ديور» مطرزة بالورود (ديور)

حقيبة «لايدي ديور» مثلا عادت بلمسة مميزة عبارة عن عقدة أنيقة بتوقيع خاص من المصمم، وأخرى تكسوها زخارف زهرية دقيقة من مئات البتلات الوردية. لم يكن الغرض منها مخاطبة امرأة معروفة بحبها التطريز والبريق، بقدر ما كان احتراماً لإرث دار عشق مؤسسها الورود وزرعها بحب في حدائقه وأزيائه كما في عطوره وإكسسواراته.

لم تعد الألوان مقتصرة على ألوان الصحراء والذهبي... ودخل العنابي على الخط في كثير من الإكسسوارات (ديور)

في هذه المجموعة، لم يكتف آندرسون بالأزياء والإكسسوارات، مثل حقيبتَي «لايدي ديور» و«ديور بو» أو أحذية لكل المناسبات المهمة فقط، بل أبدع مجموعة من المجوهرات يمكن أن ترتقي بأي زيٍّ مهما كانت بساطته. لم يغب اللون الذهبي عن المجموعة، لكنه أضاف إليه مجموعة بألوان العنابي والوردي والأبيض ليخاطب كل المناسبات والأذواق.