عقدة غزة

إسرائيل شنت 13 عملية عسكرية واسعة في القطاع خلال 13 سنة.. وقضيتها مشتعلة

عقدة غزة
TT

عقدة غزة

عقدة غزة

«أتمنى أن أصبح ذات يوم لأجد البحر قد بلع غزة بالكامل».. هذا ما قاله إسحاق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، وأحد أكثر القادة الإسرائيليين الدهاة إبان الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي انطلقت في عام 1988، واستمرت عدة سنوات، وهو تعبير واضح وصريح وبليغ ويختصر عقدة غزة بالنسبة لإسرائيل، أو كما يحلو للإعلام الإسرائيلي تسميتها أحيانا «طنجرة الضغط».
وعلى مدار سنوات الاحتلال الطويلة، كانت «طنجرة الضغط» هذه قنبلة موقوتة بحق، دخولها مشكلة والانسحاب منها مشكلة أكبر، وتركها في حالها مسألة أصعب وأصعب.
لم يترك الإسرائيليون شيئا إلا جربوه في غزة: الهجوم عن بعد، والاحتلال الطويل، ثم تسليمها للسلطة، فالانسحاب منها، ثم فك الارتباط نهائيا، وشن هجمات رادعة لاحقة، فحروب دموية، ولكن من دون أن ينتهي الكابوس.
تعود مشكلة إسرائيل مع غزة منذ البدء.. حتى قبل احتلالها عام 1967، عندما كانت تحت الحكم المصري، إذ تردد ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، في احتلال القطاع بعد حرب 1948، وقال بن غوريون خلال اجتماع لمجلس الوزراء الإسرائيلي في ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه: «أعرف أنه يجب ضم القطاع.. سنستفيد من ضمه، لكنه لن يبقى أبدا في أيدينا».
شن بن غوريون أول هجوم إسرائيلي على غزة في 14 أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1948، أي بعد ثلاثة أيام من إعلان الاستقلال في إسرائيل، رمت الطائرات الإسرائيلية آنذاك تسعة أطنان من القنابل وغادرت. كان بن غوريون يريد تأمين الطريق إلى النقب وإحكام السيطرة عليها، وأطلق لاحقا عملية عسكرية عرفت باسم «عملية يوآف»، ثم تراجع تحت ضغط الأمم المتحدة، والولايات المتحدة، لكنه ظل يتطلع إلى احتلال القطاع، ويقول لوزرائه: «إذا لم نأخذه الآن فسيصبح صعبا فيما بعد».
عاد بن غوريون بعد خمس سنوات بمقترح جديد لاحتلال غزة، لكن حكومته رفضت ذلك، وبعد عام ونصف العام، أثناء حملة سيناء، وقع احتلال غزة في عام 1956، لكن ذلك لم يدم طويلا، وبعد خمسة أشهر في مارس (آذار) 1957 انسحب الجيش الإسرائيلي من غزة، وجددت مصر الحكم العسكري على القطاع.
وظل احتلال غزة بمثابة الحلم الكابوس في إسرائيل. وفي 1967، كان وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان الذي دخل «فاتحا» للقدس مترددا في شأن القطاع، لكنه قرر احتلاله في النهاية، وهذا ما جرى في حملة انتهت أيضا باحتلال شبه جزيرة سيناء.
وخلال سنوات الاحتلال الطويلة، لم تخضع غزة أبدا للمفهوم الذي تريده إسرائيل (شعب منضبط تحت الحكم العسكري). وسجلت خلال سنوات السبعينات والثمانينات في غزة عدة عمليات ضد الجيش الإسرائيلي ومحاولات كثيرة لبناء مجموعات مسلحة.
وفي 1987، أطلق قطاع غزة شرارة الانتفاضة الشعبية الأولى، وواجهت إسرائيل أول مجموعات مسلحة منظمة، وراح مقاتلون هناك ينفذون عمليات لم تعتدها إسرائيل في الأراضي المحتلة، كمائن وهجوم مسلح وخطف وقتل جنود.
كانت الانتفاضة في غزة أكثر من عنيفة وصعبة إلى الحد الذي تمنى معه رابين أن تغرق في البحر. وعندما وقعت إسرائيل اتفاقية السلام مع منظمة التحرير عام 1993 هربت أولا من غزة، وسلمت الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات القطاع كاملا إلى جانب مدينة واحدة في الضفة وهي أريحا.
ظل الإسرائيليون يحتلون أجزاء من غزة، لكن مقاومتها لم تتوقف. وفي 2001، أطلقت حماس أول صاروخ محلي الصنع على سديروت. كانت صواريخ حماس بسيطة لا تصل ولا تؤذي حتى إن الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) سماها لاحقا بالعبثية.
ورغم الضغط الإسرائيلي الكبير ومعارضة السلطة الفلسطينية، لم تتوقف هجمات الفلسطينيين من غزة وظلت العلاقة بين القطاع وإسرائيل بين مد وجزر.
ومرة ثانية، لم تعرف إسرائيل كيف تتصرف مع غزة.
يقول الكاتب والمؤرخ الإسرائيلي توم سيغيف إن «القصة بين إسرائيل وغزة طويلة ومستمرة منذ عام 1948، كانت وما زالت وستبقى علاقة عنف وضغط وإحباط ويأس واتفاقيات وفرص ضائعة».
ويرى الكاتب أن سلسلة الحروب الطويلة التي شنتها إسرائيل على غزة في السنوات الأخيرة تثبت ما ذهب إليه بن غوريون نفسه عام 1948، بما معناه «لو غزونا غزة ألف مرة، فإنها لن تخضع».
كانت إسرائيل تعتقد أن تسليم غزة سيحولها إلى شرطي على الحدود، وكان هذا بمثابة وهم جديد. اضطرت إسرائيل لاحقا إلى شن أولى عملياتها العسكرية ضد غزة بعد تسليم السلطة لها بنحو ثماني سنوات، وتحديدا في نهاية أبريل (نيسان) 2001. أطلقت إسرائيل على العملية اسم «حقل الأشواك» وتركزت العملية في رفح وخانيونس بعد أن توغلت عشرات الدبابات في تلك المدن وهدمت عشرات المنازل، وخاصة على محور فيلادلفيا «صلاح الدين» الذي كانت تسيطر عليه إسرائيل قبل انسحابها من القطاع.
أدت العملية التي استمرت خمسة أيام إلى مقتل ما لا يقل عن 18 فلسطينيا، فيما أصابت المقاومة التي كانت تمتلك بعض الأسلحة الخفيفة فقط حينها عددا من الجنود بجروح طفيفة.
في مايو (أيار) 2004، شنت إسرائيل عملية «قوس قزح» بعد أن قتل عدد من الجنود في عمليات متفرقة سابقة، وتركزت العملية لعدة أيام في رفح، وأدت إلى مقتل 17 فلسطينيا وجنديين، وانتهت بهدم أكثر من 15 منزلا وتدمير الكثير من المنشآت والمصانع.
في سبتمبر (أيلول) 2004، عادت إسرائيل ونفذت عملية «أيام الندم» واجتاحت مناطق واسعة من شمال قطاع غزة. كانت العملية الواسعة الأولى التي يخرج بها الجيش الإسرائيلي ردا على إطلاق الصواريخ من القطاع. واستمرت العملية 17 يوما وأدت إلى مقتل 100 فلسطيني على الأقل.
تمركزت قوات الجيش الإسرائيلي خلال العملية في مناطق بيت حانون، وبيت لاهيا ومخيم جباليا للاجئين، التي كانت بحسب إسرائيل مناطق لإطلاق الصواريخ الأساسية لـ«القسام» تجاه مدينة سديروت.
وخلال العملية، اتهمت إسرائيل «الأونروا» بمساعدة حماس بعدما بثت مقاطع لما قالت إنه نقل صاروخ في سيارة تابعة للأمم المتحدة. في العام نفسه، بدأ الإسرائيليون يفكرون في «فك الارتباط» مع غزة والتخلص من «طنجرة الضغط».
وفي 2005، انسحبت إسرائيل فعلا من قطاع غزة ضمن خطة عرفت آنذاك بـ«خطة فك الارتباط أحادي الجانب»، وبحسبها أخلت إسرائيل 21 مستوطنة في القطاع ومعسكرات الجيش الإسرائيلي، بقرار من رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت آرييل شارون.
أجبر شارون 8.600 إسرائيلي على ترك المستوطنات وقال إنه لا مبرر بعد الآن ليقول أحد إن إسرائيل تحتل القطاع.
وأقر الجنرال الإسرائيلي، عيبال جلعاد، وهو أحد مؤسسي ـخطة «فك الارتباط»، في حديث مع «معاريف»: «الأفضلية الإسرائيلية في كل المناحي لم تمكنا أبدا من إخضاع غزة».
وكشف جلعاد عن أن شارون كان اقترح الانسحاب من غزة عام 1988، ثم عاد وطرح الفكرة نفسها عام 1992. وفي أعقاب الانتفاضة الثانية عام 2000، قرر أخيرا أن الوقت قد حان للانسحاب من غزة.
جرى الانسحاب كما أراد شارون، لكن كابوس القطاع ظل يطارد الإسرائيليين.
لم تتوقف الصواريخ والعمليات، ونفذت إسرائيل آنذاك عدة حملات سريعة من بينها «الواقي الأمامي» و«رياح خريفية»، مرورا بـ«السهم الجنوبي»، وحتى الوصول إلى عملية «أول الغيث».
كانت عملية «أول الغيث» في 25 سبتمبر (أيلول) 2005 هي العملية الأولى بعد خطة فك الارتباط بأسبوعين، واستمرت العملية سبعة أيام وجرى خلالها تدمير مخارط لتصنيع صواريخ «القسام»، ومخازن للأسلحة، ومقرات ومراكز خدمات لوجيستية لحماس. وخلفت جميع العمليات السابقة ما لا يقل عن 70 قتيلا في صفوف الفلسطينيين و11 جنديا إسرائيليا، وكانت تستهدف هذه العمليات منع إطلاق صواريخ «القسام»، ودمرت إسرائيل من أجل ذلك الهدف عشرات المنازل شمال غزة.
بعد عام واحد، في يونيو (حزيران) 2006، حدث تطور مفاجئ ومنحى خطير في العلاقة بين غزة وإسرائيل، إذ نجحت حماس وفصائل أخرى عبر نفق طويل يمتد لـ300 متر من تنفيذ هجوم مباغت على موقع كرم أبو سالم العسكري وأخذت معها الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط حيا يرزق إلى غياهب «طنجرة الضغط».
أعلنت إسرائيل فورا بدء عملية باسم «سيف جلعاد» دمرت خلالها محطة كهرباء غزة ومئات المنازل، قبل أن تتطور عمليتها إلى برية موسعة، وعرفت باسم «أمطار الصيف» واستمرت نحو شهر وجرت خلالها مهاجمة البيوت وعدد من الجسور، وأدخلت إسرائيل للمرة الأولى منذ «فك الارتباط»، قوات المدرعات، المشاة والهندسة إلى جنوب القطاع.
قتل خلال العملية نحو 394 فلسطينيا، وجرح نحو 1000 فلسطيني، وقتل نحو تسعة جنود إسرائيليين.
وفي فبراير (شباط) 2008، عادت إسرائيل من جديد ونفذت عملية «الشتاء الساخن».
بدأت العملية في 27 فبراير 2008 وانتهت في 3 مارس، وتضمنت سلسلة من الاغتيالات لناشطين فلسطينيين، وفيها اقتحمت إسرائيل مناطق من القطاع، ولأول مرة كانت إسرائيل تحتل شمال غزة والمقاومة تمطر سديروت وأشكلون بالصواريخ.
قتل في العملية نحو 170 فلسطينيا وجرح نحو 400 وقتل عشرة جنود إسرائيليين وبعض المستوطنين.
ولم تنته القصة..
في نهاية العام وتحديدا في 27 ديسمبر (كانون الأول) 2008، شنت إسرائيل إحدى كبرى عملياتها العسكرية على غزة وأكثرها دموية وعرفت باسم «الرصاص المصبوب». بدأت العملية بهجوم جوي مركز على غزة أدى إلى مقتل 89 شرطيا تابعين لحماس، إضافة إلى نحو 80 آخرين من المدنيين، ثم اقتحمت إسرائيل شمال وجنوب القطاع.
خلفت العمليات الدامية التي استمرت 21 يوما، نحو 1400 قتيل فلسطيني وآلاف من الجرحى، ودمرت أكثر من ألف منزل في غزة وتكبدت إسرائيل أكثر من 13 قتيلا بين جنودها وثلاثة مستوطنين ونحو ألف جريح.
قالت إسرائيل إنها أضرت كثيرا بقدرات حماس العسكرية وبنيتها التحتية ولقنتها درسا قاسيا.
وبعد أربع سنوات وفي 2012، شنت إسرائيل عملية عامود السحاب.
أطلقت إسرائيل العملية في 14 نوفمبر (تشرين الثاني) 2012 باغتيال رئيس أركان حماس، أحمد الجعبري، واتضح بعد ذلك أن إسرائيل لم تنل من قدرات حماس العسكرية في الحروب السابقة.
شنت حماس أعنف هجوم على إسرائيل واستخدمت للمرة الأولى صواريخ طويلة المدى وصلت إلى تل أبيب والقدس وكانت صادمة للإسرائيليين.
اكتفت إسرائيل بالهجمات الجوية ونفذت مئات الطلعات على غزة، وأدت العمليات إلى مقتل أكثر من 200 فلسطيني وجرح 500 وخلفت دمارا كبيرا، وقتل الفلسطينيون سبعة إسرائيليين بينهم جنود.
أطلق خلال العملية تجاه إسرائيل أكثر من 1500 صاروخ، سقط من بينها على المدن 58 صاروخا وجرى اعتراض 431. والبقية سقطت في مساحات مفتوحة.
وفي 21 نوفمبر انتهت العملية بهدنة توسطت فيها مصر.
واليوم، بعد عامين فقط، تنفذ إسرائيل في غزة عملية «الجرف الصامد» التي بدأتها منذ الثامن هذا الشهر، ولا يبدو أنها الأخيرة في المواجهة المتجددة.
وفي هذه الحرب المستمرة حتى اليوم، قتلت إسرائيل نحو 600 فلسطيني بينهم عائلات كاملة وجرحت أكثر من ثلاثة آلاف ودمرت ألفي منزل وتكبدت أقسى خسائر في حروبها مع غزة، إذ فقدت نحو من جنودها قتلى في الميدان حتى قبل أن تنتهي الحرب، وفوق ذلك خطفت حماس أحد الجنود بعد معركة في أحد أحياء القطاع.
ومن البديهي أن لكل جولة مواجهة عسكرية تكاليف باهظة اقتصادية كذلك.
ويرجح اقتصاديون أن غزة تخسر مع كل يوم آخر من المواجهة نحو 37 مليون دولار، فيما تخسر إسرائيل نحو 100 مليون، وتدخل في الحسبة تكلفة الحرب كذلك.
وتثبت الحرب التي تتجدد كل عامين أن غزة تخرج من كل حرب أقوى وأكثر بأسا وشدة وخبرة كذلك، فيما لم تستطع إسرائيل تحديد استراتيجية واضحة للتعامل مع القطاع. ولم يتوقف النقاش في إسرائيل منذ سنوات حول مصير قطاع غزة، ولم تحسم أي حكومة إسرائيلية أمرها بشأن ذلك، يتركونه أو يحتلونه، يبقون على حماس أم يسقطون سلطتها، وفي كل مرة كان يبرز السؤال الأصعب: ماذا بعد احتلال غزة إذا كان ذلك ممكنا؟
وخلال الأيام القليلة الماضية، عادت فكرة احتلال القطاع إلى الواجهة.
وقال وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، يتسحاق أهرونوفيتش، إن «الجيش الإسرائيلي ليس مقيدا بالوقت فيما يتعلق بالعملية البرية في قطاع غزة»، مضيفا: «إذا أحوجنا الأمر، فسنحتل قطاع غزة». وأضاف: «في كل الأحوال، إسرائيل ستلحق بحماس ضربة قاسية».
وتقول إسرائيل منذ ثلاث حروب إنها ستلحق بحماس مثل هذه الضربة، لكن الحركة الإسلامية تخرج في كل حرب أقوى من ذي قبل.
ولا يبدو أن حديث أهرونوفيتش جاء من العدم، وقالت مصادر سياسية إسرائيلية إن مسألة الوضع المستقبلي للقطاع تطفو على السطح الآن داخل أروقة صنع القرار في إسرائيل. ويرى مراقبون في إسرائيل أن عودة الحكم العسكري لغزة أو لأجزاء منها مسألة ممكنة، لكنها تأتي حلا أخيرا.
وقالت مصادر أمنية إسرائيلية إن الجيش يستعد لاحتمال تلقيه أوامر باحتلال غزة، وإنه قام باستدعاء العشرات من جنود الاحتياط من وحدات الحكم العسكري، إضافة إلى أكاديميين متخصصين في مجال الحكم والإدارة المدنية، وذلك في إطار التجنيد الأخير الذي ضم 18 ألفا من جنود الاحتياط. وتأتي هذه النقاشات على خلفية تصاعد الانتقادات في إسرائيل لاستراتيجية الحكومة في التعامل مع غزة، وثمة انقسام كبير داخل الحكومة الإسرائيلية حول الطريقة المثلى للتعامل مع القطاع.
ويدعو وزراء لضبط النفس في التعامل مع غزة، ويدعو آخرون لاحتلال القطاع والقضاء على حماس نهائيا. ولم تفض عشرات الاجتماعات للمجلس الأمني والسياسي المصغر إلى قرار واضح. وحتى عندما قرر المجلس عملية برية قال إنها محدودة، ومن ثم أمر بتوسيعها.
وتجد إسرائيل صعوبة بالغة في إعادة احتلال القطاع بسبب الكثافة السكانية العالية هناك وطبيعة البيوت والمخيمات المكتظة والأسلحة التي تملكها الفصائل الفلسطينية.
وقال عوزي أراد، مستشار الأمن القومي السابق في مكتب بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، إن إسرائيل تعيش في مأزق بسبب عدم قدرتها على اتخاذ قرار ضد حماس.
وأَضاف المستشار الإسرائيلي: «إذا أردنا تحقيق أهداف عملية فسنكون بحاجة إلى تجنيد قوات أكبر والقيام بعملية متدحرجة ومتواصلة».
ويعتقد معظم الساسة الإسرائيليين أن احتلال غزة وإسقاط حماس، معركة لا بد منها في النهاية وسيأتي يوم لخوضها.
لكن ماذا بعد ذلك؟ هذا هو السؤال الذي طرحه عاموس جلعاد، المسؤول الكبير في وزارة الدفاع الإسرائيلي، الذي قال: «السؤال الذي يقض مضاجعنا، ماذا بعد إعادة احتلال القطاع؟ هل تقوم إسرائيل بإدارة شؤون مليون ونصف المليون فلسطيني في جميع مناحي الحياة؟»
وقال الخبير في الشؤون الإسرائيلية «علي واكد»، لـ«الشرق الأوسط»: إن «إسرائيل بعد سلسلة من الحروب مع غزة تسعى اليوم إلى تحقيق إنجاز سياسي يمكنها من نزع تهدئة طويلة ينعم فيها سكان جنوب إسرائيل بالهدوء، وعدم الاكتفاء بفترة تهدئة قصيرة تتبعها جولات أخرى، كما جرى في أعقاب عمليتي (الرصاص المصبوب) و(عمود السحاب)».
وأضاف: «هذا هو الهدف الرئيس لإسرائيل في الفترة الحالية»، لافتا إلى أن دخول الجيش الإسرائيلي في عملية برية يأتي للضغط أكثر على حماس بالقبول بتهدئة طويلة الأمد، ومن خلالها يستعيد الجيش هيبته بإقناع الفلسطينيين بأن التفكير في كل عملية إطلاق صاروخ نحو جنوب إسرائيل سيدفعون ثمنه باهظا.
ويرى واكد أن خيارات إسرائيل الأخرى تبدو صعبة الآن. وقال: «في إسرائيل، هناك إقرار واضح بأن غزة تمثل مشكلة لم تحل جذريا، ومن الصعب جدا أن يجري حلها نهائيا».
وأضاف: «جبهة غزة تشكل عقدة أمنية وسياسية لإسرائيل».
ومن وجهة نظر واكد، فإن الطرف الإسرائيلي لا يريد تغيير موازين القوى السياسية في غزة، بل «يتعمد استخدام سياسة الفصل بين غزة والضفة لإضعاف السلطة سياسيا». وكان لافتا أن الهجوم الإسرائيلي على الضفة الغربية الذي سبق الهجوم على غزة جاء في أعقاب توقيع الرئيس الفلسطيني محمود عباس اتفاق مصالحة مع حماس، وهو الاتفاق الذي دعت إسرائيل عباس فورا إلى تمزيقه وخيرته بين إسرائيل وحماس.
ومع ذلك، لا يبدو أن الحرب على غزة يمكن أن تخرب المصالحة. وحتى الآن، تظهر إسرائيل متخبطة في إخراج المشهد الأخير للحرب.
ويرى المحلل السياسي والمختص بالشؤون الإسرائيلية «أكرم عطا الله»، أن إسرائيل لم تحقق أي إنجازات عسكرية سواء في العملية الحالية أو العمليات الأخيرة التي شهدتها غزة في السنوات السابقة، مستدلا بذلك على تطور قدرات المقاومة من معركة لأخرى من خلال استخدام أسلحة وصواريخ جديدة. وأضاف عطا الله لـ«الشرق الأوسط»: «كل ذلك التطور الحاصل على صعيد قدرات المقاومة، شكل صورة أخرى من الحالة المعقدة التي تعيشها إسرائيل مع مقاومة غزة، التي أصبحت بلا شك شوكة في حلق إسرائيل، تحاول التخلص منها بكل السبل»، وأعرب عطا الله عن اعتقاده أن العملية الحالية ربما تنتج اتفاقا ترغب إسرائيل والمقاومة في الوصول إليه من خلال تهدئة طويلة تستمر لعدة سنوات وبما يضمن تلبية شروط الجانبين. لكن المؤكد أن إسرائيل لن تتخلص من «طنجرة الضغط» أبدا.
«ليخ لغزة»؛ أي: اذهب إلى غزة. هذا ما يقوله إسرائيلي للآخر عندما يريد أن يهاجمه بعبارة: اذهب للجحيم.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.