«حماس» تخفض مستوى «المواجهة» على الحدود تجاوباً مع جهود مصرية

أعداد أقل وإصابات أقل مع إبعاد المتظاهرين عن الحدود... بانتظار اتفاق تهدئة جديد

جنديان إسرائيليان على الحدود مع قطاع غزة (رويترز)
جنديان إسرائيليان على الحدود مع قطاع غزة (رويترز)
TT

«حماس» تخفض مستوى «المواجهة» على الحدود تجاوباً مع جهود مصرية

جنديان إسرائيليان على الحدود مع قطاع غزة (رويترز)
جنديان إسرائيليان على الحدود مع قطاع غزة (رويترز)

خفضت حركة حماس من زخم المواجهات على حدود قطاع غزة مع إسرائيل في الجمعة الثلاثين من «مسيرات العودة وكسر الحصار» التي أطلق عليها مسيرات «معاً... غزة تنتفض والضفة تلتحم»، استجابة كما يبدو مع جهود مصرية وأممية لوضع اتفاق تهدئة جديد في القطاع.
وشاركت أعداد أقل في مواجهات هذه الجمعة، وكانت أقل عنفاً، في مؤشر على نجاح المصريين في خفض مستوى النار في القطاع تمهيداً كما يبدو لاتفاق تهدئة قريب.
وقالت وزارة الصحة إن 152 مواطناً أصيبوا برصاص الاحتلال على طول الحدود الشرقية لقطاع غزة.
ونجحت الفصائل الفلسطينية في إبقاء أغلبية المتظاهرين على بعد مسافات من الحدود، ضمن خطة لتقليل أعداد القتلى والمصابين، لكن بعضاً منهم نجح في الاقتراب من السياج الحدودي وقطعوه، في محاولة لاختراق الحدود، قبل أن ترد الطائرات والدبابات الإسرائيلية بقصف هذه المجموعات. وكان مسؤولو المظاهرات دعوا بشكل مركز المتظاهرين إلى الالتزام بسلمية المظاهرات، في أعقاب التصعيد الكبير الأخير بين إسرائيل وحركة حماس، الذي كان سيجر القطاع إلى حرب جديدة.
وقال خالد البطش، القيادي في حركة «الجهاد الإسلامي» وأحد منظمي المظاهرات، في بيان، «الرسالة الأهم هي احتشاد الجماهير ورابطها السلمي والشعبي».
وأضاف: «مسيرات العودة وكسر الحصار مستمرة حتى تحقق أهدافها التي انطلقت من أجلها».
ونادى البطش أيضاً المشاركين إلى عدم إعطاء القناصة الإسرائيليين أي سبب لإطلاق النار عليهم.
جاء ذلك فيما قال داود شهاب، عضو اللجنة المنظمة للمسيرات، إن المسؤولين يشجعون المتظاهرين على الابتعاد عن السياج الحدودي، مضيفاً: «ستكون هناك محاولات لمنعهم من الاقتراب من السياج. قد يكون هناك انخفاض في عدد البالونات، ونأمل ألا تكون هناك خسائر بشرية. نحن نمنح فرصة للجهود المصرية».
وأكد الجيش الإسرائيلي أن نصف متظاهري الجمعة الماضية شاركوا هذه المرة، وأن «حماس» عملت على إبعاد المتظاهرين عن الحدود في مناطق محددة.
وقال ناطقون بلسان الجيش والحكومة، إن الأحداث أمس الجمعة دلت على أن «حماس» تسعى لتخفيض اللهب «حتى الآن»، وأبرزوا أن الجيش رد على بعض المظاهر القليلة لإطلاق بالونات حارقة وإحداث اختراقات في الجدار الحدودي، بقصف شديد لمواقع في قطاع غزة، مؤكدين أن إسرائيل تنوي إعطاء مهلة للجهود المصرية لوقف النار والتوصل إلى تهدئة من جديد.
ونشرت القناة الرسمية للتلفزيون الإسرائيلي تقريراً قالت فيه إن مصادر فلسطينية أبلغتها بأن «حماس» أوعزت إلى عناصرها بالعمل على لجم أعمال العنف قرب السياج، وأن الحركة قررت عدم جر القطاع إلى حرب جديدة، بل قررت إتاحة الفرصة للجهود المصرية الهادفة إلى احتواء التوتر.
والتوجه الجديد لدى «حماس» جاء في ظل جهود مصرية مكثفة لتحقيق اتفاق تهدئة جديد.
وترعى مصر بالتعاون مع مبعوث الأمم المتحدة إلى المنطقة نيكولاي ملادنوف، مباحثات مع كل من «حماس» وإسرائيل بهدف التوصل إلى تهدئة، والتخفيف من الحصار الذي تفرضه إسرائيل على القطاع منذ عقد.
وكان وفد مصري زار قطاع غزة والتقى مسؤولين من الفصائل على أن يعود مجدداً الأسبوع المقبل.
والتقى نائب رئيس المخابرات المصرية أيمن بديع، رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية، ثم طار إلى إسرائيل للقاء مستشار الأمن القومي مئير بن شبات ومسؤولين كبار في جهاز الأمن العام (الشاباك)، في إطار الاتصالات الهادفة إلى التوصل إلى التهدئة في غزة.
ويتحرك بديع بناءً على تعليمات له بإدارة دفة الاتصالات مع «حماس» وإسرائيل.
وذكرت إذاعة كان أن الرسالة التي نقلها بديع في محادثاته مع الطرفين هي وقف إطلاق النار والحفاظ على الهدوء.
وأوضح الوفد الأمني المصري لقادة «حماس»، أنه لن يكون بمقدور القاهرة منع إسرائيل من شن هجمات على القطاع إذا ما اتخذت المظاهرات طابع العنف، وردت الحركة بأنها على استعداد لتقليص حجم المظاهرات تدريجياً إذا ما طرأ تقدم في تخفيف الحصار على غزة.
وعادت مصر بقوة لإدارة ملف التهدئة، بعدما جمدته سابقاً بسبب اعتراضات الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
ورفض عباس قبول أي اتفاق تهدئة في غزة، باعتباره يساهم في تقوية حكم «حماس» وفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية.
وأصر عباس على توقيع اتفاق مصالحة، على أن تتولى بعده السلطة إدارة مفاوضات التهدئة. وينوي عباس الرد على كل هذه التحركات بوقف أي تمويل للقطاع.
وتدفع السلطة ما مقداره 96 مليون دولار لغزة شهرياً.
ونجحت «حماس» في فرض مباحثات تهدئة جديدة، بعد أن فعَّلت بشكل قوي «مسيرات العودة» على الحدود.
والأسبوع الماضي تجمع 14 ألف فلسطيني على الحدود، وقتلت إسرائيل 7 في مواجهات عنيفة للغاية شهدت محاولات تسلل وتنفيذ عمليات، لكن هذه المرة نجحت «حماس» في كبح حدة التوتر، على الرغم من الاستعدادات الإسرائيلية الكبيرة.
وكان الجيش الإسرائيلي أعلن أمس حالة تأهب عالية بعد يومين من انفجار صاروخ يحمل رأساً حربية وزنه 20 كغم أمام منزل في مدينة بئر السبع، وهو ما ردت إسرائيل عليه بتنفيذ سلسة غارات جوية ضد نحو 20 هدفاً في قطاع غزة، تشمل نفقاً عابراً للحدود دخل الأراضي الإسرائيلية من مدينة خان يونس الفلسطينية.
وأمر المجلس السياسي والأمني الإسرائيلي المصغر (الكابنيت)، الجيش، بالانتظار من أجل تمكين نجاح مبادرات الوساطة، لكنه أعطاه الضوء الأخضر لتصعيد ردوده في حال اندلاع العنف عند الحدود.
وقال وزراء في «الكابنيت» إن على الجيش تبني سياسة عدم تسامح أبداً مع إطلاق الصواريخ والبالونات الحارقة والمظاهرات عند الحدود الإسرائيلية.
وطالبت إسرائيل بوضع حد للمواجهات الأسبوعية، وكذلك إطلاق البالونات الحارقة.
ويخطط الجيش الإسرائيلي لإعادة فرض «منطقة عازلة» يُمنع الدخول إليها، لمسافة 500 متر من على طول الحدود داخل أراضي القطاع. ولكن لم يتضح بعد، موعد تطبيق هذه القاعدة.
وفي مؤشر على احتمال العودة إلى فترة هدوء سابقة، أعلن وزير الأمن الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان أنه ينوي السماح بإعادة تزويد القطاع بالوقود يوم الأحد المقبل إذا ما ساد الهدوء اليوم المناطق المحاذية للسياج الأمني.
ويشترط ليبرمان على «حماس» السيطرة على المظاهرات على امتداد الحدود، ووقف المسيرات البحرية والمظاهرات قرب معبر إيرز.
لكن أي اتفاق مبدئي لن يعني بأي حال اتفاق تهدئة طويل الأمد.وقالت مصادر مطلعة على المباحثات لـ«الشرق الأوسط»، إن إسرائيل تصر على هدوء يقابله هدوء وتسهيلات في عمل المعابر، لكن اتفاقاً طويلاً يحتاج أولاً إلى إعادة الجنود والمواطنين الإسرائيليين المحتجزين لدى «حماس». وحتى يتحقق ذلك، تنوي «حماس» الاستمرار في مظاهراتها كنوع من الضغط على الأطراف.
وقال فوزي برهوم، الناطق باسم حركة حماس، إن «إصرار أهلنا في غزة على التحدي والمشاركة الحاشدة في الجمعة الثلاثين لـ(مسيرات العودة وكسر الحصار) أكبر رد على تهديدات العدو الإسرائيلي، إذ شكلت حافزاً كبيراً لجماهير شعبنا للتحدي والمشاركة القوية والفاعلة».
وشدد برهوم على أن هذه الجماهير هي تأكيد على أن الفلسطينيين لن تخيفهم التهديدات، ولن تكسر إرادتهم، وأنهم بوحدتهم وصمودهم وثباتهم قادرون على كسر العنجهية الإسرائيلية وإحباط سياسة الاحتلال العدوانية ضد غزة وأهلها.
جاء ذلك في وقت دعت فيه «الهيئة الوطنية لمسيرة العودة وكسر الحصار»، الجماهير الفلسطينية، للمشاركة الفاعلة في الجمعة المقبلة تحت عنوان «غزة صامدة ما بتركعش».
وقال البطش في مؤتمر صحافي عقد أمس شرق غزة: «إن مشاركة عشرات الآلاف عكست إصرار الشعب وروح التحدي».
وشدد البطش على أن «مسيرات العودة» مستمرة ومتواصلة، وأن «الشعب الفلسطيني متمسك بمبادئها وأهدافها»، مؤكداً أن الجماهير أفشلت مخططات الاحتلال في إجهاض «مسيرات العودة».



أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
TT

أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)

حملت أولى رسائل الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، تحديد أولويات المرحلة المقبلة من عمر الجامعة التي عَرَف تاريخها منذ التأسيس أزمات إقليمية عديدة، حيث ركّز على مسارين لافتين متمثلين في تطوير الآليات وتعظيم التشاور العربي.

فبعد اعتماد مجلس الجامعة على المستوى الوزاري، بتفويض من القادة العرب، مساء الاثنين، قرار تعيينه أميناً عاماً جديداً للجامعة لمدة 5 سنوات اعتباراً من الأول من يوليو (تموز) المقبل، أكد فهمي في بيان أن العمل خلال المرحلة المقبلة سينصبّ على تطوير المنظمة العربية وتحديث آليات عملها، بما يتواكب مع التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة.

كما لفت إلى أن المرحلة تتطلب تكثيف التنسيق والتشاور العربي لمواجهة الأزمات والتهديدات التي تشهدها المنطقة، إلى جانب تعزيز التعاون العربي للاستفادة من الفرص المتاحة وتحويل التحديات الراهنة إلى فرص تدعم الاستقرار والتنمية.

وعدَّ اختياره بالإجماع «مسؤولية تاريخية في مرحلة دقيقة ومفصلية، في ظل ما تواجهه المنطقة العربية من تحديات جسام ومتغيرات إقليمية ودولية متسارعة»، الأمر الذي يتطلب تعزيز العمل المشترك والدفاع عن المصالح العربية وترسيخ مبادئ التضامن بين الدول العربية كافة.

وشدّد كذلك على أهمية احترام سيادة الدول العربية، وصون أمنها وسلامة أراضيها، ودعم الجهود الوطنية لتحقيق التنمية المستدامة، وتحسين أوضاع الشعوب العربية، مؤكداً أن الجامعة العربية ستبقى «بيت العرب الجامع»، وستواصل أداء دورها كمنصة جامعة للحوار والتشاور والتنسيق بين الدول الأعضاء.

«تغيرات متسارعة»

تلك الأولويات يراها دبلوماسي تحدث لـ«الشرق الأوسط» قراءة جيدة لطبيعة المرحلة التي قال إنها «تُلزم منظمة بحجم الجامعة العربية أن تعمل على تطوير نفسها بصورة تمنح قيمة مضافة للعمل العربي، حيث سيكون التشاور العربي مهماً في هذا السياق باعتباره البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة فيها».

السيسي يلتقي الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (الرئاسة المصرية)

وواصل السفير محمد حجازي، عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، حديثه قائلاً إن تلك المرحلة «تتسم بتغيرات استراتيجية متسارعة تشمل تداعيات الحرب الأميركية - الإيرانية، واستمرار الحرب في غزة، والأزمات الممتدة في السودان وليبيا واليمن، فضلاً عن التحولات الجارية في النظام الدولي».

وأكّد أن انتخاب نبيل فهمي بالإجماع أميناً عاماً لجامعة الدول العربية «تقدير جماعي لقدراته الدبلوماسية وتاريخه الحافل وصلاته العربية والدولية، ما يجعل هناك فرصة مهمة لإعادة تموضع المؤسسة العربية في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد».

ويجيء تعيين فهمي في المنصب خلفاً لمواطنه المصري أحمد أبو الغيط، الذي قاد المنظمة منذ عام 2016، وشغل المنصب لمدة 10 سنوات. وسيكون هو الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ تأسيسها عام 1945، والثامن من مصر مع استثناء فترة واحدة مع نقل المقر من القاهرة إلى تونس عام 1979، عقب توقيع الرئيس المصري الراحل أنور السادات «معاهدة السلام» مع إسرائيل.

«استعادة الثقة»

يعتقد حجازي أن الأولوية الأولى أمام نبيل فهمي ستكون استعادة الثقة السياسية في الجامعة العربية باعتبارها منصة للتوافق العربي، وليس مجرد إطار بروتوكولي للاجتماعات وإصدار البيانات، مؤكداً أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بتطوير الهياكل الإدارية بقدر ما يتعلق بإقناع الدول الأعضاء بأن الجامعة قادرة على إنتاج قيمة سياسية مضافة وإدارة الخلافات العربية بصورة مؤسسية.

ومن المرجح أن يركز فهمي على تكثيف آليات التشاور السياسي المنتظم بين العواصم العربية، خاصة في ظل فجوات المواقف بشأن العديد من الملفات الإقليمية.

وقال حجازي: «قد نشهد اتجاهاً نحو اجتماعات أكثر انتظاماً على مستوى وزراء الخارجية ومستشاري الأمن القومي، مع تفعيل أدوات الإنذار المبكر وإدارة الأزمات داخل الأمانة العامة، بحيث تتحول الجامعة إلى مركز للتنسيق الاستراتيجي العربي، وليس مظلة دبلوماسية تقليدية فقط».

أما فيما يتعلق بتطوير آليات المنظمة، فمن المتوقع أن تتضمن أجندة فهمي «مراجعة شاملة لأساليب العمل المؤسسي، وتحديث منظومة اتخاذ القرار، وتعزيز دور مراكز الدراسات وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في دعم صنع القرار العربي»، بحسب حجازي.

كما قد يسعى إلى ربط الجامعة بصورة أكبر بقضايا التنمية والاقتصاد والتحول الرقمي والطاقة والأمن الغذائي والمائي، وهي الملفات التي أصبحت تمثل «جوهر الأمن القومي العربي في مفهومه الحديث»، في رأي مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق.

وأوضح أن مسار تكثيف التشاور العربي سيكون البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة في الجامعة العربية، قائلاً: «عندما تنجح الجامعة في توفير منصة موثوقة للحوار وتسوية التباينات وصياغة مواقف مشتركة تجاه القضايا الكبرى، ستصبح عملية تطوير المنظمة أكثر سهولة وقابلية للتحقيق».

ويعتقد حجازي أن نجاح نبيل فهمي سيتمثل في «قدرته على تحويل الجامعة العربية من مؤسسة تعكس الانقسامات العربية إلى مؤسسة تساهم في تجاوزها، ومن منبر للتشاور إلى أداة فاعلة لصياغة رؤية عربية مشتركة للأمن والتنمية والتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية».


لقاءات مصرية - سورية متتالية تدفع مسار التقارب

وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
TT

لقاءات مصرية - سورية متتالية تدفع مسار التقارب

وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)

شهدت الفترة الأخيرة لقاءات مصرية - سورية متتالية، يراها مسؤولون ومراقبون «دفعةً لمسار التقارب» في العلاقات بين البلدين، خصوصاً بعد حل أزمة البعثة الدبلوماسية السورية في القاهرة.

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي نظيره السوري أسعد الشيباني، مساء الاثنين، على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية المنعقد في العاصمة الأردنية عمَّان.

وحسب بيان للخارجية المصرية، الثلاثاء، أكد الوزيران «عمق الروابط التاريخية والشعبية التي تجمع مصر وسوريا... وأهمية البناء على الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري إلى القاهرة مطلع شهر مايو (أيار) الماضي». كما رحبا بعقد الاجتماع الحكومي المصري-السوري الثاني على مستوى كبار المسؤولين بمشاركة الوزارات والهيئات المعنية بالتجارة والاستثمار في البلدين، لبحث الخطوات التنفيذية لتعزيز التعاون الاقتصادي المشترك.

وقال مدير إدارة الشؤون العربية بوزارة الخارجية السورية، محمد طه الأحمد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «العلاقات مع مصر تتقدم في مسارها الطبيعي، وهناك حرص سوري على تطويرها».

وفد سوري ترأسه وزير الخارجية أسعد الشيباني زار القاهرة الشهر الماضي لبحث العلاقات الثنائية (الخارجية المصرية)

ودارت مناقشات بين البلدين خلال الفترة الماضية بعدما تحفظت مصر على أسماء رشحتها سوريا لتمثيل بعثتها الدبلوماسية في القاهرة، مما عرقل ترتيبات حضور البعثة السورية إلى مصر. لكن أمكن تخطي الأزمة بعدما قدمت سوريا مرشحاً آخر، هو يحيى دياب، لقيادة بعثتها في مصر، وصرحت مصادر لـ«الشرق الأوسط» بأن القاهرة وافقت عليه، ومن المنتظر أن يتسلم مهامه خلال أيام.

ويرى الخبير السياسي المصري في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، عمرو الشوبكي، أن التحديات التي تشهدها المنطقة والإقليم تحتم تطوير العلاقات المصرية-السورية، التي وصفها بأنها «علاقات تاريخية راسخة». وقال إن الروابط الثقافية والاجتماعية والسياسية بين الشعبين كبيرة، مؤكداً أن السلطات في مصر «كان لديها تخوفات أكثر منها خلافات مع نظام الحكم الجديد في سوريا، نظراً لتجربة مصر المعروفة مع الإسلام السياسي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «تلك التخوفات يتم تجاوزها تدريجياً وفق مبدأين أساسيين هما احترام الخبرة والنموذج السياسي لكل بلد، وعدم التدخل في شؤون الآخر»، مشيراً إلى أن مصر رسَّخت هذين المبدأين من قبل في العلاقة مع تركيا. وقال الشوبكي: «اللقاءات المصرية - السورية المتعاقبة تؤشر على تحسن العلاقات وفق نفس المبدأين».

وفي أواخر أبريل (نيسان) الماضي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره أحمد الشرع على هامش «القمة التشاورية العربية - الأوروبية» التي عُقدت في قبرص. وأفادت وسائل إعلام في القاهرة ودمشق حينها، بأن «حديثاً ودياً» جرى بينهما لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون.

واستضافت دمشق في يناير (كانون الثاني) الماضي أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة عدد من قيادات الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين البلدين واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وفي منتصف الشهر الجاري، أكد القائم بأعمال السفارة المصرية في دمشق، محمد عمر عبد العزيز الفقي، أن بلاده تتطلع إلى توسيع آفاق التعاون مع سوريا في مختلف المجالات، خصوصاً في قطاع إعادة الإعمار. وجاء ذلك في تصريح للصحافيين عقب جولته في أجنحة معرض «بيلدكس» الدولي للبناء والتشييد في دمشق، وفقاً للوكالة العربية السورية للأنباء (سانا).


قيود حوثية تحرم اليمنيين أجواء كأس العالم

تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
TT

قيود حوثية تحرم اليمنيين أجواء كأس العالم

تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)

في الوقت الذي تتجه فيه أنظار ملايين المشجعين حول العالم إلى منافسات كأس العالم 2026، يواجه اليمنيون في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، قيوداً تحول دون متابعة الحدث الكروي الأبرز عالمياً؛ إذ منعت الجماعة عرض مباريات البطولة داخل الأندية الرياضية في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى، كما فرضت قيوداً على الاستراحات والمقاهي، في خطوة أثارت استياءً واسعاً بين الأوساط الرياضية والشبابية.

وتقول مصادر رياضية إن الجماعة مستمرة منذ انطلاق البطولة في منع إدارات عدد من الأندية الرياضية؛ من بينها «الوحدة» وأهلي صنعاء» و«22 مايو»، من تنظيم فعاليات جماهيرية لعرض مباريات كأس العالم عبر الشاشات داخل مقراتها، رغم الاستعدادات التي كانت قد أُنجزت لاستقبال المشجعين وتنظيم أنشطة مصاحبة للمونديال.

وبحسب المصادر، أوقفت قيادات حوثية تدير القطاع الرياضي، كل الترتيبات التي أعدتها الأندية لاستقبال الجماهير، بما في ذلك تجهيز الشاشات وتنظيم الفعاليات الرياضية والترفيهية المرتبطة بالبطولة.

أحد الملاعب الرياضية في العاصمة صنعاء الخاضعة للحوثيين (إكس)

وأكدت المصادر فشل كل المحاولات الرامية إلى إقناع السلطات التابعة للجماعة بالسماح بإقامة تلك الفعاليات، ما أدى إلى إلغاء البرامج التي كانت مخصصة لاستقبال المشجعين خلال مباريات البطولة.

ويؤكد ناشطون أن الخطوة الحوثية تمثل امتداداً لسياسة التضييق على الأنشطة الرياضية والترفيهية، وحرمان الشباب من متابعة أبرز الأحداث الكروية العالمية في أجواء جماهيرية اعتادوا عليها خلال السنوات الماضية.

استياء رياضي

على وقع هذا التضييق الحوثي، يقول عصام، وهو اسم مستعار لمدرب رياضي من صنعاء، إن متابعة مباريات كأس العالم في الأندية والمقاهي، تمثل متنفساً مهماً للشباب في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تمر بها البلاد.

وأضاف أن منع هذه الأنشطة يشكل ضربة جديدة لما تبقى من الفعاليات الرياضية والاجتماعية في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أن الأندية يفترض أن تكون فضاءات مفتوحة للشباب لممارسة الرياضة ومتابعة الأحداث الرياضية العالمية بعيداً عن القيود.

أما الشاب رمزي (27 عاماً) من ريف صنعاء، فيقول إن كثيراً من الشباب كانوا ينتظرون البطولة بوصفها فرصة للالتقاء بالأصدقاء ومتابعة المباريات في أجواء جماعية، إلا أن القرارات الأخيرة حرمتهم من هذه التجربة التي ارتبطت تقليدياً بالمناسبات الكروية الكبرى.

حشد في أكبر مساجد صنعاء لمتابعة خطبة زعيم الجماعة (أ.ف.ب)

وفي السياق ذاته، أوضح أحد ملاك المقاهي في صنعاء، طالباً عدم ذكر اسمه، أن الجهات التابعة للجماعة سمحت في البداية بعرض أولى مباريات البطولة، لكنها عادت لاحقاً وأبلغت أصحاب المقاهي بالتوقف عن ذلك، ما دفعهم إلى إلغاء الترتيبات الخاصة باستقبال الزبائن خشية التعرض للمساءلة أو العقوبات.

ويشير هؤلاء إلى أن بطولة كأس العالم 2022 شهدت إجراءات مشابهة، حيث تحدث ملاك استراحات ومقاهٍ في صنعاء آنذاك، عن إلزامهم بعرض مواد دعائية وخطب ومحاضرات ذات طابع تعبوي على الشاشات خلال فترات الاستراحة بين المباريات، مع التلويح بفرض عقوبات على المخالفين.

خوف من التجمعات

يؤكد ناشطون يمنيون في صنعاء أن الجماعة الحوثية دأبت منذ سنوات، على فرض قيود واسعة على الأنشطة الرياضية والشبابية، سواء المحلية أو المرتبطة بالبطولات الخارجية، الأمر الذي أدى إلى تقليص المساحات الترفيهية والاجتماعية المتاحة أمام الشباب.

كما يعتقد مراقبون أن الجماعة الانقلابية تنظر إلى التجمعات الرياضية والفعاليات الجماهيرية باعتبارها أنشطة تستقطب الشباب بعيداً عن البرامج التعبوية التي تروج لها، بما في ذلك حملات الاستقطاب إلى الجبهات تحت شعارات دينية ومذهبية مختلفة.

وتستحضر الأوساط الرياضية في صنعاء أجواء بطولات كأس العالم التي سبقت اندلاع الحرب، عندما كانت الشاشات العملاقة تنتشر في الملاعب والحدائق العامة والمدارس الفنية والصالات الرياضية والمتنزهات والمقاهي.

الحوثيون يسمحون فقط بالتجمعات الخادمة لأجندتهم السياسية والعقائدية (إ.ب.أ)

وخلال تلك السنوات، كانت مؤسسات حكومية؛ من بينها وزارة الشباب والرياضة وقطاع الاتصالات، تسهم في تنظيم فعاليات جماهيرية لمتابعة المباريات، فيما كانت آلاف الجماهير تتوافد إلى الملاعب والساحات العامة لمشاهدة الحدث الكروي العالمي.

ويقول المهتمون بالرياضة إن استمرار القيود الحوثية الحالية يعكس توجهاً متصاعداً للسيطرة على الفضاءات العامة والأنشطة الجماهيرية، بما في ذلك الفعاليات الرياضية التي تمثل متنفساً مهماً للشباب في ظل التحديات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة.