ميركل في انتظار نتائج انتخابات الأحد في بافاريا

وزير داخليتها زيهوفر قد يخسر أكثريته البرلمانية

زيهوفر وميركل يضبطان ساعتيهما على توقيت الحكومة الفيدرالية (أ.ب)
زيهوفر وميركل يضبطان ساعتيهما على توقيت الحكومة الفيدرالية (أ.ب)
TT

ميركل في انتظار نتائج انتخابات الأحد في بافاريا

زيهوفر وميركل يضبطان ساعتيهما على توقيت الحكومة الفيدرالية (أ.ب)
زيهوفر وميركل يضبطان ساعتيهما على توقيت الحكومة الفيدرالية (أ.ب)

تحولت الانتخابات المحلية، التي ستشهدها ولاية بافاريا في ألمانيا، غداً الأحد، إلى واحدة من أهم الأحداث السياسية المنتظرة في البلاد هذا العام. فمنذ تشكيل الحكومة الرابعة للمستشارة أنجيلا ميركل في مارس (آذار) الماضي، والتحليلات كلها تشير إلى هذه الانتخابات كلما هبت عاصفة داخل الائتلاف الحكومي. ذلك أن وزير الداخلية هورست زيهوفر هو من بافاريا، وهو أيضاً زعيم حزب «الاتحاد الاجتماعي المسيحي» البافاري.
ويحكم «الاتحاد الاجتماعي المسيحي»، بافاريا، من دون انقطاع في حكومات شكلها منفرداً بأغلبها، منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية. ولا ينافس حزب ميركل «الاتحاد المسيحي الديمقراطي» في بافاريا، بحسب اتفاق قديم بين الحزبين، وعوضاً عن ذلك يتحدان دائماً في الحكومة الفيدرالية. وتشير استطلاعات رأي الناخبين في بافاريا إلى توقف حزب «الاتحاد المسيحي الاجتماعي» عند عتبة الـ35 في المائة، بعد أن كان فاز في المرة الأخيرة عام 2013 بنسبة وصلت إلى 48 في المائة. ويأتي ثانياً بحسب استطلاعات الرأي حزب «الخضر» بنسبة 18 في المائة، فيما حزب «الاشتراكيين الديمقراطيين» يتعادل تقريباً مع «البديل لألمانيا» بنسبة وصلت إلى 14 في المائة، إضافة إلى 5.4 في المائة لحزب «الديمقراطيين الأحرار». هذه النتائج وصفتها صحيفة «هاندلسبلات» بـ«الكارثة» بالنسبة لـ«الحزب المسيحي البافاري». وإذا ترجمت فعلاً هذه الأرقام حقيقة، فهذا يعني بأنه سيكون على حزب «الاتحاد المسيحي الديمقراطي» أن يشكل حكومة محلية ائتلافية. ولكن حتى هذه ستكون صعبة لأن الاختلافات كبيرة جداً مع حزب «الخضر»، الذي يبدو أنه الرابح الأكبر. وكان زيهوفر أعلن أن حزبه لن يفكر أبداً بتشكيل تحالف مع «البديل لألمانيا».
ومنذ تسلمه منصبه لم يتوقف زيهوفر عن «إثارة المشكلات». ووصل به الأمر لحد التهديد بإسقاط حكومة ميركل. كل هذه المشكلات كان سببها واحداً: اللاجئون. وكل مرة كانت التحليلات تشير إلى انتخابات بافاريا المقبلة عند محاولة فهم أسباب مواقف وزير الداخلية. ففي البداية أطلق تصريحات أثارت جدلاً استمر أسابيع في البلاد حول عدم انتماء الإسلام لألمانيا. ناقضته فيها ميركل و«الحزب الاشتراكي الديمقراطي» الشريك الثالث في الحكومة.
وبعدها أثار أزمة حول خطة اللجوء التي قدمها، وأصر فيها على إغلاق الحدود أمام اللاجئين الذين تقدموا بطلبات لجوء في دول أوروبية أخرى، رفضت ميركل، ووصفت الخطوة بأنها ستكون سابقة خطيرة تهدد حرية التحرك التي تضمنها «اتفاقية شينغن»، ما تسبب في أزمة حكومية استمرت أسابيع، هدد خلالها بالاستقالة، وشغل أوروبا التي عقدت اجتماع أزمة لإنقاذ ميركل، ثم عاد وتراجع بعد التوصل إلى اتفاق وسط يقضي ببناء مراكز لجوء على الحدود مع النمسا في ولايته بافاريا.
ولم تمر أشهر قليلة حتى عاد زيهوفر ليتسبب في أزمة ثالثة؛ انتهت به إلى إقالة رئيس الاستخبارات الداخلية هانس يورغ ماسن على خلفية أحداث كيمنتس. فالرجلان بدا وكأنهما يتحلقان ضد ميركل، عندما أعلنا أنهما لم يشاهدا إثباتات على مطاردات للأجانب من اليمين المتطرف في كيمنيتس، المدينة التي اشتعلت فيها مظاهرات ضد اللاجئين بعد قتل اثنين منهم لشاب ألماني. وكانت ميركل أدانت المطاردات، وقالت إنها موثقة في شريط فيديو اطلعت عليه. ناقضها ماسن وشكك في مصداقية الشريط. وزيهوفر ذهب أبعد من ذلك عندما قال إنه لو لم يكن وزيراً لكان شارك في المظاهرات، علماً بأن تحايا هتلر المحظورة رفعت خلال هذه التجمعات. تصريحات وتصرفات زيهوفر هذه كلها أعادها المحللون إلى محاولته التودد للناخبين في محاولة لسحب البساط من تحت حزب «البديل لألمانيا» اليمين المتطرف؛ الذي كان بدأ يأخذ أصواتاً من «الاتحاد المسيحي الاجتماعي». ولكن كان كلما أثار زيهوفر مشكلات، كلما أظهرت استطلاعات الرأي تدني شعبية حزبه أكثر. وأظهرت الاستطلاعات أن المشاحنات داخل الائتلاف الحكومي تكلف الأحزاب الحاكمة أكثر مما تجذب ناخبين إليها. كما أن سياسته بمحاكاة خطاب اليمنيين المتطرفين أبعد عنه الناخبين المعتدلين.
وما يزيد من مشكلات «الحزب المسيحي البافاري» الخلافات بين زعيمه: زيهوفر ورئيس الولاية ماركرس زودر، الذي تسلم منصبه بعد انتقال زيهوفر إلى حكومة برلين. ولا يتفق الرجلان سوياً، بل تطغى على علاقتهما «المنافسة» غير الودية. فالأول يمثل الوجه التقليدي للحزب، والثاني الوجه الأكثر شباباً وحيويةً. ورفض زيهوفر في تصريحات له قبل أيام مع صحيفة «سودويتشه زيتونغ» أي مسؤولية عن تراجع أصوات حزبه، وقال إنه لا يتدخل في السياسة المحلية منذ انتقاله إلى الحكومة الفيدرالية، وإن مسؤولية وضع استراتيجيات هذه الانتخابات تقع على عاتق زودر. وفي المقابل، يقول زودر إن سبب تراجع الحزب في بافاريا هو سياسة الحكومة في برلين، مشيراً بإصبعه إلى وزير الداخلية زيهوفر. وكان لافتاً خلال الحملة الانتخابية ابتعاد ميركل عنها، وعدم تنظيمها لقاءات تذكر في الولاية. وهذا ليس غريباً. فسياسة اللجوء التي اعتمدتها منذ العام 2011 بسماحها لمئات آلاف السوريين بالدخول، كان سبب دخول اليمين المتطرف لـ«البوندستاغ»، وأيضاً سبب تراجع الأحزاب الرئيسية.
ومع تراجع الأحزاب الرئيسية، تتقدم الأحزاب الصغيرة والجديدة مثل «الخضر» و«البديل لألمانيا»، ما يغير الخريطة السياسية في البلاد. وقد كتبت مجلة «شبيغل» على موقعها الإلكتروني أن السياسة في بافاريا تظهر أنه بالإضافة إلى صعود «البديل لألمانيا»، فإن هناك «ثورة ثانية غير ملحوظة كثيراً… هي صعود حزب (الخضر) ليصبح ممن بين الأحزاب الرئيسية».
ويرى محللون أن حزب «الخضر» استفاد من تراجع حزب ميركل، وأخذ الكثير من الأصوات من «الحزب الاشتراكي الديمقراطي». ولكن أيضاً استفاد من استبدال زعيمين شابين بقيادته مطلع العام، هما روبرت هابيك (49 عاماً) وأنالينا بيربوك (37 عاماً)، نجحا بتحريك القاعدة وجذب عدد أكبر من الناخبين.
حتى أن صحيفة «دي فيلت» تحدثت عن «جاذبية» هابيك الكاتب والمثقف القادم من منطقة ساحلية على الحدود مع الدنمارك. ووصفته الصحافية بأنه يتمتع بـ«جاذبية اسكندينافية» تقربه من الناخبين. ورأت «دي فيلت» أن حزب «الخضر» حل مكان «الحزب الاشتراكي الديمقراطي»، وبات الحزب المفضل «للطبقة البرجوازية» التي كانت تميل لـ«الاشتراكيين».
وكان حزب «الخضر» من أكبر المرحبين بسياسة ميركل حول الهجرة، ولقيت دعماً من هذا الحزب أكثر من الدعم التي لقيت داخل حزبها والأحزاب المشاركة معها في الحكومة. بالإضافة إلى ذلك، فقد نجح حزب «الخضر» على مر السنين في ترك طبعته على الحياة الألمانية.
ونجح بإدخال الكثير من سياساته البيئية التي روج لها رغم وجوده خارج الحكومة. ولعل أبرز تلك السياسات ما تبنته ميركل بعد كارثة فوكوشيما النووية عام 2011، من إغلاق معامل الطاقة النووية في البلاد مقابل الاستثمار أكثر في الطاقة الخضراء.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».