تعليم اللغة العربية يثير جدلاً كبيراً في فرنسا

تيار اليمين المتطرف يحذر من خطر «التعريب»... ومثقفون يدافعون

ادرجت اللغة العربية بشكل رسمي في المناهج الفرنسية منذ 2017 كلغة أجنبية
ادرجت اللغة العربية بشكل رسمي في المناهج الفرنسية منذ 2017 كلغة أجنبية
TT

تعليم اللغة العربية يثير جدلاً كبيراً في فرنسا

ادرجت اللغة العربية بشكل رسمي في المناهج الفرنسية منذ 2017 كلغة أجنبية
ادرجت اللغة العربية بشكل رسمي في المناهج الفرنسية منذ 2017 كلغة أجنبية

جدل واسع يقسم الأوساط الثقافية والسياسية الفرنسية هذه الأيام، والسبب هو إعلان وزير التربية والتعليم جان ميشال بلانكي نيته تعميم تعليم اللّغة العربية في المدارس من المرحلة الابتدائية لغاية الثانوية. النبأ أقام الدنيا ولم يقعدها، والهجوم جاء تحديداً من أطراف سياسية يمينية، على أن كثيرا من الشخصيات العلمية والأدبية دافعت عن اللغة العربية كلغة حية ومهمة وحق التلاميذ الفرنسيين في تعلمها.
القرار جاء بعد نشر توصيات تقرير معهد «مونتان للبحوث والدراسات» الذي أعده الأكاديمي حكيم القروي. التقرير يكشف أن عدد التلاميذ الذين يتعلمون اللغة العربية في المدارس الفرنسية قد انخفض للنصف في أقل من عشرين سنة، وفي المقابل فإن تعليم هذه اللغة يلاقي طلباً قوياً في المدارس الإسلامية والمساجد الخارجة في معظمها عن إطار رقابة وزارة التربية والتعليم. الإعلان الذي تحدث فيه الوزير أيضاً عن ضرورة تطوير تعليم اللّغة الصينية والروسية إلى جانب العربية والارتقاء بها للمكانة المهمة التي تستحقها كلغة أدب وثقافة، لقي هجوما عنيفا من طرف سياسيين من اليمين، لكن تحديدا على اللغة العربية: الكاتب ووزير التربية السابق في عهد جاك شيراك لوك فيري (2000-2004) وصف القرار بالفكرة «الخاطئة»، متسائلاً عن جدوى محاربة الأصولية بينما يتم إدخال العربية لمدارس الجمهورية. وتعجبت الناطقة باسم حزب اليمين لورانس سيليي كيف يتم تسخير الجهود للغة أخرى غير الفرنسية؟ وتحدث المسؤول في تيار اليمين المتطرف لويس أليو ورفيق رئيسة الحزب مارين لوبان، عن «آيديولوجية الخضوع». أما نيكولا دوبون إينيون زعيم حركة «فرنسا واقفة» فقد تحدث عن «خطر تعريب فرنسا». والملاحظ هو أن هذه الأصوات المتخوفة تربط عامة تعليم اللّغة بانتشار الأصولية والتطرف بين أوساط شباب الهجرة، وتراه كتعبير عن رفض الاندماج في المجتمع ورفض مبدأ العلمانية، وهي الحجة التي يصفها المدافعون عن اللغة العربية بـ«السخافة». الباحث والأكاديمي بييرلوي ريموند يكتب على صفحات موقع «ميديابارت» الإعلامي المستقل: «وصف اللّغة العربية بأنها لغة مجموعات قومية وربطها بآيديولوجيات سياسية عقائدية ينم عن جهل تام بأهمية هذه اللغة التي تعبر عن حضارة وثقافة عريقة تعود لآلاف السنين استفادت منها الإنسانية جمعاء. فهل نصف الثقافة والفن اللذين قدمهما لنا المبدعون العرب عبر قرون بإنتاج مجموعات قومية؟ العلوم والفلسفة والطب التي ندرسها اليوم في بلادنا، الروائع المعمارية كقصور الأندلس أو الكنوز التي تحتضنها متاحفنا هل هي روائع قومية؟»، الباحث في علوم اللسانيات المعروف كلود هجّاج يحاول فهم هذه الردود العنيفة بقوله: «لماذا سوء الفهم وهذه الحماقة الهذيانية؟ لأننا ببساطة نقترب من شيئين يميزان الفرنسي عن غيره، اعتزازه المبالغ فيه بلغته والتكشير عن أنيابه فور إحساسه بالخطر من أي منافسة، وعقليته الاستعمارية التي تجعله يعتقد أنه مهما تنازل وأعطى فإن الآخر سيطلب أكثر». الباحث في اللّسانيات لويس جان كالفي يقول: «إذا كان الأمر كذلك فلماذا لم نحتج على تعلم الروسية بين 1917 و1991 أيام الشيوعية؟ اللّغة العربية تبدو كغابة من الرموز يضيع فيها مواطنونا الذين يجدون صعوبة في إدراك معنى أن تتعلم لغة الآخر وليس أن تتعلم لغة ديانة الآخر». وكتبت الإعلامية نادية دام عموداً مؤثراً في موقع «سلات» عنوانه: «أعلم لماذا لا أفقه كلمة بالعربية رغم أنها لغتي الأم»، حاولت فيه تفسير الأسباب وراء عدم إتقانها للغة العربية: «لأنه خلال سنوات طفولتي الكل تعامل مع لغة آبائي وأجدادي إما بالازدراء أو بالخوف أو بالإشفاق الساخر، في كل مرة تذاع فيها موسيقى شرقية كانت كل الأعين تتجه لي بإلحاح لأرقص رغم أني لا أستطيع هز وسطي ولا قيد أنملة...، كم مرة رأيت نظرات التوبيخ في أعين المارة عندما تحدثني أمي بالعربية ونحن في الشارع وكأني أرفض الاندماج في المجتمع الفرنسي لأني أتكلم هذه اللغة.. رأيت في طفولتي نظرات إعجاب لأساتذتي تجاه زملائي الصينيين لأنهم يتقنون اللغتين ولم أرها تجاه زملائي العرب رغم أننا كنا نتقن لغتين أيضاً». أما الروائي صاحب جائزة الغونكور، جيروم فيراري، الذي عمل أيضا كمترجم وأستاذ وأقام في دول عربية كالجزائر والإمارات فكتب على صفحات جريدة «لا كروا» مقالاً بعنوان: «بارانويا»، مدافعاً فيه عن اللّغة العربية وفند تهمة النزعة القومية التي توجه لها. يقول: «قد تنطبق صفة (القومية) على اللّهجات الجهوية التي يستعملها الملايين يومياً من الدار البيضاء إلى أبوظبي لكن هذا لا ينطبق على العربية الفصحى التي لا تلقن إلا خارج الإطار العائلي.... السؤال هو أين ومع من يتعلم هؤلاء الصغار لغتهم الأم؟؟ أن تكون اللغة العربية لغة الأدب والفلسفة والشعر لا يهم هؤلاء السّاسة، ما يهُمهم هو خلق الجدل وشحن الجموع بمشاعر الكراهية والحقد». ويضيف هذه الطرائف عن سنوات عمله في التعليم: «أتذكر قصّة ذلك الزميل الذي شرح لتلاميذه أن (باراكوكا) التي تعني كلمة برقوق باللغة الكورسيكية هي آتية من كلمة البرقوق بالعربية وكيف أنه تفاجأ بعدها بسيل من شكاوى الأولياء التي أرسلت للإدارة ضده بحجة التخوف من خطر (الأسلمة) الذي يتعرض له التلاميذ في المدرسة...».
تعليم اللّغة العربية... الجدل القديم الجديد على أن قنبلة تعليم اللغة العربية التي تهدد بالانفجار في وجه أصحابها كلما طرحوها للنقاش ليس بالأمر الجديد. نجاة بلقاسم فالو التي احتلت منصب وزيرة التربية والتعليم بين 2014-2017 ذاقت الأمرين حين حاولت عرض الموضوع للنقاش، حيث قوبلت بهجوم شديد لدرجة اتهامها «بالعميلة المأجورة لخدمة أسيادها الأصوليين»، بسبب أصولها المغربية رغم أنها أكدت مراراً وتكراراً أن التعليم لن يتخذ صفة إلزامية ولن يكون إجبارياً.
لكن تعليم اللّغة العربية حاضر في فرنسا منذ قرون. الباحث في اللسانيات لويس جان كالفي يذكرنا في مقال بعنوان «اللّغة العربية أداة انفتاح في فرنسا المنغلقة على نفسها» على موقع ميديا بارت، «بأن أولى تجارب تعليم اللغة العربية تعود للقرن الثامن عشر في عهد الملك فرنسوا الأول، حيث كانت تدرس في معهد اللّغات الشرقية للدبلوماسيين وضباط البحرية، وأن أول مناظرة للغة العربية فتحت في فرنسا تعود للبداية القرن العشرين عام 1905، حيث كانت الوحيدة بين اللّغات الأوروبية الأخرى (الألمانية، الإيطالية، الإسبانية والبرتغالية) التي تحظى بالاهتمام».
الأرقام التي نشرتها صحيفة «لوموند»، استنادا لتقارير وزارة التربية والتعليم في فرنسا، تؤكد أن عدد التلاميذ الذين يتلقون دروس اللغة العربية قد تضاعف خلال العشرية الأخيرة، رغم أنه يبقى ضعيفاً عامة مقارنة بالطلب الشديد. العدد قفز من 6512 عام 2007 إلى تقريبا 14 ألف تلميذ عام 2017، بما فيهم الفرنسيون القاطنون في جزر الكاريبي، ويتوزعون كالتالي: أكثر من 567 في المرحلة الابتدائية، 4579 في المرحلة المتوسطة وأكثر من 6600 في المرحلة الثانوية. المشكلة حسب ما يشير له التقرير هي نقص أساتذة اللّغة العربية والكوادر المؤهلة للتدريس، حيث إن مسابقة الوزارة لتعيين أساتذة اللّغة العربية لم تفتح عام 2018 سوى 5 مناصب وثلاثة بالنسبة لمسابقة المناظرة.
إلى هذه الأرقام يضاف حوالي 48129 تلميذاً يتلقون دروس اللّغة العربية في إطار ما يسمى برامج «إلكو» و«أيلي» التي تعتمد على إرسال دول المغرب العربي لبعثات تتولى تدريس اللغة الأصلية للمهاجرين. العائق كما يشير له الملاحظون هو الاختلاف في المناهج وعدم ملاءمتها للبيئة الأوروبية للتلاميذ، إضافة لانقطاع معظمها بسبب نقص الميزانيات. على أن معضلة المدارس الخاصة التي تتولى تعليم اللغة والتربية الدينية هي أكثر ما يضايق الدوائر التربوية في فرنسا، لأن معظمها ينشط بدون تراخيص ولا يخضع لرقابة الوزارة. تقرير وزارة التربية الفرنسية يشير إلى أنه من بين الـ9000 مؤسسة تربوية التي تعمل بموجب عقد رسمي مع الوزارة 7500 هي مدارس كاثوليكية، 300 يهودية و.... ثلاث فقط إسلامية، ما يعني أن الغالبية الساحقة لهذه المدارس تنشط في فرنسا بصفة غير شرعية.


مقالات ذات صلة

دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

الولايات المتحدة​ دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

أظهر بحث جديد أن مدى جودة مدرستك الثانوية قد يؤثر على مستوى مهاراتك المعرفية في وقت لاحق في الحياة. وجدت دراسة أجريت على أكثر من 2200 من البالغين الأميركيين الذين التحقوا بالمدرسة الثانوية في الستينات أن أولئك الذين ذهبوا إلى مدارس عالية الجودة يتمتعون بوظيفة إدراكية أفضل بعد 60 عاماً، وفقاً لشبكة «سكاي نيوز». وجد الباحثون أن الالتحاق بمدرسة مع المزيد من المعلمين الحاصلين على تدريب مهني كان أوضح مؤشر على الإدراك اللاحق للحياة. كانت جودة المدرسة مهمة بشكل خاص للمهارات اللغوية في وقت لاحق من الحياة. استخدم البحث دراسة استقصائية أجريت عام 1960 لطلاب المدارس الثانوية في جميع أنحاء الولايات المتحدة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي مصر: نفي رسمي لـ«إلغاء مجانية» التعليم الجامعي الحكومي

مصر: نفي رسمي لـ«إلغاء مجانية» التعليم الجامعي الحكومي

نفت الحكومة المصرية، أمس السبت، عزمها «إلغاء مجانية التعليم الجامعي»، مؤكدة التزامها بتطوير قطاع التعليم العالي. وتواترت أنباء خلال الساعات الماضية حول نية الحكومة المصرية «إلغاء مجانية التعليم في الجامعات الحكومية»، وأكد مجلس الوزراء المصري، في إفادة رسمية، أنه «لا مساس» بمجانية التعليم بكل الجامعات المصرية، باعتباره «حقاً يكفله الدستور والقانون لكل المصريين».

إيمان مبروك (القاهرة)
«تشات جي بي تي»... خصم وصديق للتعليم والبحث

«تشات جي بي تي»... خصم وصديق للتعليم والبحث

لا يزال برنامج «تشات جي بي تي» يُربك مستخدميه في كل قطاع؛ وما بين إعجاب الطلاب والباحثين عن معلومة دقيقة ساعدهم «الصديق (جي بي تي)» في الوصول إليها، وصدمةِ المعلمين والمدققين عندما يكتشفون لجوء طلابهم إلى «الخصم الجديد» بهدف تلفيق تأدية تكليفاتهم، لا يزال الفريقان مشتتين بشأن الموقف منه. ويستطيع «تشات جي بي تي» الذي طوَّرته شركة الذكاء الصناعي «أوبن إيه آي»، استخدامَ كميات هائلة من المعلومات المتاحة على شبكة الإنترنت وغيرها من المصادر، بما في ذلك حوارات ومحادثات بين البشر، لإنتاج محتوى شبه بشري، عبر «خوارزميات» تحلّل البيانات، وتعمل بصورة تشبه الدماغ البشري. ولا يكون النصُّ الذي يوفره البرنامج

حازم بدر (القاهرة)
تحقيقات وقضايا هل يدعم «تشات جي بي تي» التعليم أم يهدده؟

هل يدعم «تشات جي بي تي» التعليم أم يهدده؟

رغم ما يتمتع به «تشات جي بي تي» من إمكانيات تمكنه من جمع المعلومات من مصادر مختلفة، بسرعة كبيرة، توفر وقتاً ومجهوداً للباحث، وتمنحه أرضية معلوماتية يستطيع أن ينطلق منها لإنجاز عمله، فإن للتقنية سلبيات كونها قد تدفع آخرين للاستسهال، وربما الاعتماد عليها بشكل كامل في إنتاج موادهم البحثية، محولين «تشات جي بي تي» إلى أداة لـ«الغش» العلمي.

حازم بدر (القاهرة)
العالم العربي بن عيسى يشدد على أهمية التعليم لتركيز قيم التعايش

بن عيسى يشدد على أهمية التعليم لتركيز قيم التعايش

اعتبر محمد بن عيسى، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، ووزير الخارجية المغربي الأسبق، أن مسألة التعايش والتسامح ليست مطروحة على العرب والمسلمين في علاقتهم بالأعراق والثقافات الأخرى فحسب، بل أصبحت مطروحة حتى في علاقتهم بعضهم ببعض. وقال بن عيسى في كلمة أمام الدورة الحادية عشرة لمنتدى الفكر والثقافة العربية، الذي نُظم أمس (الخميس) في أبوظبي، إن «مسألة التعايش والتسامح باتت مطروحة علينا أيضاً على مستوى بيتنا الداخلي، وكياناتنا القطرية، أي في علاقتنا ببعضنا، نحن العرب والمسلمين».

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.