الوقيان: نخشى أن تصلنا الحرائق

يرى أن الوعي بالقضية القومية شهد تراجعا ملحوظا

د. خليفة الوقيان
د. خليفة الوقيان
TT

الوقيان: نخشى أن تصلنا الحرائق

د. خليفة الوقيان
د. خليفة الوقيان

منذ سبعينات القرن الماضي، عرف الباحث والشاعر الكويتي د. خليفة الوقيان بدفاعه عن «القضية العربية»، إلى جانب دفاعه عن قضية الإنسان عموما وحريته، والديمقراطية بوصفها ضمانا لسلامة المجتمع وتماسك السلطة، وهو يرى أن الإيمان بالقضية العربية في عصر التشظي وصعود العصبيات خشبة الخلاص الوحيدة لمجابهة دعوات التمزق الطائفي والقبلي التي تعصف بالعالم العربي.
وكغيره من المثقفين الكويتيين والخليجيين، تعرض إيمانه القومي للامتحان، بعد احتلال الكويت، وما بعده، لكن المفاجأة أن كل ما حدث لم يزده إلا تشبثا بالقضية التي حملها طويلا وآمن بها.
الحوار التالي معه يستشرف هموم المثقف في عصر صعود الأصوليات، ويطل أيضا على المشهد الثقافي في الكويت.
* رسالتك للماجستير عام 1974 حملت عنوان: «القضية العربية في الشعر الكويتي»، هل تراجع منسوب الوعي بالقضية القومية في الشعر والثقافة الكويتية؟
- الوعي بالقضية القومية شهد تراجعا ملحوظا على المستوى العربي عامة، والكويت ليست استثناء، والوطن العربي يعيش في هذه المرحلة حقبة التشرذم والانتماءات الضيقة: الطائفية، القبلية، العنصرية، بل إن الانتماء الوطني – وليس القومي فقط – أصبح مهددا الآن، فبعض التيارات الأصولية لا تعترف بشيء اسمه الوطن، أو الهوية الوطنية، فكيف نتوقع منها الاعتراف بالهوية القومية؟
* هل ما زلت تؤمن بأهمية القومية العربية بعد كل هذا الخذلان العربي؟
- نعم، ما زلت أؤمن أن خلاص الأمة العربية من أمراض الطائفية والقبلية، وكل أشكال التمزق والهوان، لا يتأتى إلا من خلال الانتماء إلى فكرة تتجاوز الانتماءات الضيقة، وتنصهر في داخلها كل المكونات، وتحتشد كل الطاقات.
أيهما أفضل، وأكثر ضمانا لأمن المواطن العربي: الانتماء إلى أمة تمتد حدودها من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، أم الانتماء إلى كيانات صغيرة ضعيفة، تتطاحن فيما بينها، بل تقتتل مكوناتها بسبب الاختلاف في تفسير أحداث تاريخية وقعت قبل أربعة عشر قرنا، أو تسيل دماؤها نتيجة تباين الاجتهادات في تفسير نص أو تأويل حكم يتعلق بقضية فرعية.
أما الخذلان العربي الذي يشعر به المواطن، فلم يأتِ نتيجة خلل في النظرية القومية، بل جاء بسبب الانحراف في التطبيق، ففي كل فكرة، أو نظرية، هناك مفكرون ومناضلون حقيقيون ينشدون الصالح العام، وهناك انتهازيون ومتسلقون وطلاب سلطة ينحرفون بالأفكار النبيلة عن أهدافها ومساراتها الصحيحة، ويتسببون في تشويهها.
* كتابك «الثقافة في الكويت: بواكير - اتجاهات - ريادات» يؤكد وجود ثقافة عريقة في الخليج، فلماذا ما زال البعض ينظر بإجحاف إلى الثقافة الخليجية؟
- نحن المسؤولون، لأننا مقصرون في التعريف بأنفسنا وبتاريخ منطقتنا وإسهاماتها في الثقافة العربية، والآخرون مقصرون أيضا، لأنهم لا يبذلون الجهد في سبيل التعرف علينا.
ويبدو أن هناك شريحة لا يستهان بها – من العرب وغيرهم – تحمل صورة نمطية عن منطقة الجزيرة والخليج العربي، وتعتقد أننا حفنة من البدو هبطت عليها الثروة النفطية، فأوجدت فيها بعض المظاهر الثقافية، ولذلك أعتقد أننا مطالبون بتكثيف جهودنا البحثية للتعريف بمنطقتنا في المراحل السابقة لظهور النفط.

* قضية الحرية

* توصف بأنك أديب وكاتب مؤمن بقضية الإنسان وحقه في التعبير.. ماذا حقق الإنسان في الكويت والخليج عموما من رصيد لهذه القضية؟
- لم يحقق الإنسان في الكويت أو الخليج والوطن العربي بعامة سوى قدر يسير من حقه في التفكير والبحث العلمي والتعبير. قلت في أكثر من مناسبة إن هناك أكذوبة كبيرة مفادها أن الكويت تتمتع بهامش كبير من الحرية، والسبب هو ما يراه المتلقي من امتلاء وسائل الإعلام بالنقد الجارح الذي يوجهه الكتاب للمؤسسات الرسمية ولقيادات السلطة التنفيذية، ويضاف إلى ذلك ما هو معلوم من مواد الدستور الكويتي التي تكفل الحريات، فالمواد 30 و35 و36 و37 تؤكد أن الحرية الشخصية مكفولة، وحرية الاعتقاد مطلقة، وحرية الرأي والبحث العلمي مكفولة، وحرية الصحافة والطباعة والنشر مكفولة، وهذه نصوص جميلة، ويظن من يقرأها أننا نعيش في إنجلترا أو السويد.
* وما الحقيقة؟
- الحقيقة خلاف ذلك، فهذه المبادئ والنصوص الدستورية مقيدة بقوانين صارمة تعطلها، وتفرغها من محتواها، كما أنها خاضعة لتفسير أو تأويل سلطة أخرى غير شرعية تمارس الإرهاب الفكري باسم الدين، وتلاقي استسلاما وخنوعا من أدوات السلطة التنفيذية، التي يفترض أنها شرعية، وأنها القيمة، والمطالَبة بتطبيق أحكام الدستور الذي يكفل الحريات.
* لكنك في الكويت يمكنك أن تنتقد أو حتى تشتم كبار المسؤولين في الدولة، ثم تذهب إلى بيتك، وتنام وأنت مطمئن.. أليس كذلك؟
- الحقيقة أن أهل الفكر والبحث العلمي في غير حاجة إلى شتم المسؤولين. إن ما يحتاجون إليه هو مناقشة القضايا الفكرية التي تتعلق بتشكيل عقول أبنائهم، وبمستقبل أمتهم – دون مساس الثوابت – من جهة، ودون التعرض للإرهاب الفكري من جهة أخرى.

* ماذا يريد الكويتيون؟

* ما العوائق التي تقف في وجه المبدع الكويتي؟
- من أهم العوائق التي تقف في وجه الإبداع: ضيق هامش الحرية خلافا لما يقتضيه منطق العصر، وانفتاح الفضاء، وتطور وسائل الاتصال.
والمشكلة المستعصية على الحل في الوطن العربي والعالم الإسلامي – وبخاصة في العقود الأخيرة – هي التشويه المتعمد للدين، والسعي إلى إقحامه في كل مفردة من مفردات حياتنا، وتحميله من ثم مسؤولية محاربة الإبداع والبحث العلمي، وإشاعة ثقافة الكراهية أو الدروشة والخرافة، والدين من كل ذلك براء، كيف يتسنى للفنان التشكيلي أن يبدع إذا كان بيننا من ينظر إلى الأعمال الفنية الخالدة بوصفها أصناما يمكن أن تعبد؟
حين يذهب الطفل – في البلدان غير الإسلامية – إلى مدرسته فسوف يرى الأعمال الفنية العظيمة منتشرة في الميادين والشوارع والمعابد، فتنمي لديه الإحساس بالجمال وحب الحياة، وترقق مشاعره، وتهذب سلوكه، وتدفعه إلى العمل والإبداع.
أما الطفل لدينا، حين يخرج إلى الشارع أو يفتح كتابه المدرسي، فسوف يرى عبارات الزجر، وكره الآخر، وتقبيح الحياة، وتشجيع استعجال الموت.
هل نقول إن الخطوة الأولى للتخفيف من موجة الغلو، المنتِج للإرهاب تكمن في تشجيع الإبداع والتذوق الفنيين؟
* ما مشكلة المثقفين الكويتيين اليوم؟
- من أهم مشكلات المثقفين بعامة – في هذه المرحلة – تراجع لغة الحوار وحضور لغة الدم، في أزمنة سابقة كان المفكرون والفلاسفة والعلماء والأدباء يتناولون أكثر القضايا الفكرية تعقيدا دون أن يتعرضوا للأذى – باستثناء حالات نادرة – أما اليوم فالأمر مختلف؛ إذ بإمكان عامل لم ينهِ الدراسة الابتدائية أن يغتال مفكرا، دون أن يقرأ له حرفا. والمشكلة المعقدة تكمن في تخلي دولنا عن مسؤولياتها في توفير الأمن الفكري للمواطن، وتركها تلك المهمة الخطيرة لجماعات سياسية فكرية لها رؤيتها الضيقة حينا، ولها في أحيان أخرى أهدافها المعروفة للوصول إلى السلطة.
* لاحظنا في مراحل سابقة من السبعينات والثمانينات أن هناك قضية تشغل بال المثقفين في الكويت.. الديمقراطية تحديدا.. اليوم ما هي قضية المثقفين هناك؟
- شغلت قضية «الديمقراطية» الكويتيين منذ مطلع القرن المنصرم، وفي العام 1921 أقاموا مجلسا للشورى، ثم تطور الفكر السياسي لديهم، فأقاموا في العام 1938 مجلسا تشريعيا منتخبا، وأصدروا دستورا، تقول المادة الأولى منه: «الأمة مصدر السلطات ممثلة في هيئات نوابها المنتخبين»، وهذا يعني أن قضية الديمقراطية لم تظهر في السبعينات والثمانينات، ولكنها تعرضت لنكسات متتالية.
وعلى هذا الأساس نستطيع القول: إن قضية الحفاظ على المكاسب الديمقراطية والدفاع عنها ضد القوى غير المؤمنة بها سوف تبقى حاضرة دائماً.

* لا أعتسف كتابة الشعر

* آخر مجموعة شعرية صدرت لك كانت «حصاد الريح» في العام 1995. لماذا توقفت عن كتابة الشعر؟
- لم أتوقف عن كتابة الشعر بعد آخر مجموعة، ولكني أصبحت مقلا، ولا تفسير لدي لحالات المد والجزر في العملية الإبداعية، ولكن ما يهمني هو عدم اعتساف كتابة الشعر، إن لم يأتِ طوعا، لأن تكلف الكتابة ضرب من النظم البعيد عن روح الإبداع.
ومن جهة أخرى قد يكون انشغالي بالبحث في العقود الأخيرة، فضلا عن العمل الإداري المضني من أسباب قلة زيارة الشعر لي، وقد أقوم بنشر ما تجمع لدي في مجموعة شعرية خامسة في العام المقبل.
* شاركت في تأسيس المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب عام 1973، جنبا إلى جنب مع الرائدين الراحلين: عبد العزيز حسين، وأحمد مشاري العدواني، كيف ترى المجلس اليوم؟
- لا يزال المجلس الوطني للثقافة يقوم بدوره في حدود الإمكانات المحدودة، أو المتاحة له، وفي ظل غياب استراتيجية ثقافية للدولة، والاهتمام بالثقافة في الكويت مرتبط بالمبادرات الفردية أكثر من ارتباطه برؤية الدولة أو استراتيجيتها في هذا المجال، إن افترضنا وجود استراتيجية، فحين يتولى المسؤولية أعلام بحجم عبد العزيز حسين وأحمد العدواني وحمد الرجيب ومن هم في حكمهم من جيل النهضة، تتحرك عجلة التنمية الثقافية بصورة أسرع وأفضل.
* هل ساهمت خلافات الأعضاء بتراجع الدور الريادي لهذا المجلس بصفته راعيا للثقافة وحاضنا للإبداع؟
- لم تكن هناك خلافات بين أعضاء المجلس حين كنت أمينا مساعدا له، ولكن، عندما تقاعد الأستاذ عبد العزيز حسين، وتولى رئاسة المجلس وزير آخر، كان لهذا الوزير اجتهاد يقضي بتحويل المجلس إلى جهاز استشاري، وإلغاء استقلاله الإداري والمالي، وكان لي رأي مغاير، ولذلك استقلت من العمل، غير أن المجلس عاد إلى ممارسة دوره – بعد حين – كما استعاد استقلاله الإداري والمالي، وهو يعمل في حدود الإمكانات المحدودة المتاحة له.
* كان لديك رأي بشأن الشعر النبطي؛ حيث رأيت أن هذا الشعر كان في السابق أكثر أهمية، لأنه كان يؤرخ لأحداث تاريخية مهمة، بينما اليوم فهو أقل تأثيرا.. بماذا تفسر تمدد هذا الشعر إذن وانتشاره؟
- انتشرت في العقود القليلة الماضية ظاهرة الكتابة بالعامية من شباب متعلمين، يمتلك كثير منهم القدرة على الكتابة بالفصحى، لذلك كنت أتمنى من هذه الفئة من الشباب المبدعين أن يتيحوا لأنفسهم فرصة الانتشار جغرافيا وتاريخيا، فاللهجة العامية لا تتعدى رقعة محدودة من الأرض، كما أنها لا تمتد كثيرا في الزمن، لأنها متغيرة.
وأحسب أن من أسباب تمدد شعر العامية التماس الطريق الأسرع للانتشار بجهد يسير، فضلا عن اتساع ظاهرة التشرذم والتقوقع على المحلية.
* سيرة ذاتية
* دكتوراه في اللغة العربية من جامعة عين شمس 1980.
* عمل أمينا عاما مساعدا للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وعضوا بهيئة تحرير مجلة الثقافة العالمية، وعضوا بمجلس الجوائز بمؤسسة الكويت للتقدم العلمي، وبمجلس كلية التربية وكلية الآداب.
* عضو جمعية الصحافيين الكويتية، والاتحاد العام للصحافيين العرب، وأمين عام رابطة الأدباء بالكويت.
أصدر ثلاث مجموعات شعرية: «المبحرون مع الرياح 1974»، «تحولات الأزمنة 1983»، «الخروج من الدائرة 1988»، «حصاد الريح 1995»، كما صدرت مختارات له عام 1995.
* من مؤلفاته: «القضية العربية في الشعر الكويتي - شعر البحتري: دراسة فنية».



كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة
TT

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

تبدو كرة القدم، في ظاهرها، لعبةً بسيطةً إلى حد الخداع: كرة، ملعب، فريقان، مرميان، وتسعون دقيقةً يتعلّق بها ملايين البشر كما لو أن مصائرهم الشخصية تُحسم مع كل هجمة ضائعة أو هدف في وقت قاتل. هذه البساطة الظاهرية هي تحديداً ما يمنح الساحرة المستديرة قوتها، فكلما حاولنا النظر إليها باعتبارها ترفيهاً عابراً، عادت لتكشف شيئاً أعمق عن المجتمعات التي تصنعها وتشاهدها وتعيشها. في المدرجات، والشاشات، وطوابير التذاكر، والهتافات، والعنف أحياناً، والدموع التي تسبق صافرة النهاية، تظهر كرة القدم كمرآة كثيفة لتناقضات العالم الحديث: الدافعية للانتماء، والخوف من الآخر المختلف، وقوة السوق، وهشاشة الجماعات، وصعود القوميات، وتوق الإنسان إلى لحظة يشعر فيها أنه جزء من شيء أكبر من عزلته اليومية.

لذلك؛ يصعب فهم كرة القدم بوصفها رياضة محض. لقد أصبحت ظاهرةً اجتماعيةً كاملة، يقرأ من خلالها علماء الاجتماع ومؤرخو الثقافة والفلاسفة أسئلة الهوية والطبقة، والسلطة، والعنف، والذاكرة. فالملعب ليس مساحةً محايدةً تماماً، ولا المدرج تجمعاً بريئاً كلية من السياسة. هناك، داخل المستطيل الأخضر وحوله، تتقاطع مصالح الشركات الكبرى، ورغبات الدول في القوة الناعمة، وأحلام الجماهير العادية، ومخاوفها، وحنينها إلى شكل من أشكال التضامن الإنساني الذي صار عملة نادرة في زمن الرأسمالية المتأخرة.

تشتغل الملاعب الحديثة، في جانب من جوانبها، كمعابد علمانية. يدخلها الناس بقمصان بألوان محددة، ويرددون أناشيد محفوظة، ويرفعون شعارات ورموزاً، ويعيشون لحظات من الانفعال الجماعي يصعب القبض عليها ضمن مناحي الحياة اليومية ليذوب الفرد، ولو لحظياً، داخل جسد أكبر: جمهور يهتف بصوت واحد، ويغضب بصوت واحد، وينفجر فرحاً في اللحظة نفسها كتجربة نادرة للانتماء الحسّي المباشر.

لكن الطاقة نفسها التي تصنع هذا التلاحم يمكن أن تنقلب شيئاً أكثر ظلمةً. فالمدرج الذي يمنح الإنسان شعوراً بالانتماء قد يتحول أيضاً مساحةً للإقصاء عندما يغدو الهتاف الذي يوحّد الجماعة أداةً للعنصرية أو الكراهية أو العداء القومي. هذه المفارقة تجعل كرة القدم شديدة الالتباس: إذ هي تصنع تضامناً حقيقياً، وتستطيع أيضاً صُنع قبيلة مغلقة على ذاتها. وفي بعض السياقات، قد تتحول الروابط المتطرفة من جماعات تشجيع إلى تشكيلات ثقافية خشنة، تستبعد النساء، والمهاجرين، والأقليات، وكل من لا يطابق صورتها الضيقة عن «المشجع الحقيقي». هكذا يظهر تناقض جدلي آخر للعبة: قدرة الجماعة على احتضان الفرد، وقدرتها في الوقت نفسه على سحق الاختلاف.

حاول عدد من المفكرين فهم هذه الطاقة العميقة في اللعب. رأى المؤرخ الثقافي يوهان هويزنجا، في كتابه «الإنسان اللاعب»، أن اللعب ليس إضافةً ثانويةً إلى الثقافة، بل واحد من جذورها الأولى. فالإنسان، قبل أن ينظّم السياسة والقانون والفن، كان يلعب، ويضع قواعد، ويقبل بالدخول إلى زمن خاص ومكان خاص، حيث يصبح الفعل رمزياً ومحدوداً ومشحوناً بالمعنى. بهذا المنظور، لا تبدو كرة القدم مجرد تسلية، بقدر ما هي تمظهر حديث لغريزة قديمة: رغبة الإنسان في تحويل الصراع طقساً، والعنف شكلاً منظماً مقبولاً اجتماعياً.

في الاتجاه نفسه، ذهب عالم الاجتماع نوربرت إلياس، ومعه إريك دونينغ، إلى أن الرياضات الحديثة جزء من «سيرورة التمدن»، أي العملية الطويلة التي تعلّم فيها البشر ضبط العنف وتأطيره. فالمباريات الشعبية القديمة كانت، في كثير من صيغها، أقرب إلى معارك مفتوحة، تختلط فيها المنافسة بالفوضى والإصابات الجسدية. ومع تطور القوانين، والحكام، وحدود الملعب، تحوّل العنف صراعاً رمزياً مضبوطاً بوقت محدد وقواعد معلنة. غير أن ضبط العنف لا يعني اختفاءه. إنه يعود في هيئة توتر، وحماسة، وهتافات، ورغبة متدفقة لتحقيق الانتصار، وإثارة مكثفة يفتقدها روتين الحياة الرتيبة. لذلك؛ يصبح الملعب مكاناً يسمح للإنسان الحديث بأن يلامس شيئاً من طاقته الغريزية، من دون أن يخرج تماماً على نظام المجتمع.

تدرك الأنظمة السياسية هذه الطاقة جيداً. ولهذا لم تكن كرة القدم بعيدةً عن مشاريع الهيمنة وصناعة الشرعية. فاستضافة البطولات الكبرى صارت وسيلةً لتجميل صورة الدول، واستعراض قدرتها التنظيمية وقوتها الناعمة، وإخفاء أزماتها الحقوقية أو الاجتماعية خلف مشهد عالمي منظم ومبهر. يقدم التاريخ أمثلة كثيرة على ذلك: من استغلال موسوليني لكأس العالم عام 1934 في إيطاليا لتقديم الفاشية كقوةٍ حديثة ومنضبطة، إلى توظيف المجلس العسكري في الأرجنتين لبطولة كأس العالم 1978 لتلميع سلطةٍ ديدنها القمع والاختفاءات، وصولاً إلى زمننا الراهن، حيث تستخدم دول وشركات وكيانات كبرى الرياضة وسيلةً لغسل السمعة وشراء القبول الدولي.

لا تعمل المؤسسات الرياضية الدولية خارج هذا المنطق. فـ«فيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم)، مثل غيره من الهيئات الكبرى، يتحدث بلغة الوحدة والسلام واللعبة الجميلة، لكنه يتحرك داخل شبكة معقدة من المال، والسياسة، والرعاية، والمصالح.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كرة القدم كأداة سلطوية. ففي بيئات مضطربة، يمكن للملعب أن يتحول أيضاً مساحةً بديلة للتعبير والمقاومة. تجربة نادي أتلتيك بيلباو الإسباني، خلال الحقبة الفرانكوية، تقدم مثالاً فصيحاً. إذ حاولت السلطة المركزية فرض هويةٍ إسبانية موحدة وتجريف الخصوصيات اللغوية والثقافية، ليغدو ملعب «سان ماميس» ببيلباو مكاناً يحافظ فيه الباسكيون على شعورهم المتفرد بلغتهم وذاكرتهم وتاريخهم. ولم تكن سياسة النادي الاعتماد على اللاعبين ذوي الأصول الباسكية مجرد اختيار رياضي، بل كانت إعلاناً رمزياً عن خصوصية ثقافية ترفض الذوبان الكامل في المركز.

تكشف دراسات سوسيولوجية بإيران عن شكلٍ آخر من هذه المقاومة اليومية. فحرمان النساء لسنوات طويلة من دخول الملاعب لم يلغِ حضورهن في الثقافة الكروية. لقد دفعهن إلى اختراع مساحات بديلة: مجتمعات افتراضية، تجمعات خاصة، نقاشات عامة، وطرق ملتوية للمشاركة في لعبة تحاول السلطة احتكار فضائها ذكورياً، لتصبح كرة القدم اختباراً لحق الظهور، وحق الجسد في المكان، وحق الجماعة المقموعة بأن تقول: نحن أيضاً جزء من هذه الحكاية.

ترتبط كرة القدم الحديثة، في أصلها الاجتماعي، بالطبقة العاملة البريطانية خلال القرن التاسع عشر. فقد نشأت في ظل المدن الصناعية القاسية، حيث كانت المصانع تلتهم الوقت والجسد، وكان العمال يبحثون عن مساحةٍ ينفلتون فيها من رتابة الآلة وضغط العمل. الأندية المحلية لم تكن في بداياتها علامات تجارية، بل كانت امتداداً للحي، وللعائلة، وللمصنع، وللشارع، وارتبطت بالكرامة الشعبية، وبالذاكرة المشتركة، وبشعور الناس بأن هناك شيئاً يخصهم مقابل عالم لا يملكون فيه الكثير.

لكن العولمة الرأسمالية أعادت تشكيل هذه العلاقة جذرياً. فمنذ تسعينات القرن الماضي، وخصوصاً مع تضخم حقوق البث التلفزيوني ودخول المستثمرين والشركات الكبرى، تحولت كرة القدم صناعةً عالمية باهظة: ارتفعت أسعار التذاكر، وتغير شكل الجمهور، وصارت الملاعب أكثر أناقة وأقل شعبية في كثير من الأحيان، وجلس الأثرياء في المقصورات، وابتعدت عائلات كثيرة عن مدرجاتها القديمة، في حين صار المشجع التقليدي يراقب فريقه عبر اشتراكات مدفوعة. وهكذا تكرّس شرخٌ واضح بين من يرى النادي ذاكرةً وانتماءً، ومن يراه أصلاً مالياً قابلاً للبيع والشراء.

انقسم الخطاب الفلسفي المعاصر في مقاربة المنظومة الكروية بين تيارين شديدي التطرف والتباين. يتبنى التيار الأول قراءة شاعرية وجدانية، يمثلها المخرج الإيطالي بيير باولو بازوليني، الذي رأى كرة القدم لغة جسدية متكاملة تمتلك نحواً وصرفاً خاصين بها، واعتبر لحظة إحراز الهدف خرقاً شعرياً صاعقاً لشيفرة الواقع البليد، وانعتاقاً إنسانياً مفعماً بالخلود البدائي والجمال الخالص، مؤكداً أن الشغف الكروي يمنح الفرد فرصة لاختبار قيم الوفاء والتضحية الجماعية والثقافة الحرة بعيداً عن جفاف التنظير العقلاني الصارم.

 

اتحاد «فيفا» يتحدث بلغة الوحدة والسلام واللعبة الجميلة... لكنه يتحرك داخل شبكة معقدة من المال والسياسة

في القطب المقابل، يقف تيار نقد بنيوي ينظّر للعبة بوصفها أداة تدجين وتجهيل ممنهج للجماهير. يتبدى هذا الموقف الراديكالي في أطروحات السوسيولوجي الفرنسي مارك بيرلمان الذي وصف كرة القدم بـ«الطاعون العاطفي»، معتبراً إياها منظومة بربرية حديثة تُنمّط العقول، وتنشر البلادة الفكرية، وتُلهي الطبقات الشعبية عن قضاياها المصيرية وصراعها الطبقي الحقيقي. يتلاقى هذا التحليل البنيوي مع الموقف التهكمي الشهير للكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس الذي ربط بوضوح بين اتساع شعبية اللعبة وصعود الغباء الجمعي، واصفاً إياها بلعبة المغفلين التي تطرد الفكر النقدي المستنير لتستبدل به إثارة غريزية جوفاء تحاكي معارك الرومان القدامى في الكولوسيوم.

لكن بين تقديس بازوليني وازدراء بيرلمان وسخرية بورخيس، تضيع الحقيقة الأكثر تركيباً. كرة القدم ليست شعراً خالصاً، ولا وباءً خالصاً. إنها المجال الذي يتجاور فيه الشعر والوباء، الجمال والتدجين، الحرية والامتثال، الجماعة والغوغاء. من يراها خلاصاً شعبياً كاملاً يتجاهل ما فيها من عنف وشوفينية وتجارة. ومن يراها خداعاً كاملاً يتجاهل ما تمنحه لملايين الناس من ذاكرة وانتماء وفرح حقيقي. لذلك؛ يحتاج تحليل كرة القدم إلى عينين مفتوحتين معاً: عين ترى السوق والسلطة، وعين ترى الإنسان العادي الذي لا يجد في أسبوعه القاسي سوى تسعين دقيقةً يشعر فيها بأن قلبه يتحرك مع قلوب الآخرين.

من هنا يتوقف الأفق الأخلاقي للعبة مستقبلاً على قدرة الجماهير الواعية، وروابط المشجعين، والحركات الاجتماعية، على مقاومة تحويل كرة القدم سوقاً مغلقة أو أداة آيديولوجية. فالمعركة ليست بين حب اللعبة ورفضها، بل بين أشكال مختلفة من امتلاك معناها.

وستبقى كرة القدم واحدةً من أوضح التمثلات لتناقضات الحداثة. فيراقب الجمهور اللاعبين، وتراقب الشاشات الجمهور، وتراقب الشركات الجميع. وفي هذه الدائرة العاكسة، تكشف اللعبة الساحرة عن الصيغ التي تصنع بها المجتمعات هوياتها، وتدير غضبها، وتخوض معاركها الرمزية في فضاء يتأرجح بين صخب المدرجات وعزلة الشاشات.


نصب الخليفة في «قصر هشام» بالضفة الغربية

نصب صاحب قصر هشام كما بدا قبل ترميمه ومن بعد هذا الترميم
نصب صاحب قصر هشام كما بدا قبل ترميمه ومن بعد هذا الترميم
TT

نصب الخليفة في «قصر هشام» بالضفة الغربية

نصب صاحب قصر هشام كما بدا قبل ترميمه ومن بعد هذا الترميم
نصب صاحب قصر هشام كما بدا قبل ترميمه ومن بعد هذا الترميم

يقع قصر هشام على مسافة 5 كيلومترات إلى الشمال من مدينة أريحا، ويُعد اليوم من أهم المعالم السياحية في الضفة الغربية. يحتلّ هذا القصر موقعاً بارزاً في خريطة المنشآت المعمارية التي شيّدها خلفاء بني أمية في نواحٍ متعدّدة من بوادي بلاد الشام، ويتميّز بحلله الزينية المتنوّعة التي كشفت عنها سلسلة من حملات التنقيب المتعاقبة، أجرتها دائرة الآثار البريطانية حلال عهد الانتداب في خربة تُعرف باسم «خربة المفجر». نُقلت هذه اللقى إلى متحف أنشأته هذه الدائرة في القدس الشرقية، وأطلقت عليه اسم «متحف فلسطين للآثار». دخل هذا المتحف تحت إدارة المملكة الهاشمية الأردنية إثر نكبة 1948، وحافظ على اسمه إلى أن استولت الدولة العبرية عليه إثر هزيمة 1967، وأطلقت عليه اسم «متحف روكفلر»، نسبة إلى الثري الأميركي جون ديفيد روكفلر الابن الذي تبرّع بمبلغ مليوني دولار لبنائه في العشرينات. في هذا المتحف الذي أُلحق بـ«متحف إسرائيل»، وبات مقراً لرئيس دائرة الآثار الحكومية، تحضر حلل قصر هشام الأثرية، وتلمع بثرائها الفني، وأشهرها نصب ملكي كبير يبلغ طوله نحو متر ونصف المتر.

وصل هذا النصب مهشّماً من بين أطلال خربة المفجر، وتمثّل عند اكتشافه بقطعتين منفصلتين تمّ جمعهما لاحقاً، على ما تُظهر التقارير التوثيقية الخاصة بهذا الاكتشاف. يحضر الرأس في إحدى هاتين القطعتين، ويحضر في القطعة الأخرى النصف الأسفل من القامة المنتصبة على قاعدتها العريضة، وتجمع بين القطعتين كتلة مضافة صُنعت من مادة مغايرة، وفقاً للتقاليد العلميّة المتّبعة في ميدان حفظ الآثار. كتلة الرأس مهشّمة جزئياً، وقمّتها ضائعة. تساقط سطح الجبين، وتساقطت معه كتلة الأنف الناتئ، غير أن العينين حافظتا على تكوينهما بشكل شبه كامل، وهما ضخمتان ولوزيّتان، ويتوّسط كلّ منهما بؤبؤ جاحظ، يتكوّن من كتلة على شكل خاتم ناتئ، تلتف حول كتلة دائرية غائرة. الخدّان عريضان، وتحدّهما أذنان ظاهرتان، تتكوّن كلّ منهما من صيوان ناتئ يلتفّ حول تجويف غائر. الثغر ضائع، ويعلوه شارب مفتول عريض، يتكوّن من 3 خصل أفقية مقوّسة. تغيب الذقن تحت لحية بيضاوية كثيفة، صيغت خصلها على شكل سلسلة متراصة من الخيوط العمودية المتعرّجة.

القسم الأعلى من القامة مفقود، وما تبقى منه يكشف عن حزام عريض يلتف حول الخصر. القسم الأسفل وصل بشكل كامل، ويكشف عن عباءة طويلة فضفاضة تأخذ شكل مثلّث تحدّه بطانة عريضة، تعلوها سلسلة من الخواتم اللؤلؤية المتراصة. تعلو هذه العباءة بطانة مماثلة تنسلّ عمودياً، وتتقاطع مع بطانة الحزام الأفقيّة. تظهر القدمان في الأسفل، وتكشفان عن طرفي سروال فضفاض. هويّة هذا اللباس جليّة، وتتبع الطراز الساساني الشائع بشكل لا لبس فيه. ينتصب صاحب التمثال بثبات في وقفة ساكنة تخلو من أي حركة حية، ويحمل بيده اليسرى سيفاً قصيراً يتدلّى من وسط خصره، وفقاً لهذا الطراز الساساني المعهود. ترتفع هذه القامة الملكية فوق قاعدة عريضة، يزيّن واجهتها نقش تصويري ناتئ يمثّل أسدين رابضين، يدير كل منها ظهره في اتجاه الآخر. في المساحة الفارغة التي تفصل بين ظهري هذين الأسدين، تحضر وردة زخرفية تتكون من 5 بتلات متراصة، تشكّل قرصاً يعلوه شريطان نباتيان.

يتشابه هذا الأسدان حتى التماثل. القالب واحد، ويجسّد ليثاً يفتح شدقه إلى أقصى حدّ، ويُظهِر أنيابه، كأنه يزأر ويزمجر. فمه منفّذ برهافة بالغة، وقوامه شدق عريض يكشف عن أنياب مسنّنة. أنفه عريض وبارز، ويتميّز بفتحتيه الكبيرتين. عيناه لوزتان مجوّفتان فارغتان، يحدّ كل منهما إطار هدبي ناتئ. يعلو هاتين العينين حاجبان عريضان لكل منهما طرفان مقوّسان نحو الأعلى. تحيط بهذا الرأس المزمجر لبدة مكونة من خصل شعر متوازية، مع لحية مشابهة تشكّل عقداً حول الذقن. يجثو هذا الأسد على قائمتيه الخلفيتين، ويشرئب على قائمتيه الأماميتين المنتصبتين، وفقاً لطراز انتشر في العالم القديم، تبنّاه الأمويون ومن حكم من بعدهم، وشواهد هذه الاستمرارية عديدة ومتنوّعة، وترتبط كلها برمزية السلطة الحاكمة.

يحوي قصر هشام حماماً كبيرا، تتقدّمه شرفة عظيمة زيّنت بشبكة من النقوش والتماثيل، ويرى أهل الاختصاص أن موقع نصب الحاكم المنتصب فوق الأسدين الرابضين يعود في الأصل إلى مدخل هذه الشرفة. قيل إنّ هذا النصب يمثّل صاحب هذا القصر، هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية، غير أن الدراسات أظهرت أن حركة البناء استمرّت في هذا القصر بعد وفاة الخليفة إلى أن تعرّض لزلزال ضخم في سنة 746، والأرجح أن جزءاً من منشآته يعود إلى عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام، وحكم بين عامي 743 و744. ومن هذا المنطلق، خرجت قراءة ثانية تقول إن صاحب النصب يمثّل الوليد بن يزيد، لا هشام بن عبد الملك، وهاتان القراءتان افتراضيّتان في غياب أي شاهد يحسم هذا الجدال.

يمثّل هذا النصب على الأرجح صورة رمزية للحاكم، تشابه في تكوينها الجامع الصور التي تزيّن المسبوكات الأموية. وفقاً لما نقله شمس الدين الذهبي في «سير أعلام النبلاء»، كان هشام «جميلاً أبيض مسمناً أحول خضب بالسواد»، أي أنه كان يصبغ شعره باللون الأسود. وكان الوليد بحسب الرشيد «من أجمل الناس، وأشعرهم، وأشدهم». لا نجد في هذا التمثال ما يشبه هذه الأوصاف؛ ما يعني أنه يجسّد صورة مثالية غير شخصية، لو افترضنا أنه يمثّل عاشر الخلفاء الأمويين، أو مَن حكم من بعده. في الخلاصة، يبرز هذا النصب بأسلوبه المتقن، ويشهد لتبنِّي الأموين طرزاً فنية سادت خلال العهود التي سبقت ظهورهم. تجدّدت هذه الطرز بشكل خلاّق في ميدان الفن الأموي المدني، وظهر هذا التجدّد في قوالب مبتكرة يزخر بها هذا الميدان المثير.


شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر

شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر
TT

شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر

شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر

يمثل كتاب «شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر» للناقد والأكاديمي والشاعر الأردني د.عبد الرحيم مراشدة، محاولة نقدية للربط بين جماليات الشعر وعمقه الثقافي، وفتح مسارات جديدة أمام قراءة الشعر العربي بوصفه مساحة تتقاطع فيها اللغة والفكر والذاكرة والحضارة.

يبحث الكتاب الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» بالأردن (2026) في 230 صفحة، في الطبقات العميقة للنصوص الشعرية العربية الحديثة، متجاوزاً القراءة الجمالية المباشرة نحو الكشف عن المرجعيات والأنساق الثقافية التي تتخفى داخل البناء الشعري، ويتتبع العلاقة بين الشعر والثقافة والتاريخ والفكر، ويقدم قراءة للنصوص الشعرية من منظور يكشف عما وراء اللغة الظاهرة من دلالات ورؤى ومهيمنات ثقافية.

في مقدمته، يشير مراشدة إلى أن موضوع الأنساق الثقافية أصبح يحتل مساحة بارزة في النقد الثقافي الحديث، سواء في الدراسات الغربية أو العربية، وأن هذا الاتجاه يتيح البحث عن الدلالات التي تتجاوز المستوى اللغوي والجمالي للنص، للكشف عن البنى الفكرية والتاريخية والحضارية الكامنة فيه، موضحاً أن النص الشعري لا ينفصل عن روافده الثقافية، إذ يتشرب التاريخ والتراث والأحداث والمرجعيات المختلفة، لتصبح جزءاً من تشكيله الفني والدلالي.

يضم الكتاب ثلاثة فصول هي: «الأنساق الثقافية: الرؤيا والتشكيل»، و«الصوفية والوجودية نسقاً ثقافياً: قراءة في قصيدتين من الشعر العربي الحديث»، و«النسق الثقافي الرحلي الوجداني»، وجميعها تقوم على دراسات نقدية تطبيقية تتناول نماذج شعرية عربية حديثة، تهدف إلى تقديم قراءة تتقاطع مع مناهج النقد المعاصر، وبخاصة النقد الثقافي، بما يحمله من اهتمام بالأنساق المضمرة والمهيمنات التي تعمل داخل النص وخارجه.

ومن أبرز النماذج التي يتوقف عندها د.عبد الرحيم تجربة الشاعر أدونيس، لا سيما مشروعه «الكتاب: أمس، المكان، الآن»، حيث يقرأ الناقد هذا العمل بوصفه نصاً إشكالياً يتجاوز الحدود التقليدية للأجناس الأدبية، ويعتمد على كثافة المرجعيات الثقافية والتاريخية والفكرية، موضحاً أن الشاعر كان دائم السعي إلى التجديد والتجاوز والتجريب، سواء في الشعر أو النقد، وأنه أسهم في نقل القصيدة العربية إلى فضاءات جديدة عبر محاولاته المستمرة لكسر القوالب التقليدية.

كما يتناول الباحث تجربة الشاعر الأردني طاهر رياض من خلال قصيدته «حلاج الوقت» التي يرى فيها المؤلف حضوراً واضحاً للمرجعيات الصوفية والفلسفية والوجودية، وكيف تتحول هذه المرجعيات إلى طاقة شعرية داخل النص، وإلى جانب ذلك يدرس مراشدة نماذج شعرية أخرى، منها قصائد للشاعرين نزار قباني وأدونيس، حيث يرصد حضور التاريخ والحضارة والفكر في نصوصهما، ويرى أن هذه الكتابات تمثل مرحلة من التحولات المهمة في الشعر العربي الحديث، سواء على مستوى اللغة الشعرية أو طرق التعبير أو الانفتاح على ثقافات متعددة، ويتوقف كذلك عند تجربة الشاعر الأردني عمر أبو الهيجاء في مجموعته الشعرية «وأقبل التراب»، بوصفها تجربة شعرية تتداخل فيها الذاكرة والمكان والقضية والبعد الإنساني، ويخصص د.مراشدة مساحة لدراسة شعر الناقد، والأديب الأردني ناصر الدين الأسد، متتبعاً حضور الذات والذاكرة والقيم الإنسانية في تجربته الشعرية، وما تحمله من ارتباط بالوجدان والطبيعة والرؤية الخاصة للعالم.