موسكو تغلق أجواء سوريا أمام إسرائيل و«أطراف أخرى»

قررت تزويد دمشق بـ«إس 300» ونشر تقنيات تشويش على ساحل البحر المتوسط

منظومة صواريخ «إس 300» التي ستسلمها موسكو إلى دمشق (إ.ب.أ)
منظومة صواريخ «إس 300» التي ستسلمها موسكو إلى دمشق (إ.ب.أ)
TT

موسكو تغلق أجواء سوريا أمام إسرائيل و«أطراف أخرى»

منظومة صواريخ «إس 300» التي ستسلمها موسكو إلى دمشق (إ.ب.أ)
منظومة صواريخ «إس 300» التي ستسلمها موسكو إلى دمشق (إ.ب.أ)

أعلنت موسكو عزمها فرض خطوات «رادعة» لوقف نشاط الطيران الإسرائيلي فوق الأجواء السورية، رداً على حادثة إسقاط طائرة التجسس الروسية «إيليوشين20» قبل أسبوع. ولفتت أوساط روسية إلى أن القرارات الروسية غير المسبوقة تعكس؛ فضلاً عن «معاقبة» تل أبيب، توجهاً روسياً لتقليص إمكانات شن هجمات جوية من جانب «أطراف أخرى» على الأراضي السورية.
ولم يطل انتظار التدابير التي بدا جزء منها متوقعاً بعد إعلان وزارة الدفاع الروسية أول من أمس، تفاصيل الظروف التي أسفرت عن إسقاط الطائرة الروسية وحمّلت فيه تل أبيب المسؤولية كاملة بسبب «الخداع والتضليل» في معطيات الجيش الإسرائيلي التي قدمت إلى موسكو؛ إذ جاءت القرارات التي أعلنها وزير الدفاع سيرغي شويغو، أمس، لتؤكد أن مطبخ صنع القرار السياسي والعسكري الروسي كان «جهز منذ وقت طويل لاتخاذ تدابير، وحادثة الطائرة شكلت السبب المباشر لتسريع إعلانها»، بحسب قول مصدر برلماني روسي لـ«الشرق الأوسط».
وكان شويغو أعلن شروع موسكو في تنفيذ 3 خطوات وصفت بأنها تهدف إلى تعزيز القدرات الأمنية في سوريا وحماية المنشآت الروسية ومنع أي هجوم عسكري خارجي محتمل من جهة البحر المتوسط.
وقال الوزير الروسي إن المؤسسة العسكرية تلقت أوامر من الرئيس فلاديمير بوتين بصفته القائد الأعلى للجيش، بإطلاق تقنيات التشويش الكهرومغناطيسي في مناطق البحر المتوسط المحاذية لسواحل سوريا، موضحا أن الإجراء يهدف إلى منع عمل رادارات واتصالات الأقمار الاصطناعية والطائرات أثناء أي هجوم مستقبلي على سوريا. كما أعلن عن قرار موسكو تزويد الجيش السوري بمنظومات «إس300» الصاروخية للدفاع الجوي، وتجهيز المراكز القيادية لقوات الدفاع الجوي السورية بنظام للتحكم والمراقبة معمول به لدى الجيش الروسي. وأكد شويغو أن هذه الخطوات اتخذت بإيعاز من بوتين، معبرا عن أمله في أن «تبرد هذه الخطوات الرؤوس الحامية وتدفعها إلى الامتناع عن خطوات متهورة تُعرّض عسكريينا للخطر، وإلا فإننا سنضطر للرد انطلاقا من مقتضيات الوضع الراهن».
ولفت وزير الدفاع الروسي إلى أن روسيا كانت قد تخلت منذ 5 سنوات عن تسليم منظومة «إس300» الصاروخية لسوريا بطلب من إسرائيل. وأوضح أنه «منذ عام 2013 تم تعليق تسليم منظومة (إس300) التي كانت جاهزة لإرسالها إلى سوريا، وخضع الخبراء السوريون آنذاك لفترة التدريب الخاص. والوضع تغير اليوم. وهذا ليس ذنبنا؛ بل ذنب الإسرائيليين». وأشار شويغو إلى أن تسليم الصواريخ إلى الجيش السوري سيتم «خلال أسبوعين».
وسارع الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف إلى تأكيد أن قرار تسليم منظومات الدفاع الجوي الصاروخية «إس300» لسوريا «ليس موجها ضد بلدان أخرى» وأن الهدف منه هو حماية العسكريين الروس في سوريا، في مسعى بدا أنه يهدف إلى المحافظة على خط الاتصال مفتوحاً مع الإسرائيليين رغم الإجراءات الجديدة.
وقال الناطق الرئاسي: «هنا يجب أن يكون واضحا للجميع، ضرورة الإجراءات الروسية لتعزيز الأمن لعسكرييها. لذا فإن روسيا في هذه الحالة تنطلق فقط من هذه المصالح. هذه التدابير ليست موجهة ضد دول ثالثة، إنها تهدف لحماية عسكريينا».
في الوقت ذاته، شدد الكرملين على أن حادثة إسقاط طائرة «إيليوشين20» الروسية في سوريا الأسبوع الماضي «ستتمخض عنها تداعيات سلبية على التعاون بين روسيا وإسرائيل، خصوصا في المجال العسكري». وقال بيسكوف إن التصرفات المتعمدة للطيارين الإسرائيليين التي أسفرت، حسب معطيات الخبراء العسكريين الروس، عن إسقاط الطائرة، «تضر من دون أدنى شك بالعلاقات بين موسكو وتل أبيب، وتجبر الحكومة الروسية على اتخاذ إجراءات إضافية فعالة لضمان أمن عسكرييها في سوريا»، مذكرا بأن إسرائيل «كانت أول دولة بدأ العسكريون الروس التنسيق معها في عملياتهم القتالية بسوريا، حسب الاتفاق المبرم بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو»، مؤكدا أن هذا التنسيق سبق أن آتى ثماره حتى لحظة إسقاط «ايليوشين20».
وكان لافتا تعمد الكرملين إعلان أن بوتين أجرى اتصالا هاتفيا مع الرئيس بشار الأسد أبلغه خلاله بالخطوات الروسية الجديدة، وحمّل بوتين، وفقا للبيان، إسرائيل مسؤولية إسقاط الطائرة، وأبلغ الأسد بأن روسيا ستطور منظومات الدفاع الجوي السورية، وستسلمها منظومة «إس300» الحديثة.
وفي مؤشر واضح على أن القرارات الروسية عكست رداً مباشراً على التصرفات الإسرائيلية لكنها أيضاً أبرزت توجهاً روسياً تم الإعداد له منذ وقت، قال يوري شفيتكن، نائب رئيس لجنة الدفاع بمجلس الدوما، إنه «يجب على الطائرات الأجنبية العسكرية التي تعبر الحدود السورية بنيات غير واضحة، ألا تشعر بقدرتها على الإفلات من العقاب، يجب أن تدرك من الآن فصاعدا أنه يمكن ضربها في أي لحظة، وأنها ستكون عرضة للهجوم إذا كان هناك تهديد لجيشنا. سيكون هذا أحد العوامل الرادعة للنشاط الإجرامي من جانب الدول التي تشن هجمات على سوريا أو تخطط للقيام بذلك».
رغم ذلك، فإن مساعد وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، قال إن تزويد روسيا الجيش السوري بمنظومة «إس300» لن يفسد العلاقات بين روسيا وإسرائيل،
ونقلت صحيفة «كوميرسانت» عن مصدر إسرائيلي مقرب من الدوائر العسكرية أنه «لم يعد مهماً من على حق ومن مذنب. الأهم من ذلك، لهجة وزارة الدفاع، وتداعيات الإجراءات التي ستتخذها روسيا في سوريا».
بينما حذر مصدر عسكري روسي تحدث إلى الصحيفة من أن «موسكو جادة في إجراءاتها، ولتلافي حدوث أي أمر طارئ فسيقوم الخبراء العسكريون الروس بالإشراف مباشرة على عمل الدفاعات الجوية التي ستسلم إلى سوريا».
اللافت أن القرارات الروسية الجديدة تزامنت مع تسريب معطيات عن توجه روسي لتعزيز التعاون مع طهران في سوريا، لجهة غض النظر عن «تعزيز الوجود العسكري الإيراني في بعض المناطق»، بحسب مصدر عسكري روسي تحدث أمس إلى صحيفة «نيزافيسيمايا غازيتا». ونقلت الصحيفة أن «إيران ستعمل بشكل أكثر حزماً للدفاع عن مصالحها، خصوصاً بعد التفجير الذي استهدف أخيراً عرضاً لـ(الحرس الثوري) في الأحواز». ووفقا لمعطيات الصحيفة، فإن طهران تنوي إرسال منصات صاروخية جديدة إلى سوريا هدفها «مساعدة الروس في مواجهة الطلعات الإسرائيلية فوق الأراضي السورية وأراضي لبنان».
ونقلت عن مصدر عسكري إيراني قوله إن إسرائيل استهدفت أخيرا قرب مطار دمشق طائرة شحن إيرانية كانت تنقل معدات وتقنيات مهمة، و«حتى لو استهدفوا 15 طائرة مماثلة فلن يردعنا ذلك عن تعزيز هذه القدرات».
وبالإضافة إلى احتمال تعزيز التعاون الروسي - الإيراني في سوريا، نقلت الصحيفة عن مصادرها أن موسكو طلبت من طهران أخيرا منحها تسهيلات لاستخدام قاعدة جوية تقع شمال غربي البلاد، لتكون محطة أساسية في تنقلات الطيران الروسي إلى سوريا. ولفتت إلى أن الطلب الروسي ينص على درس آلية دائمة لاستخدام القاعدة وأن يوجد فيها بشكل دائم عدد من المقاتلات وطائرات شحن عسكري من طراز «إيليوشين78». وأفادت بأن الطيران الروسي استخدم القاعدة الإيرانية عدة مرات خلال الفترة الأخيرة بشكل مؤقت، وكان أحدثها في أبريل (نيسان) الماضي عندما حطت فيها قاذفات استراتيجية بعيدة المدى.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.